الخميس، 31 يوليو 2014

جويل بارلو والمعاهدة مع طرابلس ..ترجمة : د. عقيل البربار

جويل بارلو
كان مليئاً بأخبار ذلك اليوم: السفينة ديانا (Diana) تتأهب للسفر إلى ميناء ليفربول، والتّاجر المحلي جان سافاجJohn Savage يعلن عن نبيذ فرنسي عالي الجودة، ثم عن اللّوز والخل بهدف البيع. إدوارد فوكس Edward Fox كان شغوفاً بأن يعلن في مزاد علني عن خدمات خادم بعقد رسمي وفق عقد استخدام، وصف الخادم بأنه "طباخ محتمل وطيب" لا تزال لديه تسع سنوات في تعاقده.

جرائد فترة ما بعد حرب الثورة (الأمريكية) طبعت ونشرت قوانين الكونجرس، وبلاغات ووثائق حكومية أخرى، ومن بين البرقيات من واشنطن ذلك اليوم كانت أن مجلس الشيوخ والرئيس جان آدمز وافقوا على معاهدة سلام وصداقة مع دولة شمال أفريقية، طرابلس.. الصحيفة نشرت المعاهدة المتكونة من (12) مادة كاملة.

معظم المواد الإثني عشر تعاملت مع أمور وقضايا تجارية وإجراءات تخص التجارة البحرية، لكن هنالك فقرة مدونة بين المواني والحمولة والرسوم، فقرة وقفت بارزة، المادة (11) ؛ تقرأ هذه المادة على النحو التالي: "حيث أن حكومة الولايات المتحدة لم تقم في أي معنى على الديانة المسيحية، وحيث أنها لا تحمل أي مظهر من مظاهر العداء ضدّ قوانين أو دين أو سلامة المسلمين- وحيث أن الولايات المتحدة المذكورة لم تدخل في أي حرب أو عمل عدواني ضد أمة محمدية (كذا) ، تعلن الأطراف (المعنية) بأن لا عذر أو حجة من أفكار وأراء دينية يمكن أن تبرز سوف تنتج أبداً انقطاعاً للتوافق بين البلدين".
وافق مجلس الشيوخ على المعاهدة مع طرابلس بالإجماع في 10يونيو /1797م، سوف يختفي ويندثر الحديث عن هذه المعاهدة مثل معظم تلك المعاهدات المبكرة لولا هذا البند أو المادة رقم(11).. شكراً لهذه المادة، فإن المعاهدة لا تزال مركز اهتمام لخلاف دام أكثر من قرنين من الزمن.

برزت هذه المعاهدة بوضوح في النقاش المستمر حول فيما إذا كانت الولايات المتحدة قد نوت وسعت لأن تكون بشكل رسمي " أمة مسيحية"، القائلون بفصل الدولة عن الكنيسة يشيرون إلى المادة رقم (11) كدليل بأن الموظفين العاملين.

في الولايات المتحدة الأمريكية -قليلة الخبرة- كانوا واعين جداً بالصفة غير الدينية للحكومة، ولم يكونوا خائفين للإفصاح عنها في العموم.. مناصرو اليمين الديني عملوا للتقليل من قيمة ورمزية المعاهدة ويوحون بأن المادة(11) مثلّث آراء رجل واحد فقط.

الرّجل المشار إليه هو جويل بارلوJoel Barlow من ولاية كيناتيكت (Connecticut).. كان جويل هذا دبلوماسياً معارضاً لديه طموحات بأن يكون شاعراً ملحمياً بطولياً، بارلو عمل عميلاً دبلوماسياً للولايات المتحدة لدى الدول البربرية، مسئولا ومكلفاً بعقد اتفاقات مع أقطار ثلاث هي الجزائر وتونس وطرابلس، أمضى بارلو سنتين في شمال إفريقيا محاولاً عقد اتفاقيات ومحاولاً المحافظة على الولايات المتحدة في أن تدخل في حرب مع الدول البربرية، وقد كان من بين واجباته المحادثات الخاصة بالمعاهدة مع طرابلس.

تم نسيان الصدام بين الولايات المتحدة والدول البربرية في الغالب الآن، لكن في القرن التاسع عشر كان الصدام هو جوهر الموضوع، موضوع العلاقات الأمريكية الخارجية.
يعد بارلو اليوم شخصاً غير معروف، لكنه كان شخصاً محورياً مركزياً في الأمر كله آنذاك، لقد كان بارلو في زمانه مفكراً سياسياً وزعيماً وكاتباً ودبلوماسياً وشاعراً.

وبالنظر إلى العلاقة بين الدّين والحكومة في وسط النقاش، إنه وقت ممتاز وملائم للعودة إلى الوراء لاختبار ولقياس أهمية المعاهدة مع طرابلس، كيف دخلت لغة " ضد الأمة المحمدية" في الوثيقة (المعاهدة)؟هل كان الأمر مهماً وذا مغزى؟ لماذا بعد أكثر من قرنين من الحقيقة (الواقعة) يجب أن يهتم أي واحد عن ما الذي قالته معاهدة عتيقة بالية يوماً ما ؟ معلومات عن العلاقات بين الولايات المتحدة والدول البربرية خلال الفترة، فترة ما بعد حرب الثورة (الأمريكية) مهمة لوضع الأمور في نصابها، الدول البربرية كانت في الأساس أمماً "خارج" القانون كسبت مالاً عبر القرصنة أو الانتزاع في أعالي البحار، اعتادت القوى البحرية الأوروبية العظيمة، خاصة بريطانيا وفرنسا، أن تدفع مبالغ سنوية، إتاوة، إلى الأمم البربرية للمحافظة على أساطيلها التجارية سليمة.

الولايات المتحدة برزت من الثورة في منزلة غير ثابتة على المسرح الدولي، الأمر الذي جعل سفن القطر ضحية سهلة للقراصنة البربر، ومع أن الأمة الأمريكية الجديدة كانت تتوق إلى تكوين وإقامة تجارة خارجية، فإن عدم وجود أسطول قوي جعل الإبحار التجاري سهل العطب.

بريطانيا، التي كانت لا تزال تتألم من فقدانها مستعمرتها السابقة كانت مصممة لسحق تجارة الولايات المتحدة عبر البحار.. عندما بدأت سفن أمريكية في الظهور في المتوسط، شجع المسئولون البريطانيون وحفزوا القراصنة البربر على افتراس السفن الأمريكية، وأعلنت الجزائر الحرب رسمياً على الولايات المتحدة في 1785، وخلال بضع سنوات أضحى 300 من المواطنين الأمريكان، غالبهم بحاره، رهن الاعتقال في شمال أفريقيا.

وبينما نادى وزير الخارجية في رئاسة جورج واشنطن، توماس جيفرسون باستخدام القوة العسكرية ضد الدول البربرية فإن جيفرسون اعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تشكل قوة بحرية، متعددة القوميات، من أمم لها قوة بحرية محدودة مثل البرتغال وأسبانيا والسويد وإيطاليا، وأن تهاجم تلك القوة الأمم البربرية.. في يوليو 1786 عندما استولت الجزائر على سفينة روسية صار جيفرسون يأمل أن كاترين العظيمة سوف تنظم بأسطولها إلى التحالف.

لكن الوضع السياسي الدولي في تلك الفترة أوقف التحالف.. أمم قوية مثل بريطانيا وفرنسا اللتان استفادتا من القرصنة البربرية سوف لن تتركا التحالف. الأحاسيس في الكونجرس كانت تميل إلى صالح دفع إتاوة سنوية للدول البربرية، لذا في ربيع 1785 أرسل أول ممثل أمريكي إلى شمال إفريقيا، جان لامب John Lamb وهو تاجر بغال سابق، انقضت سنة كاملة قبل أن يحل السيد جان لامب في الجزائر، وسرعان ما ثبت أنه غير كفؤ.

استدعى جان لامب بسرعة، ورشح جيفرسون شخصين للمهمة هما بول جانJohn Paul وتوماس باركلاسThomas Barclay لكنهما توفيا قبل أن يستطيعا الذهاب إلى مهمتهما، من هنا طلب جيفرسون والذي كان غاضباً وساخطاً، في 1793 من السيد ديفيد همفرىDavid Humphreys، سفير الولايات المتحدة إلى البرتغال بالذهاب إلى الجزائر.

وصل همفرى شمال أفريقيا في خريف 1793 لكن جيفرسون كان قد استقال بحلول هذا الوقت، كانت الولايات المتحدة مشغولة بمشاكل على طول حدودها، وعداوات متزايدة مع فرنسا في أعالي البحار، فشل همفرى كذلك لعدم وجود دعم له من بلاده، ومن ثم استدعى في 1795.. وهنا طلبت واشنطن من جويل بارلو المحاولة ثانية.

كانت واشنطن في هذا الوقت جادة على ما يبدو حول الوصول إلى تسوية مع الدول البربرية، وكان بارلو مخولاً بأن يَعِد الجزائر بـ 800.000 دولار، وهو مبلغ مذهل وصاعق في ذلك الوقت، ثم مبلغاً إضافياً من 20.000 دولار كل عام.

وبينما كان في الجزائر اعتقل ريتشارد اوبراينRichard O'Brien ، وهو واحد من أوائل رجال البحر، من قبل القراصنة البربر، سعى بارلو إلى كسب الموقف وتوسط لإرسال أوبراين إلى أوروبا لاستلاف المال الذي سيدفع كإتاوة، لكن وبينما كان في طريقه إلى هناك اعتقل قراصنة من طرابلس سفينة أوبراين، الأخير، وبتوجيه من بارلو، استخدم الوقت للتفاوض والتباحث حول الاتفاقية المشهورة مع طرابلس، ثم أحالها إلى بارلو من أجل إعادة الصياغة والموافقة.

في 4 نوفمبر 1796 اختتم بارلو التباحث حول المعاهدة مع طرابلس، أي مع يوسف باشا القرمانلي، باي طرابلس.. أحيلت المعاهدة إلى الولايات المتحدة التي شهدت تبدلاً إدارياً مع زمن وصول المعاهدة. أحال الرئيس جان آدمز John Adams المعاهدة إلى مجلس الشيوخ للإقرار.

في رسالة مختصرة مؤرخة في 26/5/1797 كتب الرئيس جان آدمز إلى المجلس: أضع أمامكم لاهتمامكم ونصحكم معاهدة سلام دائمة وصداقة بين الولايات المتحدة الأمريكية ورعايا طرابلس البربرية اختتمت في طرابلس يوم 4/11/1796.

لسوء الحظ ليس هناك تسجيل للمحادثات التي قادت إلى المعاهدة . من غير المعروف كيف أن البند رقم (11) وجد طريقه إلى المعاهدة . معاهدات أخرى أجريت مع الجزائر وتونس لا تحوى بنداً أو بنوداً مماثلة هذا الأمر قاد إلى التأمل والتخمين بأن البند ربما يكون وضع بناء على إصرار المسئولين في طرابلس الذين أرادوا بعض التأكيد بأن الولايات المتحدة سوف لن تستعمل الدين حجّة لعداوات مستقبلية.

الأقاليم المسلمة الشمال إفريقية لديها سبب جيد في أن تكون مهتمة بهذا الأمر، أخذاً في الحسبان الصراع لقرون عديدة بين الإسلام والمسيحية، اغتاظ القادة المسلمون من معاملتهم على أيدي الأقطار المسيحية الأوروبية. ربما نظر قادة طرابلس إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أنها مجرد امتداد لبريطانيا "المسيحية" وتوقعوا توترات مماثلة حول الدّين.

كان الإسلام معتبراً ومعداً لدى معظم الأمريكيين _بدون أدنى ريب_ دين غريب ودخيل في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أن جيفرسون احتفل في الواقع بمشروع قانونه " مشروع قانون فرجينيا للحرية الدينية" الذي وُسّع ليشمل بحمايته (قانونا) إلى " اليهود وغير اليهود المسيحيين والمحمديين (المسلمين) والهند والكافر من كل طائفة" ، فإن حقيقة الحال أن المسلمين كانوا قلة في أمريكا القرن 18 -إذا كان هناك منهم أحد أصلاً- ومعظم الأمريكيين استمروا في النظر إلى الإسلام كعقيدة غربية وحتى شريرة .

من جانبهم، كان مسلمو شمال أفريقيا يحملون القليل من الحب للمسيحية.. استولى القراصنة البربر في 1784 على مركب شراعي ذي صاريتين (أو أكثر) أمريكي باسم Maria وأخذوا الطاقم والمسافرين إلى الجزائر، حيث تم الطّواف بهم في الشوارع وسخروا منهم بأنهم " كفرة" قبل أن يسجنوا.. في 1793 استولى قراصنة جزائريون على سفينة شحن باسم Polly حيث نهبوا محتوياتها وسجنوا طاقمها المكون من (12) رجلا، قبطان السفينة الجزائري أبلغ الأمريكيين بأنه يمكنهم توقع معاملة قاسية بسبب: " تاريخكم ومعتقداتكم الخرافية في رجل كان صلب من قبل اليهود وتجاهلكم المعتقد الحقيقي لأعظم وخاتم النبّيين محمد".

أحداث مثل هذه تؤكد التّوتر الديني بين الولايات المتحدة والإقليم البربري، لكن لا تبرهن على أن البند (11) كان محاولة لتلطيف أو تهدئة تلك الضغوطات.

الواقع أنه لا أحد متأكد كيف أن البند (11) وجد طريقه إلى الاتفاقية مع طرابلس، إنه سؤال مثير _ لماذا وضع هذا البند في الاتفاقية؟_ يقول روبرت ج آليسونRobert J.Allison أستاذ تاريخ في جامعة Subbolis University الذي ألف كتاباً في 1995 بعنوان : الهلال المحجب : الولايات المتحدة والعالم الإسلامي 1776 -1815 (الولايات المتحدة والعالم الإسلامي)، لم تُظهر بحوث آليسون أية مفاتيح حاسمة، لكنه يضيف: " لا أعتقد أنه يمكنك أن تعزو الاتفاقية إلى أي كاتب بعينه، هناك مصالح متعددة تلعب في الساحة، هل جاء الأمر من بارلو أو طرابلس سيبقى هذا غير معروف"، ومع ذلك فإن بارلو يبدو مرشحاً للأمر، فبالرغم من أنه عمل قسيساً عسكرياً ممثلاً للكنيسة المستقلة Congregational خلال الحرب الثورية (الأمريكية) فإن بارلو في نهاية عمره انزاح إلى معسكر الربوبي (القائل بمذهب الربوبية) (Deist) الذي تزعمه صديقه جيفرسون. ومثل جيفرسون فإن بارلو كان منادياً قوياً للفصل بين الكنيسة والدولة، كذلك مثل جيفرسون فإن بارلو كثيراً ما كان متهماً بكونه ملحداً من قبل خصومه السّياسيين.

بالإضافة إلى كتابته لقصيدة شعر (عمل لمدة ثلاثين عاماً على شعره) فإن بارلو كتب مقالات حول الفلسفة السياسية في خريف 1791 ، وبينما كان يعيش في بريطانيا كتب بارلو كتاباً يحمل عنواناً: نصيحة إلى " الطرق والمذاهب" المحظوظة في الدول العديدة الأوروبية ناتجة من الحاجة والضرورة الملائمة لمفاهيم ثورة عامة في مبدأ الحكومة : "Advice to the privileged orders in the several states at Europe resulting from the necessity and propriety of a general revolution in the principle of government " .

الفصل الثاني من العمل يهاجم الكنائس القائمة، كاتب قصة حياة بارلو المدعو جيمس وودريس James Woo dress يلاحظ في كتابه : بأن في كتاب " نصيحة إلى الطرق والمذاهب المحظوظة..." بيّن بارلو فرقاً واضحاً بين كنيسة الدولة كحليف لحكومة استبدادية ودين بسيط.. يجادل بارلو بأن عرس أو زفاف الكنيسة والدولة هو شر عظيم ويشير إلى الحسنات التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية بدون كنيسة دولة. وكنتيجة لذلك فإنه " ليس هناك قطر فيه الناس أكثر تديناً " حسب ملاحظته ورأيه.
دليل آخر يؤكد بأن بارلو كان مصدر البند رقم (11). المؤرخ مورتونبوردونMorton Borden يلاحظ في كتابه: يهود وأتراك وكفار بأن موردخاى م .نوح: Mordecai .M.Nooh قنصل الولايات المتحدة الأمريكية في تونس زمن الرئيس جيمس ماديسون James Madison، يعتقد بأن بارلو مسئول على المادة أو البند رقم (11). ورغم أن نوح كان يهودياً ، فإنه كتب في 1850 بأنه شخصياً يعارض البند رقم (11) قائلاً: " لقد حفر (البند) تحيزات بارلو الشخصية على تعاقد مقّدس ومهيب عمل مع أمة أجنبية ".
الجانب الآخر للتخويل للبند (11) هو أوبراينO'Brien . كان أوبراين هذا سجيناً في الجزائر من 1785 إلى 1795 ، وهي فترة عمل فيها بمثابة سفير الولايات المتحدة غير الرسمي في شمال إفريقيا.. تجربة وخبرة أوبراين تركته في وضع شك في الرأي، المدفوع به من قبل البعض، بأن في النهاية كل أوروبا سوف تتحد مع الولايات المتحدة ضد الدول البربرية الإسلامية على قاعدة تراث مسيحي مشترك وعام.. أوبراين صار أكثر تشاؤماً خلال سجنه، مدركاً أن الدول البربرية عبارة عن مجرد رهائن متلاعب بها من القوى العظيمة الأوروبية.
في النهاية، كيف أدخل البند رقم (11) ووجد طريقه إلى الاتفاقية أقل أهمية من ردة الفعل التي حدثت تجاه إدخاله الوثيقة في الولايات المتحدة.. ومثل ما يلاحظ بوردون (Bordon) " ما هو مهم حول اتفاقية طرابلس هو..... قبولها الجاهز من قبل الحكومة، لم ترفع كلمة احتجاج واحدة ضد البند (11) في 1797.... مهما كانت مشاعرهم الشخصية في شأن سؤال وموضع المساواة الدينية لغير المسيحيين في دول محدّدة، الجميع اتفق في الرأي بأن البند (11) ينسجم مع مبادئ الدستور".
في مجلس الشيوخ لم تسبّب الاتفاقية غير موجة صغيرة، فطبقاً لمجلة المداولات التنفيذية لمجلس الشيوخ الأمريكي : Journal of the Executive proceedings of the united states of America.
قرئت الاتفاقية بصوتٍ عالٍ في قاعة المجلس، وعملت نسخ منها للأعضاء، لم تسجّل مناقشة أو جدل حول الوثيقة، وكان التّصويت عليها بالإجماع.

في سنوات مضت قال بعض دعاة " الأمة المسيحية" وجادلوا بأن البند (11) لم يظهر في الاتفاقية مطلقاً.. اعتمد هؤلاء في إدعائهم على بحث قام به باحث هولندي يدعى: دكتور س سنوك هيرقرونجى C.Snouk Hurgronje، ونشر في مجلة "رجل الدولة المسيحي" Christian Statesmon في عام1930، هيرقرونجي عاين النسخة الغربية الوحيدة الموجودة من الاتفاقية، ووجد عند الترجمة أن البند (11) كان في الواقع رسالة في الأغلب كلام غامض، من داي الجزائر إلى حاكم طرابلس.

لكن اكتشاف هيرقرونجي غير ذي علاقة.. لم يعد هناك شك في أن النسخة الانجليزية في الاتفاقية المحالة إلى الولايات المتحدة احتوت بالفعل لغة " أمة غير مسيحية ".

البند رقم (11) ظهر سليماً لم يمس بأذى في صحف اليوم مثلما في مجلدات الاتفاقيات ومداولات الكونجرس التي طبعت ونشرت فيما بعد، بما في ذلك قوانين الدورة للكونجرس الخامس (Session Laws of the Fifth congress) المنشورة في العام 1797م، وفي مجلد سنة 1799م المعنون: قوانين الولايات المتحدة الأمريكية " The Laws at the united states" .

في عام 1832م ظهر البند (11) في الاتفاقية عندما أعيدت طباعتها في: الوثائق، تشريعية وتنفيذية الخاصة بالكونجرس الولايات المتحدة الأمريكية 1789-1815، المجلد رقم (2) وهو مجلد يمكن أن يفحص اليوم في غرفة المطالعة الرئيسية في مكتبة الكونجرس:
Documents Legislative and executive at the congress of the united states 1789-1815 vol II.

إضافة إلى ذلك، ففي عمل هنتز ميلر الحاسم (1931) عن اتفاقيات من هذه الفترة : معاهدات وتصرفات دولية أخرى للولايات المتحدة الأمريكية: Treaties and other international acts of the united states of America .

يقول: " إن ترجمة بارلو هي تلك التي أحيلت إلى مجلس الشيوخ ... إنها النسخة الإنجليزية التي تعتبر في الولايات المتحدة دائماً نسخة المعاهدة ". من الواضح أن النسخة الإنجليزية من الاتفاقية، التي أقرها الكونجرس احتوت البند (11) كما سحب هذا البند من النسخة العربية للمعاهدة، ومن فعل ذلك ومتى ظل لغزاً آخر.

البند رقم (11) أخد حياة من ذاته . فبعد سنوات من إقرار المعاهدة بدأت تظهر الإشارات في خطب ومقالات وأحكام قضائية، بوردن (Bordon) يلاحظ بأن " البند رقم (11) ذكر مئات المرات في حالات قضائية كثيرة وفي المناقشات والجدل السياسي كلما ظهر موضوع العلاقات بين الكنيسة والدولة ...... اليهود أشاروا من حين إلى آخر إلى البند رقم (11) أثناء مناقشات موضوع نوقش كثيراً: هل الولايات المتحدة أمة مسيحية أم لا ؟
يذكر بوردون (Bordon) كذلك بأن دبلوماسياً أمريكياً باسم أوسكارس ستروس Oscar . s.Strous ترجم في عام 1899 البند رقم (11) إلى اللغة التركية وأحضره إلى السلطان، سلطان الإمبراطورية العثمانية في محاولة لانقاد حياة أمريكيين في الفليبين، صار الفلبينيون تحت السيطرة الأمريكية وكان على ستروس إيجاد طريق يقنع بها السلطان بأن الولايات المتحدة ليست معادية للإسلام حتى يضغط السلطان على المسلمين السّنة في الفليبين بقبول الحكم الأمريكي.

كتب ستروس في مذكراته المعنونة " تحت أربع إدارات " Under Four Administrations يقول : "جئت ومعي ترجمة من الإنجليزية إلى التركية للبند رقم (11) من اتفاقية مبكرة بين الولايات المتحدة وطرابلس، أشرف على محادثاتها جول بارلوJoel Barlow في 1796 ... عندما قرأ السلطان البند أشرق وجهه، سوف يمنحه الفرح والسرور - قال السلطان _ التصرف وفق وطبقاً لاقتراحاتي لسببين: من أجل الإنسانية ولكي يكون معاوناً للولايات المتحدة الأمريكية ".

تعد الاتفاقية مع طرابلس اليوم غامضة رغم أنها تبقى في أحيان عدة الموضوع الأكثر حدة في النقاش والجدل بين مقترحي " أمة مسيحية" وبين المنادين بالفصل بين الدولة والكنيسة.. في أحيان كثيرة اقتبست الاتفاقية خارج سياق الكلام من قبل دعاة فصل متحمسين بين الدولة والكنيسة.. في عام 1955 نسبت مجموعة ملحدة كلمات الاتفاقية إلى جورج واشنطن.

للأسف فشلت الاتفاقية في تحقيق هدفها المذكور في تحقيق السلام والصداقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وطرابلس.. حيث بدأ حاكم طرابلس في 1800م ، وهو غاضب بسبب تأخر أموال الإتاوة من جديد، يلاحق السفن الأمريكية.. جيفرسون الذي صار رئيساً للولايات المتحدة الآن، رفع من قدرة الأسطول الأمريكي وأرسل سفناً لحصار طرابلس.. في العام 1803 وقعت كارثة عندما لمست السفينة فيلادلفيا The ussPhiladephia أرض الشاطئ وتم اعتقال طاقمهاالمكون من 300 رجلا، جيفرسون دعا إلى الحرب .

في العام 1804 قصفت سفن أمريكية بقيادة ستيفان ديكاتورStephen Decatur ومن تم رفعت من فاعلية الحصار. في السنة التّالية التمست طرابلس وتوسلت السلام.. هنا دخل توبياس لير Tobias Lear وهو دبلوماسي في محادثات من أجل عقد اتفاقية سلام.. لم تشمل الوثيقة الجديدة بالتمام لغة " ضد أمة مسيحية"، لغة اتفاقية بارلو، رغم أنها حوت بنداً يقول بأن الولايات المتحدة ليس لها كنيسة (رسمية) وافقت الولايات المتحدة الأمريكية أن تدفع لطرابلس 60.000$ وأطلق سراح بحارة السفينة فيلادلفيا جميعهم.. وماذا عن جويل بارلو الشّاعر الذي انقلب دبلوماسياً والذي أشعل 200 سنة من الجدل ؟ لقد أُرسل إلى فرنسا من قبل الرئيس جيفرسون ليمثل مصالح الولايات المتحدة، لكنه قوبل بمصير سيء كان أعداء نابليون يعيدون رسم خريطة أوروبا وكانت القارة في فوضى.. في العام 1812 دعي بارلو للسفر إلى فيلنا (Vilna) لوتوانيا لتوقيع معاهدة مهمة مع إمبراطور فرنسا، كان جيش نابليون قد خطط لأن يقضي الشتاء في Vilna لكن الروس طاردوا جنوده حتى أجبروهم على الهروب، وحيث أن الطرفين اتجها إلى Vilna، كان على بارلو واللاجئين الآخرين الهروب كذلك.

أصيب بارلو بداء في الرئة بينما كان تائهاً في عربة يجرها الخيل في جنوب بولندا.. في 21/12/1812 وصل بارلو قرية زار نووش Zarnowiec حيث أعلن أنه مريض ولا يستطيع السفر أبعد من هذا .. بقى لعدة أيام في بيت عميد القرية لكنه مات في منتصف النهار من يوم 26/12/1812 ، ودفن في فناء كنيسة محلية .. كان عمره 58 سنة.

حاولت زوجة بارلو المسماة روث Ruth أن تجلب بقايا جثة زوجها إلى أمريكا، لكن سقوط نابليون أشعل فوضى عارمة في أوروبا فصارت خطتها غير عملية وغير واقعية، في 1830 اقترح عضو مجلس الشيوخ عن ولاية الينوى مشروع قانون لبناء نصب للسيد بارلو في زارنووس (Zarnowiec) لكن المشروع لم يحصل على موافقة اللجنة، ولم يخرج من ثم إلى حيز الوجود. لا تزال بولندا المكان الأخير لقبر بارلو.. قبره محدّد بصحيفة بسيطة من الرخام بكتابة لاتينية ترجمتها: جول بارلو وزير دبلوماسي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى إمبراطور فرنسا وملكة إيطاليا، مات هنا بينما كان مسافراً.

الجمعة، 25 يوليو 2014

جريدة الأسد الإسلامي ..موحمد ؤمادي

في مصر اصدر سليمان الباروني صحيفة .. والشيخ سليمان الباروني، زعيم، وأديب وصحفي. فهو شخصية فذة تعددت جوانبها وتلاقت مواهبها في ميدان الخدمة الوطنية، وعلى مسرح الحركة الفكرية. وقد قدمنا دراسة عن سليمان الباروني في كتابنا ـ لمحات أدبية عن ليبيا ـ وكتفينا هناك بالجانب الأدبي وإلقاء الأضواء على ديوانه. أي تعرضنا له كشاعر وأديب، وهنا نريد ان نعرف أو نتعرف عليه كصحافي.

اصدر في القاهرة جريدة (الأسد الإسلامي ). وكما هو مفهوم من اسم الجريدة، كانت تعنى بالقضية الإسلامية وفكرة الجامعة الإسلامية. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت بوادر الوعي العربي لم تأخذ شخصيتها الخاصة بعد، بل كانت هناك الفكرة الملتهبة في صدور الشباب المتوثب، والفكرة اللامعة في أدمغة المفكرين وعلى أقلام الكتاب، كانت فكرة أوسع نطاقا من القومية العربية أو الشخصية العربية ـ كانت آنذاك الدعوة إلى الجامعة الإسلامية فكرة ومبدأ، وعقيدة وسياسة، تأثر بها الأدب والبحث والدراسة التاريخية، ومن اجلها أثيرت قضايا وإثارات، وبدأت ملاحظات وإشارات.

وفكرة الجامعة الإسلامية في تلك الأحايين قد يكون ملهبها شيئين: العقيدة الدينية من ناحية، وحركة جمال الدين الأفغاني وتلاميذه من ناحية أخرى ؛ وهناك أيضا سبب آخر قد يكون أكثر امتدادا وهو وجود خلافة وأمير للمومنين. من اجل هذا قد تلمس فكرة الجامعة الإسلامية في كتابات أهل الصحافة في ذلك العهد، أمثال رشيد رضا وعلي الغاياتي وعبد العزيز جاويش، ومن ليبيا أمثال محمد البوصيري وعلى عياد وسليمان الباروني واحمد الفساطوي الخ…

وأكثر كتاب ذلك الجيل كانت دعوتهم في الصحف أو في المنتديات تدور حول الجامعة الإسلامية، وعلى هذا كانت جريدة (الأسد الإسلامي) تهتم كل الاهتمام بقضية الجامعة الإسلامية، فهي من صحف الفكرة والمبدأ، والعقيدة لا من طراز صحف الإخبار والأنباء.

وكان يكتبها سليمان الباروني ويحرر صفحاتها بإخلاص وحرارة. وإصدار جريدة، كان أمنية لدى هذا الكاتب الأديب طالما راودته السنين الطوال، ولم يستطع إصدارها في بلدة طرابلس وسمحت له الظروف بإصدارها في القاهرة مؤقتا. وكان عازما على نقلها إلى طرابلس الغرب، لو عاشت الجريدة وطال بها العمر .

كان صدورها في أوائل ابريل سنة 1908 إفرنجي، أي السنة التي صدر فيها الدستور العثماني، وبدئ في عهد الحريات بعد كبت طويل واستبداد مظلم وخنق للحريات. وكما رأينا في صفحات سابقة فقد نشط أدباء طرابلس وشبابها المتوثب في هذه الفترة، فكان صدور صحف الترقي والعصر الجديد والكشاف الرقيب وأبو قشة الخ…

كل هذا وغيره من النشاط الصحفي كان في تلك الفترة المتقاربة ؛ وتكاد ان تكون سنة 1908 إفرنجي الموعد المتفق عليه كأنهم مع موعد سابق، أعطيت لهم الإشارة فانطلقوا سراعا. كانت أمنيات وخواطر لدى كتاب طرابلس تجيش في الصدور، ثم غدت منقوشة في الطروس. وفي الوقت الذي صدرت فيه صحافة جديدة في طرابلس، صدرت الأسد الإسلامي بالقاهرة، ذات زمجرة وزئير، واتخذ سليمان الباروني لجريدته شعارا …الآية الكريمة “ وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا“.
الصفحتان الأولى والأخيرة من الجريدة
 وكتب على صدارتها ما يشير إلى نظامها وانتظامها (جريدة دينية سياسية أدبية أسبوعية). وجعل قيمة الاشتراك (50) قرشا في السنة داخل القطر المصري، والاشتراك في الخارج (60) قرشا.. أو قيمة خمسة عشرة فرنكا تدفع مقدما.

وكان صاحب الجريدة كريما متساهلا مع رجال الدين، ومن يمت إليهم، فقد أعلن في صدارتها :
“يرسل الأسد الإسلامي بنصف القيمة لمؤيدي الجوامع وتلامذة المدارس وطلبة العلم بالأزهر الشريف وغيره من المعاهد العلمية، وجامع الزيتونة بتونس“ وهي أسبوعية مؤقتة وكذلك صدورها في مصر مؤقت ؛ وكان بوة الصحفي النشيط ان يصدرها يومية وان يصدرها في بلاده فلم تسعفه الظروف على تحقيق هذا ولا ذاك.

وكانت إدارة الجريدة بالمطبعة التي أسسها وسهر عليها وعلق عليه آمالا كبارا في النهضة الفكرية. ولعل سليمان الباروني أول ليبي ينشئ مطبعة خارج بلده، أو لعله ليبي يكون مطبعة بمفرده.

فقد كانت في طرابلس مطبعة (الترقي). ولكن، كما سبق ان اشرنا هذا الكتاب، هي شركة مساهمة لا يمتلكها شخص واحد.

ومطبعة الباروني كان مقرها في (الحبانية) شارع محمد علي رقم (36)، هذا الشارع الصاخب الذي كان في أيام ازدهاره وليالي عزه يموج بأهل الفن والرقصات، و( العوالم) بجانب المكتبات والمنتديات الوقورة: الندان، والضدان، علماء وأدباء وحانات وليالي ملاح.
محمد علي :شارع صاحب وحي زاخر يموج بصنوف من الخلق، وفيه إدارات لمجلات وجرائد ومطابع عدة.

في ذلك الجو كان الصحفي الليبي يحرق أعصابه بين عجلات المطبعة الدائرة، وأوراقه وكتبه التي يشرف علي طبعها، في حركة متواصلة ونشاط لا يهدأ، وهمة لا تعرف التعب وعزيمة لا يتطرق إليها الملل.

وجريدته كانت ذات أربع صفحات فساح عراض … كل صفحة ملؤها خمسة انهر من الكلام المتدفق الرقراق، فهو كاتب مسترسل .. يندفع معبرا عن عقيدته ومن وراء العقيدة قلم، وأو قل من وراء القلم عقيدة وفكرة. وحرر جريدته بأسلوب سهل بعيد عن التكلف ونبرات السجع وأشواكه، سطر مقالاتها ببيان واضح ولم يلجأ إلى الزخرفة والهلهلة، فهو يكتب في ذلك موضحا طريقة في الكتابة الصحفية ومنهاج أسلوبه في الجريدة :
“ عزمنا على تحريره بكيفية سهلة المأخذ تناسب المقام، فلا علينا ان لم نتفنن في الأساليب البلاغة ولم نأت من الألفاظ اللغوية بما يعجز العالم فضلا عن الجاهل ويحتاج إلى مراجعة القاموس. وإلا كانت خدمتنا خاصة باستخدامنا قرائحنا، وتعليمنا أنفسنا أساليب التحرير، وكانت الفائدة المقصودة ضائعة وهي إرشاد العامة. نعم، فسنستعمل في ذلك طريقا يدرب المشتركين شيئا فشيئا على التدرج حتى يألفوا الأمر، والله الموفق “ .

ومن طريف ما يذكر أو من طريف ما يكتب، ان الشيخ سليمان الباروني عندما اصدر جريدته الأسد ونزل إلى ميدان الصحافة، احتج عليه بعض الأعيان والعلماء من الطراز القديم، واستغرب صنيعه هذا شخصيات من الجزائر وتونس وطرابلس .. كيف يصدر جريدة ؟ .. ويحترف صناعة (الجرانين) … ويمتهن مهنة الجرائد وهو شيخ الفاضل والعالم المحترم، الذي يتمتع بمكانة دينية، وهو صاحب الشخصية المحترمة في مذهبه المحافظ..

وعندما حمل إليه البريد هذه الاحتجاجات وعندما وصلته أيضا مشافهة، ضحك الشيخ سليمان الباروني من هذا الاحتجاج، ومن تلك النصائح الغالية، التي يحرضه فيها أصحابه على ان يترك الصحف والاشتغال بها لأنها في نظرهم شيء غير لائق .. والجرائد على حد نصحهم، واعتبارهم وتعبيرهم، الجرائد لا أهمية لها، وإنها وعاء ملئ سفاهة، ومعرض يتعرض لأخلاق الناس، وإنها مناط الغبية والنميمة، ومشغلة تلهي عن العبادة. ورسائل هؤلاء الأفاضل عديدة طويلة، ووصلت إليه من أنصاره وأصدقائه، لاسيما شيوخ الين وعلماء (الإباضية) وغيرهم ؛ واحتج هؤلاء بان الصحف (تحوي الكلام الفارغ الذي لا يغني، كباع فلان واشترى فلان أو قدم أو سافر وتزوج فلان) هذا زعم الناصحين الشيوخ ولكن سليمان الباروني كان رجلا تقدميا حر الفكر، جمع بين ثقافة القديم وثقافة الحديث، وسافرو ارتحل واشتغل بالسياسة والأدب، وشارك في الحروب والجهاد، فهو نموذج لشخصية متعددة الجوانب ؛ لهذا رد على هؤلاء الثائرين من اشتغاله بالصحافة. رد عليهم في رفق وأين وأناة، مدافعا عن الصحافة وموضحا رسالتها في تنوير الآراء وشحذ الأفكار الدفاع عن الأوطان وخدمة المجتمع، ومن ذلك قوله :
“ أما في مصر، التي يصدر فيها الأسد، وفي ما يشبهها من الأقطار، فللجرائد شان وخطة… ما استقام منها خطة. لها الفضل السامي في خدمة الهيئة الاجتماعية وليست من صنف ما عللوا. وعليه فيسير (الأسد بعون الله) على النهج القويم، وسيبين في الأعداد الآتية سبب ظهور الجرائد ونتيجتها وما لها من الأهمية، دين ودنيا، حتى يزول ما بخواطرهم من الوهم “ أهــ .
الصفحتان الداخليتان للجريدة
إيه والله، إنه من الوهم أو مر الوهم يا سيدي، ان يطن أولئك، عفا الله عنهم، ان الجرائد مشغلة فارغة، وان الصحافة وعاء مليء سفاهة … ولكن هؤلاء الناصحين المشفقين عندما تظهر عليهم جريدة الأسد الإسلامي حاملة على اللورد (كرومر )، ومفندة مزاعم الاستعمار، ومساهمة في نشر الفكر الإسلامي الحر المشرق المشرف، وعندما يلمس فيها القارئ روحا تنبض بالروح الإسلامية .. عند ذاك يدركون قيمة الجريدة، وان الصحافة وعاء مليء علما وأدبا، وفضلا، وهي مهنة لها رسالة سامية وكلمة طيبة عالية.
ومن طرائف المعارضات أو المعاريض لون آخر ؛ فعندما ادخل نور الكهرباء (إلى المدينة المنورة) كتب رجل رجعي في إحدى جرائد الجزائر محذرا من هذه البدعة.
وانبرى الصحفي التقدمي سليمان الباروني رادا على سخافة الكاتب الرجعي، وموضحا بأسلوب عصري خطر الرجعية على الأفكار، وشلها للتقدم والعمران. وعمات جريدة الأسد الإسلامي على التنديد بالرجعية العقيمة، ودعت إلى التحرر الفكري من الجمود المعرقل، ودعت إلى الأخذ بوسائل التمدن الحديث، ومقومات الحضارة العصرية، مع المحافظة على دعائم الشخصية الإسلامية والطابع الشرقي.
ومن ناحية السياسة كانت هذه الصحافة تؤيد الحزب الوطني ومبادئ الزعيم (مصطفى كامل) وخلفيته السياسي (محمد فريد ). ونرها تنشر خطاب (محمد فريد) الذي ألقاه في إحدى المناسبات السياسية وتعلق عليه. كما نشرت قصيدة طويلة من نظم رئيس التحرير رثى بها الزعيم (مصطفى كامل ). كما نشر قصائد سياسية أخرى جمعها فيما بعد في ديوانه المعروف.
وساح سليمان الباروني في سبعة أشهر زار فيها مرسيليا ومالطة وتونس والجزائر، وكان يود أم يسجل رحلته في صحيفة أو في كتاب خاص، كما سجل (احمد فارس الشدياق) رحلته إلى مالطة وأوروبا .
ووجد الباروني في رحلته مواضيع ومواد تصلح للنشر، وبدأها بالعدد الثاني، وكان يود ان يتابعها مسلسلة لولا تقف الجريدة.
وعمل الباروني في جريدة الباروني الصحفي الشاب (احمد الفساطوي) الذي كان، أوان ذلك، لا يزل طالبا بالأزهر، وكتب مقالا طويلا عريضا عميقا بعنوان (الإسلام وتقدم أهله … لم نتأخر لأجل الدين لا) وساقه فيه الأدلة على تقدم المسلمين في ظلال الذين وإشراق الفكر الإسلامي .. وأشاد بما أداه فلاسفة الإسلام من خدمات جليلة في تطور الإنسان وتقدم ركب الحضارة وازدهار المدينة .
وإعلانات جريدة (الأسد) التي نشرتها كانت تتصل بحركة الفكر والطبع والنشر، ولم ينشر الصحفي الباروني إعلانات تجارية ولا أخبار البضائع … بل كانت الإعلانات عما يشرف على طبعه هو، مثل ديوان (السيف النقاد) للحضرمي.
وكتاب (الأزهار الرياضية) الذي ألفه صاحب الجريدة وكتاب الأماني .. وفاء الضمانة بأداء الأمانة الخ…
ولعل مرجع هذا إلى ان فن الإعلان التجاري لم يكن متقدما في صحافة ذلك العهد، ولك ان تتصور الإعلانات وحالها منذ نصف قرن مضى.

وقد يرجع أيضا إلى اهتمام صاحب جريدة (الأسد) بالنشر والطبع، وخاصة انه صاحب مشروع فكري لمجموعة من الكتب التي يخرجها ويشرف عليها … وفي هذا المضمار أدت مطبعة (الباروني) خدمة جليلة وخاصة في تاريخ المذهب الاباضي، وفقه وأدب المذهب الإباضي، الذي له أثره في الشمال الإفريقي وعمان ومسقط الخ…

ورغم همة الباروني وحماسه الملتهب لعمله الصحفي، ورغم نجاح الجريدة من حيث إقبال وتشجيع معارفه وأصدقائه في سائر البلدان الإسلامية، مع الأسف، فإنها لم تعمر طويلا ولم تعش سوى ثلاثة أعداد فقط. وذلك لظروف أرغمته على إغلاقها، وليست الظروف السياسية القاسية أول مرة تعاكس (سليمان الباروني )، فقد أحرقت له الإدارة العثمانية كتابا، وصادرت له آخر.

جريدة الأسد وكرومر

كرومر، المعتمد البريطاني لمصر، الذي قام بأكثر من فصل في مسرحية الاستعمار البريطاني بمصر،كرومر، الذي ظل أكثر من ربع قرن في وادي النيل مسيطرا على دفة الأمور السياسية، فقد حضر إليها في سبتمبر 1883 إفرنجي وغادرها سنة 1907 إفرنجي.

هذا اللورد، الذي كانت ترتعش من مفاصل حكام مصر قيل تحررها، المعتمد البريطاني المرعب الذي كان له الحول والطول والأمر والنهي، والذي تصدى له الحزب الوطني وناصبه العداء، والذي حاول إيقاظ الفتنة بين صفوف الأمة الواحدة، والذي حدثت كارثة دنشواي في عهده الحالك .. كرومر، الذي يعتبره الوطنيون في مصر كابوسا ثقيلا، فلما أزيح وراح، تنفسوا الصعداء، وودعه الكتاب والشعراء في الصحف بعد عزله بما يليق بمقالات وقصائد ؛ وكان لمغادرته البلاد رنة فرح في جميع الأوساط.

ودعه (شوقي) وحافظ) بأبيات طوال، ولهجة فيها سخرية وتهكم، وأشار الشاعران إلى لمزه وطعنه وتحامله على الذين الإسلامي الحنيف، فقد كان هذا اللورد مشهورا بتحامله على الشرق، وطعنه في الإسلام بما ألف وسطر وقرر. فهذا شوقي من قصيدة في ستين بيتا يقول منها:

أيــأمـكم أو عهــد إسمـاعيـــلا أم أنت فرعون يسوس النيلا
أم حاكم في ارض مصر بأمره لا سـائلا أبـدا ولا مسـؤولا
يا مالــكـا رق الــبـلاد بـبـأســه هلا اتخذت إلى القلوب سبيلا
فارحل بحفـظ الله جل صنيعـــه مسـتـعفيا ان شئت أو معزولا
واحمل بساقك ربطــة من لنـدن الخ …..

وهذا حافظ إبراهيم يقول من قصيدته في توديعه :

لـقد حـــان تــوديـع العـميـد وانه حقيق بتشييع الـمحـبـين والـعـدا
ولولا أسى في دنشواي ولوعــة وفاجـعة أدمــت قـلـوبـا وأكـبدا
ورمــيك شعــبا بالـتعصـب غـافلا وتصويرك الشرقي غرا مجردا
لـــدمنا أســى يــوم الـوداع وأننا نـرى فيـك ذاك المـصلح المتوددا
قضــيت علــى أم اللــغات وانــه قضاء علينا أو سبيـل إلــى الردى
حجبت ضياء الصحف عن ظلماته ولم تستقل حتى حجبت (المؤيدا)
واودعـــــت الــــوداع مغامــــرا رأيــا جــفــاه الـــطــبــع مـجـسـدا

وساهمت جريدة (الأسد الإسلامي) في الحملة على اللورد كرومر. وذلك ان كرومر ألف كتابا دنيئا وطعن فيه على أعظم شخصية مقدسة في تاريخ الإنسانية، متحاملا على النبي محمد (صلوات الله وسلامه عليه) ولمز الذين الإسلامي.

وانبرت هيئات العلماء وتبارت أقلام المفكرين للرد على مفتريات الانجليزي الموتور ردا مدعما بالأدلة والحجج. وكانت هذه الردود لها قيمتها، كرد الشيخ محمد عبده على مفتريات الفرنسي الخواجه (هانوتو) وكان لجريدة الأسد الزئير المجلجل في هذا المجال، في عددها الثاني بصفحتها الأولى تكتب مقالا يستغرق ثلاثة أعمدة ردا على اللورد كرومر في كتابه، ودافعت جريدة الأسد عن الفكر الإسلامي وعن النبي الإسلامي وفندت ترهات المدعين وفظائع كرومر.

وبهذه المناسبة قدمت جريدة الأسد اقتراحا بتكوين حزب يسمى (الدفاع عن الإسلام) فيكون من العلماء وأفذاذ المفكرين والكتاب، تكون مهمته الدفاع عن الذين الإسلامي، ورد مطاعن المفترين والذين يحاولون ان يشوهوا حقائق الإسلام، واقترحت الصحيفة ان يرأس الحزب شيخ الأزهر. وهي في الواقع فكرة نيرة واقتراح سديد، ليت علماء الشرق ينفذون هذه الفكرة في صورة جماعية أو هيئة أو ندوة، تقوم مثلا بترجمة ما يكتبه الأجانب عن الإسلام والشرق والعرب، ويدافعون عن الإسلام والعروبة، وينشرون ذلك بلغات أجنبية. أننا في حاجة ماسة إلى تحقيق هذه الفكرة التي قدمتها واقترحتها جريدة الأسد منذ نصف قرن مضى، لا زلنا في حاجة إلى تحقيقها الآن، بدل المجهودات الفردية التي يقوم بها بعض الكتاب، وان كانت مجهودات موفقة طيبة.

عن موقع تامارتات 

الشقـاف المخطـوط بأبـي نجيـم...إعـداد : روبير مارشال..ترجمـة د. محمّد علي عيسى

عرض البروفسّور رينيه ريبوفا خلال ثلاث دورات متتالية من دورات الأكاديميّة الفرنسيّة نتائج ثماني حفريات قام بها في المعسكر الرّوماني في مدينة "جولا" على تخوم مدينة أبي نجيم الحاليّة. وقد أشار البروفسّور ريبوفا إلى هذه النّتائج عدّة مرّات أخرى خلال اللّقاءات العلميّة التي كانت تعقد لمناقشة موضوع الشقاف المخطوط.
 
     يبلغ عدد هذا الشقاف حالياً 146 قطعة. اكتشفت المجموعة الأولى منه عام 1967م، لكنّ الكمية الكبيرة من هذا الشقاف اكتشفت عام 1971م. وقد اكتشفت آخر مجموعة منه عام 1976م. وقد انتهيت في الوقت الحاضر من إعداد المادّة العلميّة للنّشر وعلقت عليها بالشّروح اللاّزمة، وسأقدّم لكم في هذه الصّفحات النّتائج الرّئيسيّة لهذه الدّراسة الهامّة.

     استطاع رينيه ريبوفا من خلال دراساته السّابقة للنّقوش أن يثبت أنّ استيطان الرّومان بمدينة أبي نجيم بدأ عام 201م، ومنذ عام 201م وحتّى عام 237م، أقامت بالمنطقة حامية عسكريّة رومانيّة قوامها لواء روماني من الفرقة الأغسطيّة الثّالثة وفرقة من الفرسان تحت قيادة قائد المائة، إلاّ أنّه بعد حلّ الفرقة الأغسطيّة الثّالثة عام 238م لم يبق بالمنطقة إلاّ فرقة الفرسان السّالفة الذّكر، وكانت تحت قيادة قائد العشرة، ولكن بعد إعادة الفرقة الأغسطيّة الثّالثة من جديد عام 253م لم تعد هذه الفرقة على أغلب الظنّ إلى المنطقة لأنّ فرقة الفرسان المقيمة في أبي نجيم ظلّت تحت قيادة قائد العشرة.
 
     يوجد بين الشقاف المخطوط الذي تمكّنّا من تحديد تاريخه تسع قطع، واحدة تحمل تاريخ عام 253م وأخرى تحمل عام 254م وسبع تحمل عام 259م، وهذه القطع الأخيرة تعتبر آخر الوثائق المكتوبة التي تتحدّث عن "جولا" أبي نجيم في فترة احتلالها من قبل الرّومان. لكن الحفريات التي سوف تجرى بالمنطقة ربّما تكشف عن شقاف أحدث عهد. ويوجد بين الشقاف المهمّة 146 قطعة تتحدّث 113 منها عن الأمور العسكريّة، وقد وجدت بالجزء الجنوبي من مركز القيادة. وهذه المجموعة من الشقاف تعطينا أسماء العديد من الجنود. وقد وجد بعد دراسة هذه الأسماء أنّ حوالي 60% منها أسماء ليبيّة تحمل أسماء ترجع للأسرة الإمبراطوريّة مثل لقب "أوريليوس جوليوس" و40% تحمل أسماء عائلات تتكرّر بكثرة في منطقة أفريقيا الشّماليّة مثل لقب "إيميليوس" و"كايكيليوس" و"كورنيليوس" وبعض هذه الأسماء تحمل ألقاباً محلّيّة مثل "هانيبال" و"تونيلا" و"بوبيوس" و"بوزوريس"، وتوجد أيضاً أسماء محلّيّة أخرى مثل "كريسانس" و"داتيوس" و"دوناتوس" و"روجاتوس".
 
     كاتب هذه الشقاف المخطوط يجيد اللّغتين الفينيقيّة واللاّتينيّة حيث وجد العديد من الشقاف مكتوباً بهاتين اللّغتين في آن واحد. ويوجد الآن بالمتحف في طرابلس مجموعة من الشقاف المخطوطة لم ينشر عنها بعد كتبت بالأبجديّة الفينيقيّة واللاّتينيّة في نفس الوقت. وقد استعملت هاتان الأبجديّتان في كتابة النّقوش النذرية وكتابة معظم النّقوش التي تتعلّق بالحياة اليوميّة العامّة. ولم يكن ذلك متّبعاً في كتابة النّقوش والشقاف في المناطق المأهولة بالسّكّان النّاطقين باللّغة الفينيقيّة فحسب، بل إنّ السّكّان اللاّتين أنفسهم كانوا يخلطون أثناء كتابة نقوشهم بين الأبجديّة اللاّتينيّة والفينيقيّة. فقد وجدت في "جولا" أبي نجيم رسالة كتبت بالأبجديّة اللاّتينيّة والفينيقيّة. ومن المعتقد أنّ هذه الرّسالة كتبت بيد كاتب أحد قادة الفصائل في أبي نجيم، ومن المعروف أنّ الأبجديّة اللاّتينيّة الفينيقيّة تزيد عن اللاّتينيّة بالحرفين (ش) و(ص)، وقد استعمل الجنود المقيمون بمدينة أبي نجيم الحرفين (ش) و(ص) في كتابة أسماء بعض الأشخاص والمواقع التي تحتوي على حرف من هذين الحرفين، مثل الموقع المعروف قديماً باسم "ايشوبا"، وفي كتابة مقياس من المقاييس يسمّى "ايش داريم".
 
     لقد كانت اللّغة اللاّتينيّة التي كتبت بها شقاف أبي نجيم هي نفس اللّغة التي كانت مستعملة لدى الجنود الرّومان المقيمين بمصر وسوريا. ونرى أنّ الجنود الرّومان المقيمين بهذه المناطق كانوا يتكلّمون اللّغة اللاّتينيّة واللّغة الفينيقيّة، ولكنّنا نجد أنّ هؤلاء الجنود كانوا يخلطون بين الحرفين (O وU) لقد كان كتاب الشقاف على دراية واسعة باللّغة حيث كانوا يكتبون بدون أخطاء في حين أن الجنود الذين كانـوا يقيمـون فـي الحصون الصّغيرة المحيطة بحصن أبي نجيم كانوا يكتبون بلغة لاتينيّة تكثر بها الأخطاء. وقد وجد الكثير من النّماذج لمثل هذه الأخطاء مثل Bice piciparis بدلاً من Vice principalis  و bone بدلاً من bene وpropositus بدلاً من praepositus، ويلاحظ أنّ الكلمة الأخيرة تعني الرّئيس. ونلاحظ في إحدى الرّسائل أنّ هؤلاء الجنود كانوا لا يعرفون حتّى رتبة رئيسهم المباشر كما نرى في هذه الرّسالة:
Salutem a Gem-
inio Crescente
Un asinu cuis n-
obis atulisti bar
Las decimu cal (endas)
Emit asimu ua-
lias opto te
Bene uale-
RE.
     وفيما يلي ترجمة هذه الرّسالة المخطوطة على الشقاف: يحيّيكم جيمنوس كريسان بتحيّة الصّباح ويقول لكم إنّ الحمار الذي معنا قد اشتراه بارلاس في اليوم العشرين من الشّهر والسّلام. أتمنّى أن تكونوا في صحّة جيّدة. لقد كتبت هذه الرّسالة بلغة لاتينيّة رديئة جدّاً. ولا ندري ما إذا كان هذا الجنديّ يعرف معاني الكلمات التي استعملها. وقد وجدت رسائل شبيهة بهذه الرّسالة في مدينة "دورا" بسوريا.
 
     يمكن تقسيم الشقاف الذي وجد في مدينة أبو نجيم إلى ثلاث مجموعات مختلفة وهي:
1- التّقارير اليوميّة:
     هذه التقارير تعطينا فكرة عامّة عن التّاريخ وعن عدد الجنود الإجمالي وعدد الجنود الموجودين في موقع أعمالهم وعدد الجنود المرضى مع ذكر أسمائهم وعدد الجنود الذين هم في إجازة وعدد الجنود الذين يقومون بإعداد الحمّامات وإعداد الخبز.
 
2- الأعمال اليوميّة.
3- قائمة الرّسائل الواردة:
 
     لقد وجد في مصر برديّة تحتوي على نفس العناصر التي كانت تحتوي عليها شقاف أبي نجيم (راجع P. Gen. lat. 1, CHLA'' 1 No 7). ووجدت أيضاً في مدينة دورا بسوريا برديّتان على جانب كبير من الأهمّيّة لأنّ تاريخها يعود إلى الفترة ما بين 205م – 256م، لكنّ أهمّ تلك الوثائق يرجع إلى الفترة ما بين 219 – 222م. لقد كانت قلعة دورا في سوريا قلعة حدوديّة كقلعة "جولا" أبي نجيم. وكانت النّصوص تكتب في مدينة دورا على أوراق البردي في حين أنّها كانت تكتب في أبي نجيم على الشقاف، أيضاً كان كتاب وثائق دورا أكثر تعليماً من كتاب شقاف أبي نجيم، وكانت التّقارير العامّة تكتب في دورا خلال عدّة أيّام، وكان الكتّاب يحتاجون إلى عشر ساعات على الأقلّ لنقل هذه التّقارير، وكانوا يحتاجون للكثير من الوقت الإضافي لمعرفة أحوال الجنود داخل القلعة، وكانت تلك التّقارير تراقب قبل إرسالها إلى انتيوس عاصمة المنطقة. ومن المعروف أنّها كانت ترسل كلّ أربعة أشهر من أجل استلام رواتب الجنود. ولمّا كانت التّقارير في أبي نجيم تكتب على الشقاف فإنّ كتابتها لم تكن تستغرق سوى يوم واحد فقط. إنّ كثرة الوثائق في مدينة دورا ترجع إلى أنّ المدينة استولى عليها البارثيّون (الفرس) وظلّت التّقارير موجودة في نفس الموقع لكن الجنود الرّومان، عندما خرجوا من أبي نجيم نهائيّاً، أخذوا معهم معظم تقاريرهم المخطوطة على الشّقاف. ومن المرجّح أنّ التّقارير كانت تكتب على الشقاف أيضاً في مدينة دورا رغم أنّنا لم نجد أيّ دليل مادّي يؤيّد هذا الاعتقاد، ولكن يمكن تعليل ذلك بأنّ كتّاب هذا الشقاف محوا كتاباتهم في أوقات لاحقة، وربّما حدث نفس الشّيء في بعض شقاف أبي نجيم.
 
     إنّ الشقاف الذي عثر عليه في "جولا" أبي نجيم لم يعطنا السّنة التي كتب فيها، ولكنّه كان يعطينا اليوم فقط. وقد عثر على 22 قطعة من الشقاف مؤرّخة ما بين 14 أي النّار (يناير) و24 الكانون (ديسمبر). وتمّ العثور على 40 قطعة من الشقاف بدون أيّ تاريخ. ونلاحظ من خلال هذه المجموعة من قطع الشقاف أنّنا لا نملك أيّ مجموعة نستطيع عن طريقها تكوين تاريخ متسلسل، بل إنّنا لا نعرف هل هذا الشقاف الذي يحمل ذكراً لأيّام الشّهور يرجع إلى سنة واحد أو إلى عدّة سنوات متفرّقة؟ من بين الشقاف الذي استطعنا عن طريقه معرفة التّاريخ الكامل بدقّة، تلك القطعة التي استطعنا أن نقرأ عليها كلمة ad censum (سنسوم)، وهذه الكلمة تعني وقت التّعداد. ومعلوم أنّ آخر تعداد عرفناه في ذلك العصر كان في مصر عام 258م. وعليه فإنّ هذه القطعة تحمل نفس هذا التّاريخ أو تاريخ السّنة التي تليها وهو عام 259م. وقد أعطينا لهذه القطعة رقم (2)، وهي تحمل تاريخ 16 الماء (مايو).
 
     أمّا قطعة الشقاف رقم (3) فيرجع تاريخها إلى يوم 20 الماء (مايو)، ولسنا متأكّدين إن كانت تحمل نفس السّنة التي تحملها القطعة السّابقة، ولكنّنا بتقديرنا نستطيع أن نعطي لإحداهما التّاريخ 257م أو258م، ونعطي للأخرى التّاريخ 259 أو 260م. وقد استطعنا تخمين هذا عن طريق كلمة وقت التّعداد من جهة، وعن طريق المعلومات المتشابهة الموجودة في القطعتين السّابقتين من جهة أخرى، إذ نجد نفس أسماء الجنود الأصحّاء ونفس أسماء الجنود المرضى.
 
     استطعنا عن طريق الشقاف المكتشف في أبي نجيم معرفة عدد الجنود المقيمين في هذا الحصن وقد عرفنا أنّ العدد كان يتراوح ما بين 42 و63 جنديّاً أو يبلغ متوسّطهم في الغالب 52 جنديّاً، في حين إنّه يقدّر عددهم في الأوقات العاديّة 80 جنديّاً. ونلاحظ على إحدى قطع الشقاف المخطوط كلمة جديدة تظهر لأوّل مرّة وهي كلمة ليبراريوس Librarius التي تعني الجندي الذي يقوم بتسجيل الحضور والغياب في المعسكر. إنّنا لا نعرف الكثير عن هذا الجنديّ ولكنّنا نعرف عنه أنّه يتقاضى مرتّباً عالياً يعادل المرتّب الذي يتقاضاه الجندي العادي مرّة ونصف مرّة، وعلى هذا كان "الليبراريوس" شخصاً مهمّاً Principalis وخاصّة منذ عام 235م، حيث عرفنا أنّ كان لديه سلطة معاقبة الجندي الذي لا يطيع أوامره العسكريّة.
 
     لقد عرفنا عن طريق الشقاف المخطوطة أنّ الرّتبة العسكريّة التي تلي رتبة "الليبراريوس"تسمّى أوبتيو Optio، وتعني ملازماً أوّلاً، وقد ظهرت هي الأخرى لأوّل مرّة على الشقاف. و"الأبتيو" يقع تحت سلطة قائد المائة. وفي مدينة دورا بسوريا "الأبتيو" يتقاضى ضعف مرتّب الجندي. أمّا في مدينة أبي نجيم فكان "الأبتيو" يعمل كمساعد لقائد المائة، وعن طريق هذا العمل يمكن أن يصبح في المستقبل قائداً للمائة. يوجد "أوبتيو" يعمل كمساعد لكبار العسكريّين ذوي الرّتب العالية، وعليه فإنّ رتبة "الأبتيو" تعني المساعد خاصّة في قلعة أبي نجيم.
 
     وتعرّفنا عن طريق الشقاف المخطوط على رتبة عسكريّة أخرى وهي رتبة "بروكيلكاتور"Proculcator . وقد تعرّفنا من قبل على هذه الرّتبة عن طريق الكاتب القديم أميان مارسيليان Ammien Marcellin و"البروكيلكاتور" هو الشّخص الذي يقوم بفتح الطّريق أمام الجنود، وعلى ذلك فهو يتقدّم الجميع أثناء الحرب. وتعتبر هذه الرّتبة من الرّتب العالية وتعتبر الوحيدة في أبي نجيم. وقد ورد اسم "البروكيلكاتور" أكثر من 14 مرّة على شقاف أبي نجيم. ونظراً لأنّ منطقة أبي نجيم لم تكن لديها حروب، فإنّها لم تكن تحتاج إلى شخص يتقدّم جموع المحاربين، ومن ثمّ فقد تغيّرت وظيفة "البروكيلكاتور" التي تتمثّل في التّقدّم أمام الجنود أثناء الحرب إلى استقبال الجنود القادمين حديثاً من خارج أبي نجيم. وتوجد مجموعة من الشقاف تتحدّث عن هذا الموضوع. فنجد مثلاً قطعة الشقاف رقم (5) والتي تحمل تاريخ 16 الصيف (يونيو) تتحدّث عن 96 جنديّاً، ومن بينهم 64 جنديّاً "تيرونيس" Terones (وتعني وصل حديثاً)، ومثل هذه الإشارات تعتبر حالة استثنائيّة في منطقة أبي نجيم، إذ نلاحظ أنّ قطعة الشقاف التي جاء تاريخها بعد يوم 19 الصّيف (يونيو) ذكرت رقم (61) جنديّاً فقط، وعلى هذا فإنّنا لا نجد ذكراّ للجنود القادمين حديثاً إلاّ في تاريخ 16 الصّيف (يونيو) وهو اليوم الوحيد الذي نجد فيه 28 جنديّاً لم يباشروا العمل ولم يكونوا مرضى. ويمكن تعليل هذا بأنً هؤلاء الجنود قد أصابهم الإرهاق بسبب المشي في الصّحراء في يوم شديد الحرارة. ويمكن أيضاً اعتبار هؤلاء الجنود ضيوفاً على قلعة أبي نجيم، ومن ثمّ فإنّه ليس مطلوباً منهم الإقامة الدّائمة، بل ربّما كان المطلوب منهم هو مواصلة السّير إلى جهة أخرى بعد أخذ قسط من الرّاحة.
 
     وكان يكتب في بداية كلّ تقرير من التّقارير المكتوبة على الشقاف أسماء بعض الفرسان، وهذا طبيعيّ لأنّ هؤلاء الفرسان كانوا يتقاضون مرتّباً يزيد بنسبة النّصف على مرتّب الجندي العادي وهذا الكلام ينطبق أيضاً على مدينة دورا بسوريا حيث كان يوجد مجموعة من الفرسان يسمّون "الديسبوزيتي" Disposite'، وهذه التّسمية تعني الجنود الذين هم دائماً على أتمّ الاستعداد للتّغيير والتّناوب مع زملائهم في مجال الأعمال البريديّة العسكريّة وكانت هناك أعمال أخرى غير ذات أهمّيّة من النّاحية العسكريّة من بينها جنود حرّاس مقرّهم فوق الأبراج المتعدّدة الموجودة بالقلعة De speclis وهناك آخرون اختصاصهم جلب الماء من البحيرة التي تبعد عن القلعة بحوالي 3 كيلومترات، كذلك كان يوجد جنود مهمّتهم جلب الحطب. إنّ هذه الوظائف الأخيرة لم تعد لازمة، فهذه الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الجنود ليست ذات أهمّيّة للجيش الرّوماني. وعلـى ذلك يوجد شخص واحد فقط يعمل كحارس Ad signa . وهذا العمل أشير إليه على الشقاف المخطوطة 4 مرّات على (14) قطعة، ومن المعروف أنّ كلّ المعسكرات الرّومانيّة كان يوجد بها حرّاس شرف مهمّتهم حراسة الحجرة التي تحوي الأعلام والشّارات الرّومانيّة بالإضافة إلى حراسة الخزينة التي تحوي المبالغ المخصّصة للمعسكر. وفي مدينة دورا بسوريا كان يقود هذه المجموعة من الجنود قائد للمائة أو قائد للعشرة وتتكوّن هذه المجموعة عادة من 7 – 9 جنود، لكنّه يلاحظ في أبي نجيم أنً عدد الجنود المقيمين بالمعسكر قليل إذ يبلغ نصف عدد جنود دورا، ومن المؤكّد أنّ المجموعة التي تقوم بعمليّات الحراسة في مدينة دورا أكثر أهمّيّة من المجموعة التي تقوم بالحراسة في أبي نجيم. والخلاصة أنّ الرّجال الذين يقومون بخدمة "الليبراريوس" يشتغلون بالإضافة إلى أعمالهم تلك بأعمال أخرى تخصّ المعسكر.
 
     وقد ظهرت كلمة جديدة على التّقارير المخطوطة على الشقاف وهي كلمة "كوينتاناري" Quintanari، وعمل هذه المجموعة من الأعمال الخدميّة المهمّة، فمن 23 تقريراً كاملاً وجدنا 5 تقارير فقط لم تذكر فيها هذه الوظيفة. فممّا لا شكّ فيه أنّ الأعمال التي تقوم بها هذه المجموعة من الأعمال المهمّة في المعسكر. ويوجد بالحصن من 12 – 23 "كوينتاناري" وهذا العدد يمثّل ثلث جنود المعسكر. وإذا ما أخذنا في الاعتبار وجود جنود مرضى وجنود لا يقومون بالعمل لظروف أخرى فإنّ نسبة هذه الوظيفة في المعسكر تصل إلى 40% من عدد الجنود.
 
     ومن خلال إحدى البرديّات استطعنا التّعرّف على أنّ اسم "بروكوينتانيسيو" Proquintanesio وهذا المصطلح صعب فهمه، حيث يوجد مصطلح "لودوس كوينتانوس" Ludus Quintanus الذي يعني ممارسة التًمارين الرّياضيّة على الطّريق العام المسمّى "فياكوينتانا" Via Quintana والذي منه جاءت اللّعبة التي تعرف باسم "كانتين" Quintana.
 
     وتعتبر الطّريق "كانتانا" الخامسة من حيث الأهمّيّة بعد "الدّيكومانوس" وهي أعرض الطّرق في المعسكر وعرضها 15 متراً وهي تؤدّي مباشرة إلى السّوق.
 
     لقد أشار المؤلّف اللاّتيني "سيوتون" إلى أنّ كلمة "كانتانا" تعني محلاًّ صغيراً، وفي اللّغة الرّومانيّة الحديثة تعني كلمة "كانتانا" طريقاً صغيراً أو زقاقاً يصل بين منزلين. وأشار قانون جستنيان إلى كلمة "لودوس كوينتانوس" وكانت تعني تمرين لعبة رمي الرّمح. وهذا التّمرين صعب جدّاً وخطير ويمكن ممارسة هذه اللّعبة عبر شارع السّوق، ومن المعروف أنّ هذه اللّعبة لا تمارس في كلّ يوم من أيّام الأسبوع. ففي نصّ قديم يتحدّث عن حياة الإمبراطور "مكسيمينوس" ذكر أنّه أثناء حكم الإمبراطور الاسكندر سيفيروس قبل عام 235م بقليل، وقبل 25 سنة من الشقاف المخطوط بأبي نجيم كان مكسيمينوس ضابطاً يأمر بعمل هذا التّمرين في اليوم الخامس من كلّ أسبوع. ويعتقد الكاتب الألماني "بريميرستاين Premerstein أنّ أصل كلمة "لودوس كوينتانوس" يعني نفس المعنى الذي أشارت إليه البرديّة الموجودة في جنيف والتي تتحدّث عن "بروكوينتانيسيو" Pro quintanesio بمعنى تمرين رياضي.
 
     هذه البرديّة تؤرّخ بعام 90م، ولذلك فإنّنا نعتقد أنّ "مكسيمينوس" كان قد جدّد تمريناً قديماً. وفي الحقيقة فإنّ التّمرينين السّابقين يختلف كلّ منهما عن الآخر، فكلمة "لودوس كوينتانوس" تشير إلى تمرين خاص شخصي، في حين أنّ التّمرين الذي أشارت إليه البرديّة كان موجوداً أيّام الإمبراطور الاسكندر سيفيروس والذي كان يخصّ اليوم الخامس من الأسبوع فهو تمرين يخصّ مجموعة من الأشخاص. ومن المؤكّد أنّ جنود "الكوينتاناري" هم الذين يقومون بتأدية تمرين اليوم الخامس من الأسبوع. إنّنا لا نستطيع تأكيد ما إذا كان هذا التّمرين مخصّصاً لليوم الخامس من الأسبوع فقط أم لا.
     وفي هذا الخصوص نستطيع القول أنً الإمبراطور "مكسيمينوس" كان جنديّاً ذا خبرة واسعة ويعرف جيّداً أنّه عن طريق هذا التّمرين يستطيع أن يجعل من جنوده رجالاً أقوياء، ولذلك كان يعطي هذا التّمرين الرّياضي خلال خمسة أيّام من أيّام كلّ أسبوع، ولذلك يمكن أن يرى كلّ يوم شخص معيّن يمارس هذا التّمرين. وعلى ذلك فإنّ هذه التّمارين الرّياضيّة كانت تمارس كلّ يوم مع حوالي 20% من جنود "الكوينتاناري".
 
     في نهاية الجزء الأوّل من التّقارير المخطوطة على الشقاف نجد أسماء الجنود المرضى، وهي الفئة الوحيدة التي تدوّن أسماؤها في تلك التّقارير، وتعتبر هذه التّقارير الوحيدة التي ترجع للفترة الرّومانيّة التي تعطينا العدد الإجمالي للجنود المعافين والعدد الإجمالي للجنود المرضى مع ذكر الأسماء. وقد وصف لنا الدّكتور "جيرميك" مدير قسم تاريخ الطّبّ بالمدرسة العمليّة للدّراسات العليا العلميّة بفرنسا الحياة الصّحّيّة للجنود في مدينة أبي نجيم حيث أشار إلى أنّ النّسبة المئويّة للمرضى كانت مرتفعة تصل إلى 4.6% من عدد الجنود الإجمالي ولكن الدّكتور سالف الذّكر يرى أنّ هذه النّسبة عاديّة لمثل هذه المنطقة الصّحراويّة البعيدة. ويضيف الدّكتور "جيرميك" أنّ حالات المرضى لم تكن خطيرة في جميع الحالات، ويستدلّ على ذلك أنّ جنديّين ويدعيان "كايكيليوس روجاتوس" و"أوريليوس سيلستينوس" كانا مريضين لمدّة طويلة جدّاً، غير أنّ أسماء المرضى الآخرين كانت تتغيّر من حين إلى آخر حيث أنّ هؤلاء لم يكن لديهم مرض خطير. ولاحظ الدّكتور "جيرميك" أنّ نسبة المرضى ترتفع خلال فصلي الرّبيع والخريف في حين أنّها تقلّ في فصل الصّيف.
 
     والجدير بالذّكر أنّ الجيش الرّوماني كان يعطي إجازة مرضيّة لكلّ جندي يدّعي المرض أو يكون مريضاً مرضاً خفيفاً، وقد تمّ العثور على برديّة تؤكّد هذا الكلام (1467 Pory XII,) ونصّ ترجمة هذه البرديّة على النّحو الآتي: "ثيوناس يحيّي أمّه السّيّدة "تيثيوس" ويقول لها إذا كنت لم أكتب إليك من مدّة طويلة فذلك يعني أنّني كنت في المعسكر وليس بسبب المرض، لذلك لا تقلقي على حالتي، إنّني غضبان لأجلك لأنّك عرفت أنّني مريض، في الحقيقة لم أكن مريضاً جدّاً، وإنّني لأشعر بالأسف أيضاً أن أخبرك بأنّني مريض".
 
     ونلاحظ في التّقرير المخطوطة أنّه بعد الانتهاء من ذكر المرضى نجد موضوعاً جديداً وهو ذكر الجنود الاحتياطيّين، ونلاحظ أنّ معظم الجنود الذين ذكروا هنا يقومون بأعمال عضليّة فقط دون اعتبار لقيمة رتبهم العسكريّة العالية، وقد أعطيت لهم هذه الأعمال لمنحهم مزيداً من الرّاحة وذلك بسبب رتبهم العالية وبسبب أقدميّتهم في الخدمة العسكريّة أو لأنّهم جنود يحملون رتباً دائمة وثابتة في حصن أبي نجيم مثل "الليبراريوس" و"لابسيو" و"البروكيلكاتور"، وتعتبر هذه الأعمال العضليّة سهلة بالمقارنة بالأعمال العسكريّة.
 
     ويوجد ضمن نصوص النّقوش المخطوطة على الشقاف مجموعة من الكلمات تشير إلى مجموعة من النّقط المستمرّة، وجدير بالذّكر أنّه يوجد في اللّغة اللاّتينية فعل يعني "ينقّط"، ونلاحظ أنّه عند كتابة اسم جندي ما في قائمة الجنود فإنّ النّصّ يذكر العمل المكلّف به هذا الجندي، فإذا لم يكن لدى الجندي عمل أو كان في وضع احتياطي فإنّنا نجد نقطاً أمام اسم الجندي، وتوجد برديّات عديدة تسجّل نفس النّظام السّابق، ونلاحظ من خلال إحدى البرديّات أنّ الرّجال الذين ليس لديهم عمل كان متوسّطهم 18 جنديّاً، يوجد من بينهم 6 جنود لصناعة الخبز.
 
     وعن طريق الحفريات التي أجريت في حمّامات قلعة أبي نجيم استطعنا التّعرّف على أنّ الحمّامات تحتوي على أماكن تكفي لاستحمام 100 شخص، ومن المعروف أنّ العدد الإجمالي للجنود المتواجدين في أبي نجيم وصل في فترة من الفترات إلى 500 جندي، وكان هؤلاء الجنود يقسّمون إلى 6 مجموعات عمل، وعلى ذلك فإنّنا نجد 6 تخصّصات مختلفة من العمل في كلّ يوم، ومن المعروف أنّ الحمّامات العامّة بالمعسكر تحتاج إلى مجموعة من الجنود مهمّتهم إيقاد النّار، ومجموعة أخرى مهمّتها تنظيف الحمّامات وثالثة لسكب المياه على المستحمّين، وعليه يجب أن يكون هناك 18 شخصاً جاهزاً لتقديم الخدمات للمستحمّين الذين يصل عددهم في كلّ فترة إلى 80 مستحمّاً.
 
     وليست لدينا معلومات كافية عن القسم الخاص بإعداد الخبز في قلعة أبي نجيم، لكن لدينا بعض المعلومات عن معسكر الجنود الرّومان المتواجدين "بالراين" بألمانيا، حيث نعرف أنّه في هذا المعسكر كان يوجد مخبز يعمل به شخصان مهمّتهما إعداد الخبز لكلّ قسم من أقسام المعسكر الكثيرة، ومن المعروف أنّ خدمات الحمّامات والمخابز في المعسكرات الرّومانيّة كانت من اختصاص جنود "الليبراريوس".
 
لقد كانت التّقارير اليوميّة في قلعة أبي نجيم وفي بقيّة مناطق الإمبراطوريّة تكتب على نمط واحد، وكانت تتحدّث عن الحياة اليوميّة للمعسكر وتتحدّث بالخصوص عن الدّور العسكري الذي تقوم به هذه القلعة بالمنطقة، وقد عثر على الكثير من قطع الشقاف المخطوط على شكل رسائل مملاة من أحد الجنود وموجّهة إلى بعض الأشخاص اللّيبيّين الذين يملكون جمالاً.


اسم المكيال وما يعادله باللّتر
لتر
مكيال روماني للحبوب
اسم المكيال والعدد
اسم الجمال
1 سيليسيوس = 1.5 لتر
7875
90
سيليسيوس 7.5
ايديباليس
1 سبيتواليس = 1.5 لتر
945
1.8
سبيتواليس 9
اياسوكاتان
1 سيديبيا = 1.5 لتر
240
24
سيديبيا 2
مكاريوس
1 ازاتويي = 1.5 لتر
262.5
30
ازاتويي 2.5
فلاريوس
1  ؟ = 78.75 لتر
551.25
63
؟  7
فيزينيس فيليوس
1 ايزيداريم = 26.25 لتر
525
60
ايزيداريم
اياميرابان
1 ؟ = 52.5 لتر
210
زيت 16
؟
مكاريوس



     هذه الرّسائل تتحدّث عن كمّيّات القمح التي وصلت المعسكر، وكانت هذه الكمّيّات محدّدة بمكاييل ليبيّة وتقابلها المكاييل الرّومانيّة وهي على النّحو الآتي:
 
     ويلاحظ أنّ المكيال اللّيبي الواحد = 25 و26 لتراً. ومن خلال هذا يمكن القول بأنّ الجمل يستطيع أن يحمل أربعة مكاييل، ونلاحظ أنّ اسم المكيال يتغيّر من قبيلة إلى أخرى.
 
     تدلّنا هذه الرّسائل على أنّه كانت توجد عمليّات نقل للمواد الغذائيّة كالقمح والزّيت، كما ورد في القائمة السّابقة، عن طريق الجمال. وحيث أنّ هذه الرّسائل المخطوطة على الشقاف كانت تستعمل المكاييل اللّيبيّة، فإنّنا نعتقد أنّ هذه القوافل من الجمال كانت موجودة بالمنطقة قبل قدوم الرّومان. ومن المعروف أنّ الجيش الرّوماني كان لا يملك الجمال والحمير، ولذلك فإنّه كان يضع يديه عليها بالقوّة وقت الحاجة إليها.
 
     لقد أمكن التّوصّل إلى وجود علاقة بين حصن أبي نجيم وبين بعض الجنود المقيمين في الحصون التي تبعد عدّة أيّام سيراً على الأقدام. وقد كانت هذه الحصون تسمّى "بواناق"، "ايشوبا"، "هيروزيريان"، "تآسيسيدي"، وهي غير معروفة في الوقت الحاضر، ولكن الدّراسات التي سوف تجرى في المستقبل حول الطّريق الممتدّة من أبي نجيم حتّى القريات ربّما تكشف النّقاب عن هذه الحصون الصّغيرة. والجدير بالذّكر أنّه يوجد تبادل للرّسائل بين حصن أبي نجيم والحصون الصّغيرة المحيطة بالقلعة السّالفة الذّكر.
 
     لقد كانت الطّريق التي تصل أبا نجيم بالحصون المحيطة به تحت حماية نقاط الشّرطة والجمارك، وكانت مراقبة هذه الجهات قويّة وسهلة التّنفيذ لأنّ المسافرين مضطرّون للمرور عبر الطّريق معناه الضّياع داخل الصّحراء، كما أنّهم كانوا مضطرّين للتّوقّف حيث يوجد الماء، وحيث توجد الحصون التي كانت مهمّتها حمايتهم عبر تلك الطّريق.
 
     وكانت توجد في قلعة أبي نجيم محطّة لاستراحة القوافل ويوجد خان يستطيع فيه رجال القافلة أخذ قسط من الرّاحة والتّزوّد بالماء ودفع رسوم المرور للمحطّات التّالية وقد كانت هذه الرّسوم معروفة في تلك الفترة حيث كانت تسمّى في مصر باسم ضريبة الجمال.
 
     وكانت العلاقات جيّدة بين القبائل الجنوبيّة، وكانت هذه القبائل تزوّد قلعة أبي نجيم بالمؤن، وكان الجرامنت والرّومان يتبادلون الرّسائل.
 
     وكان لقلعة أبي نجيم علاقات جيّدة مع مصر ومع مدينة لبدة، ولذلك كانت إقامة هذه الحامية مستقرّة جدّاً. ولم يكن رحيل الرّومان من المنطقة عقب الإحصاء الذي أجري عامي 258 و259 بسبب صعوبات واضطرابات بالمنطقة، ولكن كان بسبب الاضطرابات التي عمّت الإمبراطوريّة الرّومانيّة في ذلك الوقت.  
 
ترجمة مختصرة للملحق السابع لمجلة ليبيا القديمة والذى نشر باللغة الفرنسية تحت عنوان " شقاف ابو نجيم" 1992م، ترجمـة د. محمّد علي عيسى أبو القاسم /أمين تحرير مجلّة ليبيا القديمة.