‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ، شخصيات ليبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ، شخصيات ليبية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 5 يناير 2017

ابن زكرون الأطرابلسي المحدث الزاهد* 370ه ...د.حمزة أبوفارس



إن الحديث عن عالم من علماء طرابلس يجذبني إليه حبي التعريف بعلماء عاشوا في هذه الأرض, وساهموا في الحياة الثقافية في زمنهم وكانوا ضمن سلسلة الحضارة الإسلامية ، ويصرفني عنه ندرة المصادر، فمن المؤسف أنك تجد عالما مشهوراً لم يكتب عنه إلا سطر أو سطران، بينما يكتب عن عالم آخر أقل منه علما ، بل أحيانا لم يكن مشهورا إلا بزهد أو صلاح ، كتب عنه ورقات كثيرة ، وربما الكُتب.


وما من سبب لذلك إلا أن الأول سكن طرابلس فأهمله المؤرخون من معاصريه، والثاني قيض الله له أناسا اعتنوا به فجمعوا أخباره بل وأحيانا تفاضيل حياته. 
                  
ولا يزال الأمر يتكرر حتي يومنا هذا, فقد أردت أن أكتب شيئا عن أحد علماء منطقتنا للتعريف، فسألت أحد تلاميذه، إذ أن الشيخ قد توفي منذ زمن ، عن شيوخ شيخه الخ.... فلم أجد عنده شيئاً، إذ أنه لم يسجل ما حدثه به شيخه . فنسيه بمرور الوقت وفي ظني أن هذا نفسه هو الذي حدث للعلماء الأوائل من أبناء هذا البلد.

وابن زكرون هو احد هؤلاء الاعلام الذين أهملتهم كتب الرجال , فلو لم يكتب عنه القاضي عياض تلك الاسطر القليلة ما علمنا عنه شيئا إلا اسمه.

و أما سبب احتفاظ التاريخ باسمه فيرجع إلي أن الوليد بن بكر بن مخلد حدث عنه, وذهب هذا التلميذ إلي حاضرتي العلم آنذاك. ببغداد ودمشق وحدث بهما عن شيخه ابن زكرون وترجم لهذا التلميذ أبو بكر الخطيب وابن عساكر كما سنعرف فيما بعد، فاشتهر التلميذ واختفت ترجمة الشيخ.

ولقد استعنت الله في جمع ما كُتب عن هذا الرجل مما تفرق في طيات الكتب التاريخية وكتب التراجم مثل ، ترتيب المدارك للقاضي عياض 6/274 ، 275 ، والديباج المذهب لابن فرحون ص 201 الذي اختصر كلام عياض, ورحلة الجاني ص 251. ونفحات النسرين ص 110 , 111 والمنهل العذب 2/53 , 69 وأعلام ليبيا للشيخ الطاهر الزاوي ، والنشاط الثقافي في ليبيا للدكتور أحمد مختار عمر ، ومعجم المؤلفين لكحالة وغيرها ، راجيا أن أكون بذلك :

أولا: قد ساهمت في التعريف بأحد علماء هذا البلد.

وثانيا: قد فتحت المجال لمن هو أوسع إطلاعا مني لاستكمال الموضوع وإثرائه الذي هو هدف الجميع.

الحالة السياسية بطرابلس في عهده :

استولي الفاطميون علي الحكم في طرابلس كغيرها من مدن الساحل الليبية, وأصبحت تابعة لهم منذ سقوط إفريقية بأيديهم سنة 296هـ. إلي أن وصلت القبائل العربية المهاجرة إلي المنطقة .عاش ابن زكرون حياته في ظل الدوله الفاطمية ، التي لم تخل فترة من حكمها من فتن متتابعة.

ومع أن طرابلس كانت أقل فتنا، لأنها لم تكن عاصمة ، إلا أن الثورات فيها تلاحقت للتخلص من حكم فئة ليس بينها وبين أهل البلد ترابط من قريب ولا بعيد. ولا تناسب بينها وبين طبيعتهم, ولذا فإننا نجد محاولات للانسلاخ من حكمها قد بدأت منذ استولت علي طرابلس سنة 311هـ تقريبا .

الحالة الثقافية:

كانت الحركة الثقافية علي أشدها في هذه الفتره رغم الحروب والفتن , ولم يفلح الفاطميون ، مع تنوع وسائلهم ، في جعل أهل طرابلس يبدلون عقيدتهم السنية أو مذهبهم الفقهي ؛ لأن المساجد لم تتوقف عن أداء مهمتها ، فقد استمر التدريس والتأليف ، واشتهر ثلة من العلماء الطرابلسيين في مختلف العلوم ، نذكر منهم : ابن المنمر العالم الفرضي ، واين زكرون صاحب هذه الدراسة .

ويكفي للتدليل علي شهرتهم أن كثيرا من كبار العلماء الذين مروا بطرابلس في طريقهم ألي المشرق كاتوا يحرصون علي المكوث بهذه المدينة للأخذ عنهم والسماع منهم .

اسمه ونسبه :

علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب  الهاشمي ، المعروف بابن زكرون الاطرابلسي.ولم يذكر لنا مترجمه شيئا عن أصل عائلته , واكتفوا بقولهم : من طرابلس الغرب.         
ولفظة ( زكرون ) توحي بأنه اندلسي الأصل ، ولكن ليس لدينا ما يؤيد ذلك .

نشأته وصفاته :

لم يحدثنا أحد عن نشاة هذا العالم ، ولا عن طفولته ، ولا عن تعليمه إذا استثنينا ذكر بعض شيوخه . ولا نعرف عن صفاته الخلقية شيئا إلا ما ذكره صاحب رياض النفوس  ممزوجا ببعض صفاته الخلقية حيث قال :
كان رجلا صالحا متعبدا ناسكا ذا فضل وعبادة وعقل وصون وبشارة جميلة منور الوجه.

شيوخه:

قرأ ابن زكرون وسمع من شيوخ أجلة في أماكن مختلفة بدءا من طرابلس وانتهاء بمكة المكرمة ، وليس لدينا أي تفصيل عن مراحل هذه الدراسة وكيفيتها ولكنا فهمنا ذلك من أسماء بعض شيوخه التي ذكرتها كتب التراجم ، وهؤلاء أشهرهم :

1) أبوسليمان ربيع بن سليمان بن عطاء الله النوفلي القطان ، المشهور بربيع القطان . كان رجلا صالحاً زاهدا ، صحبه ابن زكرون ، وشق معه القفار وسلك معه الشامات  . سمع من أصحاب سحنون وغيرهم ، توفي مقتولا سنة 334هـ . وهو ابن ست وأربعين سنة . 

2) أبو عبد الله محمد بن ربيع بن سليمان الجيزي  . روي عن أبيه ومحمد بن عبد الحكم . وحدث عنه القاسمي ، ويونس بن سعيد المغامي وغيرهم . ألف مسند موطأ ابن وهب وكتاب قضاة مصر. كان مقدما في شهود مصر. توفي سنة 324هـ  .

3) محمد بن أبراهيم النيسابوري أبوبكر المعروف بابن المنذر ، نزيل مكة. كان إماما مجتهدا حافظا ورعا. سمع من محمد بن ميمون , ومحمد بن إسماعيل الصائغ ، ومحمد بن عبد لله بن عبد الحكيم . روي عنه محمد بن يحيى بم عمار الدمياطي وغيره. من تصانيفه : كتاب الإشراف . وكتاب الإجماع وكتاب الأوسط . توفي سنة 318هـ  .

4) محمد بن القاسم بن شعبان المصري . كان من حفظ الذهب المالكي ، وكان يروي بعض الغرائب. من تآليفه كتاب الزاهي ، وأحكام القران ، ومختصر ما ليس في المختصر . توفي سنة 355هـ.

5) أبو بكر محمد بن رمضان  بن شاكر الحميدي ، يعرف بابن الزيات من علماء المالكية بمصر. أخذ عن الحارث بن مسكين ، والربيع بن سليمان ، ومحمد بن عبدالحكم, وقد جلس ابن رمضان في مجلس ابن عبدالحكم هذا. روي عنه أبوبكر النعالي ، وأبو حسن النمري. توفي سنة إحدي وعشرين وثلاثمائة، وجلس مجلسه ابنه بعده .

6) أبو محمد عبدالله بن علي بن الجارود النيسابوري الحافظ ، المجاور بمكة المكرمة . كان من أئمة الأثر. ولد في حدود الثلاثين ومائتين. سمع من أبي سعيد الأشج, والحسن بن محمد الزعفراني ، وعلي بن خشرم ومحمود بن آدم ، وزياد بن أيوب ، ويعقوب الدورقي وغيرهم ، أثني عليه الناس . وسمع منه خلق منهم : أبو حامد بن الشرقي ، ومحمد بن نافع الخزاعي ، ودعلج بن أحمد السجزي ، وأبو القاسم الطبراني . من تآليفه كتاب المنتقي في السنن . توفي سنة 307هـ.

 7) أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي. روي عن أبيه ، وحدث عنه بكتابه الجرح والتعديل. وعنه خلق منهم : الوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي. توفي بطرابلس سنة 322هـ.

8 ) أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم ، أبو سعيد الأعرابي الإمام المحدث الصدوق الحافظ البصري الصوفي ، نزيل مكة وشيخ الحرم . ولد سنة نيف وأربعين ومائتين ، وسمع الحسن بن محمد الزعفراني ، وعبد الله بن أيوب المخرمي وعباس بن محمد الدوري وغيرهم. رحل إلي الأقاليم ، وتعبد ، وصحب المشائخ. ألف مناقب الصوفية وحمل السنن عن أبي داوود. روي عنه خلق منهم : أبو عبد الله الخفيف، وأبو بكر المقرئ ، وابو عبد الله بن منده. توفي بمكة ينة 340هـ. 

9) الحسن بن أحمد بن أبي علي ، المعروف بأبي علي بن الكاتب . كان شيخا زاهدا عابدا من شيوخ البصريين.
كما صحب ابن زركون ، غيرهؤلاء ، جماعة من النساك.

تلاميذه :

انتفع به أهل طرابلس ، وكانوا يعظمونه. كان له سماع وسند عال . ولذا كثر الأخذون عنه . وكان له باع طويل في علوم مختلفة إلا أنه اشتهر بالحديث.

وهؤلاء هم أشهر تلاميذه :

 1- الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد السرقسطي ، عالم فاضل ، رحل فطلب بإفريقية ، وسمع بطرابلس الغرب أبا الحسن علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب المعروف بابن زكرون. الهاشمي الأطرابلسي وقد حدث عنه بكتاب العجلي في معرفة الرجال . وبمصر الحسن بن رشيق. وسافر إلي الشام والعراق وخرسان ، وسمع بهراة من أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي. سمع منه عبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبو ذر الهروي وغيرهما.من تصانيفه : كتاب الوجازة. توفي بالدينور سنة 392هـ. 

2- أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي. من أئمة المالكية سمع من أبي العباس الأبياني ، وحمزة الكناني ، وأبي زيد المروزي وغيرهم. وبه تفقه أبو عمران الفاسي ، واللبيدي وغيرهما. من تآليفه : المهدي, والمنقد من سبه التأويل، والمنبه، وكتاب المعلمين. توفي سنة 403هـ. 

3- أبو الحسن بن علي بن محمد بن المنمر الطرابلسي ولد بطرابلس سنة 348هـ ، وأخذ العلم من ابن ركرون وابن الوشاء والجوهري وابن رزيق وغيرهم. وعنه خلق منهم : أبو القاسم بن محرز القيرواني ، ويوسف بن عبد الرحمن المجريطي. له تآليف من المواقيت و الأزمنة و الفرائض، اشتهر منها كتاب الكافي. توفي سنة 432هـ. 

4- أبو القاسم بن نمر.

5- أبو علي الحسن بن المثني، قاضي طرابلس.

6- أبو الحسن الحصائري، أحمد بن عبد الرحمن القاضي ، صقلي, لقي أبا محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن بن زكرون، وأبا عبد لله بن أحمد بن يزيد القروي. من أهل الفضل والفقه. سمع منه عتيق السمنطاري، وأبو بكر بن يونس وغيرهما.

7- عبدوس بن محمد الطليطلي ، يكني أبا الفرج. سمع من أهل بلده، ثم رحل إلي المشرق رحلتين الأولي سنة ست وخمسين وثلاثمائة. سمع أثنائها ابن زكرون. وسمع بمكة ومصر من أئمة. ثم رجع إلي بلده وبها توفي سنة 390هـ.


تآليفه :

قال المالكي  : له في الفقه والفرائض والشروط والرقائق مصنفات كثيره ، وله في الحديث والرجال تواليف.
وقال تلميذه ابن المنمر  : تعلم الناس منه الفقه والحديث والورع . ولم يذكر لنا مترجمه أسماء كتبه باستتناء كتابين هما :

1) المعالم الفقهية ، ذكره التجاني في رحلته  قائلاً إن شيخه أبا فارس قرأ جملة من المعالم الفقهية لابن الخصيب.

2 )  المعالم الدينية ، ذكر التجاني  أن شيخه المذكور قرأالمعالم الدينية لابن الخصيب علي الفقه أبي العباس الأعجمي الذي ورد من المشرق علي مدينة طرابلس سنة 662هـ.  قاصدا المغرب.
 وربما يكون هذان عنوانين لكتاب واحد. ومهما يكن من أمر فإن تدريسهما بعد وفاة مؤلفهما بفترة طويلة يدل علي أهميتهما وشهرتهما.

زهده :

كان ابن زكرون من الورعين في مطعمه ومشربه ومكسبه ولطفه. هذا هو وصف تلميذه ابن المنمر له.
وقال غير ابن المنمر : أقام ( ابن زكرون ) أربعين سنة لم يضحك، ولم يتكلم في أحد بغيبة، ولا يسمي أحدا بلقب ، ونحوا من خمسين سنة لم يحلف بالله يمينا. وقال له ابن أخيه عندما أملي وصيته : أنسيت الكفاره؟ فقال : لولا أني في الموت ما أخبرتك، ما حلفت بالله منذ كذا وكذا يمينا محقا ولا باطلا، وما علمت أن علي يمينا أكفرها.

مسكنه :

كان ابن زكرون يسكن المسجد المعروف بمسجد المجاز ، بطرابلس ، أقام ساكناً به ، فيما يقال ، أربعين سنةً . 

رحلاته :

لم يتطرق أحد ممن كتب عن ابن زكرون – فيما أعلم – لرحلاته إلا ما ذكره عياض  من أنه صحب ربيعا القطان وسلك معه الشامات وشق معه القفار. ولكنا بدراسة شيوخه الذين تلقي العلم عنهم نستطيع أن نجزم بأنه ارتحل إلي مصر والحجاز علي الأقل، ولا نعرف متى كان ذلك، وربما حدث هذا أثناء ذهابه لأداء فريضة الحج، كما كانت عادة العلماء، كما هو معلروف، فإنهم يغتنمون فرصة مرورهم ببعض البلاد فيمكثون فترة، تطول أو تقصر، للتلقي عن شيوخها، كما أن موسم الحج كان موسم عبادة وعلم ، فقد كان يلتقي فيه العلماء من كل الأصقاع فيأخذ بعضهم عن بعض.

وفاته :

لانعرف علي وجه التحديد متي ولد ابن زكرون ، وربما يكون تاريخ ولادته سنة مائتين وتسعين أو قبلها بقليل؛ إذ أن ابن الجارود أحد شيوخه توفي سنة 307هـ.  أما وفاة ابن زكرون فقد كانت سنة 370هـ.  فرحمة الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة إنه سميع مجيب.

خاتمة

وبعد فقد القيت الضوء – ما استطعت – علي حياة رجل من رجالات العلم بطرابلس ، ساهم في بناء صرح العلم في بلده بل وفي منطقته كلها بعد أن نهل العلم من ينابيعه في طرابلس ومصر ومكة.

ولا أزعم أني كتبت عنه ما يستحقه. ولكني فتحت الباب لغيري ليتم ما نقصته ويصوب ما أخطأته. والله أدعو أن يحعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم. وهو حسبي ونعم الوكيل, وصلى الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.

* عن كتاب " أضواء على جوانب من حياة ليبيا العلمية "*
  
أهم مصادر البحث :

1- الأثر السياسي والحضاري للمالكية في شمال افريقية حتي قيام دوله المرابطين
 2- تاريخ بغداد : أحمد بن علي الخطيب البغدادي تصوير دار الفكر – بيروت لمطبعة القاهرة 1931م.
3- تاريخ علماء الاندلس لابن الفرضي. تحقيق إبراهيم الأبياري. دار الكتاب اللبناني بيروت 1984م.
4- تاريخ ابن خلدون ( العبر ) : عبد الرحمن بن خلدون مؤسسة جمال للطباعة والنشر بيروت 1979م.
5- تاريخ ليبيا الاسلامي : عبد اللطيف البرغوثي منشورات الجامعة الليبية 1973م .
6- ترتيب المدارك : القاضي عياض تحقيق مجموعة من الاساتذة نشر وزارة الاوقاف المغريبية.
7- جذوة المقتبس : محمد بن أبي نصر الحميدي. تحقيق أبراهيم الأبياري دار الكتاب اللبناني بيروت الطبعة التانية 1403هـ 1983م.
8- حلية الأولياء : أبو نعيم الأصبهاني. دار الكتاب العربي – بيروت الطبعة الانية 14000هـ 1980م.
9- رياض النفوس : أبو بكر محمد المالكي تحقيق بشير البكوش دار الغرب الإسلامي بيروت.
10- الديباج المذهب : إبراهيم بن فرحونتصوير دار الكتاب العلمية بيروت لطبعة القاهرة 1353هـ.
11- رحلة التجاني : عبد الله بن محمد التجاني تحقيق حسن حسني عبد الوهاب. الدار العربية للكتاب 1981م.
12- سير أعلام النبلاء : محمد بن أحمد الذهبي جـ 14 تحقيق أكرم البوشي مؤسسة الرسالة – بيروت الطبعة الرابعة 1406هـ 1986م.
13- مختصر تاريخ دمشق : محمد بن مكرم ( ابن منظور ) جـ 3 تحقيق راض عبد الحميد مراد جـ 26 تحقيق أحمد حموش دار الفكر دمشق الطبعة الأولي 1404هـ , 1409, 1989م.
14- معجم البلدان : ياقوت الحموي. دار صادر بيروت 1979م.

الجمعة، 25 يوليو 2014

جريدة الأسد الإسلامي ..موحمد ؤمادي

في مصر اصدر سليمان الباروني صحيفة .. والشيخ سليمان الباروني، زعيم، وأديب وصحفي. فهو شخصية فذة تعددت جوانبها وتلاقت مواهبها في ميدان الخدمة الوطنية، وعلى مسرح الحركة الفكرية. وقد قدمنا دراسة عن سليمان الباروني في كتابنا ـ لمحات أدبية عن ليبيا ـ وكتفينا هناك بالجانب الأدبي وإلقاء الأضواء على ديوانه. أي تعرضنا له كشاعر وأديب، وهنا نريد ان نعرف أو نتعرف عليه كصحافي.

اصدر في القاهرة جريدة (الأسد الإسلامي ). وكما هو مفهوم من اسم الجريدة، كانت تعنى بالقضية الإسلامية وفكرة الجامعة الإسلامية. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت بوادر الوعي العربي لم تأخذ شخصيتها الخاصة بعد، بل كانت هناك الفكرة الملتهبة في صدور الشباب المتوثب، والفكرة اللامعة في أدمغة المفكرين وعلى أقلام الكتاب، كانت فكرة أوسع نطاقا من القومية العربية أو الشخصية العربية ـ كانت آنذاك الدعوة إلى الجامعة الإسلامية فكرة ومبدأ، وعقيدة وسياسة، تأثر بها الأدب والبحث والدراسة التاريخية، ومن اجلها أثيرت قضايا وإثارات، وبدأت ملاحظات وإشارات.

وفكرة الجامعة الإسلامية في تلك الأحايين قد يكون ملهبها شيئين: العقيدة الدينية من ناحية، وحركة جمال الدين الأفغاني وتلاميذه من ناحية أخرى ؛ وهناك أيضا سبب آخر قد يكون أكثر امتدادا وهو وجود خلافة وأمير للمومنين. من اجل هذا قد تلمس فكرة الجامعة الإسلامية في كتابات أهل الصحافة في ذلك العهد، أمثال رشيد رضا وعلي الغاياتي وعبد العزيز جاويش، ومن ليبيا أمثال محمد البوصيري وعلى عياد وسليمان الباروني واحمد الفساطوي الخ…

وأكثر كتاب ذلك الجيل كانت دعوتهم في الصحف أو في المنتديات تدور حول الجامعة الإسلامية، وعلى هذا كانت جريدة (الأسد الإسلامي) تهتم كل الاهتمام بقضية الجامعة الإسلامية، فهي من صحف الفكرة والمبدأ، والعقيدة لا من طراز صحف الإخبار والأنباء.

وكان يكتبها سليمان الباروني ويحرر صفحاتها بإخلاص وحرارة. وإصدار جريدة، كان أمنية لدى هذا الكاتب الأديب طالما راودته السنين الطوال، ولم يستطع إصدارها في بلدة طرابلس وسمحت له الظروف بإصدارها في القاهرة مؤقتا. وكان عازما على نقلها إلى طرابلس الغرب، لو عاشت الجريدة وطال بها العمر .

كان صدورها في أوائل ابريل سنة 1908 إفرنجي، أي السنة التي صدر فيها الدستور العثماني، وبدئ في عهد الحريات بعد كبت طويل واستبداد مظلم وخنق للحريات. وكما رأينا في صفحات سابقة فقد نشط أدباء طرابلس وشبابها المتوثب في هذه الفترة، فكان صدور صحف الترقي والعصر الجديد والكشاف الرقيب وأبو قشة الخ…

كل هذا وغيره من النشاط الصحفي كان في تلك الفترة المتقاربة ؛ وتكاد ان تكون سنة 1908 إفرنجي الموعد المتفق عليه كأنهم مع موعد سابق، أعطيت لهم الإشارة فانطلقوا سراعا. كانت أمنيات وخواطر لدى كتاب طرابلس تجيش في الصدور، ثم غدت منقوشة في الطروس. وفي الوقت الذي صدرت فيه صحافة جديدة في طرابلس، صدرت الأسد الإسلامي بالقاهرة، ذات زمجرة وزئير، واتخذ سليمان الباروني لجريدته شعارا …الآية الكريمة “ وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا“.
الصفحتان الأولى والأخيرة من الجريدة
 وكتب على صدارتها ما يشير إلى نظامها وانتظامها (جريدة دينية سياسية أدبية أسبوعية). وجعل قيمة الاشتراك (50) قرشا في السنة داخل القطر المصري، والاشتراك في الخارج (60) قرشا.. أو قيمة خمسة عشرة فرنكا تدفع مقدما.

وكان صاحب الجريدة كريما متساهلا مع رجال الدين، ومن يمت إليهم، فقد أعلن في صدارتها :
“يرسل الأسد الإسلامي بنصف القيمة لمؤيدي الجوامع وتلامذة المدارس وطلبة العلم بالأزهر الشريف وغيره من المعاهد العلمية، وجامع الزيتونة بتونس“ وهي أسبوعية مؤقتة وكذلك صدورها في مصر مؤقت ؛ وكان بوة الصحفي النشيط ان يصدرها يومية وان يصدرها في بلاده فلم تسعفه الظروف على تحقيق هذا ولا ذاك.

وكانت إدارة الجريدة بالمطبعة التي أسسها وسهر عليها وعلق عليه آمالا كبارا في النهضة الفكرية. ولعل سليمان الباروني أول ليبي ينشئ مطبعة خارج بلده، أو لعله ليبي يكون مطبعة بمفرده.

فقد كانت في طرابلس مطبعة (الترقي). ولكن، كما سبق ان اشرنا هذا الكتاب، هي شركة مساهمة لا يمتلكها شخص واحد.

ومطبعة الباروني كان مقرها في (الحبانية) شارع محمد علي رقم (36)، هذا الشارع الصاخب الذي كان في أيام ازدهاره وليالي عزه يموج بأهل الفن والرقصات، و( العوالم) بجانب المكتبات والمنتديات الوقورة: الندان، والضدان، علماء وأدباء وحانات وليالي ملاح.
محمد علي :شارع صاحب وحي زاخر يموج بصنوف من الخلق، وفيه إدارات لمجلات وجرائد ومطابع عدة.

في ذلك الجو كان الصحفي الليبي يحرق أعصابه بين عجلات المطبعة الدائرة، وأوراقه وكتبه التي يشرف علي طبعها، في حركة متواصلة ونشاط لا يهدأ، وهمة لا تعرف التعب وعزيمة لا يتطرق إليها الملل.

وجريدته كانت ذات أربع صفحات فساح عراض … كل صفحة ملؤها خمسة انهر من الكلام المتدفق الرقراق، فهو كاتب مسترسل .. يندفع معبرا عن عقيدته ومن وراء العقيدة قلم، وأو قل من وراء القلم عقيدة وفكرة. وحرر جريدته بأسلوب سهل بعيد عن التكلف ونبرات السجع وأشواكه، سطر مقالاتها ببيان واضح ولم يلجأ إلى الزخرفة والهلهلة، فهو يكتب في ذلك موضحا طريقة في الكتابة الصحفية ومنهاج أسلوبه في الجريدة :
“ عزمنا على تحريره بكيفية سهلة المأخذ تناسب المقام، فلا علينا ان لم نتفنن في الأساليب البلاغة ولم نأت من الألفاظ اللغوية بما يعجز العالم فضلا عن الجاهل ويحتاج إلى مراجعة القاموس. وإلا كانت خدمتنا خاصة باستخدامنا قرائحنا، وتعليمنا أنفسنا أساليب التحرير، وكانت الفائدة المقصودة ضائعة وهي إرشاد العامة. نعم، فسنستعمل في ذلك طريقا يدرب المشتركين شيئا فشيئا على التدرج حتى يألفوا الأمر، والله الموفق “ .

ومن طريف ما يذكر أو من طريف ما يكتب، ان الشيخ سليمان الباروني عندما اصدر جريدته الأسد ونزل إلى ميدان الصحافة، احتج عليه بعض الأعيان والعلماء من الطراز القديم، واستغرب صنيعه هذا شخصيات من الجزائر وتونس وطرابلس .. كيف يصدر جريدة ؟ .. ويحترف صناعة (الجرانين) … ويمتهن مهنة الجرائد وهو شيخ الفاضل والعالم المحترم، الذي يتمتع بمكانة دينية، وهو صاحب الشخصية المحترمة في مذهبه المحافظ..

وعندما حمل إليه البريد هذه الاحتجاجات وعندما وصلته أيضا مشافهة، ضحك الشيخ سليمان الباروني من هذا الاحتجاج، ومن تلك النصائح الغالية، التي يحرضه فيها أصحابه على ان يترك الصحف والاشتغال بها لأنها في نظرهم شيء غير لائق .. والجرائد على حد نصحهم، واعتبارهم وتعبيرهم، الجرائد لا أهمية لها، وإنها وعاء ملئ سفاهة، ومعرض يتعرض لأخلاق الناس، وإنها مناط الغبية والنميمة، ومشغلة تلهي عن العبادة. ورسائل هؤلاء الأفاضل عديدة طويلة، ووصلت إليه من أنصاره وأصدقائه، لاسيما شيوخ الين وعلماء (الإباضية) وغيرهم ؛ واحتج هؤلاء بان الصحف (تحوي الكلام الفارغ الذي لا يغني، كباع فلان واشترى فلان أو قدم أو سافر وتزوج فلان) هذا زعم الناصحين الشيوخ ولكن سليمان الباروني كان رجلا تقدميا حر الفكر، جمع بين ثقافة القديم وثقافة الحديث، وسافرو ارتحل واشتغل بالسياسة والأدب، وشارك في الحروب والجهاد، فهو نموذج لشخصية متعددة الجوانب ؛ لهذا رد على هؤلاء الثائرين من اشتغاله بالصحافة. رد عليهم في رفق وأين وأناة، مدافعا عن الصحافة وموضحا رسالتها في تنوير الآراء وشحذ الأفكار الدفاع عن الأوطان وخدمة المجتمع، ومن ذلك قوله :
“ أما في مصر، التي يصدر فيها الأسد، وفي ما يشبهها من الأقطار، فللجرائد شان وخطة… ما استقام منها خطة. لها الفضل السامي في خدمة الهيئة الاجتماعية وليست من صنف ما عللوا. وعليه فيسير (الأسد بعون الله) على النهج القويم، وسيبين في الأعداد الآتية سبب ظهور الجرائد ونتيجتها وما لها من الأهمية، دين ودنيا، حتى يزول ما بخواطرهم من الوهم “ أهــ .
الصفحتان الداخليتان للجريدة
إيه والله، إنه من الوهم أو مر الوهم يا سيدي، ان يطن أولئك، عفا الله عنهم، ان الجرائد مشغلة فارغة، وان الصحافة وعاء مليء سفاهة … ولكن هؤلاء الناصحين المشفقين عندما تظهر عليهم جريدة الأسد الإسلامي حاملة على اللورد (كرومر )، ومفندة مزاعم الاستعمار، ومساهمة في نشر الفكر الإسلامي الحر المشرق المشرف، وعندما يلمس فيها القارئ روحا تنبض بالروح الإسلامية .. عند ذاك يدركون قيمة الجريدة، وان الصحافة وعاء مليء علما وأدبا، وفضلا، وهي مهنة لها رسالة سامية وكلمة طيبة عالية.
ومن طرائف المعارضات أو المعاريض لون آخر ؛ فعندما ادخل نور الكهرباء (إلى المدينة المنورة) كتب رجل رجعي في إحدى جرائد الجزائر محذرا من هذه البدعة.
وانبرى الصحفي التقدمي سليمان الباروني رادا على سخافة الكاتب الرجعي، وموضحا بأسلوب عصري خطر الرجعية على الأفكار، وشلها للتقدم والعمران. وعمات جريدة الأسد الإسلامي على التنديد بالرجعية العقيمة، ودعت إلى التحرر الفكري من الجمود المعرقل، ودعت إلى الأخذ بوسائل التمدن الحديث، ومقومات الحضارة العصرية، مع المحافظة على دعائم الشخصية الإسلامية والطابع الشرقي.
ومن ناحية السياسة كانت هذه الصحافة تؤيد الحزب الوطني ومبادئ الزعيم (مصطفى كامل) وخلفيته السياسي (محمد فريد ). ونرها تنشر خطاب (محمد فريد) الذي ألقاه في إحدى المناسبات السياسية وتعلق عليه. كما نشرت قصيدة طويلة من نظم رئيس التحرير رثى بها الزعيم (مصطفى كامل ). كما نشر قصائد سياسية أخرى جمعها فيما بعد في ديوانه المعروف.
وساح سليمان الباروني في سبعة أشهر زار فيها مرسيليا ومالطة وتونس والجزائر، وكان يود أم يسجل رحلته في صحيفة أو في كتاب خاص، كما سجل (احمد فارس الشدياق) رحلته إلى مالطة وأوروبا .
ووجد الباروني في رحلته مواضيع ومواد تصلح للنشر، وبدأها بالعدد الثاني، وكان يود ان يتابعها مسلسلة لولا تقف الجريدة.
وعمل الباروني في جريدة الباروني الصحفي الشاب (احمد الفساطوي) الذي كان، أوان ذلك، لا يزل طالبا بالأزهر، وكتب مقالا طويلا عريضا عميقا بعنوان (الإسلام وتقدم أهله … لم نتأخر لأجل الدين لا) وساقه فيه الأدلة على تقدم المسلمين في ظلال الذين وإشراق الفكر الإسلامي .. وأشاد بما أداه فلاسفة الإسلام من خدمات جليلة في تطور الإنسان وتقدم ركب الحضارة وازدهار المدينة .
وإعلانات جريدة (الأسد) التي نشرتها كانت تتصل بحركة الفكر والطبع والنشر، ولم ينشر الصحفي الباروني إعلانات تجارية ولا أخبار البضائع … بل كانت الإعلانات عما يشرف على طبعه هو، مثل ديوان (السيف النقاد) للحضرمي.
وكتاب (الأزهار الرياضية) الذي ألفه صاحب الجريدة وكتاب الأماني .. وفاء الضمانة بأداء الأمانة الخ…
ولعل مرجع هذا إلى ان فن الإعلان التجاري لم يكن متقدما في صحافة ذلك العهد، ولك ان تتصور الإعلانات وحالها منذ نصف قرن مضى.

وقد يرجع أيضا إلى اهتمام صاحب جريدة (الأسد) بالنشر والطبع، وخاصة انه صاحب مشروع فكري لمجموعة من الكتب التي يخرجها ويشرف عليها … وفي هذا المضمار أدت مطبعة (الباروني) خدمة جليلة وخاصة في تاريخ المذهب الاباضي، وفقه وأدب المذهب الإباضي، الذي له أثره في الشمال الإفريقي وعمان ومسقط الخ…

ورغم همة الباروني وحماسه الملتهب لعمله الصحفي، ورغم نجاح الجريدة من حيث إقبال وتشجيع معارفه وأصدقائه في سائر البلدان الإسلامية، مع الأسف، فإنها لم تعمر طويلا ولم تعش سوى ثلاثة أعداد فقط. وذلك لظروف أرغمته على إغلاقها، وليست الظروف السياسية القاسية أول مرة تعاكس (سليمان الباروني )، فقد أحرقت له الإدارة العثمانية كتابا، وصادرت له آخر.

جريدة الأسد وكرومر

كرومر، المعتمد البريطاني لمصر، الذي قام بأكثر من فصل في مسرحية الاستعمار البريطاني بمصر،كرومر، الذي ظل أكثر من ربع قرن في وادي النيل مسيطرا على دفة الأمور السياسية، فقد حضر إليها في سبتمبر 1883 إفرنجي وغادرها سنة 1907 إفرنجي.

هذا اللورد، الذي كانت ترتعش من مفاصل حكام مصر قيل تحررها، المعتمد البريطاني المرعب الذي كان له الحول والطول والأمر والنهي، والذي تصدى له الحزب الوطني وناصبه العداء، والذي حاول إيقاظ الفتنة بين صفوف الأمة الواحدة، والذي حدثت كارثة دنشواي في عهده الحالك .. كرومر، الذي يعتبره الوطنيون في مصر كابوسا ثقيلا، فلما أزيح وراح، تنفسوا الصعداء، وودعه الكتاب والشعراء في الصحف بعد عزله بما يليق بمقالات وقصائد ؛ وكان لمغادرته البلاد رنة فرح في جميع الأوساط.

ودعه (شوقي) وحافظ) بأبيات طوال، ولهجة فيها سخرية وتهكم، وأشار الشاعران إلى لمزه وطعنه وتحامله على الذين الإسلامي الحنيف، فقد كان هذا اللورد مشهورا بتحامله على الشرق، وطعنه في الإسلام بما ألف وسطر وقرر. فهذا شوقي من قصيدة في ستين بيتا يقول منها:

أيــأمـكم أو عهــد إسمـاعيـــلا أم أنت فرعون يسوس النيلا
أم حاكم في ارض مصر بأمره لا سـائلا أبـدا ولا مسـؤولا
يا مالــكـا رق الــبـلاد بـبـأســه هلا اتخذت إلى القلوب سبيلا
فارحل بحفـظ الله جل صنيعـــه مسـتـعفيا ان شئت أو معزولا
واحمل بساقك ربطــة من لنـدن الخ …..

وهذا حافظ إبراهيم يقول من قصيدته في توديعه :

لـقد حـــان تــوديـع العـميـد وانه حقيق بتشييع الـمحـبـين والـعـدا
ولولا أسى في دنشواي ولوعــة وفاجـعة أدمــت قـلـوبـا وأكـبدا
ورمــيك شعــبا بالـتعصـب غـافلا وتصويرك الشرقي غرا مجردا
لـــدمنا أســى يــوم الـوداع وأننا نـرى فيـك ذاك المـصلح المتوددا
قضــيت علــى أم اللــغات وانــه قضاء علينا أو سبيـل إلــى الردى
حجبت ضياء الصحف عن ظلماته ولم تستقل حتى حجبت (المؤيدا)
واودعـــــت الــــوداع مغامــــرا رأيــا جــفــاه الـــطــبــع مـجـسـدا

وساهمت جريدة (الأسد الإسلامي) في الحملة على اللورد كرومر. وذلك ان كرومر ألف كتابا دنيئا وطعن فيه على أعظم شخصية مقدسة في تاريخ الإنسانية، متحاملا على النبي محمد (صلوات الله وسلامه عليه) ولمز الذين الإسلامي.

وانبرت هيئات العلماء وتبارت أقلام المفكرين للرد على مفتريات الانجليزي الموتور ردا مدعما بالأدلة والحجج. وكانت هذه الردود لها قيمتها، كرد الشيخ محمد عبده على مفتريات الفرنسي الخواجه (هانوتو) وكان لجريدة الأسد الزئير المجلجل في هذا المجال، في عددها الثاني بصفحتها الأولى تكتب مقالا يستغرق ثلاثة أعمدة ردا على اللورد كرومر في كتابه، ودافعت جريدة الأسد عن الفكر الإسلامي وعن النبي الإسلامي وفندت ترهات المدعين وفظائع كرومر.

وبهذه المناسبة قدمت جريدة الأسد اقتراحا بتكوين حزب يسمى (الدفاع عن الإسلام) فيكون من العلماء وأفذاذ المفكرين والكتاب، تكون مهمته الدفاع عن الذين الإسلامي، ورد مطاعن المفترين والذين يحاولون ان يشوهوا حقائق الإسلام، واقترحت الصحيفة ان يرأس الحزب شيخ الأزهر. وهي في الواقع فكرة نيرة واقتراح سديد، ليت علماء الشرق ينفذون هذه الفكرة في صورة جماعية أو هيئة أو ندوة، تقوم مثلا بترجمة ما يكتبه الأجانب عن الإسلام والشرق والعرب، ويدافعون عن الإسلام والعروبة، وينشرون ذلك بلغات أجنبية. أننا في حاجة ماسة إلى تحقيق هذه الفكرة التي قدمتها واقترحتها جريدة الأسد منذ نصف قرن مضى، لا زلنا في حاجة إلى تحقيقها الآن، بدل المجهودات الفردية التي يقوم بها بعض الكتاب، وان كانت مجهودات موفقة طيبة.

عن موقع تامارتات 

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

في تأبين الإمبراطور الأخير في لبدة الكبرى (عمر صالح المحجوب ) ...يوسف أحمد الختالي

في تأبين الإمبراطور الأخير في لبدة الكبرى.
عالم الآثــار الليبي، وفخر الأمــة الليبية.
الأسـتـاذ /المرحوم عمر صالح المحجوب

الســـيرة الذاتية:
الإســــم: عمر صالح المحجوب
تاريخ الميلاد : سنة 1923 م.
مكان الميلاد : الخمس / لبدة الكبرى.
المستوى الدراسي : دراسة في كتَاب الخمس فقط لحفظ القرآن الكريم واللغة العربية.- شهادة ابتدائية ( عربي / إيطالي ) من مدرسة الخمس.


تاريخ الالتحاق بالعمل : سنة 1938 م.


التسلسل الوظيفي :


1. وظيفة إدارية في مكتب آثار لبدة- من سنة 1938 م إلى سنة 1954.
2. وظيفة فنية (ملاحظ) في نفس الإدارة- من سنة 1954م حتى سنة 1969م.
3. وظيفة رئيس مكتب أثار لبدة من 01/10/1969م حتى 29/04/1973م.
4. مراقب أثار لبدة من 29/04/1973م حتى 01/10/1990م
حيــث أحيل إلى التقاعد.
5. مستشار لمراقب أثار لبدة لمدة عامين.


الدورات التدريبية والمــؤتمــرات العلمية :


1. التحق بدورة تدريبية في مدينة فيرونا في إيطاليا في ترميم الآثار سنة 1963م.
2. اشترك في مؤتمر دولي لدارسة الفسيفساء في مدينة رافينة في إيطاليا.
3. اشترك في ندوة في المركز الدولي لصيانة الممتلكات الثقافية بروما في سنة 1978م.
4. شارك في دورة في ترميم المعالم الأثرية بمدينة أتكونا بإيطاليا
5. شارك في المؤتمر الدولي لآثار البحر الأبيض المتوسط بمدينة مرسيليا في سنة 1988م.
6. شارك في العديد من المؤتمرات الأثرية المحلية والعربية.
أعمال الترميم والصيانة بمراقبة آثار لبدة :-
الإشراف على ترميم مدينة لبدة وخاصة حلبة المصارعة (الميدان المدرج) ودارة سيلين بمنطقة سيلين.


أعمال الحفائر :-


1. القيام بحفائر الميدان المدرج بمدينة لبدة.
2. القيام بحفائر دارة سيلين بمنطقة سيلين.
3. شارك في حفريات فيللا حمامات الصيد . وهو يؤمن إيمان كامل بأنها فيللا وليست حمامات خاصة لإحدى نوادي الصيد كما يعتقد جون ورد بيركنز العالم الإنجليزي.
4. المشاركة في حفائر ميناء لبدة القديم بالخمس والدارة التي كانت اسفل مدرسة إبراهيم الرفاعي.
الإشراف على الحفائر الطارئة التي تظهر بالمراقبة مثل المقابر و الدارات وغيره.


أعمال المتاحف :-


أشرف على إعادة تنظيم العرض في المتحف القديم (الإيطــالي) لمدينة لبدة الكبرى.
المشاركة في دراسة وعرض متحف لبدة الجديد.
تأسيس متحف خاص للفسيفساء المستخرجة من لبدة العتيقة ، وكان ذلك أخر أحلامه وقد تحق الآن بالفعل. 


النشر العلمي:


1. كتب موضوعات مختلفة في مجلة ليبيا القديمة عن الحفائر الأثرية.
2. أشرف على الجزء الخاص بدراسات المساجد في منطقة الخمس في الموسوعة الإسلامية.
3. نشر كتاب مصور عن تقريره الأولي حول فسيفساء فيللا وادي يـاله " سيــلين".


البعثات الأجنبية :-


اشرف إشراف كامل على البعثات الأجنبية العاملة في المراقبة سواء أعمال الحفائر أو الترميم أو التسجيل.
شارك برأيه وخبرته الفنية والعلمية في أكثر الأعمال الأثرية في مراقبة آثار لبدة وغيرها من المراقبات.
أصبح منذ ســـبعينات القرن الماضي مــرجعــا أسـاسيا لكل باحث في مجالي الأثار والتاريخ الليبيين, وهــكذا نجد
منذئذ معظم منشورات الباحثين الليبيين والجانب لا تخلو من ذكر اسمه كمصدر علمي.


خـــلال فترة مراقبته، سجلت مدينة لبدة في منظمة اليونسكو كأحدى معالم التراث العالمي التي يجب المحافظة عليها نظراً لأهمــية تاريخها العظيم ومبانيها الخالدة ودورها الحضــاري في مســيرة البشـــرية.


أحب لبدة الكبرى – ولا يزال قدوة لنا في محبتها – وعمل جاهدا على حمايتها من الأخطار بالآثار، ودافع عن كنوزها في أكثر من موقف يشهد له التاريخ، مثل تلك الحادثة التي حصلت بعد انتصار الحلفاء على الأراضي الليبية وأراد أحد الجنود الإنجليز تسلق عمود من الجرانيت في الميدان القديم بالمدينة العتيقة لكي يعلق عليه علم بريطانيا، منعه الأستاذ المرحوم عمر المحجوب من القيام بذلك وأمره أن ينزل فورا ، من كان يقدر أن يفعل ذلك مع منتصر يمثل دولة عظمى ولا تزال خمر الانتصار تداعب رأسه.
ولقد أخبرني يومــا، رحمه الله – أنه خاض نقاشا طويلا ومريرا مع البعثة الألمانية التي تعمل في وادي لبدة، لكي يمنع رئيسها " زيجرت" من تحويل فسيفساء المجالد الصريع من مكانها في فيللا وادي لبدة، إلى متحف الفسيفساء .


كان المرحوم يحب علم الآثـار، ويحب أن يعلمه - ولقد نهلنــا الكثير من علمه الغزير رضي الله عنه ما كان يحتكر فكرة واحدة لنفسه وإنني على يقين، أن الكثيرين من العلماء الأوربيين والأمريكان قد أخذوا عنه الكثير وأشاروا إلى ذلك في منشوراتهم.

توفي في مـديـنة الخـمس- في يـوم الأحد10/11 الموافق6 رمضان / 2002 رحمـه الله وأسـكـنه فســيح جــناتـه وألهـــم ذويــه الصــبر والسـلوان. كان الأســــتاذ عــمر المـــحـجوب رحمه يمتاز بالأخلاق العالية والإخلاص في عمله وحبه للآثار والتاريخ , ذو خبرة عالــية في مجالات الآثار المختلفة, وذوق رفيع في العرض المتحفي. شارك بجهده وعلمه وخبراته محليا ودوليا في إظهار أهمية الآثار الليبية عامة، ومدينة لبدة خاصة. أفـــاد بعــلمه الغــزير أجيــالا من بعده، سوف لن تنسى له جميل أعمالــه، وإنا لله وإنا إليه رجعون.


فى ذكرى وفاة الراحل