الثلاثاء، 25 مارس 2014

جامع مراد آغا..... هل كان رباطا جهادياً ؟ ...م.حسام عبدالسلام باش إمام*

مقدمة:
بعيد سقوط الأندلس في يد الإسبان الكاثوليك وكان ذلك سنة 1495 م على يد ملك قشتالة وملكة الأرغون فيرديناندو وإيزابيلا اللذين باشرا حملة لطرد وتهجير المسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية ومن الأندلس على وجه الخصوص، وبمرور السنوات وازدياد الحملة الصليبية الكاثوليكية ضراوة التي توجت بمحاكم التفتيش ،صدر قرار بعد 100 سنة من أعمال التطهير بتحريم الدين الإسلامي في اسبانيا وقتل وتشريد وطرد كل من يثبت انه مسلم أو عليه تغيير دينه.
في ظل هذه الظروف القاسية على المسلمين وفي خضم هذه الأحداث الرهيبة سخر الله للمسلمين قوة إسلامية ناشئة بدء نجمها يبزغ في أسيا الصغرى على هضبة الأناضول وسواحلها وعلى الطرف الشرقي من البحر المتوسط ، أسس العثمانيون الأتراك القادمين من سهوب أواسط أسيا الدولة العثمانية التي اتخذت الإسلام دينا وحلت محل الخلافة العباسية، وقد وضعت استراتيجيتها للتصدي للتوسع الأوروبي الصليبي بقيادة إسبانيا الذي بدء فعلا يحتل المدن الإسلامية على طول الساحل الشمالي في أفريقيا في هجوم معاكس وردة فعل مشحونة بالمشاعر الصليبية المعادية للإسلام والمسلمين، فكان لا بد أن يحدث صدام بين قوتين عالميتين وحضارتين مختلفتين في هذه الفترة الحساسة من تاريخ المنطقة، ومثل هذا الصدام من جهة المسلمين بقيادة الدولة العثمانية والمسيحيين الصليبيين بقيادة إسبانيا وكان ميدان المعركة حوض غرب البحر الأبيض المتوسط شكل (1)،ومع نشوء هذه القوة الإسلامية الشابة ونتيجة لحالة الضعف التي كان يعاني منها العالم الإسلامي وضعت الدولة العثمانية استراتيجياتها للتوسع نحو سواحل شمال أفريقيا وبذلك اصطدمت بأساطيل الدول المسيحية بقيادة اسبانيا التي كانت لها استراتيجية مضادة في حركة الهجوم المعاكس بعد طرد المسلمين من الأندلس لاحتلال شواطئ شمال أفريقيا .

في هذه الفترة التاريخية المليئة بالأحداث والملاحم بزغت بطولات لربابنة وبحارة مسلمين من دول شمال أفريقيا وربابنة عثمانيين مثل الريس درغوث الذي أستشهد في حصار مالطا شكل (2) وخير الدين بربا روسّا الذي خاض الكثير من المعارك مع الأساطيل المسيحية ،حيث عرفت هذه الفترة فيما بعد بحروب القرصنة حسب المصطلح الأوروبي، إلا أنها كانت في حقيقتها حروب جهادية خاضها المسلمين للدفاع عن بلادهم، في هذه الفترة تم احتلال مدينة طرابلس سنة 1510 ميلادية من قبل الإسبان الكاثوليك وبالتالي لم يكن بدا لأهالي مدينة طرابلس المسلمون إلا أن يستنجدوا بالسلطان العثماني، إضافة إلى تلبية نداء الواجب والدين حيث كان للمشاعر الدينية أهمية بالغة في شن هذه الحملة، وكانت عملية تحرير وإنقاذ طرابلس تكتسي أهمية كبرى في استراتيجية الأسطول العثماني وذلك لموقع المدينة الاستراتيجي والمدن الأخرى بشمال أفريقيا والتي تقع ضمن الخطة العامة للدولة العثمانية لوقف التمدد الصليبي في شمال أفريقيا ، وحيث أن المشاعر الدينية والاستراتيجية  تقاطعت في هذه النقطة أرسل السلطان سليمان القانوني بعض من عساكره بقيادة مراد آغا حيث أقام في ضاحية تاجوراء استعدادا لتحرير طرابلس ، بعدها قام السلطان بإرسال أسطول بحري لتحرير طرابلس ،وفي هذه الفترة التاريخية بالذات انتشرت الرباطات الإسلامية.

وهي قلاع بحرية محصنة تقام قريبا من شاطئ البحر للحراسة والرصد لأي مراكب أو أساطيل معادية تحاول القيام بأعمال عدائية، ومن المرجح أن بداية فكرة هذه الرباطات بدأت منذ الغارات التي كان يقوم بها النورمنديين من الأوروبيين على الشواطئ الإسلامية في شمال أفريقيا منذ القرن الثاني عشر الميلادي وبذلك نشأت فكرة المحارس والرباطات لحراسة هذه الشواطئ ،وكان يدفع هؤلاء إحساس عميق بالواجب الجهادي والدين لحراسة ثغور المسلمين ومن المرجح أن كلمة مرابط ورباط شاع استعمالها في شمال أفريقيا منذ دولة المرابطين حتى أن بعض الرباطات كانت مركز جدب للسكان وتوسع العمران حولها حتى أصبحت مدن ،كما هو الحال في مدينة الرباط بالمغرب الأقصى . 

في ليبيا لا توجد حاليا مباني تاريخية تمثل هذه الرباطات ولكن توجد فقط بعض الأضرحة المنتشرة على طول الشواطئ الليبية شكل (3 ) والتي تعود إلى أناس عباد زهاد يسموا محليا بالمرابطين ويقال أن سبب وجودهم في هذه المواقع الاستراتيجية يعود إلى رباطهم وفي هذه الحالة بشكل فردي على الشواطئ بغرض الحراسة والمراقبة (1).وتوفر هذه الخلوة فرصة جيدة للعبادة والتدبر في ملكوت السموات والأرض.
في ورقتنا هذه اخترنا جامع مراد آغا بتاجوراء الذي يعبر من حيث طريقة بنائه عن تصميم متميز ويوحي أنه كان يستعمل كرباط جهادي في تلك الفترة من التاريخ التي كانت تتميز بالنشاط البحري للقرصنة المسيحية على الشواطئ الإسلامية ، إذا فهذا الجامع لم يكن غريبا على النسيج الذي انتشر في الشمال الأفريقي بل انه كان رباطا من هذه الرباطات وذلك لقربه من شاطئ البحر وطريقة بنائه وهذا ما سنفصله في الفقرات التالية .
1.     نبذة تاريخية:
هناك إشارات تاريخية مختلفة عن تاريخ تأسيس المسجد وردت في عدة مصادر قديمة ومراجع حديثة، ونعرض هذه الإشارات حسب التسلسل الزمني والفترة التاريخية التي كتب فيها هؤلاء المؤرخين عن تاريخ المسجد حتى نستطيع الخروج باستنتاجات تحدد التاريخ الحقيقي لبناء المسجد .
من أقدم المصادر التاريخية التي ذكرت إنشاء المسجد ترجع للطبيب السويسري جيرارد الذي كان مملوكا في طرابلس من سنة 1668م إلى سنة 1676م أي إنه أقام في طرابلس بعد مضي حوالي أكثر من مئة عام على تاريخ تشييد المسجد حيث يقول جيرارد ( إن مراد آغا اغتر باسترداد سيادته على طرابلس في يوم من الأيام فأقدم على بناء قلعة له ،ولما اشتبه درغوت في أمره طلب منه إلغاء خطته فلم يكن مراد بد من الامتثال) . (2)
في نهاية القرن التاسع عشر وأبان العهد العثماني الثاني ذكر النائب الأنصاري في كتابه المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب التالي ( ثم حاصر طرابلس ولم يتيسر فتحها بما لديه من العساكر وفي سنة (57) سبع وخمسين التمس المدد ،ثم أسس طابية صغيرة بين طرابلس وتاجوراء للمدافعة ووجه أنظاره لتمهيد الوطن بكامل الحزم ،وأرسل العمال ،وأمن السبل ،وبسط في الناس العدل ،وقام بالأمر أحسن قيام ،وأسس (الجامع الكبير ) بتاجوراء و(المدرسة ) المعروفة به وأوقف أوقافا جمة) (3) .

في القرن التاسع عشر أيضا كتب القنصل الفرنسي شارل فيرو في حولياته الطرابلسية عن الموضوع فيشير أن مراد آغا أخد بنصائح المرابط عبد السلام الأسمر وشيد جامع تاجوراء الكبير سنة (1552) ميلادية (4) .
وفي بدايات القرن العشرين يقول عزيز سامح (أن مراد آغا أنشأ حصنا صغيرا بمثابة مركز أمامي فيما بين تاجوراء وطرابلس ..وقد بنى في تاجوراء مدرسة وجامعا كبيرا مزدانا بعرصات المرمر ).(5)

أما في القرن العشرين فقد علق الباحث الإيطالي بارتوتشيني على الرواية السابقة التي ذكرها جيرارد حيث قال (لم ينبئنا المؤرخ جيرارد عما إذا كانت القلعة في مرحلة التخطيط فقط أو لا، ولكن الحالة التي نرى عليها الجامع اليوم تجعلنا نظن أن الأمر بالإلغاء قد صدر بعد ما بلغت الأسوار المحيطة للعمارة مبلغها من الارتفاع فوق الأساسات ). (6) 

ويبدو أن المهندس الباحث غاسبري ميسانا اقتنع بما ذهب إليه جيرارد وبارتوتشيني بخصوص تاريخ بناء المسجد حيث يقول (كان مراد آغا ضابطا بالبحرية التركية وممن اشتركوا في الحملة التي شنها خير الدين برباروس على طرابلس سنة 1532م \ 940هـ , تلك الحملة التي باءت بالفشل ولكنها حققت للعثمانيين احتلال واحة تاجوراء الواقعة على بعد ستة عشر كيلو مترا شرقي العاصمة طرابلس. لقد استقر مراد في هذه الواحة ونصب نفسه ملكا عليها محاولا طوال تسعة عشر عاما توسيع رقعة مملكته. وأخيرا في سنة 1551م \959 هـ اشترك جنبا إلى جنب مع درغوت وتحت إمرة سنان باشا ، في معركة الاستيلاء على طرابلس حيث ظل واليا على البلاد، وبعد سنتين استبدل مراد أغا في منصبه برفيقه في السلاح درغوث فانسحب إلى تاجوراء كئيبا متألما ولكن دون أن يستسلم لليأس والقنوط. أن هذا الظرف العادي في ظاهره سيساعدنا على استيعاب التكوين الغريب الذي أراد مراد إقامته في تاجوراء).(7)

في نفس الموضوع يقول أحد المحدثين وهو نجم الدين غالب الكيب (عندما كان مراد أغا يرابط في تاجوراء مع الذين هاجروا من مدينة طرابلس فرارا من حكم الاسبان فكر في بناء مسجده الكبير بها وقد استعان في ذلك بالمسيحيين الذين قبض عليهم أثناء المعارك الدائرة بين البحرية العثمانية والبحرية المسيحية).(8)
بعدها أفاد الدكتور علي البلوشي في معرض تحليله للمسجد (وقبل تناول المبنى بالوصف و التحليل علينا استعراض الظروف التاريخية المحيطة بتشييد المبنى نفسه، تبين المصادر التاريخية أن صراعا حدث بين أميرين حفصيين وهما رشيد و أحمد ، علي أثره التجأ الأخير إلى تاجوراء مع بعض مؤيديه ، وأعطاهم خير الدين بارباروسا موافقته للإقامة في تاجوراء شرق طرابلس بنحو 20ك.م التي كانت أحد مراكز النشاط البحري التركي منذ سنة 1531ف ، وكان مراد آغا متعاونا مع خير الدين برباروسا في النشاط البحري وصار حاكما لمنطقة تاجوراء سنة 1539ف والتي منها كان يقوم بغارات وهجمات على مدينة طرابلس التي كانت تحت سيطرة فرسان القديس يوحنا. وفي سنة 1551ف عين مراد كأول حاكم تركي على طرابلس وفي ذلك الوقت بدأ مراد بتشييد جامعه). (9)
أي أن البلوشي حدد تاريخ بناء الجامع في فترة حكم مراد آغا وليس في فترة إقامته في تاجوراء أو بعد عزله .
مما سبق نستطيع أن نلخص الفترات التاريخية التي حددها هؤلاء المؤرخون لبناء المسجد بثلاثة فترات وهي:
1.فترة مرابطة مراد آغا في تاجوراء من سنة 1532 إلى سنة1551م.
2. فترة حكم مراد آغا لطرابلس من سنة1551 إلى سنة 1553م.
3. فترة مابعد عزل مراد آغا وتولي درغوث باشا الحكم بعد سنة 1553م .

ومن خلال تحليل أراء هؤلاء المؤرخين نستنتج إلى أن مراد آغا قام بتأسيس الحصن أولا في الفترة الأولى فترة المرابطة وتتميز هذه الفترة بالمناوشات مع الإسبان في طرابلس والاستعداد للهجوم وهذا مما يبرر أن مراد آغا أقام هذا الحصن حيت أنه في حالة حرب وذلك لتجميع قوات المجاهدين في تاجوراء، حيث أقام الإسبان ثم فرسان مالطة داخل الأسوار بالسرايا والمدينة القديمة، وأثناء ذلك كانت تحدث بين الحين والآخر مناوشات وهجومات من الإسبان على الريف الطرابلسي سوى ناحية تاجوراء أو ناحية جنزور.(10)، ولازال ليومنا هذا توجد منطقة تسمى (إسبان) تقع على شاطئء البحر عند مدخل تاجوراء الغربي ناحية مدينة طرابلس، ومن غير المستغرب أن يكون الاسم ارتبط بتاريخ هجومات الإسبان على مراد آغا والمجاهدين في تاجوراء.

أما بناء الجامع الكبير الفسيح وبهذا الحجم وكيف تم تحويل هذا الحصن إلى مسجد ، فيبدو أنه من المرجح أن ذلك بدأ في الفترة الثانية أي أثناء تولي مراد آغا الحكم سنة 1551م وثم في الفترة الثالثة أي بعد عزل مراد آغا عن الحكم بعد سنة 1553م، حيث كان لتقدمه في السن وميله إلى الأعمال الخيرية وكونه صاحب ثروة وانتهاء الأعمال العسكرية،أسبابا مقنعة في تحويل هذا الحصن إلى مسجد،وهذا ما يؤكده شارل فيرو حيث يقول في حولياته (كان مراد آغا "وريث السلطانة" يملك ثروة طائلة وعندما أصبح هذا العلج شيخا هرما لم يعد يهتم سوى بالأعمال الصالحة والخيرية ،وأخذ بنصائح المرابط "عبد السلام الأسمر الزليطني " فإنه أوقف جميع أملاكه على بناء المساجد والزوايا والكتاتيب ،فإن جامع تاجوراء الكبير من بنائه ،فلقد أوكل بناءه في سنة 1552 م إلى ثلاثمائة من الأسرى النصارى وبناه بأحجار استقدمت من آثار لبدة القديمة ،ولقد وعد هؤلاء النصارى بإطلاق سراحهم إذا ماشيدوا الجامع على أحسن طراز وبأسرع وقد أوفى بوعده بالفعل وأرسلهم إلى أوروبا تقديرا لخدماتهم ،وتوفى مراد آغا بعد مضي ثلاث سنوات من الانتهاء من تشييد الجامع ،حيث ورى جثمانه في ترابه في حوالي سنة 1555م ويقع ضريحه عند الناحية الجنوبية للسور ).(4) ،من خلال ذلك يتبين أن تاريخ تأسيس الجامع أو تحويل الحصن إلى جامع الذي ذكره شارل فيرو وهو 1552م ينطبق مع تاريخ فترة حكم مراد آغا مما يثبت فيما ذهبنا إليه.

أما ما ذهب إليه المؤرخان جيرارد و باروتشيني من تحليل وزعم أن مراد آغا كان يريد إقامة الحصن بعد عزله وأن درغوث باشا منعه من ذلك، فهذه رواية غير متماسكة فحتى في حالة رغبة مراد أغا في العودة للحكم فإنه يعرف أن هذا مستحيل حيث أن درغوث باشا معين من السلطان ، فضلا عن أنه من المستبعد أن مراد آغا يقيم حصنا في تاجوراء لمحاربة الوالي المعين من السلطان في طرابلس ، والرأي الأرجح ما قاله كل من شارل فيرو والأنصاري،أي أن إقامة هذا الحصن كان استجابة لظروف موضوعية متمثلة في إيجاد قلعة أمامية لمحاربة الأسبان ثم فرسان مالطا في طرابلس.

وفي الفقرة الخاصة بالتحليل الهندسي المعماري لعناصر المبنى ،سنبين الكيفية التي تم على أساسها تشييد المسجد، وهل كان أصلا حصنا أو بيت صلاة أو استحكام قبل أن يتحول إلى مسجد جامع ،وسنتعرض لهذا بالدرس والتحليل في تلك الفقرة وذلك لإثبات ما ذهب له تحليلنا لظروف تأسيس المسجد تاريخا ودعمه بإثبات فني هندسي.

2.     الوصف الهندسي لمبنى المسجد:
جامع مراد آغا شيد على مرتفع صغير في منطقة وسط ضاحية تاجوراء والمسجد يتكون من بيت صلاة ومئذنة خارجية منفصلة يبلغ ارتفاعها حوالي 24 متر ومن ناحية أخرى شيدت المئذنة منفصلة عن كتلة المبنى والجدير بالذكر أن المئذنة الحالية حديثة نسبيا حيت أن المئذنة الأصلية للمسجد شكل (4) انهارت إثر هزة أرضية حدثت سنة 1901م في المنطقة ، و المئذنة الحالية شكل (5)مقتبسة من طراز مئذنة جامع القيروان شكل(6) فهي مئذنة مربعة على الطراز المغاربي ( كانت لجامع مراد أغا مئذنة منفصلة عن الكتلة الرئيسية للعمارة وقائمة على قاعدة رباعية اخذ قطرها في التناقص من أسفل إلي أعلى , وكانت هذه المئذنة تنتهي في قمتها بحجرة صغيرة تسقفها قبيبة.إلا أن هذه المئذنة قد تحطمت في سنة 1901م . ولم يعد بنائها إلا في عهد قريب بهيكل أطول وبإتقان أجود).(7)

ومن مكونات المسجد فناء كبير حول المسجد ،تبلغ أبعاد بيت الصلاة (38.50 ×33.00 متر ) و من خلال المسقط الأفقي يتبين أن الجامع مشيد على شكل مستطيل شكل (7) طول جدار القبلة فيه (33متر) وهو أقل من طول الجدران المتعامدة على جدار القبلة الذي يوجد به المحراب (كان جامع مراد آغا في الأصل خاليا من معالم الزخرفية الداخلية والخارجية سواء بسواء. ولكن بمناسبة الترميمات التي أجريت حديثا قد أعيد بناء جوفه )المحراب وكسيت بالمرمر والنقوش الجصية كما أحيطت فتحات الأبواب بأشرطة خزفية).(7) ويبلغ عرض الجدران الخارجية للمسجد ( 1.30متر من الأسفل ) وتتناقص بشكل مخروطي كلما ارتفعنا إلى أعلى حتى تصل إلى 0.7متر على ارتفاع 8.60 متر عند منسوب السقف شكل (8)، ويدعم السقف ثمانية وأربعون عمودا شكل (9)، بارتفاع الجدران (3.36متر )شكل (10) ، وعلى الجدران الداخلية توجد ممرات على إرتفاع5.12مترلايزيد عرضها عن 0.50 متر على طول الضلعين الطويلين والمتعامدين على جدار القبلة شكل (11) ويمكن الوصول إلى هذه الممرات عن طريق سلم صغير يقع ناحية جدار القبلة .من ناحية أخرى يلاحظ وجود مجموعة من الحجرات الصغيرة يبلغ عددها 14 حجرة 7 يمين المحراب و7 يساره تصل أبعادها (1.50×0.90الى 1.40) ممتدة على طول جدار القبلة أرضيتها تقع على ارتفاع (0.90متر ) من منسوب أرضية المسجد شكل (12)، بالنسبة للعقود (الأقواس التي تحمل الأسقف تتكون من عدة أنظمة فالوحدات الفراغية تتشكل بأقواس حذوة الفرس (القوس المرتد) شكل (13) ،ومن الملفت للنظر أن هناك أقواس أخرى تعلو الأقواس التي تقع على منسوب أقل تتركز بدورها على الأعمدة والمسافة بين العقدين مفرغة لتخفيف الحمولات وهي تربط بين الأعمدة وفي الأطراف ترتكز نهايات هذه العقود على الحوائط الجانبية شكل (14)، يقول ميسانا في وصفه للمسجد (مما يشير إلى ذلك قبوات السقف المستطيلة المتوازية وأقواس حذوة الفرس وواجهة المحراب في شكل حدوة فرس أيضا ومتركبة من سنجات بيضاء وسوداء متعاقبة....... اضطر هذا المهندس إلى مجابهة معضلة أخري تمثلت في تحويل الرباط إلى مسجد.
 إن الحجرات المحيطة بجدرانها العادية كانت في حد ذاتها تشكل عناصر التصميم المستجد محدده الخطوط إلى الدليلة لشبكة من المربعات. وقد كفى وضع أعمدة في رؤوس هذه المربعات و إقامة سلسلة من الأقواس الممتدة من الشرق إلى الغرب. و أن هذه الأقواس البالغ عددها الستة تستند سقفا متركبا من خمسة قبوات مستطيله متوازية يبلغ طولها طول المسجد نفسه. وأما الأقواس العرضية الثمانية فإنها- على العكس- تمتد ما بين جدار فاصل وآخر مقابل له مرتكزة -خلال هذه المسافة – على ستة أعمدة وللتخفيف على قطاعات البناء التي تحط على هذه الأقواس فقد جعلت فيها فتحات في شكل قطعة دائرية بحيث تبدو القبوات الطولية من بطونها كأنها مدعمه بنوع من الأضلاع الضخمة).(7)

3.     التحليل الفني لعناصر المسجد المعمارية والإنشائية:
من خلال الوصف السابق يبدو واضحا أن كتلة المبنى هي كتلة ضخمة مقارنة مع جميع المساجد التي شيدت في ليبيا ،ومن ناحية التخطيط فإنه يلاحظ أن أبعاد جدار القبلة أقل من أبعاد الجدران المتعامدة وهذا الأمر من الناحية التخطيطية غير معمول به عادة في المساجد حيث أن القاعدة التخطيطية في المساجد تحتم أن يكون طول جدار القبلة أكبر من طول الجدران المتعامدة على اتجاه القبلة ،وهذا ما يفسر أن بداية تأسيس المبنى كان رباطا (حصن عسكري) ، كما يلاحظ السمك الكبير لجدران المبنى والتي شيدت على هذا النحو وذلك للحاجة إلى مقاومة القوى الجانبية نتيجة الأحمال الكبير الناتجة من ارتفاع المبنى ، من ناحية أخرى يبدو أن الممرات العلوية على جانبي الأضلاع الطويلة في المبنى وفوق جدار القبلة لن يكون لها مبرر في حالة كان الاستعمال الأصلي للمبنى مسجدا فقط ولكن يبدو أن الممرات استعملت لحركة العساكر المرابطين على الأسوار عندما كان المبنى حصنا في بداية الأمر ، وعلى طول جدار القبلة توجد حجيرات بها أبواب تفتح على بيت الصلاة وتقع على منسوب 0.9متر تقريبا من أرضية البيت ويذكر انه تم رفع هذه الأرضية في مرحلة من مراحل صيانة المسجد ، ويبدو واضحا أن هذه الحجرات استعملت كمخازن أو استعملت كأماكن لراحة الجنود، والمرجح الاحتمال الأول لصغر أبعادها، ولكننا لا ننسى أن المبنى مشيد منذ أكثر من 450سنة وهناك عدة تغيرات أجريت على مكوناته خلال عمليات الصيانة في كل مرة والدليل الأقوى الذي يؤكد أن الجامع أستعمل في أول الأمر حصنا عسكريا هو البئر الموجود حتى الوقت الحاضر داخل المسجد شكل ( 15) فوضع البئر داخل بيت الصلاة هو وضع غريب ولا يفسر وجوده إلا أن هذا البئر كان مصدر المياه للعساكر المرابطين في الحصن كما جرت العادة بتزويد الحصون بمصدر للمياه في هذا السياق يقول ميسانا (تصميم الجامع ذاته يبدو أكثر دلالة وابلغ معنى ، فلنغض الطرف قليلا عن الأعمدة وعن السقف حتى نرى أن ما تبقى من الصرح يكاد يكون مجرد هيكل رباط أي انه حصن مكون بالدرجة الأولى من سياج مع تشكيله من الحجرات على طول محيطه تصلح سطوحها لمرور دوريات الخفر كما تصلح كساحة للقتال. أما في الوسط فيوجد فناء، أن ما بقي في الوضع الراهن من الحجرات المكتملة البناء والتي عدلت بطبيعة الحال فيما مضى هي تلك الواقعة في الجهة القبلية كما يوجد سلم صغير يوصل إلى سطوح هذه الحجرات . وعلى حد معرفتنا ليس هناك أي مسجد آخر يتميز بتفصيله من هذا النوع، إن الأعمدة النحيفة نسبيا والفتحة الكبرى للأقواس وارتفاع القبوات الشاهق البالغ التسعة أمتار عند عقدة القوس تسبغ جميعها على هذه العمارة الأثرية رحابة داخلية وإيقاعا قيمين جدا يجعلان منها واحدا من أهم الانجازات التي يفتخر بها المعمار الإسلامي في ليبيا).(7)
من الناحية التخطيطية والوظيفية عرف في منطقة الشمال الأفريقي الاستعمال المزدوج لوظائف المساجد وهناك أدلة على ذلك من الممكن أن نجدها في سواحل بلدان المغرب العربي ففي جزيرة جربة في تونس وهي كما نعلم لها روابط وعلاقات تاريخية مع طرابلس وقد تعرضت لهجمات بحرية كبيرة من الإسبان وحلفائهم الأوربيون ، هذه الظروف الحربية حتمت انتشار نوع من المساجد تسمى مساجد الأربطة أو المحارس وهذه المساجد لعبت دورا مهم في أثناء الحروب فهي إضافة لدورها التعبدي توفر ملجأ للسكان المحيطين في المنطقة.

ويبدو واضحا أن تصميم هذه المساجد بارتفاع جدرانها ووجود (السقاطات) أعلى الأبواب وهي فتحات تستعمل لصب الزيت المغلي وإسقاط الحجارة على المهاجمين وقد عرفت في جميع القلاع والحصون القديمة ومن أمثلة هذه المساجد جامع (تاجديت) في جزيرة جربة شكل (16)،أما في مدينة سوسة والمنستير فلا تزال توجد شواهد للرباط الإسلامي شكل (17) وهي قلاع محصنة كانت تستعمل كرباطات جهادية في تلك الفترة التاريخية التي تعرضت لنفس الظروف التي تعرضت لها السواحل الليبية وكانت سبب في تشييد هذه الرباطات ومنها رباط جامع تاجوراء الكبير (جامع مراد آغا) ، ومن المستغرب أنه في السواحل الليبية لم نعثر على أثار لهذه الرباطات فيما عدا قلعة السرايا الحمراء التي استعملت بدون شك كرباط دفاعي ،وشرق مدينة طرابلس تبرز أهمية رباط جامع مراد أغا والتي تؤكد وجود هذه الربطات ذات يوم وعلى طول الساحل حتى ولو أن أكثرها أندثر حاليا. من خلال ما تقدم نستنتج أن جامع مراد آغا شيد في الأصل ليكون رباطا جهاديا (حصن عسكري ) شكل (18)،ونلخص الأدلة السابقة كالتالي :
1.       من الناحية التخطيطية نجد أن أبعاد جدار القبلة أقصر من الجدران المتعامدة .
2.       ارتفاع وسمك جدران المبنى وكتلته الضخمة يتجاوز المواصفات المعمول بها في مساجد المنطقة .
3.       وجود ممرات أعلى الجدران الداخلية .
4.       وجود حجيرات على طول جدار القبلة .
5.       وجود بئر داخل بيت الصلاة .
.     التوصيات:
من خلال هذه الدراسة ولتعميق البحث في أصول تشييد جامع مراد آغا نرفع التوصيات التالية:
1.من الأهمية بمكان إجراء حفريات أثرية في موقع الجامع ،مع الحرص على عدم إلحاق أي ضرر إنشائي وذلك للكشف على أي لقيات من الممكن أن تلقي المزيد من الضوء على طريقة تأسيس الجامع.
2.إجراء المزيد من البحوث التاريخية المتعلقة بتاريخ تأسيس المسجد والبحث في المصادر والمراجع التاريخية حول ذلك.
3.الكشف على أي عناصر معمارية أو إنشائية أصلية في عمارة المسجد ،ومن الممكن أن الصيانة التي سيشهدها المسجد في الفترة القريبة القادمة ستكون فرصة ملائمة لهذا العمل .
5.     المراجع:
1.      علي الميلودي عمورة،( القلاع والحصون والقصور والمحارس" على التراب الليبي خلال مختلف العهود")، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، طرابلس،2005
2.      جيرارد ،أخبار مملكة طرابلس الغرب، المكتبة الوطنية ،باريس.
3.      أحمد النائب،(المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب)، مكتبة الفرجاني ،طرابلس
4.      شارل فيرو ،الحوليات الليبية ، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلام ، ط2، طرابلس ،1983.
5.      عزيز سامح ،(الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية) ،دار الفرجاني، طرابلس،
6.      ريناتو باروتشيني، (جامع مراد آغا في تاجوراء بطرابلس الغرب)،روما.
7.      غاسبري ميسانا ، المعمار الإسلامي في ليبيا ، ت: علي الصادق الحسنين، الناشر مصطفى العجيلي ، طرابلس 1973.
8.      نجم الدين غالب الكيب، (مدينة طرابلس عبر التاريخ )،الدار العربية للكتاب،ط2،،طرابلس.1978
9.      علي مسعود البلوشي ، (تاريخ معمار المسجد في ليبيا في العهدين العثماني والقره مانللي)، دار الناشر جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس.
10.  إيتوري روسي ،ت: خليفة التليسي، (طرابلس "تحت حكم الإسبان وفرسان مالطا" )،الدار العربية للكتاب،طرابلس،2003.
 
 * * جمعية المهندسين العلمية ، طرابلس ، ليبيا.
نقلا عن مدونة الميراث ، للاستاذ جمال الهمالى .

السبت، 22 مارس 2014

حول ترجمة مصادر تاريخ ليبيا القديم د. الدويب 1 ..د.خالد محمد الهدار

عرض لترجمة الكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس

انضم الى ارفف المكتبة العربية بصورة عامة والمكتبة الليبية بصفة خاصة كتاب جديد تمثل في ترجمة دقيقة للكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس (هيرودوت) تصدى لها استاذ اللغات القديمة بقسم الاثار جامعة قاريونس أ.د. محمد المبروك الذويب ، وقد صدر الكتاب مؤخرا ضمن منشورات جامعة قاريونس في طبعة انيقة ضمن سلسلة عنونت باسم ( من مصادر التاريخ القديم ) هذه السلسلة التي يمثل هذا الكتاب الجزء الاول منها ، وقد عنون هذا الاصدار باسم الكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس ، الكتاب السكيثي و الكتاب الليبي ، وقد صدرت ترجمة الكتاب في مائة وسبع وخمسين صفحة ، خصص المترجم الصفحات الثماني والعشرين الاولى للتعريف بالكاتب وكتابه وهذه الصفحات جديرة بالقراءة لانها تعد بحث و استقصاء لحياة هيرودوتوس وتقييم شامل لعمله المسمى التواريخ .

والكاتب غني عن التعريف لدى المتخصصين فهو هيرودوتوس الملقب منذ عهد خطيب الرومان شيشرون بأبي التاريخ يعد من اقدم المؤرخين الاغريق وواضع اسس كتابة التاريخ و سرد الاحداث التاريخية ، و قد ولد هذا المؤرخ في مدينة هاليكارناسوس باسيا الصغرى (تركيا حاليا) وعاش خلال القرن الخامس ق.م. ، ويعد من اوائل المؤرخين الاغريق الذين وصل عملهم كاملا الى الباحثين المحدثين ، وقد اطلق هيرودوتوس على عمله او كتابه التواريخ الذي يتألف من تسع كتب حمل كل كتاب اسم مؤلهة من مؤلهات الفنون التسع وفقا للتصنيف الذي اعتمد للكتاب ـ بعد قرنين من تأليفه ـ في مكتبة الاسكندرية ، ويرصد هيرودوتوس في تواريخه تاريخ الصراع بين الفرس و الاغريق (بين الشرق و الغرب) ، ومن خلال تتبعه لهذا الصراع لم يغفل صغائر وعجائب البلدان التي تحدث عنها فعمله موسوعي لم يشمل الاحداث التاريخية بل تعدى الى تقديم الكثير من الملاحظات الجغرافية و البيئية وعادات الشعوب و تقاليدها واخبارهم المتوارثة عن اجدادهم ، وطقوسهم الدينية ، كما وصف بعض معالم المدن التي زارها ، وبهذا فعمله يعد من اهم مصادر التاريخ القديم لاسيما انه يروي احداثا كان شاهدا عيانا عنها او قريبة منه زمنيا ، وقد كتب هيرودوتوس كتابه بالاغريقية القديمة ، وقد تُرجم كتابه الى الكثير من اللغات الحديثة ، ومنها العربية حيث نقلت بعض أجزائه من تلك اللغات الحديثة ، وصدرت في عام 2001 ترجمة كاملة لهذا العمل ، الا انه ما يعاب على تلك التراجم انها لم تنقل من الاصل الاغريقي بل نقل الكتاب من خلال لغة وسيطة الانجليزية (سلسلة لويب وغيرها) ، وكثيرا ما اعترت تلك التراجم الكثير من الاخطاء بسبب عدم الترجمة من الكتاب في لغته الاصلية ، الا ان الترجمة الاخيرة خالفت هذا حيث استطاع أ.د. الذويب ان يترجم ذلك الكتاب من لغته الاصلية أي الاغريقية وينقله الى العربية على الرغم من صعوبة هذا الامر فالكتاب كتب بلغة ميتة ـ غير متداولة في الحديث ـ ذات تراكيب وقواعد لم تعد مستعملة حديثا ، مع انفراد هيرودوت احيانا ببعض التراكيب اللغوية التي تعد من ابتكاراته ، في ظل هذا وذاك استطاع المترجم ان ينجز ترجمة للكتاب حافظ فيها على لغة هيرودوتوس واسلوبه وتعبيراته ، وهذه الطريقة في الترجمة تُمكن القارئ من الاقتراب من روح الكاتب الاصلي في الكتابة و الوثوق بكلماته ومرادفاتها التي تحرى المترجم ان ينقلها بكل امانة ، وهذا يبعد المترجم عن الابداع و الابتداع بكلمات و تعابير لم يقصدها المؤلف الاصلي مما قد يؤدي الى تزوير الحقائق ـ عن غير قصد ـ الواردة في النصوص الاصلية ، وهذا ما يمكن ملاحظته في التراجم التي سبقت الاشارة اليها ، وهذا الدافع الذي حرك أ.د.الذويب الى ترجمة الكتاب عن لغته الام ، لتفادي الاخطاء في التراجم السابقة . وللتدليل على ذلك يمكن استعراض ترجمة لفقرة من هيرودوتوس ترجمت عن طريق لغة وسيطة ، و ذات الفقرة عندما ترجمها أ.د. الذويب عن الاصل الاغريقي مباشرة ، [[ هذا هو تقديم البحث التاريخي لهيرودوتوس الهاليكارناسوسي حتى لا تنسى بمرور الزمن منجزات البشر و حتى لا تنتهي شهرة الاعمال و الاعجوبات العظيمة التي حققها الاغريق و البربر [ الاجانب ] و السبب الذي حاربوا بعضهم بعض من اجله .. ]] والترجمة الاخرى لذات الفقرة نقلت عن لغة وسيطة وترجمت على النحو الاتي [[ الذي تعلمه هيرودوت عن طريق البحث تجده هنا ماثلا بين يديك وذلك حتى لا تنطمس ذكرى الماضي في اذهان الرجال على مر الايام وحتى لاتفتقر تلك الاعمال العظيمة الرائعة التي اضطلع بها اليونانيون و الاجانب (أي البرابرة) وخاصة اسباب نشوب الحرب بينهم الى من يظهره للملأ ]] . وهذا المثال يوضح الفرق في الترجمة عن الاصل الاغريقي و الترجمة من لغة وسيطة ، وكلما ابتعدت الترجمة عن النقل من الاصل كلما ظهرت معانٍ وعبارات لم ترد في الاصل .

ومما سبق فانه يتأكد اهمية صدور الترجمة الجديدة للكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس معربة عن الاصل الاغريقي ، و هذه الترجمة تتيح للطلاب و الدارسين والمهتمين بالتاريخ القديم والاثار من النهل من هذا المصدر العتيد الذي يعد احد الكتب التسع التي يتكون منها كتاب التواريخ الذي خطه ابو التاريخ بأنامله من خلال رحلاته واسفاره و بحثه وجمعه لمعلومات من المناطق التي ارتادها او التقط اخبارا عنها ، وقد طبق هيرودوتوس ذلك المنهج في كتابه الرابع الذي خص اغلبه بحرب الملك الفارسي داريوس ضد السكيثيين ، ووجد ابو التاريخ الفرصة مناسبة للحديث عن تلك القبائل من حيث عاداتهم وحياتهم وقدم معلومات غاية في الدقة عن تلك الشعوب او القبائل التي استوطنت وسط اسيا و جنوب روسيا ، ولهذا سميت تلك الفقرات (1-144) من حديثه الشائق والغريب احيانا بالكتاب السكيثي (ص ص.29-101) .وقد استعرض في فقراته علاقة السكثيين بالفرس منذ ان زحف الملك داريوس على الاراضي التي احتلوها من ارض ميديا (الفقرة 1) ووجد هيرودوتوس الفرصة سانحة لكي يتتبع احوال السكيثيين بعد عودتهم لارضهم ويتحدث تفصيلا عن احوالهم السياسية وعن اصلهم الذي ينحدرون منه وفقا لروايتهم او رواية الاغريق المجاورين لهم (الفقرات6-11) ، كما وجد الفرصة مناسبة ليوسع نطاق روايته فتحدث عن الشعوب التي تسكن اقسام اسيا للغرب من بلاد فارس و حول البحر الاسود (الفقرات 17-40) ولم ينسَ التطرق الى اراضيهم وما تحويه من انهار(الفقرات 46 -58) اضافة الى التطرق الى عباداتهم وطقوسهم (الفقرات 59-63) وعاداتهم اثناء الحرب وطريقة القسم لديهم وطريقة دفن ملوكهم ونفورهم من تقليد الاجانب (الفقرات 64-78) ،وبعد هذا يعود هيرودوتوس لاستكمال ما بدأه في الفقرة الاولى من رواية الاحداث مفصلة عن غزو الملك الفارسي داريوس على السكيثيين منذ خروجه من بلاده حتى الوصول الى السكيثيين و المعارك التي خاضها معهم (الفقرات 83-144) ، وفي اثناء روايته يأتي ببعض اللطائف عن السكثيين والقبائل المجاورة لهم وكيف تعاملوا مع الفرس المغيرين عليهم ، ومما تقدم فان الكتاب السكيثي يعد مصدرا مهما عن السكيثيين ومعلوماته رائدة عن تلك المناطق ارضا و شعوبا وعاداتٍ وتقاليدٍ وطقوسا وتاريخا اضافة الى بعض الروايات عن بعض المؤلهين الاغريق وعلاقتهم بتلك الاراضي و الشعوب التي سكنت أسيا و حول البحر الاسود .

و للكتاب الرابع اهمية خاصة لليبيين لان الربع الاخير منه افرده ابوالتاريخ للحديث عن ليبيا لهذا سمي بالكتاب الليبي (الفقرات 145-205 ص ص. 101-137) ، ومما تجدر الاشارة اليه ان هذا الجزء من الكتاب الرابع قد ترجمه الى العربية بعض الباحثين مثل د. خشيم في نصوصه الليبية ، و د.البرغوثي في التاريخ الليبي القديم ، و د. الاثرم في مجلة البحوث التاريخية ، وغالبية تلك التراجم نقلت عن لغة وسيطة ولم تتم الترجمة عن الاصل الاغريقي مما ادى الى ظهور بعض الاخطاء فيها ، وبهذا يتميز عمل أ.د. الذويب بانه اعتمد الاصل الاغريقي في ترجمته ، و انه ترجم الكتاب الرابع بأكمله .


وبالعودة الى الحديث عن فقرات الكتاب الليبي تفصيلا فان هيرودوتوس هنا ينفرد بايراد معلومات واخبارا لم تكن متاحة عن ليبيا و سكانها من قبل ، مما جعل كتابه المصدر الام عن التاريخ الليبي وتاريخ الليبيين ، وعلى الرغم من ان هيرودوتوس قد اورد بعض الاخبار عن ليبيا في الكتاب الثاني من تاريخه (الفقرات 32-34 ، 50، 77 ، 181 وغيرها ) الا انه يعود هنا ليقدم مزيدا من المعلومات عنها وقد بدأ حديثه عنها في الكتاب الرابع في الفقرتين 42-44 (ص ص.50-53) محددا الاطار الجغرافي لكلمة ليبيا التي كانت عنده القارة الثالثة في العالم القديم الى جانب اوروبة واسيا ، وفي الفقرة 45 (ص ص.53-54) حول اصل تسمية ليبيا ، ثم بدأ من الفقرة 145 وحتى نهاية كتابه الرابع في تفصيل الحديث عن ليبيا و الليبيين ، الذي استهله بمعلومات عن رواية مجيء الاغريق واستيطانهم بالجزء الشرقي من ليبيا وتأسيسهم لمدينة كيريني (شحات) (الفقرات 150-158) ، ووفقا لمنهج هيرودوتوس وروايته للاحداث فقد تتبع تاريخ تأسيس الاسبرطيين لثيرا والسلالة التي حكمتها (الفقرات145-149) حتى ذهابهم لاستنبأ وحي دلفي الذي امرهم عن طريق البيثية بتأسيس مستوطنة لهم في ليبيا (الفقرة 150) والاحداث التاريخية التي وقعت اثناء ما يعرف بالعهد الباتي أي خلال حكم اسرة باتوس(الفقرات 159-165) والغزو الفارسي للاقليم (166-167 ، 200-205) ، تلك المعلومات التي انفرد هيرودوت ايضا بذكرها في كتابه الرابع ، ومازالت الى الان محل ثقة من المؤرخين وكثيرا ما ايدتها الادلة الاثرية والنقوش التي عثر عليها في الاقليم .

واهتم هيرودوتوس اهتماما ملحوظا بالليبيين او القبائل الليبية التي كانت تقطن ليبيا سواء تلك التي سكنت الساحل الليبي وظهيره من الشرق الى الغرب أي البدو الرعاة المجاورون للبحر وفقا لوصفه (الفقرات 168-180) ام اولئك الليبيون الذين سكنوا الدواخل (الواحات) (الفقرات 181- 185) وقد كان لهيرودوتوس الريادة في الحديث عن تلك القبائل من خلال التعريف بالاسماء التي عرفوا بها ومواطن سكناهم و احوالهم السياسية والاقتصادية (الفقرة 196 مثلا) واوضاعهم الاجتماعية (الفقرة 189) والتطرق لبعض عاداتهم الصحية والعلاجية (الفقرة 187) ومعبوداتهم ومعتقداتهم (الفقرة 188 ، 190)، وبمعنى آخر فقد قدم هيرودوتوس دراسة إثنولوجية للقبائل الليبية شملت جوانب حياتهم المختلفة ، ولم يهمل البيئة التي عاشوا فيها فتطرق لخصوبة ارضهم (الفقرة 198-199) وبعض الحيوانات (الفقرة 191-192) والنباتات التي تحيا وتنمو على الاراضي الليبية ، ومن هنا فالكتاب له قيمة علمية جد مهمة ومثيرة سواء من حيث المعلومات التي يقدمها، ام من حيث ترجمته الدقيقة ام من حيث هوامشه التي ازدان بها الكتاب ام من حيث فهرس اعلامه ، اذاً فلا مناص للمؤرخين والدارسين لتاريخ ليبيا وحضارتها من الرجوع اليه والنهل من معلوماته ، وقد كان ديدن الكثير منهم لاسيما العرب الرجوع الى هذا المصدر في لغات اوروبية حديثة نقلت عن الاصل الاغريقي ، او تراجم عربية منقولة عنها ، وهذا الامر محفوف بالمخاطر وفقا لما ذكر اعلاه ، اما بعد صدور ترجمة د. الذويب لكتاب هيرودوت في ثوب جديد فهي تغني عن الرجوع الى هذا المصدر في لغته الاغريقية ، ومدعاة للاطمئنان لترجمته التي لوحظ انه تحرى فيها غاية الدقة ، ولم يزود الكتاب بملحق لفقرات الاصل الاغريقي لكتاب هيرودوتوس الرابع على الرغم من انه توجد اشارة الى ذلك الملحق في محتويات الكتاب لكنه لم يوجد في الواقع لعله بسبب صعوبة طباعة النص الاغريقي ، و حتى تعم الفائدة اكثر يمكن استكمال ذلك في طبعة ثانية للكتاب حتى يتسنى للقارئ او الباحث من الرجوع الى النص الاغريقي و ترجمته في وقت واحد ، كما ينتظر المهتمون بالتاريخ القديم مزيدا من الاصدارات المترجمة عن الاصل الاغريقي التي تغني المكتبة العربية بمصادر التاريخ القديم و تيسر للطلاب و الباحثين الاطلاع عليها و الاستفادة منها بدلا من الرجوع الى تراجم اجنبية عن الكتب الاصلية تكثر بها الاخطاء والتأويلات في الترجمة بعيدة كل البعد عن الاصل التي نقلت عنه .

نقلا عن مدونة الاثار الليبية للدكتور خالد محمد الهدار 

الأربعاء، 12 مارس 2014

ذكريات مع جاب الله مطر (7) ...إبراهيم عبد العزيز صهد



عندما وصلنا إلى قاعة الدرس المخصصة لنا وجدنا الرائد "مور" الذي كان يقع عليه العبيء الأكبر في تدريبنا، وقد تولى جاب الله مطر تقديمي إليه، فقال مازحا: بأنه لم يكن يتوقع أن يراني اليوم، وأردف مجاملا لكنه سعيد بحضوري، وأوضح بأنه سوف يخصص الساعة الأولى للمراجعة، وأنه سوف يخصص أحد المدرسين للبقاء معي بعد الدوام لتغطية ما فات بتوسع إن رغبت في ذلك.

 كان طاقم التدريب يتكون من "الرائد: مور" يساعده عدد من الضباط، وكان التدريب العملي يتم بإشراف "نائب ضابط: كلارك" يساعده عدد من الضباط وضباط الصف. وكان كلارك يمثل الجندي المحترف، أكسبته سنوات عمله متدرجا من جندي إلى نائب ضابط خبرة واسعة، وكان قد عمل فترة طويلة ضمن القوات البريطانية المتمركزة في ألمانيا، يتقن الألمانية والفرنسية، وقد قال عنه رؤساؤه بأنه الأكثر خبرة -من بين مدرسي المدرسة- بمنظومة الدفاع الجوي، علاوة على أنه كان مدربا ماهرا يستغرق في الشرح ويقحمنا في الاستنباط والاستنتاج، وكان يعرف كيف ينتقل بسرعة بين الحزم والمرونة، كان يستعمل بعض الكلمات الألمانية وكان دائما بكرر "ممتاز" وهي إحدى الكلمات القليلة التي يعرفها بالعربية.

 كانت أجواء التدريب يسودها الروح العلمية بعيدا عن جفاف العسكرية البريطانية، وكانت أطقم التدريب تتوخى التفاعل معنا بكل إيجابية. كنا نقضي ساعات التدريب بين الدروس النظرية في قاعات الدرس، وبين الدروس العملية في مواقع بطاريات الصواريخ الموزعة على ساحات التدريب، وكانت أجواء صيف ذلك العام مناسبة جدا للتدريب الخارجي، ولذلك فقد استفدنا بطريقة مثلى من الأوقات المخصصة للتدريب العملي.

 هكذا التحفت بهذه المجموعة من الضباط، وقضينا وقتا مشتركا خلال ما يزيد على ثلاثة أشهر، نشترك في السكن، وفي الطعام، وفي التدريب العملي والنظري، ولا نجد مفرا من قضاء معظم أوقات فراغنا معا. خلال هذه الفترة توطدت صلاتنا وعلاقاتنا، وارتفعت الكلفة بيننا، وبالذات توطدت علاقتي مع جاب الله مطر، وكانت بداية لصلة استمرت منذئذ ومرت بمحطات كثيرة، وشهدت تطورات متعددة لكنها كانت دائما مؤسسة على الاحترام والود المتبادلين، وخلال كل صلاتي به عرفت عنه سعة الصدر وحسن المعشر، كما عرفته بلباقته التي قلما بفقدها، هذه المعرفة والعلاقة امتدت منذ أن جمعتنا دورة التدريب في بريطانيا، مرورا بأيام الاعتقال في معسكر باب العزيزية، ثم خلال عملنا في البعثة الليبية للأمم المتحدة، أو في مرحلة النضال من أجل القضية الوطنية من موقعين مختلفين إلى أن اجتمعنا في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. هذه العلاقة والصلة تطورت من علاقة بين ضابطين تختلف رتبتاهما جمعتهما دورة تدريبية، إلى صداقة متنتها تحديات ومحن مشتركة وهدف واحد، واتسعت هذه العلاقة لتشمل البعد الأسري أيضا.

سادت روح الفريق بين الضباط الأربع، وكان يحدونا أمل مشترك في إثبات جدارتنا ومواجهة التحدي الذي كان علينا أن نكون المقدمة في خوضه، وهو تحدي يتمثل في المشاركة في تأسيس منظومة للدفاع الجوي لأول مرة في بلادنا، وهي منظومة كانت بمعايير تلك الأيام تعد من أكثر نظم الدفاع الجوي تقدما. لا أعرف حقيقة أن أية دولة عربية كانت يومها تمتلك مثل هذه المنظومة . لقد كان علينا استيعاب مفردات هذه المنظومة في وقت قصير جدا، وكان علينا أن نكون قادرين على نشر بطاريات الدفاع الجوي وتوزيعها، ثم قيادة المنظومة. كنا دائما نذكر بعضنا بهذه المعاني، ونتعاون في استذكار الدروس، ونتنافس بكل ما تعنيه الكلمة من أجل التفوق، وهذا انعكس على استفادتنا من التدريب، وعلى نتائج الاختبارات المتعددة الأسبوعية والنهائية التي كان أداؤنا فيها متميزا.

 لم يكن لدى الجيش الليبي حتى ذلك الوقت أية قدرات للدفاع الجوي، لم يكن لدينا حتى مدفعية ضد الطائرات، ولم يكن لدينا رادارات لاستمكان الطائرات المعادية. ولذلك كان الأمر جديدا علينا بالكامل، أن نقفز من الصفر إلى أحدث وأعقد التقنيات التي كانت متوافرة آنذاك. كان رفاقي الثلاثة قد جاءوا من وحدات مختلفة: جاب الله مطر كان من صنف المشاة وكان يعمل في إدارة الحركات برئاسة الأركان، ومحمد القذافي وحامد الوشاحي من صنف المشاة أيضا وقد عملا سويا في مدرسة المشاة وفي وحدات أخرى مختلفة، وكنت من صنف المخابرة وقد عملت في مدرسة المخابرة ثم في منظومة مخابرة الجيش، ولهذا فقد كانت خلفيتي والدورات التي تلقيتها في السابق عاملا مساعدا لي في أثناء تدريباتنا على مختلف مكونات نظام الدفاع الجوي خاصة فيما يتعلق بمنظومة نقل المعلومات بين المكونات من وإلى مركز القيادة، ومواقع الرادارات، وغرف التحكم والسيطرة، ومنصات إطلاق الصواريخ.

 أصبحت عملية تكوين سلاح للدفاع الجوي ضرورية خاصة بعد أن تطورت قدرات الأسلحة الجوية في العالم، وتطورت قدرات الطائرات المقاتلة والقاذفة من ناحيتي السرعة وقوة النيران، وبعد أن أصبح التفوق الجوي على أرض المعركة من أهم عناصر الفوز.كل هذه العوامل كانت بارزة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد التطورات الهائلة التي شهدنها المحركات النفاثة التي جعلت الطائرات المقاتلة تتفوق على سرعة الصوت. وكانت حرب يونيو 1967 شاهدا حيا وقريبا على المعادلة التي باتت تفرض نفسها استراتيجيا وتعبويا. بالتأكيد فإن قلة الإمكانات المالية قبل ظهور البترول في ليبيا كانت سببا في تدني تسليح وتجهيز الجيش الليبي، وفي الاعتماد على المساعدات التي كانت تحصل عليها ليبيا من بريطانيا وأمريكا. وكان تناقضا رهيبا ينشأ بين مستويات التدريبات المتقدمة التي تلقاها عدد كبير من الضباط في المدارس العسكرية الأجنبية (اليونان وتركيا وأمريكا وبريطانيا)، وبين مستوى التسليح والتجهيز في الجيش الليبي، ففي حين يتلقى الضباط تدريبات على معدات وأسلحة متطورة وعلى التطبيقات التعبوية والاستراتيجية المؤسسة على هذه المعدات والأسلحة والمرتبطة بها، فإنهم يعودون إلى ليبيا ليتعاملوا مع معدات وأسلحة أقل ما يقال عنها أنها من أجيال تجاوزها التطور العسكري إن لم نقل بأنها منتهية الصلاحية. وهذا الخلل كان في الواقع مدعاة للإحباط.

 كانت مساعي تحديث أسلحة الجيش بطيئة جدا وتقابل بممانعة من أوساط متعددة، وقد كان إدخال البندقية الآلية البلجيكية (FN) في الخدمة من أول خطوات التحديث، وتم ذلك خلال عام 1962-1963، ثم تمت خطوات متفرقة في هذا الصدد منها تزويد الوحدات بأجهزة سلكية ولاسلكية بأجهزة أمريكية حديثة، وغيرها من الخطوات المتفرقة والمتواضعة.

 أول خطوة كبيرة تمثلت في التعاقد مع شركة T.M.C. الأمريكية على تزويد الجيش يمحطات لاسلكية تكفل للجيش الاستقلال باتصالاته السلكية واللاسلكية وباستخدام أحدث طرق الاتصال. ثم جاءت الخطوة الثانية في عملية إعادة تنظيم وتسليح الجيش، والتي كانت عملية متكاملة لتزويد الجيش بأسلحة حديثة متطورة تشمل كافة الصنوف، مع تزويد سلاح الجو بطائرات حديثة، والبحرية بطرادات وزوارق الطوربيد السريعة، وكان من ضمن هذه العملية تكوين سلاح للدفاع الجوي، اختيرت له معدات بريطانية الصنع.

قبل توقيع صفقة الدفاع الجوي، قامت اللجان المختصة بالموازنة بين المعدات البريطانية ومثيلاتها الأمريكية، وقام وفد من اللجنة المشرفة على عملية إعادة تنظيم الجيش بزيارة لبريطانيا لفحص المعدات والأسلحة المزمع التعاقد عليها بما في ذلك زيارة قواعد الدفاع الجوي البريطانية للاطلاع على أنظمة الدفاع الجوي البريطانية. 

وكانت العقود تشتمل على التزويد بالمعدات وتدريب الأطقم على التشغيل والصيانة. كانت رئاسة الأركان قد أعدت عددا من الضباط وضباط الصف ليشكلوا نواة الدفاع الجوي، وتم إعداد برامج التدريب بما فيها دراسة اللغة قبل الالتحاق بالدورات التخصصية، وقد تم نقل العقيد الركن عون اشقيفة من منصبه مديرا للحركات برئاسة الأركان ليتولى قيادة الدفاع الجوي. كان الرائد عطية الديباني من بين الضباط الذين اختيروا ليتواوا مهام في قيادة الدفاع الجوي، ثم جرى اختيارنا نحن الأربع لشغل مناصب ضباط الركن في قيادة الدفاع الجوي. 

وكانت الدورة التي تمت برمجتها لتكون دورة مركزة نتعرف فيها على مكونات المنظومة وكيفية تشغيلها وأساليب الربط والتنسيق بين مختلف مستويات أسلحة الدفاع الجوي، والتنسيق مع سلاح الطيران، وغيرها من الأساسيات التي تمكننا من التعامل مع هذه المنظومة الجديدة والإشراف على إنشاء أول سلاح للدفاع الجوي في ليبيا.

 هكذا وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام هذا التحدي، وكان علينا أن نتعرف على مكونات هذه المنظومة منذ اليوم الأول لوصولنا إلى مدرسة المدفعية الملكية.



----------------
 الجلوس من اليمبن: الرائد محمد القذافي، الرائد مور الرائد جاب الله مطر. الوقوف من اليمين: النقيب إبراهيم صهد نائب الضابط كلارك، الرائد حامد الوشاحي.