الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

اضواء على مرحلة معتمة من تاريخ الحركة الثقافية في ليبيا إبان الاحتلال الايطالي(1) ...أحمد إبراهيم الفقيه



يصف الدكتور خليفة التليسي الذي درس الحقبة التاريخية التي اعقبت الغزو الايطالي لليبيا بانها حقبة قاحلة من الناحية الثقافية قائلا بانه منذ اول يوم انزل فيه الايطاليون جنودهم على الشاطيء الليبي في الخامس من اكتوبر عام1911 والى اليوم الذي اصدر فيه الوالي بادوليو اعلانه الشهير بانتهاء المقاومة عقب استشهاد عمر المختار فقد ترك الليبيون الكلمة للسيف وتخلوا عن قول الشعر لصالح الدخول في معارك الجهاد ضد المستعمرين ، كما جاء في كتاب الاستاذ التليسي في رحلة عبر الكلمات ، اما الباحث الاكاديمي الاستاذ طه الحاجري فيصف الحالة الثقافية اثناء الاحتلال الايطالي لليبيا بان جهود الليبيين اتجهت للنضال وخوض المقاومة البطولية بحيث لم يبق وقت او جهد لاي شيء آخر عدا معارك التحرير.

والحقيقة فان مثل هذا التوصيف ينطبق بشكل كامل على العقدين الأولين من حكم الإيطاليين بحيث تم القضاء فور وقوع الاحتلال على كل الإرهاصات والمحاولات التي كانت تحاول الاقتداء بمرحلة النهضة والتنوير في المشرق العربي التي سبقت بسنوات قليلة الاحتلال الايطالي، والتي وجدت متنفسا بعد صدور الدستور العثماني عام 1908 فانطلقت تعبر عن وجودها عبر عدد من الصحف التي صدرت خلال السنوات الثلاث التي سبقت الاحتلال  مثل المرصاد والكشاف والترقي والرقيب وابي قشة والعصر الجديد وغيرها ،اذ توقفت كل هذه الصحف فور وقوع الغزو وغابت تلك الأقلام الكثيرة التي صدحت بارائها وافكارها عبر انهر تلك الصحف واختفى اغلبها عن الوجود ، ولم يبق من اشكال التعبير  الادبي غير شكل واحد يتصل بالثقافة الشفهية ويجد مجالا للانتشار عبرها هو الشعر الشعبي ، وربما عدد قيل من القصائد الفصيحة التي لم تكن تجد وسيلة للنشر هي الاخرى غير الانتقال بالطرق الشفهية  مثل قصائد الشاعر والمجاهد سليمان الباروني التي كان يرسلها لاصدقائه في الخارج لحفظها واحيانا لنشرها في صحف لا تصل طبعا الى ايدي اهل البلاد ، وكان الباروني رغم انهماكه في قيادة معارك الجهاد يجد وقتا لقول الشعر الذي يؤ رخ لجهاده وجهاد الليبيين ، وواصل ابداعه الشعري والادبي بعد ان ارغم على مغادرة البلاد ، الى حين وفاته منفيا وبعيدا عن الوطن عام 1940.

شاعر آخر ذا توجه ديني لارتباطه بتاسيس الزوايا والمدارس القرآنية في ليبيا وعمقها الافريقي هو السيد محمد عبد الله السني (1860-1929)،الذي احتوت اشعاره تسجيلا للمعارك التي خاضها سواء تلك التي كان يخوضها الليبيون تحت قيادة السيد احمد الشريف في افريقيا او الاخرى التي خاضها الشاعر نفسه ضد الايطاليين في    جنوب  البلاد .

لعل النشاط الثقافي الوحيد الذي حدث في هذه المرحلة من مراحل الصراع المسلح بين اهل البلاد وعدوهم المحتل و الذي يستحق التسجيل لانه ظهر على ارض الواقع ليراه الناس وينتفع به اهل البلاد هو ذلك الذي حدث في مرحلة الهدنة .

التي اتفق عليها الجانبان الليبي والايطالي ما بين عامي 1918 و 1922 عندما اهتبل مثقفو البلاد هذه الفرصة وقاموا بتأسيس حزب الاصلاح الوطني ومن خلاله سعوا الى بعث روح الحياة في المشهد الثقافي المحلي في طرابلس عاصمة البلاد ، حيث كان حزبا سياسيا ثقافيا انشأ مدرسة خاصة به تعتني بتعليم الكبارومحو اميتهم  مثل اعتنائها بتعليم الصغار وانشأ النادي الأدبي الذي تولى الاشراف عليه الشاعر الاستاذ احمد الفقي حسن ، وما ان صدر في يونيو عام 1919 القانون الايطالي الذي اتاح لليبيين بعض الحريات المدنية وبعض الحكم الذاتي المحدود حتى اصدرت هذه المجموعة المنتمية للحزب جريدة كانت لسان حال الحركة الوطنية في تلك المرحلة هي صحيفة اللواء الطرابلسي التي ترأس تحريرها الصحفي الليبي عثمان القيزاني وكان ابرز كتابها وشعرائها الشاعر احمد قنابه وجليا ظهرت من خلالها الروح الوطنية والشخصية العربية الاسلامية لحركة المقاومة الليبية التي اتخذت في هذه المرحلة طابعا سياسيا  وقد نشرت اللواء الطرابلسي مقالات لكتاب وقادة مثل سليمان الباروني والمجاهد والمثقف المصري الذي بقى في ليبيا يؤازر المجاهدين الليبي عبد الرحمن عزام وكان له سهم وافر في تحرير الوثائق الخاصة بالجمهورية الطرابلسية وكانت الصحيفة صوت الليبيين شرقا وغربا وجنوبا وشمالا تعبر عن كل فئات الشعب الليبي وتنشر لابناء الشرق كما تنشر لشاعر من اهل الولاء للجغبوب مثل محمد عبد الله السني وتعمل بقوة من خلال هذه الاشعار والمقالات على تعميق الوعي باللحمة التي تربط اهل البلاد وفضح المخططات الاستعمارية ونشر ثقافة النضال والمقاومة ضد المستعمرين وواصلت الصحيفة وواصل حزب الاصلاح الوطني نشاطهما على مدى ثلاث سنوات كانت من انشط واخصب السنوات في تاريخ البلاد الثقافي خلال تلكما العقدين من الاحتلال الايطالي للبلاد .

 وبالاضافة الى جريدة اللواء صدرت جريدة اخرى هي الوقت لصاحبها محسن ظافر والتي كانت شديدة الهجوم على الادارة الاستعمارية وفاجأت اهل البلاد بقوة تعبيرها عن الروح الوطنية الرافضة للمستعمرين ، كما يقول احد مؤرخي تلك الفترة الاستاذ احمد راسم قدري  وتوقفت الصحيفتان وانتهت الجمهورية واقفل حزب الاصلاح الوطني.

عندما نقض الايطاليون الهدنة وعاودوا القيام باعمالهم العسكرية ضد الليبيين وذلك عشية استيلاء الفاشيين على روما واستلامهم زمام السلطة في ايطاليا عام1922 بقيادة الزعيم الفاشي بينيتو موسيليني، ظهرت جريدة اسمها العدل لصاحبها المحامي عبدالله زكي بانون اتخذت اسلوبا مهادنا للسلطة ضمن لها الاستمرار في الصدور ، كما ضمنت ذلك صحيفة بريد برقة التي اصدرها الايطاليون في بنغازي لتكون صوت الاحتلال ، وقد استمرت هي ايضا  في  الصدور تحت الادارة الايطالية الفاشية  وكانت هاتان الصحيفتان العدل في طرابلس وبريد برقة في بنغازي من الصحف القليلة التي واصلت الصدور حتى نهاية الحكم الايطالي لليبيا ، صحيفة ثالثة كانت اكثر استقلالية منهما هي صحيفة الرقيب العتيد التي اصدرها الشيخ محمود نديم بن موسى قبل الغزو ، أي ابان العهد العثماني تحت اسم الرقيب ، ثم هرب بها الى اسطنبول  في مراحل الغزو الاولى  واصدها في اسطنبول ، وعاد اثناء الهدنة لاصدارها في طرابلس واستمر بها  دون دخول في صراع مع سلطات الاحتلال . 

 معطيا اهتمامه للجوانب الاخبارية والثقافية والاجتماعية وكانت الصحيفة الوحيدة  التي سخرت صفحتها الاخيرة للقضايا الادبية والفكرية ونشر المقالات ذات الطابع القصصي والاخرى التي تعني بالشعر والفنون ، كما كانت تتيح لبعض الادباء فرصة الظهور بمقالاتهم واشعارهم على صفحاتها بحيت كانت هذه الصحيفة هي النافذة الوحيدة للعمل الثقافي خلال فترة العشرينات التي كانت احلك مراحل الفترة الاستعمارية ولم تكن تستطيع بطبيعة الحال  ان تجرؤ على نشر القصائد النضالية التي يكتبها الشعراء والتي كان يتداولها الناس سرا كتلك التي بدأ يكتبها شاعر فتي هو الذي اكتسب فيما بعد  وعن جدارة اسم شاعر الوطن، الا وهو احمد رفيق المهدوي (1898-1962 )وقد عاد الى الوطن عام 1920بعد ان غاب عنه ، مقيما مع عائلته في الاسكندرية اكثر من عقد من الزمان ،استكمل فيها تعليمه وصقل موهبته وصار مؤهلا لان يعير صوته ولسانه للقضايا  الوطنية، وكان اول هدف استقطب شعره الهجائي الساخط كيانا سياسيا انشأه الايطاليون اسمه حزب الدستور العربي لاستغلال الحس العربي لدى الناس واستخدامه في مواجهة الاتراك الذين يقدمون عونهم للمقاومة الوطنية مدعين ان الايطاليين جاءوا لتحرير ليبيا من الاتراك وكان الكيان الثاني هو جريدة بريد برقة التي استخدم فيها المستعمرون عناصر من اهل البلاد للعمل ضد التوجهات التحررية لابناء بلادهم ، فكان ما يثير سخط الشاعر هو ان يرى ليبيين عربا يضعون انفسهم بمذلة ومهانة ادوات في ايدي المستعمرين وكان لقصائده تأثير كبير لفت اليه انظار المستعمرين واعوانهم واثار سخطهم وغضبهم عليه ولذلك فقد آثر فور وصول الفاشست الى الحكم ان يغادر البلاد خوفا على حياته ويرحل الى منفاه الاختياري بتركيا. 

 شاعر اخر كان معاصرا لرفيق ، وسابقا  له في  قول الشعر والمساهمة في ومن نافلة القول ان الشعر في هذه المرحلة لم يكن يعتني اعتناء كبيرا بالجوانب الجمالية وماهية الشعر بقدر اعتنائه بالرسالة التحريضية التوجيهية التي تتصل باذكاء مشاعر الحماس والوطنية ودفع الناس لللانضمام الى المقاومة والنضال ضد المستعمرين وتعرية النماذج التي تسخر نفسها لخدمة الاعداء وفضحها وادانتها .

تسعون عاما على اكتشاف مسرح صبراتة ..



تمر هذا العام الذكرى التسعون لاكتشاف مسرح صبراتة الأثري، الذي أسهم طيلة عقود طويلة في استقطاب اهتمام شريحة واسعة من المسافرين الثقافيين حول العالم، وتصدر صفحات الكتب والمجلات والأدلة السياحية، وأفسحت له صفحات التقارير العلمية.

كما حظي المسرح بتغطية إعلامية واسعة بمختلف وسائل الإعلام، في حين تحصل على عديد التصنيفات، من المؤسسات المهتمة بالتراث الثقافي، كان اخرها اختياره ضمن أشهر 10 مسارح على مستوى العالم ، من بين 230 مسرح روماني وإغريقي، حسب تصنيف موقع Touropia المتخصص في إصدار وتصنيف أفضل المعالم والمواقع الأثرية، والمناظر الطبيعية، والجزر، والحياة البرية في العالم.

اختفى مسرح صبراتة عن خريطة العالم القديم، وانطوى تحت أطنان الرمال، التي أحالته إلى قائمة المواقع المفقودة، عقب تعرضه لانهيار كارثي، وحريق هائل أسفر عن دماره، خلال القرن الرابع للميلاد، وظل الهدوء يخيم بشكل نهائي على الموقع، بعد هجرة سكان المدينة، إلى حين اكتشاف العلماء الإيطاليين جزءاً ، لا يتعدى ثلث الطابق الأول عام 1926، والعثور على بعض عناصره المعمارية، التي كانت كافية لإعادة اعماره بشكل كامل، وإخضاعه لعمليات ترميم، شملت إعادة بنائه على شكله الحالي، وتم تدشينه بتقديم عرض مسرحية الملك أوديب، بحضور (موسيليني) عام 1937.

المسرح اليوم بطوابقه الثلاثة، وواجهته الخشبية المزينة بالمنحوتات البارزة ، وقاعات الاستماع المهيبة ، أحد الأمثلة الرائعة عن معمار المسارح الرومانية، وأكثرها تعبيراً عن توظيفها في التسلية والترويح عن سكان المدينة، عبر تقديم العروض المسرحية التي تعالج مواضيع الحياة اليومية بشكل كوميدي أو درامي أو عرض مسرحي مصحوب بالرقص أو بالحركات والإشارات والايحاء، مرفقا بعزف فرق موسيقية وكورس صوتي.

بني المسرح الواقع على مسافة 230 متر عن شاطئ البحر، على الأرجح خلال الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي، حسب الخبير الأثري (وورد بيركينز)، فيما يذهب عالم الآثار الإيطالي (جياكومو كابوتو) إلى تاريخ أبعد وتحديداً سنة 204 ميلادي.

وبعيداً عن الجدل حول تاريخ البناء، يعد مسرح صبراتة من أكمل وأجمل الأمثلة للمسارح الرومانية، وأحد أكبر المتاحف الرومانية في إفريقيا، حيث يصل قطره 93 متراً، وكان يتسع لـ 5 آلاف متفرج ، ويتألف من المنصة الخشبية زينت واجهتها الأمامية بنقوش رخامية بارزة وأعمدة، وكانت الواجهة الأمامية على شكل سلسلة متناوبة من الفجوات ثلاث منها دائرية وأربعة مستطيلة تنتهي بنقوش لدلافين على الجانبين، وتزين واجهة الخشبة سلسلة من الزخارف النافرة يمثل أحدها فيلسوفان يتجادلان، وإلى جانبهما ساعة شمسية، وحزمة مخطوطات، وفي النقش الثاني (ميوزيز) ربات الفنون التسع، ويصور النحت الثالث مشاهد مسرحية، يبرز فيها عبداً متلبس بالسرقة، محاطاً بقطع أثاث، وفي المحراب الرابع، شخصيات من روما وصبراتة متشابكو الأيدي، بحضور جنود ومحاطون بشخصيات عند المذبح إلى اليسار وثور كقرابين إلى اليمين، وفي الجوانب نحن آخر اللاهوت الذي يمثل صبراتة.

أما المحراب الخامس فيبرز نقش مشهد تراجيدي على جانبيه أقنعة هزلية ومأساوية، وفي المحراب السادس ما قبل الأخير، من يمين الواقف أمام المنصة، يظهر النقش (ساتير)، مخلوق أسطوري في شكل بشرى لها ذيول، وأذان ماعز وقرون صغيرة ، وهي من أتباع (ديونيسوس) وترمز للأخصاب، إلى جانب نقش آلهات الحسن الثلاث، وحكم (باريس)، ونقش (أفروديت، واثينا، وهيرا)، والمؤلهة باريس مرتدية سروال فيرجي، والمؤله (هيرميس)، ومشهد من تمثليه إيمائية.

وتتألف خلفية المنصة من ثلاثة طوابق محمولة على أعمدة كورنثية تشكل أروقة، وكانت أعمدة الطوابق من الرخام باسطوانات محززة رأسياً ولولبياً، ماعدا أعمدة الأروقة في الطوابق فكانت غير محززة، يبلغ عددها 108 عمود موزعة وفق متوالية، مرتبطة بتوزيع الأصوات وهندسة الصوت، حيث تعمل الفراغات بين الأعمدة كمكبرات للصوت.

وكان للمنصة مجموعة من الأبواب تتصل بممرات تؤدي إلى غرف على الجدار الخلفي، وعلى جانبي المنصة مداخل تؤدي إلى غرفتين، الغربية مبلطة بالرخام وعلى جدرانها أماكن لوضع الكتب.

وتواجه المنصة قاعة الاستماع التي تتكون من ثلاث طوابق شبه مستديرة كانت تنتهي بأقواس بقي منها قوسان في الجهة الغربية وقوس في الجهة الشرقية، وللقاعة ست وعشرون مدخل مقوس، كانت المداخل الجانبية تؤدي إلى مكان فرقة العزف عبر ممر منحدر، وأما المداخل الأخرى تفضي إلى دهاليز مقوسة، أما بقية المداخل الباقية تؤدي إلى غرف ربما كانت مخازن.

وتفصل المنصة وقاعة الاستماع ستارة منخفضة من الرخام لها مدخل في الوسط كانت تفصل القاعة عن الفرقة العازفة (قاعة جوقة الموسيقى) البالغ طول قطرها 21 متراً، وكان حول موضع الفرقة العازفة أربع درجات من الرخام كانت توضع عليها كراسي المشاهدين المرموقين.