الأربعاء، 12 فبراير 2014

سيرة مختصرة لشيخ جليل: محمود دهيميش ...بقلم الأستاذ : سالم الكبتي

حين ولد محمود دهيميش في زنقة عقيرب عام 1911 .. كانت بنغازي مدينة صغيرة بمحلاتها القريبة من بعضها إلى درجة التلاحم .. وبأسواقها .. وبأسباخ الملح عند أطرافها وضواحيها الأقرب إلى القلب رغم انعدام وسائل المواصلات الحديثة تلك الأيام.

غير أن بنغازي رغم صغرها، كانت كبيرة بتآلفها الاجتماعي العجيب .. وبتكويناتها الإنسانية الدافئة .. وبشمسها المشرقة كل يوم . كانت آنذاك مدينة وقرية، ورغم مرارة الزمن وقسوته تظل رانية إلى الأفق وتحلم بنهار آخر !
كان الحكم التركي .. أو (أيام العصملي)، في لحظاته الأخيرة، وكان قد انتهى قريباً من تشييد قصر البركة .. وكان سوق الظلام مايزال يتذكر جروحاً أصابته وظلت عالقة به جراء الحريق الهائل الذي أتى عليه منذ أربع سنوات مضت، وكان ثمة بقايا من أعوام المجاعة وندرة الأمطار .. والأوبئة.

لكن رغم كل شيء .. كانت هناك حياة .. وكانت هناك حركة .. وبشر .. وعادات .. ودرايب وتقاليد .. وأفراح تنقر فيها الدرابيك .. وأسواق أخرى .. وممثلان للمدينة في (المبعوثان) بإسطامبول بعد إعلان الدستور قبل ثلاث سنوات هما : عمر منصور الكيخيا ويوسف أحمد بن شتوان. وكانت المنارة التي أسهم في إقامتها الفرنسيون فوق التلة المقابلة لضريح خريبيش (مكان السجن القديم) تهدي السفن للدخول إلى البوغاز، وكانت المدرسة الرشدية على شاطئ بحر الشابي تضم طلبة من شباب المدينة، وأيضاً من درنة، وقد تخرج فيها ذلك العام أو قبله بقليل بعضهم : أحمد البوري، إبراهيم علي الشويهدي، إبراهيم سامي الجربي، عوض سكيليل، محمد الساقزلي، صالح عموره، يوسف اللواحي .. وغيرهم، وكانت ثمة فتاتان سافرتا أيضاً للدراسة على ضفاف البسفور في إسطامبول (عاصمة الدولة العليّة): حميدة طرخان أو (العنيزي) كما عُرفت لاحقاً، وبديعة سرور أو (فليفله) فيما بعد .
 ***                                                                                  
كان هناك في هذه الصورة أيضاً للمدينة الصغيرة، جملة من العلماء ورجال الدين من أهل البلاد، إضافة إلى بعض الشوام والترك على مذهب الأحناف، كان في مقدمة هؤلاء : الشيخ محمد بن عامر وقاضي المدينة ومفتيها مؤسس جمعية الحفاظ على البنات المسلمات (1915 ـ 1919)، والشيخ محمد رضوان الشويهدي .. الشاعر، وأستاذ الشاعر أحمد رفيق، والشيخ السنوسي الساقزلي، والفقيه محمد عبدالحفيظ الفزاني، والشيخ إبراهيم حويو، والشيخ خليل الكوافي .. وغيرهم.

كانت الزوايا، والخلاوي في المساجد تشكل إرثاً روحياً حقيقياً، وتمثل منارات ثقافية وعلمية نحو الخير والإصلاح، وفيها يلتقي حفاظ القرآن الكريم .. يتلونه ويدرسون أحكامه منذ أن يتنفس الصباح ويعلمونه للصغار الذين أصبح محمود بن محمد المبروك دهيميش واحداً منهم في فترة موالية.

ثم غزت إيطاليا شاطئ جليانه ببوارجها وبحارتها في جردة شاملة وكبرى للوطن الليبي بكامله الذي أرادته شاطئاً رابعاً لها .. واحتلّت المدينة بعد أيام من القتال الضاري امتزج فيها الدم الليبي الغالي عبر بنغازي مع ما حولها وتجمع الرجال ليكوّنوا دور بنينه فوق الهضاب المطلة من بعيد على المدينة لمواصلة النضال، وكان في مقدمتهم ـ بالطبع ـ مشايخ الزوايا من العلماء، والحفاظ، ورواة المتون والأوراد، الذين رأوا في العدوان استهدافاً واضحاً للعقيدة والهوية الوطنية، وقد فطنت إيطاليا لذلك فنفت مجموعات منهم مع سكان المدن والقرى إلى جزرها النائية والموحشة.

في تلك الأجواء .. أجواء عام 1911 في بنغازي، وليبيا عموماً، وهي فترة العقد الأول من القرن العشرين، وُلِد محمود دهيميش في أسرة بسيطة مكوّنة من والده ووالدته السيدة (مجالي) وأخته (فاطمة) وشقيقه (حسن).

***                                                                                  

في تلك الفترة ظلّ التعليم يقتصر في العموم ـ خاصة في بداياته ـ على التعليم والثقافة الدينية في المساجد التي تمتلئ بها دروب المدينة وضواحيها في سيدي حسين والبركة، وكان هناك عدد كبير من الفقهاء والأئمة الذين كان جلّهم يجيد حفظ القراءات المتواترة، وبعضهم كان يتفنن في ورش أصعب تلك القراءات وأدقها . كانت توجد نخبة مثقفة بسيطة، وكان الشعر الشعبي هو الصوت الطاغي يصوّر الأحداث ويوثقها وينقلها إلى الناس صباحاً ومساءً .
فتح دهيميش بصره في جامع الوحيشي الذي كان على شهرة في وسط المدينة في تحفيظ الكتاب الكريم وإقامة الحلقات الخاصة عقب كل صلاة، وبدأ الحفظ وعمره أربع سنوات عام 1915 في عز أيام الحرب العالمية الأولى .. كان هناك فقر وجوع ومرض واحتلال، وكان هناك انتصار وطني للمجاهدين من ليبيا كافة في القرضابية.

في جامع الوحيشي، وغيره، كانت طريقة التعلّم ووسيلته هي الكتابة على اللوح بقلم القصب، ومحوه بالطفلة، وترديد عبارة (نعم سيدي) .. وأليف لا شيء عليه .. والباء وحده من تحت .. إلخ، ثم الابتهاج عند ختمة كل جزء، وإقامة احتفال بسيط بالمناسبة.

كانت بنغازي ذلك الوقت تعج بالفقهاء الأفاضل .. حفظة الكتاب الكريم، وقد وصل عددهم عام 1920 إلى (58) فقيها، وفي عام 1922 (54) .. وهكذا . كان هناك ـ على سبيل المثال ـ طوال هذه الأعوام وما بعدها ـ رغم الحرب والاحتلال ـ والتي شهدت طفولة وصبا وشباب دهيميش ودراسته وحفظه وتعليمه ـ مجموعة لاشكَّ أن سير حياتهم طرقت سمعه ورآهم ببصره، وأحب أن يبلغ مبلغهم من حفظ ورواية وقراءة وعلم، كان من بين هؤلاء الأفاضل: مصطفى دريزة، عبدالسلام دريزة، بوبكر دريزة، خليل الشويهدي، محمد الشويهدي، محمد الشويرف بومدين (والد السيد بومدين)، مصطفى المدّلقم، إبراهيم الشعالية، إبراهيم بازامه، محمد البصير الموهوب، عبدالله قادربوه، موسى أحمد البرعصي، منصور بن صويد، سليمان الجهاني، رافع القاضي، عبدالحفيظ القاضي، محمد السنوسي بن هلوم، لامين الهوني، عبدالله لوليد، المكي محمد الوحيشي، بوزيد الشطيطي، منصور الأبيض، محمد شقيفه، محمد فرج الفلاح، محمد علي الشابي، علي البناني، محمد بن عقيله اخليف، محمد محمود عباس، الصادق مسعود الورفلي، محمد بوزغيبه، ثم عبدالنبي الترهوني الذي حفظ دهيميش القرآن الكريم على يديه عام 1921 وكان عمره عشر سنوات (كان ذلك العام يمثل جزءاً من سنوات الهدنة والاتفاقيات، وتأسس أول برلمان محلي، وصدرت أول صحيفة وطنية أنشأها عوض بونخيلة في ميدان سوق الوحيشي .. على مرمى حجر من الجامع)، ثم الشيخ الشهير محمد الدادسي الذي حفظ الكثير من أبناء المدينة عليه أيضاً وصار قدوة ومثلاً وصورة متميزة مثل غيره للفقيه العالم ذلك الزمن.

هذه أول محطات الشيخ محمود دهيميش، تعليمه وحفظه ودراسته على أيدي أمثال هؤلاء الفقهاء والشيوخ، والجلوس إليهم، والاستماع إلى خطبهم ودروسهم .. حضور حلقاتهم والمشاركة في المناسبات الدينية التي تجمع الأواصر والعلاقات مع الشباب ممن هم في عمره.

وكان هناك أيضاً ـ في جانب مواز ـ مجموعة من المثقفين والمعلمين الوطنيين استفاد منهم الشيخ وأفاد، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد مرسي البرغثي الذي برع في تدريس اللغة العربية وآدابها وفنونها من نحو وصرف وبلاغة وعروض، وقد درّس للعديد من أجيال المدينة.

إن أسماء هؤلاء الأعلام من الفقهاء، والمعلمين الليبيين، وغيرهم، يضحى من اللازم توجيه العناية لهم .. ولسيرهم وتجاربهم وكفاحهم وعطائهم، فتـُعقد من أجلهم الندوات وتُعد الأطروحات العلمية، وتـُطلق أسماؤهم على الشوارع والميادين والمدارس لتتواصل الأجيال وتعرف أن هناك في ليبيا الكثير من الرجال العظام، الذين لم يبخلوا عليها في وقت مفعم بالقسوة والصعوبة .. وأكدوا على الدوام أنها وادٍ ذو زرع!

هنا أصبح الشيخ مجوّداً ومرتـّلاً .. صاحب صوت رخيم جميل، فيه نكهة ليبية، ورائحة (بنغازية) تستل الإعجاب وهو ينقل إلى سامعيه بخشوع كلمات الله المباركة .. وهنا أيضاً يدخل الشيخ محمد رفعت .. القارئ المصري الفذ، على الخط، فيتأثـر به دهيميش ويحاكيه، ثم يشجعه الأمير إدريس (قبيل الاستقلال) فيبعثه ليواصل دراسة التجويد بالأزهر وليحصل على إجازته عام 1952 بعد وفاة مضرب المثل لديه الشيخ الضرير رفعت بعامين.

***                                                                                  

في هذا البراح الواسع، والتجويد تحسين وفن وإبداع، يجد "الفن" لدى الشيخ إعجاباً فينشد ويترنم، وكثير من الشيوخ والعلماء فنانون بالفطرة .. وأصحاب موهبة .. وهذه كانت سمة لأغلبهم : الشيخ الصفتي والشيخ سلامة حجازي والشيخ سيد درويش، فيتابع هذه الأمور بتحبب ودونما خلل . كان هناك في بنغازي الشيخان محمد الصفراني ومحمد السوداني .. عالمان جليلان استهواهم الغناء والإنشاد الصوفي .. وأعجبوا به .. ورددوه في نزهاتهم ورحلاتهم .. واستمتعوا به مع تلاميذهم ومريديهم .. وتلك وسطية .. وفيها ذوق واهتمام، والنفس تميل إلى الجمال في الحياة دونما إسفاف.

وفي اقتراب من ذلك امتهن الشيخ حرفة (الطلاء) ليكسب قوته .. وقوت أسرته، و"الجيار" فنان يجيد خلط الألوان، بفرشاته البسيطة!
محطة ثانية، لكنها بارزة في حياة الشيخ دهيميش، هي التعليم حيث أسهم في إعداد أجيال وطنية في وقت شحت فيه الإمكانيات .. التحق بالتدريس لتعليم التربية الدينية في مدرسة الأمير الأولية أعوام الأربعينيات الماضية وشارك زملاءه : محمود دريزة، عبيدالله عامر، محمد جبريل، بن عروس مهلهل، محمد القرقوري، حامد الشويهدي، عبدالعزيز الأبيض، يوسف الدلنسي .. وغيرهم . ثم ليعمل مفتّشاً للتغذية المدرسية في بنغازي فمديراً لها حتى عام 1970، وكان قد تطوّع أيام الحرب العالمية الثانية لتعليم أبناء بعض الأسر التي جلت من بنغازي في سواني عصمان وما حولها من الضواحي.

التعليم لدى دهيميش ـ مثل أقرانه ـ كان رسالة ومهنة مقدّسة وواجباً وطنياً، وقد عرفته أجيال مدرسة الأمير تلك الأعوام معلّماً فاضلاً .. قديراً .. واصل رسالة شيوخه ومعلميه بحماس، وكان من بين تلاميذه تلك الأيام : منصور محمد الكيخيا، حسن وصالح بن دردف، حسن عريبي، الصادق النيهوم، خليفة الفاخري، عبدالرحيم فايد الجازوي، طاهر بوقعيقيص، حسين الشريف، عبدالمولى دغمان .. وغيرهم كثير.

***                                                                                  

محطة ثالثة مهمة في سيرة حياة الشيخ، هي الإذاعة .. كان من بناة الإذاعة المحلية ومؤسسيها مع بداياتها في معسكر الريمي عام 1950، أو قبله بقليل، مع زملائه : محمد بن صويد، خيري بن عامر، مفتاح السيد الشريف، إبراهيم اطوير، حميدة بن عامر، وكان أول قارئ للقرآن على الهواء من خلال إرسالها المباشر الذي يبث لفترات قصيرة في اليوم الواحد، وارتبط بها المستمعون في بنغازي الصغيرة، وقرأ النشرة الإخبارية في غياب المذيع، كما أسهم لاحقاً مع روادها من العاملين والمذيعين : عبدالله عبدالمولى، المبروك الورفلي، عيسى بالخير، عبداللطيف عيد، سعد إسماعيل، أبوالقاسم بن دادو الذي أخبرني شخصياً ـ رحمه الله ـ بأن الذي اكتشفه وقدّمه للعمل مذيعاً عام 1954 الشيخ محمود دهيميش عندما أعجب بنبرات صوته واستحسنه وكانا على شاطئ بحر الشابي وطلب منه قراءة جزء من مقال في إحدى الصحف المحلية، وقد ظلّ بن دادو من خيرة المذيعين، واختير فيما بعد كبيراً لهم، وخديجة الجهمي، وفرج الشريف.

وعندما تطوّرت الإذاعة المحلية في مرحلة لاحقة صار صوت الشيخ دهيميش مع أصوات المقرئين : أبوبكر صالح المسلاتي، ولامين قنيوه، ولامين التومي، ومحمد جمعه زوبي .. وغيرهم في تلك السنوات عنواناً واضحاً للعطاء الليبي في هذا الفن الروحي العظيم.

***                                                                                  

بنغازي، وليبيا كلها، وأهلها .. ومساجدها .. ومدارسها .. ومناسباتها الدينية والاجتماعية والوطنية .. وإذاعتها .. عرفته علماً قارئاً لكتاب الله، ومَعْلَماً من معالم تاريخها الروحي والعلمي والثقافي، وإنساناً صاحب ظرف وطرافة، الذي استمرّ في رسالته الروحية من على المنبر إلى آخر لحظة من عمره، وسيظل الشيخ الجليل محمود دهيميش في ذاكرة الوطن التي لا تنس رجالها وأعلامها في كل الظروف.

الاثنين، 10 فبراير 2014

المجتمع الليبي في ضوء النصوص المصرية ..د.رجب عبد الحميد الأثرم

يمكن تقسيم تاريخ ليبيا منذ عصر ما قبل الأسرات في مصر وحتى نهاية العصر الروماني إلى فترتين رئيستين على أساس المصادر، التي نستمد منها معلوماتنا عن هذا التاريخ. وتسمى الفترة الأولى بالفترة المصرية، لأن مصادر معلوماتنا عن تاريخ ليبيا تكاد تكون مقصورة على المصادر المصرية. وتسمى الفترة الثانية بالفترة اليونانية الرومانية، لأن كل مصادرنا عنها تكاد تكون يونانية أو رومانية. وتمتد الفترة الأولى منذ عصر ما قبل الأسرات حتى مجيء الإغريق إلى قورينائية في القرن السابع ق.م. وتمتد الفترة الثانية منذ هذا التاريخ وحتى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي.
  

والجدير هنا بالذكر أن هذه المصادر عبارة عن أخبار تمثل وجهة نظر غير الليبيين، التي لا تخلو من كثرة المبالغات، فضلاً عن أنها لا تمدنا بتاريخ مفصل متصل بالليبيين، ولكنها للأسف المصادر الوحيدة، التي بين أيدينا. ونأخذ من هذه المصادر بعين الحذر ما يخدم تاريخ هذا البلد، لأنه لم يعثر في ليبيا - حتى الآن - على مخلفات أثرية تخص تاريخها قبل قدوم الإغريق، وخاصة فى عصر البرونز، الأمر الذي دعا بعضهم إلى ترجيح خلو المنطقة من هذه الوثائق، ولكننا لا نتفق تماماً في الرأي مع هؤلاء، كما سيتضح من خلال هذا البحث.
 

 وأما فيما يتعلق بالعصر اليوناني وما بعده فقد حدثنا هيرودت عن أحوال الإقليم في كتابه الرابع. وتوالت بعده الكتاب والمؤرخين والجغرافيين الكلاسيكيين من الإغريق والرومان. كما أن قورينائية أخرجت لنا - ولازالت تخرج - الوثائق الخاصة بتاريخها في هذه الفترة.

أولاً : النظام الاجتماعي :-


تساعدنا النصوص المصرية في دراسة المجتمع الليبي بصفة عامة ونظام أسرته خاصة. وإذا كانت مصادر العصر اليوناني تؤكد عادة تعدد الزوجات، فإن المصادر المصرية تكشف عن وجود هذه العادة أيضاً عند سكان ليبيا. وقد ورد في نقوش الكرنك أن مري ابن دد، أمير قبيلة الليبو، كان يصحب معه نساءه وعددهن إثنتا عشرة. كما أشير إلى نساء كيبر ابن دد في نصوص رمسيس الثاني. ونقرأ في لوحة أن الملك نمرود، - وهو ليبي من المشواش - أرسل زوجته نس تنت إلى الملك بينقخي (مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين 715-656 ق.م)، لتطلب العفو منه لزوجها. ويشير النص: "ولما دخل بينقخي قصر نمرود، أمر أن تأتي إليه زوجات الملك وبناته.". وهذا النص يقطع بتعدد زوجات الملك الليبي الأصل، لأن المصريين لم يكونوا يتخذون إلا زوجة واحدة.


ولا يعني تعدد الزوجات في هذا المجتمع الليبي القديم إنحطاط مركز المرأة فيه، لأن المرأة الليبية تظهر في صور الآثار المصرية مرتدية ملابس الرجل، ومتحلية أيضاً بنفس زينته. وهذا في حد ذاته دليل على علو منزلتها في المجتمع الليبي. وبالإضافة إلى هذا فإن نظام الإرث القائم على أساس التسلسل من نسل الأم كان شائعاً بين القبائل الليبية في هذه الفترة.


ولعل ظاهرة تعدد الزوجات على نطاق واسع بين الليبيين هي التي أدت إلى وقوع عدد كبير من الكتاب الإغريق والرومان، وفي مقدمتهم هيرودوت في خطأ كبير، عندما تحدثوا عن انتشار ما يشبه الإباحية الجنسية، حيث يقول عن قبيلة الناسامونيس: ".. أن من عادتهم أن يتخذ كل رجل زوجات كثيرة وهم يخالطون النساء دون قيد أو ضابط".ويقول عن قبيلة الجنداس: "إن كل امرأة تضع حول كل من ساقيها حلقات من الجلد بحيث تدل كل حلقة على اتصال رجل من رجال القبيلة بها. والتي تضع أكبر عدد من الحلقات، وتعتبر أحسن نساء القبيلة، لأن عدداًكبيراً من الرجال أحبوها". ويقول الأوسيس: "إن الاتصال بين الرجال أمر شائع. وعندما يكبر الأطفال يجتمع مجلس القبيلة، الذي يضم كل رجالها البالغين، ليقرر إلحاقهم بمن يشبهونهم من الرجال".


ويناقش العالم الإنجليزي أورك بيتس هذه الإدعاءات فيعتبرها خطأ وقع فيه الكتاب القدامى من إغريق ورومان، لعجزهم عن تفهم ظاهرة تعدد الزوجات. ويورد دليلين إثنين على ذلك، الأول أن الأوسيس كانوا ينزلون عقوبة الموت بالفتاة المشتركة في بعض طقوسهم الدينية، إذا تبين لهم أنهم كانت فاقدة عذريتها. وقوم هذه الصفة من صفاتهم لا يمكن أن يصح ما قاله هيرودت فيهم. والثاني أن نوعاً من قرابة الدم كان شائعاً في شمال افريقيا، مما يدل على أنهم كانوا متفقين على نوع من الزواج، يكفي لتحديد قرابة الدم في نطاق الأسرة والقبيلة.


وإذا انتقلنا إلى مجتمع القبيلة، وجدنا أنه كان يرأسها زعيم أو رئيس من أسرة معينة تحتكر لنفسها زعامة القبيلة. وكان هذا الزعيم ينحّى عن مكان الرئاسة إذا ثبت عدم كفاءته، ويعهد بمنصبه إلى أحد أعضاء الأسرة الآخرين، كما حدث في حالة الأمير الليبي مري ابن دد الآنف الذكر، الذي هزمه الفرعون مرنبتاح. ويشير النص: "لقد هزم مري وسقطت الريشة من على رأسه.. وكان مساعدوه قد هربوا بسبب خوفه.. وإذا عاش فلن مرة أخرى لأنه هزم. وسينصبون آخر مكانه".


ويساعد بعض الأشخاص رئيس القبيلة في تسيير شؤونها، لعلهم كانوا يشكلون مجلساً استشارياً. فقد أشار النص السابق إلى كلمة "مساعدوه"، وأشارت نصوص الملك رمسيس الثالث، إنه أمر أن يحضر إليه الأسرى العشرة، الذين يتولون إدارة شؤونها. وقد تكررت في نصوص هذا الملك رؤساء المشوش، وأشير في نصوص الأسرة الثانية والعشرين الليبية إلى زعماء أرض المشوش، والرئيس الأعظم للمشوش ورئيس الرؤساء. وترينا الصور، التي حفظتها جدران المعابد في مصر بعض علامة تباين في المركز الاجتماعي، وربما كان من علامات الرئاسة إلى جانب الريشة أيضاً، اتخاذ ذيل الحيوان حلية وزينة، ولعلها كانت هي تميز الرئيس عن عامة الليبيين.


نقش يمثل زعماء قبائل ليبية قديمة
وكان رئيس القبيلة يجمع في يديه السلطتين الزمنية والدينية: فهو رئيس مجلس القبيلة وقت السلم لإدارة شؤونها، وقائد الجيش وقت الحرب. وإذا فشل فإنه ينحّى ويولى أحد إخوته أو أبنائه مكانه.

ثانياً : الديانةعند الليبيين :-


إذا إنتقلنا إلى دراسة ديانة سكان ليبيا ومعتقداتهم، التي كان يتوارثونها – ونأخذ قورينى مثلا على ذلك – لوجدنا أنه من الطبيعي بالنسبة لهم، وفي مثل هذه البيئة، التي عاشوا فيها فلاحين ورعاة وصيادين، أن يكونوا قد عبدوا مظاهر الطبيعة من سحب وعواصف ونجوم وآبار وأشجار، وذكر هيرودت إن الليبيين كانوا يقدمون القرابين للشمس والقمر. ووصف طريقة هذا التقديم، وكل هذه المظاهر كانت عندهم منازل للأرواح. ومن المحتمل أن النبع الموجود في قورينى، الذي أصبح يعرف بنبع "أبوللو" في العصر اليوناني، كان محل تقديس من السكان المحليين قبل قدوم الإغريق إليها.


وقد ورد ذكر بعض الآلهة الليبية في الآثار المصرية مثل الإله اش ASH الذي ظهر اسمه في نقوش الأسرة الخامسة. ويدل الأسلوب الذي ذ ُكر فيه هذا الإله في نصوص الملك سحورع، وأنه كانت له مكانة كبيرة في ليبيا، ولكن لا يعُرف عن طبيعة هذا الإله ووظيفته شيء محدد حتى الآن.


وأما الربة المعروفة في المراجع العلمية حتى الآن باسم نيت Neith، (والأصح تنيت)، فقد ورد ذكرها منذ عصر ما قبل الأسرات على فخار نقادة، واستمر ذكرها شائعاًعلى الآثار وفي البرديات طوال العصر الفرعوني. وكانت تعبُد في غرب الدلتا، ولم يكن لها طبيعة محددة واضحة. فهي أم للطبيعة وتتصف بالخصب، وقد عثر على الرمز الدال عليها أو شعارها في شكل وشم على أجسام الأسرى الليبيين في نقوش موقع صا الحجر في غرب الدلتا. وفي القسم الغربي من ليبيا أخذ الفينيقيون عن الليبيين عبادة هذه الربة وجعلوها نظيرة للرب بعل حمون وقرينة له.


ويشير هيرودت إلى أن الليبيين كانوا يعبدون إله البحر بوزايدون Poseidon وأن المصريين أخذوه عن الليبيين. ونحن لا نستطيع أن نقرر ما إذا كان هذا الإله ليبي الأصل أم أنه قدم إلى ليبيا مع شعوب البحر، التي تحالفت مع الليبيين في غزو مصر. وهناك أسطورة مصرية تتحدث عن الإله حورس وكيف أرضعته البقرة المقدسة سحت حور، وكيف أصبحت هذه الربة راعية الماشية وحاميتها. وقد استمرت عبادتها طيلة العصر الفرعوني من حدود مصر غرباً حتى قورينى إما باسم حاتحور أم حورس وأما باسم ايزيس. ولا ننسى أيضاً عبادة الثور جيزيل، التي استمرت حتى عصور متأخرة في ليبيا. وهذا ما يفسر لنا إشارة هيرودت، إن نساء قورينى لا يأكلن لحم البقر ويعتبرن أكله إثماً كبيراً.


وقد عبد الليبيون الإله آمون Ammon، الذي كان معبده في واحة سيوة، وانتشرت عبادته داخل ليبيا، إذ كان له معبد في واحة أوجلة. وكانت توجد على ساحل سرت محلة يقال لها آمونكلا وأخرى آمونيس هالوس Ammonos Halous ورابعة بالقرب من طبرق يطلق عليها آمونوس، ويوجد حالياً جنوب بنغازي موقع يسمى تل آمون، ويشير بيتس في هذا الصدد أنه كان يوجد في واحة سيوة، قبل أن تنضم إلى مصر، إله ليبي قرنه المصريون بمعبودهم آمون. وعزز بيتس رأيه باسم زيوس الطيبي، وفي رأي بيتس أن الإله زيوس آمون اكتسب شهرة واسعة في العالم القديم باعتباره مصدر روحي. وكان الكبش رمزه وحيوانه المقدس، وهو في هذا يشبه الإله آمون المصري، وبالرغم من رفض شامو Chamaux التسليم بهذا الرأي، إلا أننا مع رأي بيتس في التفريق بين الإله الليبي والإله المصري، لأن واحة سيوه ظلت ليبية حتى احتلها المصريون في منتصف القرن السادس ق.م. وعندما احتلوها وجدوا سكانها الليبيين يعبدون إلهاً مشهوراً فأسماه المصريون بإسم رئيس الآلهة المصرية آمون طيبة. هذا بالإضافة إلى أن هيرودت كان واضحاً في التمييز بين الإلهين. فهو دائماً يسمى الإله الليبي باسم زيوس آمون، والإله المصري باسم زيوس الطيبي. ويؤكد هذا الفرق الذي أوضحه هيرودت، أن قمبيزا أرسل حملة ضد زيوس آمون الليبي، وابتاعه في سيوة، بينما لم يتعرض للإله آمون المصري في طيبة. وهذا التمييز في المعاملة له مغزاه في الدلالة، على أن زيوس آمون الليبي في سيوة كان غير زيوس المصري في آمون المصري. هذا بالإضافة إلى أن آمون الليبي كان يختلف في الوظيفة عن آمون المصري. فقد كان الأول إله نبؤات في المقام الأول، في حين كان الآخر إله زراعة وحصاد قبل أن يجعل رئيساً للآلهة المصرية باسم آمون رع حامي الحمى ومانح البركات. ولم تبلغ شهرته في الوحي شهرة آمون الليبي، وتعتبر الرحلة التي قام الإسكندر المكدوني إلى واحة سيوة لزيارة معبد الإله آمون خير دليل على رأينا هذا. ويدعم هذا الإتجاه بالرأي قول ديودورس الصقلي أن آمون كان ملكاً ليبيا أسطورياً. ثم أن كثرة الأماكن التي يطلق عليها إسمه في قورينى ظاهرة تدعم وجهة نظرنا هذه. ويقول بيتس أن التشابه في العبادة وخاصة في عبادة الثور والكبش يؤخذ دليلاً قوياً على أن العلاقات بين الطرفين لم تكن كلها عدائية، وإنما كانت سلمية كذلك.



آلهة ليبية قديمة

وفي الختام نشير إلى بعض العادات الليبية المتعلقة بالديانة الليبية القديمة: فمثلاً فيما يتعلق بالقسم يقول هيرودوت، إن الليبيين كانوا يضعون أيديهم على قبور أولئك الذين عرف عنهم العدل والخلق الرفيع، فيقسمون بأضرحتهم. أما عن استطلاع الغيب فإنهم يذهبون إلى مقابر أسلافهم، وبعد أداء الصلوات ينامون، وأي حلم يتراءى لهم في النوم، يعتبر بمثابة وحي أنزل عليهم يجب عليهم تنفيذه. وكانوا يعطون المواثيق والعهود بأن يشرب الواحد منهم من يد الآخر. ويرى بيتس أن بعض علامات الوشم هي في الواقع رموز دينية منها مثلا الوشم، الذي على شكل صليب يرمز إلى إله الشمس. وإن بعض العلامات الأخرى ترمز إلى الربة تنِِِِيت... إلخ.

ويشير بيتس إلى أن أوجه الشبه بين الديانتين المصرية والليبية، وخاصة منها فيما يتعلق بعبادة الثور والكبش، توضح أن العلاقة بين الطرفين كانت قوية ولم تكن عدائية دائماً.


ثالثاً : الملابس والحلي عند الليبيين القدماء :-


إذا انتقلنا إلى مظاهر الحياة المادية، نجد أن كل قبيلة قد تميزت بطريقة لبسها أزياءها. فمثلاً كان التحنو يلبسون شرائط من الجلد وقراب العورة، أما عند التمحو فملابسهم كانت أرقى بقليل. وتتكون من عباءة فضفاضة مزخرفة من الجلد ثبت في ذيلها شريط مخطط. وإلى جانب ذلك احتفظ التمحو بقراب العورة. كما كان الليبو يلبسون تحت العباءة بدلاً من قراب العورة قميصاً يعلو الركبة وأن ملابسهم تكاد تشبه ملابس المشوش. غير أن المشوش كانوا يلبسون قراب العورة، الذي يقتصر لبسه على البالغين من الرجال والنساء دون تمييز في المركز الاجتماعي.






وكان الليبيون يلبسون الأحذية، وإن كانوا يظهرون في صور الآثار المصرية حفاة الأقدام. ولعل ذلك عائد إلى اهمال من الفنانين المصريين، أو أنهم اتخذوا ذلك أسلوباً فنيا ً بطريقتهم في الرسم أو المبالغة في إظهار الليبيين بمظهر الذل والخضوع. نقول ذلك لآننا نقرأ في نصوص معبد الكرنك من عهد مرنبتاح أنهم قد تركوا ملابسهم ومتاعهم وأحذيتهم أيضاً.

وأما لباس الرأس فلم يكن شائعاً بين الليبيين بشكل عام، إلا في نطاق ضيق بالرغم من أنهم كانوا يعرفون القبعة،التي تغطي الرأس، إذ تظهر في صور مدينة هابو امرأة ليبية تلبس قبعة على رأسها. وفي لوحة للملك تحتمس الرابع يظهر رجل يلبسها أيضاً.


ولعل أشهر الحلي، التي كان الليبيون يتزينون بها هي ريش النعام، وإن كانت لا تظهر أحياناً في الصور المصرية. ولعل مرد ذلك إلى التوفير في السطح الذي رسم عليه الفنان. كما كانت الريشة من علامات الزعامة وسقوطها من على الرأس هو علامة ذل وعار لحاملها. وكان الرؤساء يتحلون أيضاً بذيل الحيوان.


زينة الرأس لدى قدماء الليبيين
وبالاضافة إلى ذلك فإن الليبيين كانوا يابسون أيضاً الحلق والأساور. ويظهر ذلك في نقوش سحورع ونقوش مدينة هابو بعض الليبيين والليبيات يتحلون بالعقود والأساور. وأما الخلاخيل فقد رودت في نقوش تحتمس الرابع حيث يظهر أحد أفراد قبيلة الليبو وفي أعلى قدمه اليمنى خلخال.وقد ذكر هيرودت أن نساء ليبيات كن يلبسن خلاخيل جلدية وأن أخرييات كن يحملن خلخالا من البرونز في كل ساق.

الحلق والاسوار التى كانت يلبسها قدماء الليبيين
وقد كان الليبيون يعتنون بتصفيف شعورهم وترتيبها على نحو مايظهر على الآثار المصرية ويهتمون باللحية التي تنتهي بطرف مدبب منسق ونشاهد في بعض الصور أن الرجل كان يطلق شاربيه، ولكنها لم تكن عادة شائعة عند كل الليبيين؛ واستعمل الليبيون أيضاً الوشم في أشكال مختلفة،بعضها يتعلق بالتصور الديني وبعضها الآخر للزينة فقط. ويرجح، أن الرؤساء الليبيين هم فقط كانوا يستعملون الوشم إلى جانب رجال الأسرة المالكة دون نسائها.

رابعاً : مساكن وأثاث الليبيين :-


اذا انتقلنا إلى المظاهر المادية في المجتمع الليبي القديم في تلك الفترة، نجد ان الليبيون استعملوا المعادن، لانهم صاروا في مرحلة حضارية متقدمة نسبيا ً. فقد ذكرت نقوش الكرنك في قائمة الغنائم،التي استولى عليها مرنبتاح من الأمير الليبي مري ابن دد، بين ماذكرت كؤوس شراب من الفضة وسيوف نحاسية وسكاكين وأواني برونزية. وكان من جملة الغنائم، التي استولى عليها رمسيس الثالث من الليبيين 115 سيفاًطول الواحد من هذه السيوف خمسة إذرع و24سيفا طول الواحد منها ثلاثة أذرع وأكثر من تسعين عربة حربية. وتؤكد هذه المعلومات صور الأواني الليبية في النقوش المصرية وماذكره الكتاب الكلاسيكيون عن السيوف الليبية. ولما كان الساحل الليبي خالياً من المعادن، فمن المرجح إذن أنهم قد استوردها، خاصة بعد اتصالهم بشعوب البحر. ومما يكشف أيضاً عن مظاهر الحضارة المادية ماجاء في نصوص مرنبتاح، أن الأمير الليبي قد فر تاركاً وراءه أثاث زوجته وعرشه. وهذا يعني أنه كان يوجد في مسكن الليبو أثاث، ولكنهم كانوا يعرفون الكراسي، لأن رئيسهم اتخذ لنفسه عرشاً. وقد عثر في مدينة غدامس على صورة، ربما كانت معاصرة لأواخر عصر الدولة الحديثة في مصر. وتمثل الصورة امرأة جالسة على كرسي وقد وضعت قدميها على مسند للأقدام.

لوحة حجرية عثر عليها في مدينة غدامس تمثل سيدة ليبية تجلس على كرسي

ولنا أن نتصور أن مساكنهم كانت لا تخلو من الأواني الفخارية أو المعدنية وقرب الماء وأنه كان لديهم أدوات تستخدم في كافة أغراض الحياة اليومية من أكياس وأوعية وسلال وغيرها.وتدل إحدى الصور على آثار بني حسن، أن الليبيين كانوا يعرفون السلال،إذ ظهرت النساء الليبيات في تلك الصورة وهن يحملن أطفالهن على ظهورهن.

ويلاحظ أنه لم يعثر على أبنية الليبيين في العصور،التي نتحدث عنها. ولعل ذلك راجع إلى استعمالهم نوعاً من الحجارة، لم يستطع مقاومة عوامل الزمن. وقد سكن الليبيون الكهوف الطبيعية. ونذكر في هذا الخصوص أن بعضهم بقى يسكن الكهوف الطبيعية في مناطق الجبل الأخضر مثلا إلى عهد قريب. ويشير هيرودوت إلى الناسامونيس كانوا يعيشون في مساكن مصنوعة من أنواع سيقان النبات يلتف حوله نوع من البوص، ويمكن نقل المسكن من مكان إلى آخر.

وأما الخيام الجلدية،فقد استمر استعمالها منذ العصر الفرعوني وحتى فترة متأخرة. وبالاضافة إلى الخيام كان الليبيون يسكنون أكواخاً متنقلة عرفها الرومان باسم Mapalia حيث كانت منتشرة بصورة عامة وفي كل الشمال الافريقي.

 وقد أقام الليبيون الآبار وخزانات المياه. وقد ذكر هيرودوت أن قبيلة البسولوي كانت تحتفظ بالماء في الخزانات. 
 -------------------
 هذه الدراسة موجودة ضمن كتاب الدكتور رجب الأثرم، محاضرات فى تاريخ ليبيا القديم، بنغازى، منشورات جامعة قاريونس، ط2، 1994.
* يعد الدكتور رجب الأثرم من أوائل الليبيين المهتمين بدراسة التاريخ الليبى القديم. 

 ** اعدته للنشر:إيناس المنصورى بقسم رواق التاريخ بموقع جيل الليبى بتاريخ 2007/10/28

الجمعة، 7 فبراير 2014

فرج عمران ابراهيم سالم بوجازيه .. تاجر من بنغازى ...بقلم مراد الهونى

من مواليد مدينة درنة فى العام 1917م جند اجباريآ ضمن صفوف المجندين الليبيين فى الجيش الايطالى ليجد نفسه فى اتون حرب الحبشة كغيره من ابناء جلدته الذين اجبروا على خوض حروب ايطاليا فى القرن الافريقى شاء قدره بأن يصاب فى احدى معارك وحدته فعين ممرضآ بمستشفى مصابى الحرب هناك و فور انتهاء حرب الحبشة بهزيمة ايطاليا فى عدوة رجع مع الناجين ممن حالفهم الحظ من الليبيين الى بلادهم التى كانت ما تزال ترزح تحت وطاءة الاحتلال الايطالى و اتون الحرب العالمية الثانية فقرر بعد ان وضعت الحرب اوزارها بهزيمة دول المحور فى عام 1943م ان يهاجر بحثآ عن لقمة العيش فى ظل ضروف معيشية صعبة و قاسية بمدينة درنة ليستقر به المطاف فى شارع العقيب بمدينة بنغازى التى شهدت وقتها نزوح اعداد كبيرة من المهاجرين و الوافدين اليها من شتى مناطق ليبيا و ذلك أثر تحسن الاوضاع الاقتصادية و استقرار الحالة الامنية بها مما شكل فرصة سانحة لهولاء للاستقرار و العمل فيها ..

و انتقل المرحوم فرج بوجازية من عمل لاخر حتى استطاع ان يتعهد بطريقته الخاصة بتموين بعض المدارس بوجبات الفطور التى تصرف للطلاب بالاضافة الى عمله كبائع في محل تجاري يملكه احد اليهود في شارع عمر المختار فى عام 1948م  و بعيد اعلان استقلال ليبيا شهدت البلاد انتعاشآ اقتصاديآ غير مسبوق فكان من اوائل التجار الذين استطاعوا بمهارتهم و جدارتهم و تواصلهم مع العالم الخارجى أن يتبوؤا مكانة مرموقة فى مجال تجارة الملابس الجاهزة و عرف عنه وقتها بتميزه باستيراد ماركات عالمية معروفة و الظفر بوكالتهم التجارية بليبيا فتطورت تجارته و ازدهرت اعماله فقام ببناء عمارته فى عام 1968م بمنطقة جليانة و كان طموحه فى ذلك الوقت ان يتمكن من بناء مشروعآ مماثلآ فى ارض له بمنطقة الحدائق لبناء ابراج سكنية ضخمة الا ان طموحاته تلك و تطلعاته اصدمت بالتغييرات المأساوية التى شهدتها ليبيا انذاك حيث تم الاستيلاء على ممتلكاته و اراضيه تلك كغيره من رجال الاعمال و التجارة على أثر قرارات التأميم التى اصدرتها السلطة الغاشمة انذاك و التى طالت اعماله و محاله التجارية و لم تنتهى تلك الاجراءات الظالمة عند حد التأميم فقط بل تعدت ذلك الى تضييق الخناق على كل المبادرات الفردية الخلاقة التجارية منها و الصناعية ليتحول الناس الى ما يشبه حالة البطالة المقنعة التى اهلكت الاخضر و اليابس فتضرر الكثيرون منها لتطال الناس فى لقمة عيشها الامر الذى حدا بالبعض للاعتكاف ببيوتهم انتظارآ لفرج الله الذى طال كثيرآ فلم يعش المرحوم فرج بوجازية ليرى نهاية الظلم و الغبن و الجور و هو ما كان يتمناه كثيرآ فقد بدأت بحلول العام 1998م اعراض المرض تظهر عليه و اكثر من تردده على مستشفى بروزدوشمى و شيئآ فشيئآ بدأت حالته تزداد سؤآ فانتقل لتلقى العلاج باحدى مستشفيات طرابلس و ذلك بعدما تعذر عليه السفر للعلاج بالخارج لاسباب خاصة و استمرت رحلته تلك مع المرض حتى توفاه الله فى عام 2000م رحمة الله عليه ...


( الصورة مهداة من الصديق طارق ساسى فله منى جزيل الشكر و الامتنان على مساهمته بهذه الصورة النادرة بالفعل و تاريخ التقاطها 1937م ).