‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ، تاريخ ليبيا القديم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ، تاريخ ليبيا القديم. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 18 أغسطس 2014

الكتابة الأمازيغية التيفيناغ...ا.أمينة بن أباجي

يعد الخط أو الكتابة الشاهد الرئيسي الذي يبرهن على تطور اللغة أو تغيرها عبر الزمن، كما أنه الوسيلة التي بفضلها ترتقي اللغة وتدخل مجال الحضارة، فاللغة المكتوبة تعبر على تقدم الدولة وازدهارها، أما اللغة غير المكتوبة تعني التخلف والخمود. والخطوط متعددة ومختلفة عن بعضها البعض، حسب مميزاتها، وخصوصياتها، والخطوط المستعملة حاليا، هي خطوط اللغات العلمية العالمية والاقتصادية كاللاتينية والعربية واليابانية...

أما الأمازيغية، فهي لغة شفهية، تستعمل للتعبير عن الأغراض اليومية، غير أن لها كتابتها الأصلية، والمعروفة بالتيفيناغ، فما أصل هذه الكتابة؟ وما هي الأبجدية المعمول بها؟ ولماذا انصب اهتمام الباحثين حول هذا الموضوع؟

1- أصل التيفيناغ:

أقدم نقش (رسم) وصل إلينا يعود تاريخه إلى أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد كتب بخط التيفيناغ. والتيفيناغ هو جمع لمؤنث (Tafing)، وتعني على أرجح الأقوال: الخط أو العلامة، أي الأبجدية (أبجد). وهو من أعظم الإنجازات التي توصلت إليها هذه اللغة في وقت لم تكن الكتابة قائمة؛ وهي الكتابة الأصلية للأمازيغية.

اتفق بعض المؤرخين على أن التيفيناغ مركبة من كلمتين: ثيفين، بمعنى اكتشاف، وأناغ، أي ملكنا، وهذا يحمل اتجاها خاصا بالقبائلية دون غيرها من اللهجات الأمازيغية الأخرى. أما مصادر أخرى ترى أن التيفيناغ تعني الكتابة، وأكد مؤرخون آخرين أن التيفيناغ من أصل فينيقي، كون الأبجديات فينيقية الأصل، فالتاء في بداية الكلمة تدل على المؤنث، أما أفونيق فهي من الفينيقية(1).

ومعظم الأمازيغيين، يدعمون هذا الرأي، ومنهم "سالم شاكر"، الذي يرى بأن أصل التييفيناغ فينيقي، كجل الأبجديات الأخرى، ومن بين الأسباب التي أوصلته إلى هذا الاستنتاج، ما يلي:
- جدر كلمة التيفيناغ، المتكون من (ف ن ق)، وهو يعني الفينيقيين بالسامية، أما التبادل بين حرف (ق) و(غ)، فهذه ظاهرة تتواجد بكثرة في الأمازيغية، كما في الفعل قتل: نغ أو نق.
- المناطق أكثر استعمال للتيفيناغ، هي مناطق إفريقيا الشمالية، وهي التي تأثرت بالبونيقية.
- لقد غيروا التيفيناغ الذي كان يكتب عموديا من الأسفل إلى الأعلى، وأخذوا يكتبونه أفقيا ومن اليمين إلى اليسار مثل البونيقية.
- عدم وجود فراضية أقوى تبرهن على أن للتيفيناغ أصولا أخرى(2).

يؤكد الباحث حددو (Haddadou) أن التيفيناغ ينحدر من الخط الليبي، وكان يتكلم هذه اللغة سكان شمال إفريقيا، حيث أشار إليها المؤرخون اللاتينيون واليونانيون القدامى، وقالوا أنها تختلف عن الفينيقية، ولسوء الحظ، لم يصفها ولا أحد منهم(3).

وفي سنة 1842 م، لما اكتشف أول نقشٍ، انصب اهتمام الباحثين عليه، حيث أن مدونة الباحث ج.- ب. شبو (J.- B. Chabot)، المعنونة بـ: "مجموعة نقوش ليبية" (Recueil des inscriptions libyques )، جمعت فيها 1125 صورة من صور النقائش الليبية.

وأول كتابة ظهرت، في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، هي الكتابة الفينيقية، ومنها أخذت الكتابتان: اليونانية واللاتينية. ولكن البربر لم يقتصروا على هذه الكتابات، بل استعملوا كتابة أخرى، والتي نسميها اليوم؛ الكتابة البربرية، وبينما أكد حددو على أن التيفيناغ منحدر من الخط الليبي، فهناك من يرى أن الكتابة البربرية متكونة من خطين: الخط اللوبي (الليبي) وخط التيفيناغ(4).

وذكر في مجلة مغاربية أن "سكان هذه المناطق الإفريقية الشمالية الغربية هم البربر، ولغتهم هي البربرية، ولقد قيل عنها إنها منحدرة من لغة قديمة هي الليبية التي كان القوم يتكلمونها منذ ألفين من السنين، وهي ذات حروف منفصلة تحمل اسم تيفيناغ"(5).

الفرضية نفسها نجدها عند صالح بلعيد، أي أن التيفيناغ هي الكتابة الخاصة بسكان البحر الأبيض المتوسط، وهي الكتابة القديمة للسكان الذين استوطنوا البحر الأبيض المتوسط، أي الكتابة التي استعملها الفينيقيون واليونانيون...، والتي أخذوها عن السكان الأولين الذين مروا بالبحر المتوسط(6).

كما ترى مصادر أخرى أن خط التيفيناغ متأثر بالنقوش اليمنية القديمة، ويعتمدون على النقوش الصهيدية، التي تنتمي إلى الخطوط السامية الجنوبية، حيث تتكون من 29 حرفا أبجديا والذي سماه الملوك خط المسند، إذ وجدوا تقاربا بينها وبعض الرسوم(7).

فالآراء متعددة، ومختلف حول انتساب اللغة الأمازيغية، وهذا يرجع للميول الذاتية، ولكن يبقى الأصل الفينيقي هو أكثر شيوعا ومنطقا، حيث نسبت الدراسات اللسانية اللغة الأمازيغية إلى اللغات السامية - الحامية، ولكن هذا أزعج المدرسة الفرنسية ذات التوجه الاستعماري والرافضين للانتماء العربي، الذين يرفضون وجود أي صلة بين اللغة الأمازيغية واللغات السامية التي تضم اللغة العربية، فهي تحاول فصل اللغة الأمازيغية عن العربية(8).

وإذا كان الخط اللوبي توقف عن الاستعمال في وقت مبكر، فإن خط التيفيناغ احتفظ به إلى وقتنا الحالي ويستعمله التوارق، وهم بربر الصحراء المنتشرون في ليبيا والتشاد والنيجر وموريتانيا ومالي والجزائر(9). "وحروف التوارق، لايتقنها كل التوارق بل تتقنها النساء والخدم وبعض الذين تعلموها من النساء"(10).

2 - مختلف أبجديات التيفيناغ:

كانت أبجدية التيفيناغ في أول الأمر تتكون، إلا من الصوامت، أي كانت كتابة صامتة، لا حركات لها ولا حروف إشباع (الألف والواو والياء)، وهذه خاصية تتميز بها الكتابات العربية القديمة (المسماة بالسامية)(11) ثم أضيفت إلى تلك الصوامت، حروف صائتة، والتي سميت "تيدباكين"، وهي تقابل الفتحة والكسرة والضمة، والأبجدية كلها تدعى "أكامك"، حيث كان الأمازيغيون القدماء يكتبون بهذه الحروف على جدران الكهوف وعلى الصخور، من الأعلى إلى الأسفل، في أول عهدهم، ثم بدأوا يكتبون في جميع الاتجاهات، ودام ذلك الوضع إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ثم استقرت الكتابة عند التوارق من اليمين إلى اليسار كما هو معمول به في العربية(12).

لقد أدى اختلاف الآراء حول انتساب هذه الكتابة إلى ظهور عدة أبجديات للتيفيناغ، فقد عرفت هذه الكتابة عدة مراحل، حيث يرى بعض اللسانيين أنها كانت تكتب في أول الأمر بعشرة حروف، وهي: الباء والجيم والدال والتاء والياء والسن والراء والميم واللام والنون. ثم أضيف إليها حروف أخرى(13): الزاي والتاء.

أما مصادر أخرى ترى أن الأصوات الأولى لا تتجاوز 18 صوتا، وقد وجدت مدونة على الغرانيت في الطاسيلي كتبت بهذه الأصوات الثمانية عشر، كما أن مجموعة 18 صوتا وجد كذلك في الفينيقية الأولى، ويمكن أن يكون هذا من بين العوامل التي تأثرت بها، وآخرون يرون أن اللغة الليبية القديمة تتكون من 22 رمزا مستعملا(14).

كما يظهر هذا الاختلاف أيضا في الأبجديات نفسها، كأن يكتب الباء بطريقة أخرى وكذلك بالنسبة للفاء والسين والشين، وغيرها.

فما يلاحظ هنا، هو الاختراع المتواصل لأبجديات التيفيناغ، فالعاملين في هذا الميدان يريدون أن تحتوي هذه اللغة على جميع الأصوات، وهذا من المستحيل، حيث لا يمكن لأي لغة كانت أن تحتوي على جميع الأصوات، وهذا ما يجعلها لغة اصطناعية، واللغة الاصطناعية، ثبت أنها غير ناجحة، فهي لغة مخبرية.

ويمكننا تلخيص أهم الطروحات التي تخص هذا الخط فيما يلي:
- وجود تيفيناغ قديمة
- وجود تيفيناغ جديدة
- وجود تيفيناغ جديدة جديدة
- التيفيناغ المستعمل في الأكاديمية البربرية من قبل سالم شاكر
- التيفيناغ في المغرب التي يجتهدون في كتابتها بالحروف العربية
- التيفيناغ المستعملة في مؤسسات أخرى(15).

ويرجع هذا الاهتمام المتواصل والمتجدد بهذا الخط إلى سببين رئيسيين، أولهما علمي، والثاني موضوعي، إن لم يكن إيديولوجي:

أ - فاللسانيون الأمازيغيون يقومون بأبحاث حول لغة شفهية، إلا بعض الجمل بالحروف العربية المتواجدة في المصادر التاريخية، فهم لا يملكون أدلة حول الأبجديات القديمة لهذه اللغة، أو تطورها.

وأمام غياب براهين تاريخية عميقة، فمعظم الأبحاث حول الأمازيغية تعتمد إلا على المقارنة بين مختلف اللهجات الأمازيغية. وهذه الطريقة الوحيدة التي يتم بفضلها وضع فراضيات تاريخية. وبطبيعة الحال، هذه ليست الوسيلة التي توصلنا إلى نتائج دقيقة أو نتعمق بها في التاريخ البعيد. ولذا فالنقوش الليبية هي التي تمكننا للوصول إلى نتائج يرضى بها البحث العلمي، ونأمل بها معرفة حقيقة هذه اللغة.

ب - إن الكتابة الليبية، وبالأخص الحديثة التي هي التيفيناغ، تعبر عن قيمة وشرف هذه اللغة، كما أنها تخرجها من الحيز الضيق الذي يمثل اللغة الشفهية (اللغة التي لا تكتب)، إلى عالم متقدم ومتحضر الذي يمثل اللغة المكتوبة.

ورغم أننا لا نجهل أبجديات التيفيناغ الحديثة، غير أن النقوش الليبية تبقى غير مفهومة، وهذا ما جعل بعض الباحثين يتساءلون إذا كانت النقوش الليبية، أو بعضها كتبت بلغة أخرى لا علاقة مباشرة لها بالأمازيغية.

ولكن هذا حذر يتجاوز حده، بما أن كل الأبحاث والمصادر أثبتت الأصل الليبي-الأمازيغي. وتبقى النتائج في هذا المجال قليلة رغم هذا الاهتمام، وهذا يعود للأسباب التالية، نذكر منها:

- قلة الأعمال المنهجية، حيث أن أهم المراجع التي تناولت موضوع النقوش الليبية، حتى الآن هي التي جمعها شابو(16)، وغالاند(17).

- ليست كل اللهجات الأمازيغية الحالية، معروفة وشائعة كما هو الحال بالنسبة للهجة التارقية لمنطقة الهقار.

- الفرق الزمني الكبير بين الليبية واللهجات الأمازيغية الحالية، فمن المفروض أن تتطور اللغة من بعض الجوانب أو كلها من زمن لآخر.

كما سبق وأن ذكرنا، النقوش الليبية قليلة وغير كافية للوصول إلى بناء قواعد لغوية. فمعظم هذه النقوش تعبر عن أسماء أعلام.

وأخيرا، كثيرا من الأبحاث في هذا الميدان قام بها أشخاص هواة للأمازيغية أو ضباط الجيش الفرنسي، الخ. مع العلم أن هذه الدراسات تتطلب مختصين كعلماء الآثار، أو مؤرخين، أو مختصين في اللغة الأمازيغية... لإجراء بحوث دقيقة التي توصل إلى نتائج حتمية. ولكن هذا لا يمنعنا من أن ننسب الأمازيغية إلى الليبية(18). وبحوث أكثر دقة وتوسع من قبل المختصين، لا بد أن تمكننا من معرفة أو إثبات الفراضيات حول موضوع هذا الخط.

الهوامش:

1 - ينظر، صالح بلعيد: في المسألة الأمازيغية، دار هومة، بوزريعة، الجزائر 1999، ص 90.
2 - Voir, Salem Shaker : Manuel de linguistique berbère I, Editions Bouchène, Alger 1991, p. 247.
3 - Voir, Mohand Akli Haddadou : Le Guide de la culture berbère, Editions Ina-Yas, Paris Méditerranée, 2000, p. 210.
4 - ينظر، محمد مختار العرباوي: في مواجهة النزعة البربرية وأخطارها الانقسامية، دمشق 2005، ص 14.
5 - الناجي الأمجد: "الخط المغربي والهوية المفقودة"، مجلة منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط 1994، المخطوط العربي وعلم المخطوطات سلسلة (ندوات ومناظرات) العدد 33، ص 88.
6 - ينظر، صالح بلعيد: المصدر السابق، ص 92.
7 - المصدر نفسه، ص 103.
8 - ينظر، محمد المختار العرباوي: المصدر السابق، ص 45.
9 - المصدر نفسه، ص 22.
10 - د. محمد سعيد القشاط: التوارق عرب الصحراء الكبرى، مركز دراسات وأبحاث شؤون الصحراء، ط. 2، كاليري، إيطاليا، 1989، ص 34 و99.
11 - ينظر، محمد مختار العرباوي: المصدر السابق، ص 30.
12 - ينظر، محمد شفيق: لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين، 2000، ص 45.
13 - ينظر، صالح بلعيد: المصدر السابق، ص 102.
14 - ينظر، أحمد مختار عمر: تاريخ اللغة العربية في مصر والمغرب الأدنى، عالم الكتب، القاهرة 1992، ص 228.
15 - ينظر، صالح بلعيد: المصدر السابق، ص 118.
16 - Voir, J.- B. Chabot : Recueil des Inscriptions libyques, Paris 1940.
17 - L. Galand : Inscriptions libyques, in Inscriptions Antiques du Maroc, Paris 1966, pp. 1 - 79, XII pl.
18 - Salem Chaker : op. cit., pp. 247 - 251.


جامعة تلمسان، الجزائر،العدد التاسع -  2009 ، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم (الجزائر)

الجمعة، 13 يونيو 2014

موقف القبائل الليبية من الاحتلال الأجنبي..د.أحمد انديشة




لقد كانت العلاقة بين الإغريق والقبائل الليبية في بادي الأمر علاقة سلمية ولم يحاول الليبيون مضايقتهم برغم قلة عدد الإغريق الذين لم يتجاوز عددهم 200 مهاجر وقد كانوا يستطيعون ذلك(1), وعندما وجدت قبيلة الجلجاماي أن الإغريق نزلوا في مناطق استقرارهم قررت إقناعهم بالرحيل إلي مكان بعيد عن مناطقهم وغير مفيد لهم, في الوقت الذي يعد ملائما بالدرجة الأولي للإغريق , وخوفا من استقرار الإغريق في موطن الجلجاماي سارت بهم ليلا عبر ايراسا حتى لا يرونها فيعجبون بها(2), ووصلت بهم إلي مناطق استقرار قبيلة الاسبوستاي التي رحبت بهم وساعدتهم علي تأسيس مستوطنتهم, وخير دليل علي ذلك المنشات الضخمة التي أقيمت منذ عهد باتوس الأول مؤسس كيريني وعهد خليفته اركسيلاوس الأول خصوصا وان عددهم قليل مقارنة مع عملية بناء كل تلك المنشات , وهذا ما أشار إليه بعض الكتاب الكلاسيكيين أمثال ديودورس الصقلي-بندار(3) .

وتأكيدا علي حسن العلاقة التي كانت قائمة بين أولئك المهاجرين والليبيين ما جاء في البوثية التاسعة لبندار التي أشار فيها إلي إن أحد أبناء تيلكراتيس الكيريني قد تقدم إلي ملك الجلجاماي طالبا يد ابنته, فكان عليه أن يشترك مع غيره من الإغريق والليبيين في سباق خيل يحظى فيه الفائز با لفتاه جائزة له وقد كان هو الفائز(4) .

ومما يدل علي إن العلاقة بين الليبيين والإغريق كانت ودية ومتينة ومستقرة بعض الوقت إن الإغريق كانوا ملتزمين بحدودهم ويتعاونون مع السكان المحليين في النشاط الاقتصادي, حيث كانت القبائل الليبية تسيطر علي بنات السلفيوم, وكان الإغريق في حاجة إليه(5).

كما يظهر الجانب الايجابي في تعاون الاغريق والليبيين في موقعين أحدهما عندما تعرض الإغريق للخطر الخارجي المتمثل في مجيٌ ثيبرون للإقليم للسيطرة عليه تحالفت القبائل الليبية مع عدوها اللدود ضد عدو آخر ظهر علي الساحة عام 323ق.م حيث أدركت انه كان يهدف إلي السلب والنهب , فاعدت له كمينا محكما أدي إلي قتل عدد كبير من هذه القوات (6 ).

وإما الموقف الآخر الذي يدل علي تعاون الإغريق والليبيين ما وصفة بلوتارخ لظلم نيكراتيس في كيريني بين عامي 88-81ق م , لقد زوجت ارثيقيلا بالقوة من الطاغية ثم قضت كل وقتها تخطط للخلاص منه ولكي تتوصل ألي هدفها اتفقت مع أمير ليبي يدعي انابوس علي التخلص من الطاغية ليندر الذي أصبح طاغية جديدة في الإقليم وبعد الغارات ضد أهالي كيريني القي القبض علي ليندر حيث لقي حتفه, والجدير بالذكر إن الزعيم الليبي انابوس لم يكن يعيش بعيدا عن المدينة في منطقة اعتادت قبائل البدو إن تسكن فيها من وقت لآخر(7) .

وعندما نشب الصراع بين اركسيلاوس الثاني 570-550 ق. م , وأخوته وأعوانه من الارستقراطيه خرجوا جميعا من كيريني إلي إقليم قبيلة الاوسخيساي وأسسوا بمساعدتهم مدينة باركي حيث لا يمكن لهذا العدد الخارج عن السلطة في كيريني إن يؤسس مدينة وسط إقليم خصب لولا مساعدة من أصحابها(8) .

وإذا ما نظرنا إلي علاقة القبائل الليبية مع القرطاجين في المدن الثلاث نجد أنها كانت هي الأخرى في بدايتها علاقة ودو سلم , ودليلانا علي ذلك ما حدث في عام 514 ق.م , عندما حاول المغامر الاسبرطي دوريوس إقامة مستعمرة في وادي كنيبس "وادي كعام " تعاونت قبيلة المكاي الليبية مع القرطاجين وتم طرد هذا المستعمر(9) .

كما قامت القبائل الليبية اثر اغتيال بومبي علي يد إتباع بطلميوس الثالث عشر في فارسالوس عام 48 ق.م(10) بمساعدة بقية قواته بقيادة كأتون في السفر إلي المدن الثلاث حيث قامت قبيلة البسولاي بتقديم المساعدة لتلك القوات كأطباء يقومون بمعالجة جنوده من لدغ الثعابين وإدلاء في رحلته(11) .

وتوجد اشاره لدي ديودورس الصقلي(12) مفادها انه إثناء حمله اجاثوكلس باتجاه قرطاجه لتدميرها قدمت قبيلة الماخليس والافسيس القاطنة علي ساحل سرت الصغير من تزويده بالعربات الحربية بعد إن ضاقت ذرعا بالقسوة والظلم التي كانت تلحقه بها قرطاجة جراء التجنيد الإجباري لا بناءها وإرسالهم في الحملات ألعسكريه ألي أسبانيا وصقلية إضافة إلي الغلظة التي ميزت جباة الضرائب حيث كانت هذه الضرائب ترتفع إلي النصف- الإنتاج الزراعي- في حالة خوض قرطاجة للحروب التي كانت علي حساب القبائل الليبية(13).

كما عثرت جويس رينولدز في الناحية الجنوبية من السورالهلينستي الروماني في كيريني من أثار متبقية تكاد تكون واضحة المعالم لحضائر كانت تستخدم من قبل ليبين اعتادوا علي جلب مواشيهم إليها لأجل بيعها في سوق المدينة في إشارة إلي العلاقات الطبيعية بين الإغريق والليبيين(14).

ثانياً الموقف العسكري للقبائل الليبية

وإذا ما قمنا بتسليط الضوء علي الجانب الأخر للعلاقة التي تربط القبائل الليبية مع الاستعمار الإغريقي والروماني- المقاومة- نجد العديد من الإشارات التي احتوتها كتب المؤرخين تشير إلي إن طبيعة تلك العلاقة عدائية في اغلب الأوقات , وقد انطلقت شرارتها مع ارتقاء باتوس الثاني العرش في كيريني, الذي قام بسياسة مغايرة عكس التي نهجها سابقوه والمتمثلة في جلب مستوطنين جدد من بلاد اليونان واعدا إياهم بمنحهم قطع أراض جديدة كان قد اغتصبها من القبائل الليبية(15) الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية تحت زعامة اديكران زعيم قبيلة الاسبوستاى إن تطلب مساعدة الفرعون المصري أبريس ضد إغريق كيريني بزعامة ملكها باتوس الثاني

وعندئذ قام أبريس بتقديم مساعدته التي كانت متمثلة في حملة كبيرة من القوات المصرية كان قد استثني منها القوات الإغريقية التي كانت في خدمة قواته والتقي الطرفان عند نبع ثيستيس* عام 570ق.م(16) بالقرب من ايراسا وهناك اشتبك الطرفان في المعركة غير إن النصر فيها كان من نصيب إغريق كيريني بقيادة باتوس الثاني علي حساب القوات المتحالفة من الليبيين والمصريين ,(17) كما ترتب علي هزيمة الليبيين وحلفائهم إن ثبت الإغريق أقدامهم في كيرينايكي واستولوا علي أخصب أراضيها(18).

ولكن هل أخمدت حركة المقاومة من قبل القبائل الليبية ضد الاستعمار الإغريقي بعد هزيمتها في إيراسا ؟ أم أعادت تنظيم صفوفها؟

علي ما يبدو إن المقاومة من قبل القبائل الليبية ضد الاستعمار الإغريقي سرعان ما عاودت نشاطها ولكن هذه المرة كان في عهد اركسيلاوس الثاني الذي دخل مع أخوته المنشقين عنه وقاموا بتأسيس مدينة باركي(19) الأمر الذي أثار حفيظة اركسيلاوس فقرر تجميع قواته والزحف عليهم لمعاقبة الخارجين عن حكمة فوجدت القبائل الليبية الفرصة في تنفيذ انتقامها خصوصا أنها كانت تعاني من الضرائب الباهضة التي كانت تدفعها للإغريق والمتمثلة في بنات السلفيوم الذي يعد حكرا ملكيا, كما أنها رأت الفرصة مواتية لتثأر من هزيمتهم في ايراسا حيث يشير هيردوت إلي إن الليبيين قد استدرجوه نحو الغرب حتى مكان يدعي ليوكن حيث صمموا علي مهاجمته واشتبكوا معه في معركة ضاربة استطاعوا فيها إنزال الهزيمة بالإغريق وقتلوا منهم حوالي سبعة ألاف من المشاة ثقيلي العدة (20) .

ومع نهاية الحكم الملكي في كيريني عام 440 ق.م ودخول البلاد في عدة صرعات داخلية بين الطبقة العامة والأرستقراطية (21) وظهور ما يسمي بالأحلاف* بين المدن التي تزعمتها كيريني وباركي (22) رأت القبائل الليبية إن الفرصة سانحة للانقضاض علي بعض المدن من اجل اثارة الشغب والقيام بعمليات السلب والنهب, فقد قامت قبيلة النسامونيس بحصار مدينة يوسيريدس عام 414 ق.م غير إن ذلك الحصار لم يسمر طويلا بسبب المساعدة التي قدمها الأسطول الاسبرطي لمدينة يوسبريدس مصادفة إثناء توجهه إلي صقلية , وعلي ما يبدو ان هذه الحادثة الوحيدة الموثقة فلربما هناك العديد من الهجمات الليبية علي الإقليم غير أنها لم توثق بمحض المصادفة (23) .

كما عثر علي نقش يرجع إلي القرن الثالث ق.م يرد فيه إن الإغريق كانوا يشنون الحروب علي القبائل الليبية ويرد فيه خمسة من القادة وهم يقدمون إلي ابوللو عشر الغنائم التي غنموها من المكاي والنسامونيس وهما قبيلتان يقطنان علي أطراف سرت , وهذا يشير إلي إن الإغريق كانوا دائما في وضع الهجوم(24) .

ويجدر بنا أن نسأل هل انتهت مقاومة القبائل الليبية ضد الحكم الأجنبي أم أنها استمرت حتى في عهد دخول الإقليم تحت السيطرة البطلمية ؟

علي ما يبدو إن العصر البطلمي في الإقليم لم يشهد الاستقرار مع القبائل الليبية التي كانت علي دراية تامة لما سيخلفه الاستعمار في البلاد ونجدها تتزعم مجددا حركة المقاومة منذ عهد بطليموس الأول الذي كان يسيطر علي كيرينايكي سيطرة مباشرة الأمر الذي دفع القبائل الليبية إلي الخروج عليه وقد تمثل ذلك تمرد نائبه *على الإقليم المدعو اوفيلاس(25) مما دفع بيطلموس الأول إلي إرسال ابن زوجته ماجاس عام 308 ق.م قائلا له عبارته المشهورة (26) :

" ارحل واخضع هذا الشعب المتعجرف الذي لا يخضع لقد عرضت عليهم رحمتي ولكنهم رفضوها , ووعدتهم بحياة آمنه , رفضوا عرضي فليجعلهم السكندريون يرون قدراتهم "

وفي القرن الثالث ق.م أجبرت قبيلة الماماريداي ماجاس الرجوع بسرعة إلي كيريني في الوقت الذي كان يجهز حملته ضد حاكم مصر بطليموس فيلادلفيوس عام 274 ق.م .وذلك باءيعاز من برينكي زوجة بطلميوس الثاني في الوقت الذي كان فيه ماجاس علي بعد 60 ك م من الاسكندرية (27), وإبراز دليل علي هذه الحرب مرسومين من كيريني احدهما لفاوس بين كليرخوس الذي ذهب إلي روما في وسط الشتاء طالبا مساعدتها والأخر ليكسماخوس بين أجلا نور الذي تميز في قيادة جيش المدينة في وجه هجمات القبائل الليبية(28)

كما أثارت القبائل الليبية مجددا ضد الوجود البطلمي في الإقليم وهذه المرة ضد بطليموس الثامن فسكون الذي كان مسافرا إلي روما لإقناعها بشرعيته في امتلاك قبرص , وعندما اخذ الموافقة منها توجه إليها, وفي هذه الأثناء ثارت القبائل الليبية بقيادة نائبه الملقب بالمسرف حيث ناصرته كيريني وبعض القبائل الليبية بالإغريق مابين ود وعداء(29) .

وبعد دخول الإقليم تحت الحكم الروماني لم تستقر أوضاع الإقليم إلا بعد إن آلت الأمور إلي أغسطس عقب معركة اكتيوم* 31ق.م فقد قام بإصدار خمسة قرارات أو مراسيم لتنظيم الإقليم سياسيا وإدرايا, لكن هناك جانبا لم نتطرق إليه مراسيم أغسطس إلا وهو جانب التعامل مع القبائل الليبية المتاخمة للإقليم والتي كانت ثائرة علي الحكم الروماني الذي قام بمصادرة الكثير من أراضيها لتمنح للمستوطنين الرومان , ومن أهم هذه القبائل في تلك الفترة قبائل المارمريداي التي اعطت اسمها لإقليم مارمريكا (30) هذا بالإضافة إلي قبائل النسامونيس والجيتولي في إقليم المدن الثلاث , والجرمنت ولقد واجهت القوات الرومانية ثورات القبائل بالعديد من الحملات سواء أكان ذلك في إقليم المدن الخمس أم في إقليم المدن الثلاث.

لم يمض علي حملة كورنيليوس بالبوس(31) الكثير حتى تحالف الجرمنت مع قبيلة المارمريداي وشنوا هجوما علي مدينة كيريني , الأمر الذي دفع بالإمبراطور أغسطس إلي تنصيب القائد بوبليوس سرليكوس كورينيوس حاكما لكيرينايكي وكريت وكلفة بمهمة التصدي لهجوم هذه القبائل التي ما لبثت إن حقق النصر عليها عام 15ق.م(32). ويبدو انه من بين قادة هذه الحملة قائد يدعي كوسوس الذي ورد ذكره عند فلورس عندما تحدث عن حروب الرومان ضد القبائل الليبية .

يقول فلورس(33) :

" wagis quam bellatum est .musulamos et Geatulos , accolas syrtium, cosso duce compescuit ; unde illi Geatulicius nomen latius quam ipsa Victoria Marmaridas a tque Garamantes Quirinio subigendos dedit. Potuit et ille edire Marmaricus , sed madestior in aestimanda Victoria fuit " .

" بعد القضاء علي الموسولامي والجيتولي الذين كانوا يسكنون قرب سرت تعهد القائد كوسوس – الذي لقب باسم الجيتولي – بإخضاع المرمريداس والجرمنت لكويرينيوس وهو الذي كان يلقب المارمريكوس , وكان متواضعا عند تقييم انتصاره".

لا يزال تاريخ اندلاع هذه الحرب موضع جدال بين المؤرخين : يري Grant (34) إن حدوثها كان عام 20 ق.م وهذا بالتالي يشير إلي ان المارمربداي قد هاجموا كيريني بمساعدة الجرمنت وبالتالي تكون الحملة مرتبطة بحملة كورنيليوس بالبوس علي الجرمنت ,(35) ويري Romnanelli(36) ان قيام هذه الحرب كان عام 12 ق.م , أي في الفترة التي كان فيها كورينيوس يتقلد منصب البريبتورية , واستند في ذلك علي أسماء الجند الذين عثر عليهم في كورينكلاروم وكان كوريرينيوس قد جلبهم معه من سوريا عندما كان مندوبا لأغسطس هناك وذلك لدرايتهم بفنون القتال في الصحراء ,(37) ويشير احد النقوش التي عثر عليها في الإقليم إلي تمكن الرومان من إلحاق الهزيمة بالمارمريداي في حرب مارمريكا , وتفصيل ذلك ورد في نقش أخر مؤرخ 2 م وهو يشير للفرحة التي سادت مدينة كيريني وغيرها من مدن الإقليم بوضع حد لحروب المارمريداي (38) وقد اهدي ذلك النقش لوكيوس اوريبيوس كيلو كليستيس الي الكاهن باوزنياس ونقشت (39) فيه عبارة ذلك الذي وضع نهاية للحرب .

ولكن هل الحرب التي يتحدث عنها هذا النقش هي نفسها الحرب التي قام بها كورينيوس ضد هذه القبيلة ؟

علي ما يبدو أنها ليست الحرب نفسها التي قام بها كوريرينيوس , فهذه الحرب يتحدث عنها نقش أخر من كيريني (40) من المرجح انه يعود إلي زمن الامبراطور أغسطس , النقش يتحدث عن تكريم احد مواطني المدينة لأنه تصدي لخطر هذه الحرب .

وبعد إن امن الرومان حدود الإقليم الشرقية , ولو بشكل مؤقت نتيجة لإخضاعهم للمارمريداي , نجد إن الوضع اختلف كثيرا عند حدود الإقليم الغربية حيث استمرت قبائل النسامونس * في شن الغارات في تلك المناطق,(41) وذلك بسبب قيام الرومان بمنع تنقلات أفراد هذه القبائل من الهجرة الموسمية باتجاه واحة أوجلة لجني التمور وربما كان هدف الرومان من ذلك تسهيل عمل جباة الضرائب(42), وكنتيجة لذلك كان النساموينس يهددون طرق التجارة, وقد امتد نشاطهم إلي الساحل إذا كانوا يشنون هجومهم علي السفن الموجودة علي الساحل في خليج سرت ويغرقونها(43), الأمر الذي دعـا السلطــات الرومانيـة في الفترات اللاحقة إلي إن توجه أليهم في عام 86-85 ق.م حملة بقيادة فلاكوس إلا إن الحملة هزمت هزيمة ساحقة علي يد قبيلة النساموينس الذين احتلوا معسكر الرومان(44) .

ولم تقتصر المتاعب والثورات التي واجهها الرومان من قبائل الليبية علي إقليم المدن الخمس فقط , بل يمكن القول إن ما واجهه الرومان من صعوبات في إقليم المدن الثلاث فاق مثيله في إقليم المدن الخمس فقد تعددت الثورات هناك , ومن أهم هذه الثورات ثورة قبائل الجيتولي والموسولامي , ويري البعض(45) إن السبب الذي أدي إلي خروج هذه القبائل راجع إلي عدم رغبتها في إن تكون خاضعة لسيطرة نوميديا الخاضعة لسيادة روما , بينما يري(46) "ديو" إن السبب في ذلك راجع إلي إجبار هذه القبائل علي الاندحار باتجاه الداخل والسيطرة علي أراضيهم , وبسبب أسلوب هذه القبائل في صراعها مع الرومان باللجوء إلي داخل الصحراء عقب كل غارة كانت مهمة القضاء عليها صعبة في أولها (47) ولكن بفضل مساندة الملك النوميدي يوبا الثاني تمكن القائد الروماني كورنيليوس لنتولس كوسوس من التصدي لهذه القبائل وإلحاق الهزيمة بها (48) ونتيجة لذلك تمركزت الفرقة الأغسطية (49) الثالثة في منطقة المسلمي امايدرا * وقد عثر في مدينة لبده علي نقش يشير إلي نهاية الحرب الجيتولية , والشعور بالامتنان لهذا القائد لأنه خلص الأقاليم الأفريقية من ويلات الحرب(50) , هذا وقد دلت احدي لوحات الفسيفساء في زليتن علي مشهد حشد فيه بعض الأسري الجيتولي يقتلوا بعنف شديد في المسرح الدائري(51) .

وبالإضافة إلي ما سبق ذكره عن ثورات القبائل القاطنة في إقليم المدن الثلاث نذكر إن الرومان قد واجهوا اعنف هذه الثورات أيضا ونعني بذلك ثورة قبائل الجر منت فقد عرف عن قبائل الجرمنت القاطنة في الجنوب الليبي أنها قبائل قوية وذلك لسيطرتها علي الطرق التجارية التي تربط المدن الثلاث بالمناطق الداخلية(52) من خلال قيامها بدور الوسيط في التبادل التجاري في العصرين القرطاجي والنوميدي غير إن هذه السياسة سرعان ما تبدلت عندما بسط الرومان سيطرتهم علي الإقليم(53).

وهنا نتساءل كيف حدث الاحتكاك بين الرومان الموجودين في الإقليم وبين هذه القبيلة الموجودة في أقصي الجنوب ؟

يبدو إن السبب المباشر في الاحتكاك بينهما لم يكن محددا تماما , فالبعض(54) يري إن السبب المباشر لهذه الحرب راجع لدعم قبائل الجرمنت لقبائل الجيتولي عندما ثارت علي الرومان, إما البعض(55) الأخر فيري إن تنامي قوة الجرمنت وازدهار عاصمتهم هو السبب في توتر العلاقة بينهما خاصة وان هذا الازدهار كان لا يتفق مع سياسة روما التوسعية , أضف إلي ذلك قيام الإمبراطور أغسطس يشغل الجيوش الرومانية عقب انتهاء الحرب الأهلية بفتوحات تشغلهم عن محاولة القيام الاستيلاء علي الحكم(56) , وربما يكون السبب المباشر لهذه الحرب راجع إلي تنامي رغبة روما في السيطرة علي المراكز التجارية التي تربط الجرمنت مع سكان المدن الأفريقية وراء الصحراء , كل هذه الأسباب جعلت الرومان يرون في القضاء علي الجرمنت السبيل الوحيد في وصولهم إلي تلك المناطق واستقرارهم فيها , وذلك أواخر القرن الأول ق.م بقيادة كورنيليوس بالبوس*(57) . وقد انطلقت الحملة من احدي مناطق المدن الثلاث باتجاه الجنوب , واول عمل قامت به هو بسط سيطرتها علي المركز التجاري للجرمنت وهو كيدامس(58) ثم وصلوا عاصمة الجرمنت بعد إن قطعوا مسافة 350 ميلا باتجاه الجنوب الشرقي وشنوا هجوما مباغتا عليهم(59) وعلي ما يبدو إن حملة كورنيلوس بالبوس لم تكن ذات نتائج حاسمة تجاه هذه القبيلة لأنها لم تسفر عن استقرار الرومان في الجنوب .(60) فهي لم تكن سوي حملة تأديبية ضد مراكز الجرمنت في الجنوب ثم رجعت باتجاه مركز استقرارها في المدن الثلاث . (61) ولكن هل تمكنت هذه الحملة من إنهاء تهديد الجرمنت لمناطق استقرار الرومان ؟

يبدو إن هذا النصر الذي حققه بالبوس كان مبالغا فيه بشكل واضح من جانب بليني الذي كان يهدف من وراء ذلك إلي رفع الروح المعنوية للجنود الرومان , حيث إن الحملة قد فشلت في إخضاع الجرمنت بشكل حاسم , بل علي عكس فقد شجعت الجرمنت علي مد يد المساعدة إلي قبائل المارمريداي في كيرنايكي(62) , اذا لم يكن نصر بالبوس ضخما بالصورة التي صورها بليني في رأينا حيث انه لم يتم العثور علي نقش يشير إلي الحملة , وهذا لا يتفق مع عادة الرومان حيث أنهم كانوا يخلدون انتصارهم عقب كل معركة وعدم وجود نقش يدل علي عدم أهمية المعركة , أو إن الانتصار لم يكن بالقدر الذي وصفه بليني(63) .

الهوامش

1. يروى لنا هيردوت دوايتين حول تأسيس المدينة إحداهما عن سكان ثيرا والأخرى عن سكان كيرينى ..للمزيد يراجع هيردوت ، الكتاب الرابع ،ت محمد المبروك الدويب ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازى 2003 فقرة 156 .

2. هيردوت ، المصدرالسابق ، فقرة 157-158 الكوافى ، محمد الأحوال السياسية والاقتصادية فى أقليم المدن الخمس فى الفترة من 155- 14 م ، دراسة مقارنة مع اقليم المدن الثلاث رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة قاريونس ، 2005 ص.

3. pindar,the des,v.55.89.diodor,x111.20,sadawyaa,A,the creek settlement in cyrenaica with no tesno pottery discover there, l.h,Benghazi 1968.pp95ff.

4. pindar ,the odes.ix.

5. Applepaum,s. Jews and Greek in Ancient cyrene. Leiden Brill.1979 p84.elrasshdi ,f.imports of post-Archaic Greek pottery in to cyernaica from The End of the archaic to the beginning of the Hellenistic period . London ,2003.p10

باكليلى ، ليديانو، الاكتشاف الاغريقي لنبات السلفيوم ، ت شمس الدين عرابي السنة 12 ، منشورات مركز الجهاد ، طرابلس ،1990 ،ص ص 188-189

6. diodorus. s . xviii.20-1-6.7

7. Plutarch,moralia,255-257,rossberg.Quaestiones,de rebus cyrenarum provinicae romanae, frankenbergae . 1876.p20, kraeling, ptolemais city of the Libyan pentapolis , university to the paris . 1960.p11

8. هيردوت المصدرالسابق ، فقرة 160 .

9. lensel.s. carthage librarrie , Artheme fayard paris,1992.p108

10. Romanelli, P, la cirenaica Romana 96. B.C 64 B.C verbena . 1943.p60

11. Elmayer ,A, tripolitania and the Roman Empire B.c47 A.B235. markaz Jihad ,Tripoli 1997.p31. leigh, M,lucan and Libyan tale, J.R.S volxc,2000 pp 97-98

12. Diodorus, s.xx64.3.

13. وارمينجتون ، القرطاجيون ، تاريخ أفريقيا العام ، مج 2 ، اشرف جمال مختار ، منظمة الأمم المتحدة ، لبنان 1988 .

14. Renolds .J. cyrene . C.A.H, p625. larond . A, Greek colonists and Native populations, Australian classical Archaeology , 1990.p177

15. يذكر هيردوت فى الفقرة ، 159 ان كاهنة دلفى البيثية قد شجعت جمع الإغريق عندما نصحتهم بان بيحروا ويسكنوا ليبيا مع الكيرينئين لان الكريتئين دعوهم ووعدوهم بتقاسم الأرض S.E.G.1X.3.

- اختلفت الأبحاث في تحديد مكان ذلك النبع فمن الدراسين من يرى أنه عين القبة fantoli a.la libia negliseritt degli roma pp 11-35

بينما يرى الاخرن أن ذلك النبع هو عين مارة ـ انظر

chamoux.f.cyrene sous la monarchie des battiadis paris .

1953 . p146

- نصحى ،ابراهيم ، أنشاء قورينى وشقيقاتها، منشورات جامعةقاريونس ، بنغازى 1979، ص155

16. هيردوت ، المصدر السابق ، فقرة ، 159

17. جميلة ، عبد الكريم ، قورينائية والفرس الاخمينيون " منذ انشاء قوريني حتى سقوط أسرة باتوس " منشورات درار النهضة العربية ، بيروت 1996 ص 299 هامش 1-

18. هيردوت ، المصدر السابق ، فقرة 160

19. هيردوت ، المصدر السابق ، فقرة 160

20. diodorus .s xiv.34.4

21. بدوى ، عبد الرحمن ، ليبيا في مؤلفات ارسطو ، مجلة كلية الاداب ، بنغازى ، العدد 3 1969.3 ص 142 .

- أشار سيكلاكس أن كيرينايكي كانت مقسمة الى قسمين كيرينى وبرقة حيث اشتملت الاخيرة على توخيرا ويوسيريدس فى منتصف القرن 4 ق.م Skylacis.108

كما اشار هيردوت الى توخيرا منطقة تقع فى نفوذ البرقيين هيردوت ، المصدر السابق فقرة 171

22. robinson . catalogue of the creek coins of cyrenaica . bologna.1965.p,lv11. jones .a . cities of the eastern romon provinces oxford.1937.p353.

23. Thucydides . V11.50.2.Larond .A.op.cit.p171.

24. S.E.IX.77.

v مما شجع اوفيلاس على قيادة هذه الثورة مساندة اهالى كيرينايكي له مستغلاً

فى ذلك حالة السخط والغضب التى يعيشها أهالى الاقليم بعد اخماد بطليموس لثورتهم

الى جانب انشغال بطليموس فى حروبه ضد انتيخوس .

machu.j.annee,cyrene la Cite et le souverain alepogue

hellenisigue . revue historigue.75.paris.1970.p45.

25. الكوافى ، محمد ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 13-14 .

26. violaine .v.les ptolemees.Derniers pharaonsd Egypte

.D alexandre aclepatra. Paris . 1998.p63

27. .will. E .historie politigue du mode hellenistigue323-30.vol II.Paris. 1966.p125

28. اندرية لاروند ، الاغريق والليبيون فى قورينائية ، نقله عن اللغةالفرنسية الى اللغةالانجليزية ، جين باول ديسكوريس ، وقام بترجمته إلى اللغة العربية فؤاد سالم ابوالنجا ، ص 34 ، غير منشور .

29. chamoux. F. hellenistic civilization . trans lated by michel roussel , London. 2000 p139 .

30. لقد استوطنت هذه القبيلة المنطقة الواقعة من السلوم وحتى سرت , وأطلق اسمهم علي الإقليم الذي استقروا فيه وهو إقليم مارمريكا وهي المنطقة الممتدة من درنة حتى حدود مصر , يراجع Oliverio , cirenaica , D. A. l. ii. L. P 119.

31. مواطن أسباني من أصول قرطاجية وهو ابن غير شرعي لأحد الكهنة عمل بالبوس في الجيش مع بومبي – قيصر- أغسطس وقد حصل علي المواطنة بعد انتصاره علي الجرمنت - انظر

Cary and sculiard , a history of rome , London ,1975- P 331

32. Applepaum , op. cit.p68/mattingly , d , Tripoli Tania , London , 1995 ,p52/ Rossberg , op.eit,p60/ romanelli,op.eit.p68/Mattingly ,D, TheArchaeology of fazzan , vol I , Synthesis, Tripoli, 2003,pp83-84 .

33. Florus , II , 31 .

34 .Grant ,M From imperium to a ugtoritas a historical study of aes coinage in the Roman Empire 496.c a. d ,14 , cambridge ,1964. p 55
35 انديشه, احمد محمد , المرجع السابق , ص 67 .

36. ) Romanelli , op. cit, p 79

* كورنيكلاروم هي مدينة اجدابيا الحالية .

37. الميار, عبد الكريم , المرجع السابق , ص 70

38. للمزيد حول هذا النقش يراجع S.E.G.IX 63/Oliverio, cirenaica ,op. cit , p 101, N 67 .

39 . Romanelli , op. cit, p 77 .

40 . Romanelli , op. cit, p 78 .

عبدالعليم , مصطفي كمال , دراسات فى تاريخ ليبيا القديم ، منشورات الجامعة الليبية بنغازى , 1966, ص 87 .

41. جادالله , فوزي فهيم , المعارك والمواقع الهامة بين الليبيين والمستعمرين الإغريق والرومان نص محاضرة ألقيت في قاعة ابن غلبون بمركز الجهاد , طرابلس 1981 , ص 7.

.42 شلوف , عبد السلام محمد , قبيلة النساموينس , مجلة قاريونس العلمية , ع 1-2 السنة 4 , جامعة قاريونس , 1991, ص ص 160-161 .

43. Bates , O. op. cit, p 105.



44 . جاد الله , فوزي فهيم , المرجع السابق , ص 8

45. Haynes,E,L, the Antiquities of Tripolitania,1981,p 37/ Bates ,O,op, cit, p 234 .



46. Dio ,cassius.R.H.Iv.28 .



47. Elmayer , op, p61-62 .

48. ) Florus , II,31/Romanelli m op. cit, p76/merghi , la tripolitania antica , verbania ,1940 ,p 150 .

49 .كانت الفرقة الأغسطية الثالثة في الأصل تتكون من المواطنين الحاصلين علي حقوق المواطنة الرومانية , تم عززت الفرقة بأبناء الجنود الذين ولدوا في أفريقيا من أمهات افريقيات للمزيد أنظر : انديشة , احمد محمد , المرجع السابق , ص 192 .

* منطقة واقعة علي الحدود التونسية الجزائرية

50 .Renolds ,j, and perking the in--SS--ion of roman Tripolitania, London , 1925, N301.

51. Granelli ,A, op. cit, p2

52. Elmayer, op. cit, p 58

53. انديشة , احمد محمد , المرجع السابق , ص 65 .

54 . ) Haynes .op. cit. p36/Elmyer , op. cit. p 60 .

55. أيوب , محمد سليمان , جرمة من تاريخ الحضارة الليبية القديمة , دار المصراتي للنشر , طرابلس 1969 , ص 138 .

Daniels, C.M, the garamantes of soutern libya , 1970, p 22

56. Daniels, C.M, the garamantes of fezzan L.H. 1968 p 261 .

v قد وردت أول إشارة عن حملة كورنيليوس بالبوس من خلال كتابات ا الشاعر فرجيل الذي تحدث عن الإمبراطور أغسطس وكيف بسط حدود الإمبراطورية إلي ما وراء الجرمنتvirgil, vi. 791-797

57. syme,r , the Roman revolution , oxford, London , 1963 p 339/wheeler , m. Rome beyond the imperial frontiers London , 1955.pp 122-129/Mommsen.t, the provinces of the roman empire. Vol2. London 1909.p315/Merghi op. cit.p 15/ Romanelli, p, storia delle province romane dell Africa roma , 1959. pp178-180

حول كورنيليوس بالبوس يراجع

Prima, p. fezzan e oasi di gat , anno, xv roma , pp 266- 267-277-78

58. Haynes , op. cit, p 36 .

59. انديشة , اخمد محمد , المرجع السابق , ص 67 .

60. Bates , o, op. cit ,p 150 .

أيوب , محمد سليمان , حملة كورنيليوس بالبوس علي فزان عام 19 ق.م , ليبيا في التاريخ , دار المشرق , بيروت 1968 , ص 217 .

61. pliny , N.H.V.5.

62. Mommsen, t, op. cit .315 .

63. أيوب , محمد سليمان ,المرجع السابق , ص 208 .

الاثنين، 10 فبراير 2014

المجتمع الليبي في ضوء النصوص المصرية ..د.رجب عبد الحميد الأثرم

يمكن تقسيم تاريخ ليبيا منذ عصر ما قبل الأسرات في مصر وحتى نهاية العصر الروماني إلى فترتين رئيستين على أساس المصادر، التي نستمد منها معلوماتنا عن هذا التاريخ. وتسمى الفترة الأولى بالفترة المصرية، لأن مصادر معلوماتنا عن تاريخ ليبيا تكاد تكون مقصورة على المصادر المصرية. وتسمى الفترة الثانية بالفترة اليونانية الرومانية، لأن كل مصادرنا عنها تكاد تكون يونانية أو رومانية. وتمتد الفترة الأولى منذ عصر ما قبل الأسرات حتى مجيء الإغريق إلى قورينائية في القرن السابع ق.م. وتمتد الفترة الثانية منذ هذا التاريخ وحتى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي.
  

والجدير هنا بالذكر أن هذه المصادر عبارة عن أخبار تمثل وجهة نظر غير الليبيين، التي لا تخلو من كثرة المبالغات، فضلاً عن أنها لا تمدنا بتاريخ مفصل متصل بالليبيين، ولكنها للأسف المصادر الوحيدة، التي بين أيدينا. ونأخذ من هذه المصادر بعين الحذر ما يخدم تاريخ هذا البلد، لأنه لم يعثر في ليبيا - حتى الآن - على مخلفات أثرية تخص تاريخها قبل قدوم الإغريق، وخاصة فى عصر البرونز، الأمر الذي دعا بعضهم إلى ترجيح خلو المنطقة من هذه الوثائق، ولكننا لا نتفق تماماً في الرأي مع هؤلاء، كما سيتضح من خلال هذا البحث.
 

 وأما فيما يتعلق بالعصر اليوناني وما بعده فقد حدثنا هيرودت عن أحوال الإقليم في كتابه الرابع. وتوالت بعده الكتاب والمؤرخين والجغرافيين الكلاسيكيين من الإغريق والرومان. كما أن قورينائية أخرجت لنا - ولازالت تخرج - الوثائق الخاصة بتاريخها في هذه الفترة.

أولاً : النظام الاجتماعي :-


تساعدنا النصوص المصرية في دراسة المجتمع الليبي بصفة عامة ونظام أسرته خاصة. وإذا كانت مصادر العصر اليوناني تؤكد عادة تعدد الزوجات، فإن المصادر المصرية تكشف عن وجود هذه العادة أيضاً عند سكان ليبيا. وقد ورد في نقوش الكرنك أن مري ابن دد، أمير قبيلة الليبو، كان يصحب معه نساءه وعددهن إثنتا عشرة. كما أشير إلى نساء كيبر ابن دد في نصوص رمسيس الثاني. ونقرأ في لوحة أن الملك نمرود، - وهو ليبي من المشواش - أرسل زوجته نس تنت إلى الملك بينقخي (مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين 715-656 ق.م)، لتطلب العفو منه لزوجها. ويشير النص: "ولما دخل بينقخي قصر نمرود، أمر أن تأتي إليه زوجات الملك وبناته.". وهذا النص يقطع بتعدد زوجات الملك الليبي الأصل، لأن المصريين لم يكونوا يتخذون إلا زوجة واحدة.


ولا يعني تعدد الزوجات في هذا المجتمع الليبي القديم إنحطاط مركز المرأة فيه، لأن المرأة الليبية تظهر في صور الآثار المصرية مرتدية ملابس الرجل، ومتحلية أيضاً بنفس زينته. وهذا في حد ذاته دليل على علو منزلتها في المجتمع الليبي. وبالإضافة إلى هذا فإن نظام الإرث القائم على أساس التسلسل من نسل الأم كان شائعاً بين القبائل الليبية في هذه الفترة.


ولعل ظاهرة تعدد الزوجات على نطاق واسع بين الليبيين هي التي أدت إلى وقوع عدد كبير من الكتاب الإغريق والرومان، وفي مقدمتهم هيرودوت في خطأ كبير، عندما تحدثوا عن انتشار ما يشبه الإباحية الجنسية، حيث يقول عن قبيلة الناسامونيس: ".. أن من عادتهم أن يتخذ كل رجل زوجات كثيرة وهم يخالطون النساء دون قيد أو ضابط".ويقول عن قبيلة الجنداس: "إن كل امرأة تضع حول كل من ساقيها حلقات من الجلد بحيث تدل كل حلقة على اتصال رجل من رجال القبيلة بها. والتي تضع أكبر عدد من الحلقات، وتعتبر أحسن نساء القبيلة، لأن عدداًكبيراً من الرجال أحبوها". ويقول الأوسيس: "إن الاتصال بين الرجال أمر شائع. وعندما يكبر الأطفال يجتمع مجلس القبيلة، الذي يضم كل رجالها البالغين، ليقرر إلحاقهم بمن يشبهونهم من الرجال".


ويناقش العالم الإنجليزي أورك بيتس هذه الإدعاءات فيعتبرها خطأ وقع فيه الكتاب القدامى من إغريق ورومان، لعجزهم عن تفهم ظاهرة تعدد الزوجات. ويورد دليلين إثنين على ذلك، الأول أن الأوسيس كانوا ينزلون عقوبة الموت بالفتاة المشتركة في بعض طقوسهم الدينية، إذا تبين لهم أنهم كانت فاقدة عذريتها. وقوم هذه الصفة من صفاتهم لا يمكن أن يصح ما قاله هيرودت فيهم. والثاني أن نوعاً من قرابة الدم كان شائعاً في شمال افريقيا، مما يدل على أنهم كانوا متفقين على نوع من الزواج، يكفي لتحديد قرابة الدم في نطاق الأسرة والقبيلة.


وإذا انتقلنا إلى مجتمع القبيلة، وجدنا أنه كان يرأسها زعيم أو رئيس من أسرة معينة تحتكر لنفسها زعامة القبيلة. وكان هذا الزعيم ينحّى عن مكان الرئاسة إذا ثبت عدم كفاءته، ويعهد بمنصبه إلى أحد أعضاء الأسرة الآخرين، كما حدث في حالة الأمير الليبي مري ابن دد الآنف الذكر، الذي هزمه الفرعون مرنبتاح. ويشير النص: "لقد هزم مري وسقطت الريشة من على رأسه.. وكان مساعدوه قد هربوا بسبب خوفه.. وإذا عاش فلن مرة أخرى لأنه هزم. وسينصبون آخر مكانه".


ويساعد بعض الأشخاص رئيس القبيلة في تسيير شؤونها، لعلهم كانوا يشكلون مجلساً استشارياً. فقد أشار النص السابق إلى كلمة "مساعدوه"، وأشارت نصوص الملك رمسيس الثالث، إنه أمر أن يحضر إليه الأسرى العشرة، الذين يتولون إدارة شؤونها. وقد تكررت في نصوص هذا الملك رؤساء المشوش، وأشير في نصوص الأسرة الثانية والعشرين الليبية إلى زعماء أرض المشوش، والرئيس الأعظم للمشوش ورئيس الرؤساء. وترينا الصور، التي حفظتها جدران المعابد في مصر بعض علامة تباين في المركز الاجتماعي، وربما كان من علامات الرئاسة إلى جانب الريشة أيضاً، اتخاذ ذيل الحيوان حلية وزينة، ولعلها كانت هي تميز الرئيس عن عامة الليبيين.


نقش يمثل زعماء قبائل ليبية قديمة
وكان رئيس القبيلة يجمع في يديه السلطتين الزمنية والدينية: فهو رئيس مجلس القبيلة وقت السلم لإدارة شؤونها، وقائد الجيش وقت الحرب. وإذا فشل فإنه ينحّى ويولى أحد إخوته أو أبنائه مكانه.

ثانياً : الديانةعند الليبيين :-


إذا إنتقلنا إلى دراسة ديانة سكان ليبيا ومعتقداتهم، التي كان يتوارثونها – ونأخذ قورينى مثلا على ذلك – لوجدنا أنه من الطبيعي بالنسبة لهم، وفي مثل هذه البيئة، التي عاشوا فيها فلاحين ورعاة وصيادين، أن يكونوا قد عبدوا مظاهر الطبيعة من سحب وعواصف ونجوم وآبار وأشجار، وذكر هيرودت إن الليبيين كانوا يقدمون القرابين للشمس والقمر. ووصف طريقة هذا التقديم، وكل هذه المظاهر كانت عندهم منازل للأرواح. ومن المحتمل أن النبع الموجود في قورينى، الذي أصبح يعرف بنبع "أبوللو" في العصر اليوناني، كان محل تقديس من السكان المحليين قبل قدوم الإغريق إليها.


وقد ورد ذكر بعض الآلهة الليبية في الآثار المصرية مثل الإله اش ASH الذي ظهر اسمه في نقوش الأسرة الخامسة. ويدل الأسلوب الذي ذ ُكر فيه هذا الإله في نصوص الملك سحورع، وأنه كانت له مكانة كبيرة في ليبيا، ولكن لا يعُرف عن طبيعة هذا الإله ووظيفته شيء محدد حتى الآن.


وأما الربة المعروفة في المراجع العلمية حتى الآن باسم نيت Neith، (والأصح تنيت)، فقد ورد ذكرها منذ عصر ما قبل الأسرات على فخار نقادة، واستمر ذكرها شائعاًعلى الآثار وفي البرديات طوال العصر الفرعوني. وكانت تعبُد في غرب الدلتا، ولم يكن لها طبيعة محددة واضحة. فهي أم للطبيعة وتتصف بالخصب، وقد عثر على الرمز الدال عليها أو شعارها في شكل وشم على أجسام الأسرى الليبيين في نقوش موقع صا الحجر في غرب الدلتا. وفي القسم الغربي من ليبيا أخذ الفينيقيون عن الليبيين عبادة هذه الربة وجعلوها نظيرة للرب بعل حمون وقرينة له.


ويشير هيرودت إلى أن الليبيين كانوا يعبدون إله البحر بوزايدون Poseidon وأن المصريين أخذوه عن الليبيين. ونحن لا نستطيع أن نقرر ما إذا كان هذا الإله ليبي الأصل أم أنه قدم إلى ليبيا مع شعوب البحر، التي تحالفت مع الليبيين في غزو مصر. وهناك أسطورة مصرية تتحدث عن الإله حورس وكيف أرضعته البقرة المقدسة سحت حور، وكيف أصبحت هذه الربة راعية الماشية وحاميتها. وقد استمرت عبادتها طيلة العصر الفرعوني من حدود مصر غرباً حتى قورينى إما باسم حاتحور أم حورس وأما باسم ايزيس. ولا ننسى أيضاً عبادة الثور جيزيل، التي استمرت حتى عصور متأخرة في ليبيا. وهذا ما يفسر لنا إشارة هيرودت، إن نساء قورينى لا يأكلن لحم البقر ويعتبرن أكله إثماً كبيراً.


وقد عبد الليبيون الإله آمون Ammon، الذي كان معبده في واحة سيوة، وانتشرت عبادته داخل ليبيا، إذ كان له معبد في واحة أوجلة. وكانت توجد على ساحل سرت محلة يقال لها آمونكلا وأخرى آمونيس هالوس Ammonos Halous ورابعة بالقرب من طبرق يطلق عليها آمونوس، ويوجد حالياً جنوب بنغازي موقع يسمى تل آمون، ويشير بيتس في هذا الصدد أنه كان يوجد في واحة سيوة، قبل أن تنضم إلى مصر، إله ليبي قرنه المصريون بمعبودهم آمون. وعزز بيتس رأيه باسم زيوس الطيبي، وفي رأي بيتس أن الإله زيوس آمون اكتسب شهرة واسعة في العالم القديم باعتباره مصدر روحي. وكان الكبش رمزه وحيوانه المقدس، وهو في هذا يشبه الإله آمون المصري، وبالرغم من رفض شامو Chamaux التسليم بهذا الرأي، إلا أننا مع رأي بيتس في التفريق بين الإله الليبي والإله المصري، لأن واحة سيوه ظلت ليبية حتى احتلها المصريون في منتصف القرن السادس ق.م. وعندما احتلوها وجدوا سكانها الليبيين يعبدون إلهاً مشهوراً فأسماه المصريون بإسم رئيس الآلهة المصرية آمون طيبة. هذا بالإضافة إلى أن هيرودت كان واضحاً في التمييز بين الإلهين. فهو دائماً يسمى الإله الليبي باسم زيوس آمون، والإله المصري باسم زيوس الطيبي. ويؤكد هذا الفرق الذي أوضحه هيرودت، أن قمبيزا أرسل حملة ضد زيوس آمون الليبي، وابتاعه في سيوة، بينما لم يتعرض للإله آمون المصري في طيبة. وهذا التمييز في المعاملة له مغزاه في الدلالة، على أن زيوس آمون الليبي في سيوة كان غير زيوس المصري في آمون المصري. هذا بالإضافة إلى أن آمون الليبي كان يختلف في الوظيفة عن آمون المصري. فقد كان الأول إله نبؤات في المقام الأول، في حين كان الآخر إله زراعة وحصاد قبل أن يجعل رئيساً للآلهة المصرية باسم آمون رع حامي الحمى ومانح البركات. ولم تبلغ شهرته في الوحي شهرة آمون الليبي، وتعتبر الرحلة التي قام الإسكندر المكدوني إلى واحة سيوة لزيارة معبد الإله آمون خير دليل على رأينا هذا. ويدعم هذا الإتجاه بالرأي قول ديودورس الصقلي أن آمون كان ملكاً ليبيا أسطورياً. ثم أن كثرة الأماكن التي يطلق عليها إسمه في قورينى ظاهرة تدعم وجهة نظرنا هذه. ويقول بيتس أن التشابه في العبادة وخاصة في عبادة الثور والكبش يؤخذ دليلاً قوياً على أن العلاقات بين الطرفين لم تكن كلها عدائية، وإنما كانت سلمية كذلك.



آلهة ليبية قديمة

وفي الختام نشير إلى بعض العادات الليبية المتعلقة بالديانة الليبية القديمة: فمثلاً فيما يتعلق بالقسم يقول هيرودوت، إن الليبيين كانوا يضعون أيديهم على قبور أولئك الذين عرف عنهم العدل والخلق الرفيع، فيقسمون بأضرحتهم. أما عن استطلاع الغيب فإنهم يذهبون إلى مقابر أسلافهم، وبعد أداء الصلوات ينامون، وأي حلم يتراءى لهم في النوم، يعتبر بمثابة وحي أنزل عليهم يجب عليهم تنفيذه. وكانوا يعطون المواثيق والعهود بأن يشرب الواحد منهم من يد الآخر. ويرى بيتس أن بعض علامات الوشم هي في الواقع رموز دينية منها مثلا الوشم، الذي على شكل صليب يرمز إلى إله الشمس. وإن بعض العلامات الأخرى ترمز إلى الربة تنِِِِيت... إلخ.

ويشير بيتس إلى أن أوجه الشبه بين الديانتين المصرية والليبية، وخاصة منها فيما يتعلق بعبادة الثور والكبش، توضح أن العلاقة بين الطرفين كانت قوية ولم تكن عدائية دائماً.


ثالثاً : الملابس والحلي عند الليبيين القدماء :-


إذا انتقلنا إلى مظاهر الحياة المادية، نجد أن كل قبيلة قد تميزت بطريقة لبسها أزياءها. فمثلاً كان التحنو يلبسون شرائط من الجلد وقراب العورة، أما عند التمحو فملابسهم كانت أرقى بقليل. وتتكون من عباءة فضفاضة مزخرفة من الجلد ثبت في ذيلها شريط مخطط. وإلى جانب ذلك احتفظ التمحو بقراب العورة. كما كان الليبو يلبسون تحت العباءة بدلاً من قراب العورة قميصاً يعلو الركبة وأن ملابسهم تكاد تشبه ملابس المشوش. غير أن المشوش كانوا يلبسون قراب العورة، الذي يقتصر لبسه على البالغين من الرجال والنساء دون تمييز في المركز الاجتماعي.






وكان الليبيون يلبسون الأحذية، وإن كانوا يظهرون في صور الآثار المصرية حفاة الأقدام. ولعل ذلك عائد إلى اهمال من الفنانين المصريين، أو أنهم اتخذوا ذلك أسلوباً فنيا ً بطريقتهم في الرسم أو المبالغة في إظهار الليبيين بمظهر الذل والخضوع. نقول ذلك لآننا نقرأ في نصوص معبد الكرنك من عهد مرنبتاح أنهم قد تركوا ملابسهم ومتاعهم وأحذيتهم أيضاً.

وأما لباس الرأس فلم يكن شائعاً بين الليبيين بشكل عام، إلا في نطاق ضيق بالرغم من أنهم كانوا يعرفون القبعة،التي تغطي الرأس، إذ تظهر في صور مدينة هابو امرأة ليبية تلبس قبعة على رأسها. وفي لوحة للملك تحتمس الرابع يظهر رجل يلبسها أيضاً.


ولعل أشهر الحلي، التي كان الليبيون يتزينون بها هي ريش النعام، وإن كانت لا تظهر أحياناً في الصور المصرية. ولعل مرد ذلك إلى التوفير في السطح الذي رسم عليه الفنان. كما كانت الريشة من علامات الزعامة وسقوطها من على الرأس هو علامة ذل وعار لحاملها. وكان الرؤساء يتحلون أيضاً بذيل الحيوان.


زينة الرأس لدى قدماء الليبيين
وبالاضافة إلى ذلك فإن الليبيين كانوا يابسون أيضاً الحلق والأساور. ويظهر ذلك في نقوش سحورع ونقوش مدينة هابو بعض الليبيين والليبيات يتحلون بالعقود والأساور. وأما الخلاخيل فقد رودت في نقوش تحتمس الرابع حيث يظهر أحد أفراد قبيلة الليبو وفي أعلى قدمه اليمنى خلخال.وقد ذكر هيرودت أن نساء ليبيات كن يلبسن خلاخيل جلدية وأن أخرييات كن يحملن خلخالا من البرونز في كل ساق.

الحلق والاسوار التى كانت يلبسها قدماء الليبيين
وقد كان الليبيون يعتنون بتصفيف شعورهم وترتيبها على نحو مايظهر على الآثار المصرية ويهتمون باللحية التي تنتهي بطرف مدبب منسق ونشاهد في بعض الصور أن الرجل كان يطلق شاربيه، ولكنها لم تكن عادة شائعة عند كل الليبيين؛ واستعمل الليبيون أيضاً الوشم في أشكال مختلفة،بعضها يتعلق بالتصور الديني وبعضها الآخر للزينة فقط. ويرجح، أن الرؤساء الليبيين هم فقط كانوا يستعملون الوشم إلى جانب رجال الأسرة المالكة دون نسائها.

رابعاً : مساكن وأثاث الليبيين :-


اذا انتقلنا إلى المظاهر المادية في المجتمع الليبي القديم في تلك الفترة، نجد ان الليبيون استعملوا المعادن، لانهم صاروا في مرحلة حضارية متقدمة نسبيا ً. فقد ذكرت نقوش الكرنك في قائمة الغنائم،التي استولى عليها مرنبتاح من الأمير الليبي مري ابن دد، بين ماذكرت كؤوس شراب من الفضة وسيوف نحاسية وسكاكين وأواني برونزية. وكان من جملة الغنائم، التي استولى عليها رمسيس الثالث من الليبيين 115 سيفاًطول الواحد من هذه السيوف خمسة إذرع و24سيفا طول الواحد منها ثلاثة أذرع وأكثر من تسعين عربة حربية. وتؤكد هذه المعلومات صور الأواني الليبية في النقوش المصرية وماذكره الكتاب الكلاسيكيون عن السيوف الليبية. ولما كان الساحل الليبي خالياً من المعادن، فمن المرجح إذن أنهم قد استوردها، خاصة بعد اتصالهم بشعوب البحر. ومما يكشف أيضاً عن مظاهر الحضارة المادية ماجاء في نصوص مرنبتاح، أن الأمير الليبي قد فر تاركاً وراءه أثاث زوجته وعرشه. وهذا يعني أنه كان يوجد في مسكن الليبو أثاث، ولكنهم كانوا يعرفون الكراسي، لأن رئيسهم اتخذ لنفسه عرشاً. وقد عثر في مدينة غدامس على صورة، ربما كانت معاصرة لأواخر عصر الدولة الحديثة في مصر. وتمثل الصورة امرأة جالسة على كرسي وقد وضعت قدميها على مسند للأقدام.

لوحة حجرية عثر عليها في مدينة غدامس تمثل سيدة ليبية تجلس على كرسي

ولنا أن نتصور أن مساكنهم كانت لا تخلو من الأواني الفخارية أو المعدنية وقرب الماء وأنه كان لديهم أدوات تستخدم في كافة أغراض الحياة اليومية من أكياس وأوعية وسلال وغيرها.وتدل إحدى الصور على آثار بني حسن، أن الليبيين كانوا يعرفون السلال،إذ ظهرت النساء الليبيات في تلك الصورة وهن يحملن أطفالهن على ظهورهن.

ويلاحظ أنه لم يعثر على أبنية الليبيين في العصور،التي نتحدث عنها. ولعل ذلك راجع إلى استعمالهم نوعاً من الحجارة، لم يستطع مقاومة عوامل الزمن. وقد سكن الليبيون الكهوف الطبيعية. ونذكر في هذا الخصوص أن بعضهم بقى يسكن الكهوف الطبيعية في مناطق الجبل الأخضر مثلا إلى عهد قريب. ويشير هيرودوت إلى الناسامونيس كانوا يعيشون في مساكن مصنوعة من أنواع سيقان النبات يلتف حوله نوع من البوص، ويمكن نقل المسكن من مكان إلى آخر.

وأما الخيام الجلدية،فقد استمر استعمالها منذ العصر الفرعوني وحتى فترة متأخرة. وبالاضافة إلى الخيام كان الليبيون يسكنون أكواخاً متنقلة عرفها الرومان باسم Mapalia حيث كانت منتشرة بصورة عامة وفي كل الشمال الافريقي.

 وقد أقام الليبيون الآبار وخزانات المياه. وقد ذكر هيرودوت أن قبيلة البسولوي كانت تحتفظ بالماء في الخزانات. 
 -------------------
 هذه الدراسة موجودة ضمن كتاب الدكتور رجب الأثرم، محاضرات فى تاريخ ليبيا القديم، بنغازى، منشورات جامعة قاريونس، ط2، 1994.
* يعد الدكتور رجب الأثرم من أوائل الليبيين المهتمين بدراسة التاريخ الليبى القديم. 

 ** اعدته للنشر:إيناس المنصورى بقسم رواق التاريخ بموقع جيل الليبى بتاريخ 2007/10/28

الجمعة، 25 يناير 2013

رثائيات كاليماخوس القورينى فوق شواهد القبور..محمد العنيزى


 

نظم كاليماخوس القوريني العديد من الأشعار في مختلف الأوزان السائدة في عصره، وخلف العديد من الأعمال الخالدة التي ظلت حاضرة في التراث الإنساني. وقد تلقى تعليمه في موطنه الأصلي ومسقط رأسه قورينا مثل باقي أبناء الأسر المرموقة، ومارس إنتاجه الأدبي في قورينا ليرحل بعدها إلى بلاد اليونان طلبا للعلم واستزادة من بحر الثقافة الأغريقية في أثينا حيث مركز الحضارة والعلم وملتقى العلماء والفلاسفة.

وإضافة لكونه شاعرا كان كاليماخوس عالما في الأساطير و الإجتماع والجغرافيا والتاريخ وتميز بأنه فقيه لغوي. كانت الإسكندرية آنذاك مركزا ثقافيا هاما حيث أسس فيها البطالمة المكتبة والموسيون الذي يشبه الأكاديميات الحديثة، فاجتذبت إليها العلماء والأدباء الذين توفرت لهم مصادر الإطلاع والبحثو اهتم البطالمة بفنون الشعر والعلوم الطبيعية والفلكية والطبية وفقه اللغة والجغرافيا دون الفنون الأخرى كالمسرح والفلسفة.
ولذلك سافر كاليماخوس إلى الإسكندرية وأقام هناك حيث أتاحت مكتبة الإسكندرية والموسيون الفرصة للمواهب الشابة من أمثاله وكفلت لهم عيشا مطمئنا.

مارس كاليماخوس مهنة التعليم في الأسكندرية حيث عمل مدرسا للغة لينضم بعد ذلك إلى شعراء مكتبة البلاط وتذيع شهرته كأحد أهم أعمدة الشعر السكندري في الفترة التي أطلق عليها المؤرخون اسم العصر الهيلينستي والذي ابتدأ بمجيء البطالمة للحكم بعد موت الإسكندر الأكبر.

في ذلك العصر أصبح شعراء الإسكندرية يكتبون لفئة المثقفين فقط وهذا ما بات يعرف بالشعر السكندري الذي يخاطب الصفوة. وهو الشعر الذي يبتعد عن الملاحم الطويلة، ويفضل شعر المراثي والشعر الغنائي والإبجراماتا. ولا يعتمد على السرد القصصي كما كان شائعا في الملاحم القديمة.

وكان شعراء الإسكندرية يقيمون ما يسمى بأدب الصالونات، وذلك باجتماعهم حول مجالس الشراب، حيث يقوم أحدهم بإلقاء بيت أو بيتين من الشعر، فيلتقط شاعر آخر نهاية ما قاله سابقه، ويكمل المعنى ببيت أو بيتين من الشعر، فتزداد حدة المنافسة. ولذلك كانوا جميعهم حريصين أشد الحرص على انتقاء المفردات وجمال الأسلوب. وكان الجيد من هذه الأشعار ينشد مع أنغام الموسيقى.

وقد استحدث شعراء الإسكندرية أوزانا جديدة، وأضاف كاليماخوس الوزن الخوليامبي، الذي ابتكره هو. كما برع في شعر الإبجراماتا EPIGRAMMATA وهو يعني الأشعار القصيرة المنقوشة حول شواهد القبور. وكان الشاعر ينظم مثل هذه الأشعار مقابل أجر يتقاضاه من أهل الميت. وقد امتازت إبجراماتا كاليماخوس بلمساتها الإنسانية التي تخاطب المشاعر وتهتز لها القلوب، لما فيها من مضمون إنساني. كما أن كاليماخوس استطاع أن يجدد في هذا الفن بحيث أصبح شكلا من أشكال التعبير عن أغراض مختلفة، بعد أن كان مجرد نقش على شواهد القبور.

ونورد فيما يلي بعضا من نصوص الإبجراماتا التي نقلها إلينا الأستاذ عبدالله حسن المسلمي في كتابه (كاليماخوس القوريني شاعر الإسكندرية):

* الإبجراما الثامنة :
وبينما كان الشاب يضع إكليلا من الزهور حول شاهد قبر زوجة أبيه ..
وكان حجرا قصيرا ..
إذ كان يظن أن طبيعتها قد تغيرت بتغير حياتها ..
وانتقالها للدار الأخرى ..
ولكن ما أن انحنى الشاب حتى هوى الحجر فوق أم رأسه وقتله ..
آه يا أبناء الأزواج ..
فلتبتعدوا عن قبر زوجة الأب ..

* الإبجراما الحادية عشرة :

هنا يغفو ساؤن بن أكانثوس في نومه القدسي ..
لا تقل أن الأبرار يموتون ..

* الإ بجراما الثانية عشرة :

إذا كنت تبحث عن تيمارخوس ..
في العالم السفلي كي تعلم شيئا عن الروح ..
أو لتعرف كيف سيكون حالك في الدار الأخرى ..
ففتش عن ابن باوسانياس من القبيلة البطلمية ..
ولسوف تجده في عليين ..

* الإبجراما الخامسة عشرة :

أيرقد خاريداس تحت ترابك ( إذا كنت تقصد أريماس القوريني فهو تحتي ) ..
وماذا ياخاريداس عن العالم السفلي ؟ ( ظلام دامس ) ..
وماذا عن الدنيا ؟ ( أكذوبة ) ..
وبلوتو ؟ ( أسطورة ) ..
يا للنكبة ..
هذه هي الحقيقة أسوقها لك ..
أما إذا أردت قولا معسولا ..
فالثور الضخم لا يزيد ثمنه على قطعة من العملة البرونزية في العالم السفلي ..

* الإبجراما السادسة عشرة :

من ذا الذي يعرف ما يخبئه له الغد حق المعرفة ؟..
فها أنت أيضا يا خارميس يا من كنا نراه بالأمس رؤية العين ..
نواريه في يومنا التالي التراب ودموعنا تغرقنا ..
فما قاسى والدك ديوفون حزنا يفوق هذا قسوة ..

* الإبجراما السابعة عشرة :

( تيموني ) .. من تكونين يا ترى ؟..
وحق الآلهة ما كنت لأعرفك ..
لو لم يكن شاهد قبرك يحمل اسم أبيك تيموثيوس ..
واسم مدينتك ميثومنا ..
إني متأكد أن مصاب يوثومنوس زوجك المترمل جلل ..

* الإبجراما التاسعة عشرة :

ألا ليتها ما كانت ..
تلك السفينة السريعة ..
فما كنا قد بكينا سوبوليس بن ديوكليدس ..
ولكنه الآن جثة تطفو في مكان ما من البحر ..
وبدلا منه نمر على اسمه وقبره الخالي ..

* الإبجراما العشرون :

لم يقض لوكوس الناكسوسي نحبه في البر بل في البحر ..
فبينما كان يمخر العباب من إيجينا متاجرا ..
رأى الهلاك يأتي على حياته وسفينته ..
إنه جثة في البحر الرطب ..
بينما أنا القبر أحمل اسمه فقط ..
وأني لأعلن رسالة تنطق بكل الحق :
( تجنب صحبة البحر .. أيها البحار .. حينما تغيب كواكب الجدي ).

* الإبجراما الواحدة والعشرون :

هنا أودع الأب ولده ذا الإثنتى عشر عاما ..
هنا أودع فيليبوس أمله الكبير ..
نيكوتيلس ..

* الإبجراما الثانية والعشرون :

وفي الصباح وارينا ميلانبوس التراب ..
وعند غروب الشمس قضت الفتاة باسيلو نحبها بيدها ..
فما استطاعت أن تحتمل أن تسلم أخيها لنيران الجنازة ثم تبقى على قيد الحياة ..
وهكذا كال الحزن لمنزل أبيهما أرسطيفوس من المآسي صاعين ..
وأحنت كل قوريني رأسها وهي ترى منزل النجلين السعيدين قاعا صفصفا ..

* الإبجراما الثالثة والأربعون :

لو كان الأمر باختياري ..
يا أرخينوس ..
لأمضيت الوقت أعزف قيثارتي تحت نافذتك ..
وإن لمتني عشرة آلاف مرة ..
لكن إذا كبحت جماح رغبتي ..
فليغرب عني التهور ..
قهرني الخمر والحب ..
فبينما يشدني أحدهما ..
يمنعني الآخر من التخلي عن التهور ..
ولما أتيتك ما تفوهت باسمك أو اسم والدك ..
وإنما قبلت قائم بابك ..
فإن كان هذا خطأ ..
فإنما أكون قد اقترفت إثما ..
وإلى جانب أشعار الإبجراماتا كتب كاليماخوس الأناشيد التي ابتكر فيها أسلوبا جديدا يختلف عن سابقيه من حيث الأوزان والمضمون وابتكاراته اللفظية الجديدة.
سلاما يا ربتي ..
ولتحفظي هذا الشعب في وئام ورخاء ..
ولتفيئي على حقولنا بما يجلب السرور علينا جميعا ..
ولتهبي أبقارنا قوتها ..
ولتفيضي علينا بالقطعان ..
ولتجلبي لنا سنابل القمح ..
ولتهبي لنا وفرة من محاصيلنا ..
ولتحفظي لنا السلام ..
حنى يحصد كل من يزرع ..
أكرمينا يا مليكة الربات ..
يا من نصلي لها صلوات ثلاث ..

وترك لنا كاليماخوس ضمن ما كتبه من أشعار (ديوان الأسباب)، الذي اشتمل على أربعة كتب ضمت مجموعة مقطوعات أهمها كانت مقطوعة (خصلة برنيكي) الشهيرة.

كما كتب الأشعار الغنائية التي اتسمت بالبساطة والتجديد في أوزانها، وتناول الموضوعات الجديدة، وألف العديد من الملاحم القصيرة.

كان كاليماخوس القوريني أشهر شعراء الإسكندرية على الإطلاق، وقد تتلمذ على يديه الكثيرون الذين أطلق عليهم لقب الكاليماخيين. وتعتبر أشعاره نقطة تحول في الأدب الإغريقي خاصة، والأدب بصفة عامة. فقد ترك بصماته الخاصة في أشعاره ليتأثر به ليس الشعراء الأغريق فحسب، بل وحتى الشعراء الرومان الذين جاءت قصائدهم محاكاة لأشعاره، فكانوا بذلك كاليماخيين حتى النخاع، حيث اتجهوا لكتابة الأشعار والأناشيد والملاحم القصيرة.

وفي رده على الذين اتهموه بعدم قدرته على كتابة قصيدة طويلة يقول:

- إني مقل في سطوري حقا. ولكن قد تتفوق ديمترا على شجرة البلوط الباسقة. ولقد نصحني أبوللو بالقربان الدسم والشعر الرقيق، وقال لي: “لا تقد عربتك إلا في المسالك التي لم يطرقها أحد قبلك، حتى ولوكان طريقك عسيرا. إننا ننشد لمن يحبون صوت الناي الرقيق لا نهيق الحمير”.