لقد كانت العلاقة بين الإغريق والقبائل الليبية في بادي الأمر علاقة سلمية ولم يحاول الليبيون مضايقتهم برغم قلة عدد الإغريق الذين لم يتجاوز عددهم 200 مهاجر وقد كانوا يستطيعون ذلك(1), وعندما وجدت قبيلة الجلجاماي أن الإغريق نزلوا في مناطق استقرارهم قررت إقناعهم بالرحيل إلي مكان بعيد عن مناطقهم وغير مفيد لهم, في الوقت الذي يعد ملائما بالدرجة الأولي للإغريق , وخوفا من استقرار الإغريق في موطن الجلجاماي سارت بهم ليلا عبر ايراسا حتى لا يرونها فيعجبون بها(2), ووصلت بهم إلي مناطق استقرار قبيلة الاسبوستاي التي رحبت بهم وساعدتهم علي تأسيس مستوطنتهم, وخير دليل علي ذلك المنشات الضخمة التي أقيمت منذ عهد باتوس الأول مؤسس كيريني وعهد خليفته اركسيلاوس الأول خصوصا وان عددهم قليل مقارنة مع عملية بناء كل تلك المنشات , وهذا ما أشار إليه بعض الكتاب الكلاسيكيين أمثال ديودورس الصقلي-بندار(3) .
وتأكيدا علي حسن العلاقة التي كانت قائمة بين أولئك المهاجرين والليبيين ما جاء في البوثية التاسعة لبندار التي أشار فيها إلي إن أحد أبناء تيلكراتيس الكيريني قد تقدم إلي ملك الجلجاماي طالبا يد ابنته, فكان عليه أن يشترك مع غيره من الإغريق والليبيين في سباق خيل يحظى فيه الفائز با لفتاه جائزة له وقد كان هو الفائز(4) .
ومما يدل علي إن العلاقة بين الليبيين والإغريق كانت ودية ومتينة ومستقرة بعض الوقت إن الإغريق كانوا ملتزمين بحدودهم ويتعاونون مع السكان المحليين في النشاط الاقتصادي, حيث كانت القبائل الليبية تسيطر علي بنات السلفيوم, وكان الإغريق في حاجة إليه(5).
كما يظهر الجانب الايجابي في تعاون الاغريق والليبيين في موقعين أحدهما عندما تعرض الإغريق للخطر الخارجي المتمثل في مجيٌ ثيبرون للإقليم للسيطرة عليه تحالفت القبائل الليبية مع عدوها اللدود ضد عدو آخر ظهر علي الساحة عام 323ق.م حيث أدركت انه كان يهدف إلي السلب والنهب , فاعدت له كمينا محكما أدي إلي قتل عدد كبير من هذه القوات (6 ).
وإما الموقف الآخر الذي يدل علي تعاون الإغريق والليبيين ما وصفة بلوتارخ لظلم نيكراتيس في كيريني بين عامي 88-81ق م , لقد زوجت ارثيقيلا بالقوة من الطاغية ثم قضت كل وقتها تخطط للخلاص منه ولكي تتوصل ألي هدفها اتفقت مع أمير ليبي يدعي انابوس علي التخلص من الطاغية ليندر الذي أصبح طاغية جديدة في الإقليم وبعد الغارات ضد أهالي كيريني القي القبض علي ليندر حيث لقي حتفه, والجدير بالذكر إن الزعيم الليبي انابوس لم يكن يعيش بعيدا عن المدينة في منطقة اعتادت قبائل البدو إن تسكن فيها من وقت لآخر(7) .
وعندما نشب الصراع بين اركسيلاوس الثاني 570-550 ق. م , وأخوته وأعوانه من الارستقراطيه خرجوا جميعا من كيريني إلي إقليم قبيلة الاوسخيساي وأسسوا بمساعدتهم مدينة باركي حيث لا يمكن لهذا العدد الخارج عن السلطة في كيريني إن يؤسس مدينة وسط إقليم خصب لولا مساعدة من أصحابها(8) .
وإذا ما نظرنا إلي علاقة القبائل الليبية مع القرطاجين في المدن الثلاث نجد أنها كانت هي الأخرى في بدايتها علاقة ودو سلم , ودليلانا علي ذلك ما حدث في عام 514 ق.م , عندما حاول المغامر الاسبرطي دوريوس إقامة مستعمرة في وادي كنيبس "وادي كعام " تعاونت قبيلة المكاي الليبية مع القرطاجين وتم طرد هذا المستعمر(9) .
كما قامت القبائل الليبية اثر اغتيال بومبي علي يد إتباع بطلميوس الثالث عشر في فارسالوس عام 48 ق.م(10) بمساعدة بقية قواته بقيادة كأتون في السفر إلي المدن الثلاث حيث قامت قبيلة البسولاي بتقديم المساعدة لتلك القوات كأطباء يقومون بمعالجة جنوده من لدغ الثعابين وإدلاء في رحلته(11) .
وتوجد اشاره لدي ديودورس الصقلي(12) مفادها انه إثناء حمله اجاثوكلس باتجاه قرطاجه لتدميرها قدمت قبيلة الماخليس والافسيس القاطنة علي ساحل سرت الصغير من تزويده بالعربات الحربية بعد إن ضاقت ذرعا بالقسوة والظلم التي كانت تلحقه بها قرطاجة جراء التجنيد الإجباري لا بناءها وإرسالهم في الحملات ألعسكريه ألي أسبانيا وصقلية إضافة إلي الغلظة التي ميزت جباة الضرائب حيث كانت هذه الضرائب ترتفع إلي النصف- الإنتاج الزراعي- في حالة خوض قرطاجة للحروب التي كانت علي حساب القبائل الليبية(13).
كما عثرت جويس رينولدز في الناحية الجنوبية من السورالهلينستي الروماني في كيريني من أثار متبقية تكاد تكون واضحة المعالم لحضائر كانت تستخدم من قبل ليبين اعتادوا علي جلب مواشيهم إليها لأجل بيعها في سوق المدينة في إشارة إلي العلاقات الطبيعية بين الإغريق والليبيين(14).
ثانياً الموقف العسكري للقبائل الليبية
وإذا ما قمنا بتسليط الضوء علي الجانب الأخر للعلاقة التي تربط القبائل الليبية مع الاستعمار الإغريقي والروماني- المقاومة- نجد العديد من الإشارات التي احتوتها كتب المؤرخين تشير إلي إن طبيعة تلك العلاقة عدائية في اغلب الأوقات , وقد انطلقت شرارتها مع ارتقاء باتوس الثاني العرش في كيريني, الذي قام بسياسة مغايرة عكس التي نهجها سابقوه والمتمثلة في جلب مستوطنين جدد من بلاد اليونان واعدا إياهم بمنحهم قطع أراض جديدة كان قد اغتصبها من القبائل الليبية(15) الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية تحت زعامة اديكران زعيم قبيلة الاسبوستاى إن تطلب مساعدة الفرعون المصري أبريس ضد إغريق كيريني بزعامة ملكها باتوس الثاني
وعندئذ قام أبريس بتقديم مساعدته التي كانت متمثلة في حملة كبيرة من القوات المصرية كان قد استثني منها القوات الإغريقية التي كانت في خدمة قواته والتقي الطرفان عند نبع ثيستيس* عام 570ق.م(16) بالقرب من ايراسا وهناك اشتبك الطرفان في المعركة غير إن النصر فيها كان من نصيب إغريق كيريني بقيادة باتوس الثاني علي حساب القوات المتحالفة من الليبيين والمصريين ,(17) كما ترتب علي هزيمة الليبيين وحلفائهم إن ثبت الإغريق أقدامهم في كيرينايكي واستولوا علي أخصب أراضيها(18).
ولكن هل أخمدت حركة المقاومة من قبل القبائل الليبية ضد الاستعمار الإغريقي بعد هزيمتها في إيراسا ؟ أم أعادت تنظيم صفوفها؟
علي ما يبدو إن المقاومة من قبل القبائل الليبية ضد الاستعمار الإغريقي سرعان ما عاودت نشاطها ولكن هذه المرة كان في عهد اركسيلاوس الثاني الذي دخل مع أخوته المنشقين عنه وقاموا بتأسيس مدينة باركي(19) الأمر الذي أثار حفيظة اركسيلاوس فقرر تجميع قواته والزحف عليهم لمعاقبة الخارجين عن حكمة فوجدت القبائل الليبية الفرصة في تنفيذ انتقامها خصوصا أنها كانت تعاني من الضرائب الباهضة التي كانت تدفعها للإغريق والمتمثلة في بنات السلفيوم الذي يعد حكرا ملكيا, كما أنها رأت الفرصة مواتية لتثأر من هزيمتهم في ايراسا حيث يشير هيردوت إلي إن الليبيين قد استدرجوه نحو الغرب حتى مكان يدعي ليوكن حيث صمموا علي مهاجمته واشتبكوا معه في معركة ضاربة استطاعوا فيها إنزال الهزيمة بالإغريق وقتلوا منهم حوالي سبعة ألاف من المشاة ثقيلي العدة (20) .
ومع نهاية الحكم الملكي في كيريني عام 440 ق.م ودخول البلاد في عدة صرعات داخلية بين الطبقة العامة والأرستقراطية (21) وظهور ما يسمي بالأحلاف* بين المدن التي تزعمتها كيريني وباركي (22) رأت القبائل الليبية إن الفرصة سانحة للانقضاض علي بعض المدن من اجل اثارة الشغب والقيام بعمليات السلب والنهب, فقد قامت قبيلة النسامونيس بحصار مدينة يوسيريدس عام 414 ق.م غير إن ذلك الحصار لم يسمر طويلا بسبب المساعدة التي قدمها الأسطول الاسبرطي لمدينة يوسبريدس مصادفة إثناء توجهه إلي صقلية , وعلي ما يبدو ان هذه الحادثة الوحيدة الموثقة فلربما هناك العديد من الهجمات الليبية علي الإقليم غير أنها لم توثق بمحض المصادفة (23) .
كما عثر علي نقش يرجع إلي القرن الثالث ق.م يرد فيه إن الإغريق كانوا يشنون الحروب علي القبائل الليبية ويرد فيه خمسة من القادة وهم يقدمون إلي ابوللو عشر الغنائم التي غنموها من المكاي والنسامونيس وهما قبيلتان يقطنان علي أطراف سرت , وهذا يشير إلي إن الإغريق كانوا دائما في وضع الهجوم(24) .
ويجدر بنا أن نسأل هل انتهت مقاومة القبائل الليبية ضد الحكم الأجنبي أم أنها استمرت حتى في عهد دخول الإقليم تحت السيطرة البطلمية ؟
علي ما يبدو إن العصر البطلمي في الإقليم لم يشهد الاستقرار مع القبائل الليبية التي كانت علي دراية تامة لما سيخلفه الاستعمار في البلاد ونجدها تتزعم مجددا حركة المقاومة منذ عهد بطليموس الأول الذي كان يسيطر علي كيرينايكي سيطرة مباشرة الأمر الذي دفع القبائل الليبية إلي الخروج عليه وقد تمثل ذلك تمرد نائبه *على الإقليم المدعو اوفيلاس(25) مما دفع بيطلموس الأول إلي إرسال ابن زوجته ماجاس عام 308 ق.م قائلا له عبارته المشهورة (26) :
" ارحل واخضع هذا الشعب المتعجرف الذي لا يخضع لقد عرضت عليهم رحمتي ولكنهم رفضوها , ووعدتهم بحياة آمنه , رفضوا عرضي فليجعلهم السكندريون يرون قدراتهم "
وفي القرن الثالث ق.م أجبرت قبيلة الماماريداي ماجاس الرجوع بسرعة إلي كيريني في الوقت الذي كان يجهز حملته ضد حاكم مصر بطليموس فيلادلفيوس عام 274 ق.م .وذلك باءيعاز من برينكي زوجة بطلميوس الثاني في الوقت الذي كان فيه ماجاس علي بعد 60 ك م من الاسكندرية (27), وإبراز دليل علي هذه الحرب مرسومين من كيريني احدهما لفاوس بين كليرخوس الذي ذهب إلي روما في وسط الشتاء طالبا مساعدتها والأخر ليكسماخوس بين أجلا نور الذي تميز في قيادة جيش المدينة في وجه هجمات القبائل الليبية(28)
كما أثارت القبائل الليبية مجددا ضد الوجود البطلمي في الإقليم وهذه المرة ضد بطليموس الثامن فسكون الذي كان مسافرا إلي روما لإقناعها بشرعيته في امتلاك قبرص , وعندما اخذ الموافقة منها توجه إليها, وفي هذه الأثناء ثارت القبائل الليبية بقيادة نائبه الملقب بالمسرف حيث ناصرته كيريني وبعض القبائل الليبية بالإغريق مابين ود وعداء(29) .
وبعد دخول الإقليم تحت الحكم الروماني لم تستقر أوضاع الإقليم إلا بعد إن آلت الأمور إلي أغسطس عقب معركة اكتيوم* 31ق.م فقد قام بإصدار خمسة قرارات أو مراسيم لتنظيم الإقليم سياسيا وإدرايا, لكن هناك جانبا لم نتطرق إليه مراسيم أغسطس إلا وهو جانب التعامل مع القبائل الليبية المتاخمة للإقليم والتي كانت ثائرة علي الحكم الروماني الذي قام بمصادرة الكثير من أراضيها لتمنح للمستوطنين الرومان , ومن أهم هذه القبائل في تلك الفترة قبائل المارمريداي التي اعطت اسمها لإقليم مارمريكا (30) هذا بالإضافة إلي قبائل النسامونيس والجيتولي في إقليم المدن الثلاث , والجرمنت ولقد واجهت القوات الرومانية ثورات القبائل بالعديد من الحملات سواء أكان ذلك في إقليم المدن الخمس أم في إقليم المدن الثلاث.
لم يمض علي حملة كورنيليوس بالبوس(31) الكثير حتى تحالف الجرمنت مع قبيلة المارمريداي وشنوا هجوما علي مدينة كيريني , الأمر الذي دفع بالإمبراطور أغسطس إلي تنصيب القائد بوبليوس سرليكوس كورينيوس حاكما لكيرينايكي وكريت وكلفة بمهمة التصدي لهجوم هذه القبائل التي ما لبثت إن حقق النصر عليها عام 15ق.م(32). ويبدو انه من بين قادة هذه الحملة قائد يدعي كوسوس الذي ورد ذكره عند فلورس عندما تحدث عن حروب الرومان ضد القبائل الليبية .
يقول فلورس(33) :
" wagis quam bellatum est .musulamos et Geatulos , accolas syrtium, cosso duce compescuit ; unde illi Geatulicius nomen latius quam ipsa Victoria Marmaridas a tque Garamantes Quirinio subigendos dedit. Potuit et ille edire Marmaricus , sed madestior in aestimanda Victoria fuit " .
" بعد القضاء علي الموسولامي والجيتولي الذين كانوا يسكنون قرب سرت تعهد القائد كوسوس – الذي لقب باسم الجيتولي – بإخضاع المرمريداس والجرمنت لكويرينيوس وهو الذي كان يلقب المارمريكوس , وكان متواضعا عند تقييم انتصاره".
لا يزال تاريخ اندلاع هذه الحرب موضع جدال بين المؤرخين : يري Grant (34) إن حدوثها كان عام 20 ق.م وهذا بالتالي يشير إلي ان المارمربداي قد هاجموا كيريني بمساعدة الجرمنت وبالتالي تكون الحملة مرتبطة بحملة كورنيليوس بالبوس علي الجرمنت ,(35) ويري Romnanelli(36) ان قيام هذه الحرب كان عام 12 ق.م , أي في الفترة التي كان فيها كورينيوس يتقلد منصب البريبتورية , واستند في ذلك علي أسماء الجند الذين عثر عليهم في كورينكلاروم وكان كوريرينيوس قد جلبهم معه من سوريا عندما كان مندوبا لأغسطس هناك وذلك لدرايتهم بفنون القتال في الصحراء ,(37) ويشير احد النقوش التي عثر عليها في الإقليم إلي تمكن الرومان من إلحاق الهزيمة بالمارمريداي في حرب مارمريكا , وتفصيل ذلك ورد في نقش أخر مؤرخ 2 م وهو يشير للفرحة التي سادت مدينة كيريني وغيرها من مدن الإقليم بوضع حد لحروب المارمريداي (38) وقد اهدي ذلك النقش لوكيوس اوريبيوس كيلو كليستيس الي الكاهن باوزنياس ونقشت (39) فيه عبارة ذلك الذي وضع نهاية للحرب .
ولكن هل الحرب التي يتحدث عنها هذا النقش هي نفسها الحرب التي قام بها كورينيوس ضد هذه القبيلة ؟
علي ما يبدو أنها ليست الحرب نفسها التي قام بها كوريرينيوس , فهذه الحرب يتحدث عنها نقش أخر من كيريني (40) من المرجح انه يعود إلي زمن الامبراطور أغسطس , النقش يتحدث عن تكريم احد مواطني المدينة لأنه تصدي لخطر هذه الحرب .
وبعد إن امن الرومان حدود الإقليم الشرقية , ولو بشكل مؤقت نتيجة لإخضاعهم للمارمريداي , نجد إن الوضع اختلف كثيرا عند حدود الإقليم الغربية حيث استمرت قبائل النسامونس * في شن الغارات في تلك المناطق,(41) وذلك بسبب قيام الرومان بمنع تنقلات أفراد هذه القبائل من الهجرة الموسمية باتجاه واحة أوجلة لجني التمور وربما كان هدف الرومان من ذلك تسهيل عمل جباة الضرائب(42), وكنتيجة لذلك كان النساموينس يهددون طرق التجارة, وقد امتد نشاطهم إلي الساحل إذا كانوا يشنون هجومهم علي السفن الموجودة علي الساحل في خليج سرت ويغرقونها(43), الأمر الذي دعـا السلطــات الرومانيـة في الفترات اللاحقة إلي إن توجه أليهم في عام 86-85 ق.م حملة بقيادة فلاكوس إلا إن الحملة هزمت هزيمة ساحقة علي يد قبيلة النساموينس الذين احتلوا معسكر الرومان(44) .
ولم تقتصر المتاعب والثورات التي واجهها الرومان من قبائل الليبية علي إقليم المدن الخمس فقط , بل يمكن القول إن ما واجهه الرومان من صعوبات في إقليم المدن الثلاث فاق مثيله في إقليم المدن الخمس فقد تعددت الثورات هناك , ومن أهم هذه الثورات ثورة قبائل الجيتولي والموسولامي , ويري البعض(45) إن السبب الذي أدي إلي خروج هذه القبائل راجع إلي عدم رغبتها في إن تكون خاضعة لسيطرة نوميديا الخاضعة لسيادة روما , بينما يري(46) "ديو" إن السبب في ذلك راجع إلي إجبار هذه القبائل علي الاندحار باتجاه الداخل والسيطرة علي أراضيهم , وبسبب أسلوب هذه القبائل في صراعها مع الرومان باللجوء إلي داخل الصحراء عقب كل غارة كانت مهمة القضاء عليها صعبة في أولها (47) ولكن بفضل مساندة الملك النوميدي يوبا الثاني تمكن القائد الروماني كورنيليوس لنتولس كوسوس من التصدي لهذه القبائل وإلحاق الهزيمة بها (48) ونتيجة لذلك تمركزت الفرقة الأغسطية (49) الثالثة في منطقة المسلمي امايدرا * وقد عثر في مدينة لبده علي نقش يشير إلي نهاية الحرب الجيتولية , والشعور بالامتنان لهذا القائد لأنه خلص الأقاليم الأفريقية من ويلات الحرب(50) , هذا وقد دلت احدي لوحات الفسيفساء في زليتن علي مشهد حشد فيه بعض الأسري الجيتولي يقتلوا بعنف شديد في المسرح الدائري(51) .
وبالإضافة إلي ما سبق ذكره عن ثورات القبائل القاطنة في إقليم المدن الثلاث نذكر إن الرومان قد واجهوا اعنف هذه الثورات أيضا ونعني بذلك ثورة قبائل الجر منت فقد عرف عن قبائل الجرمنت القاطنة في الجنوب الليبي أنها قبائل قوية وذلك لسيطرتها علي الطرق التجارية التي تربط المدن الثلاث بالمناطق الداخلية(52) من خلال قيامها بدور الوسيط في التبادل التجاري في العصرين القرطاجي والنوميدي غير إن هذه السياسة سرعان ما تبدلت عندما بسط الرومان سيطرتهم علي الإقليم(53).
وهنا نتساءل كيف حدث الاحتكاك بين الرومان الموجودين في الإقليم وبين هذه القبيلة الموجودة في أقصي الجنوب ؟
يبدو إن السبب المباشر في الاحتكاك بينهما لم يكن محددا تماما , فالبعض(54) يري إن السبب المباشر لهذه الحرب راجع لدعم قبائل الجرمنت لقبائل الجيتولي عندما ثارت علي الرومان, إما البعض(55) الأخر فيري إن تنامي قوة الجرمنت وازدهار عاصمتهم هو السبب في توتر العلاقة بينهما خاصة وان هذا الازدهار كان لا يتفق مع سياسة روما التوسعية , أضف إلي ذلك قيام الإمبراطور أغسطس يشغل الجيوش الرومانية عقب انتهاء الحرب الأهلية بفتوحات تشغلهم عن محاولة القيام الاستيلاء علي الحكم(56) , وربما يكون السبب المباشر لهذه الحرب راجع إلي تنامي رغبة روما في السيطرة علي المراكز التجارية التي تربط الجرمنت مع سكان المدن الأفريقية وراء الصحراء , كل هذه الأسباب جعلت الرومان يرون في القضاء علي الجرمنت السبيل الوحيد في وصولهم إلي تلك المناطق واستقرارهم فيها , وذلك أواخر القرن الأول ق.م بقيادة كورنيليوس بالبوس*(57) . وقد انطلقت الحملة من احدي مناطق المدن الثلاث باتجاه الجنوب , واول عمل قامت به هو بسط سيطرتها علي المركز التجاري للجرمنت وهو كيدامس(58) ثم وصلوا عاصمة الجرمنت بعد إن قطعوا مسافة 350 ميلا باتجاه الجنوب الشرقي وشنوا هجوما مباغتا عليهم(59) وعلي ما يبدو إن حملة كورنيلوس بالبوس لم تكن ذات نتائج حاسمة تجاه هذه القبيلة لأنها لم تسفر عن استقرار الرومان في الجنوب .(60) فهي لم تكن سوي حملة تأديبية ضد مراكز الجرمنت في الجنوب ثم رجعت باتجاه مركز استقرارها في المدن الثلاث . (61) ولكن هل تمكنت هذه الحملة من إنهاء تهديد الجرمنت لمناطق استقرار الرومان ؟
يبدو إن هذا النصر الذي حققه بالبوس كان مبالغا فيه بشكل واضح من جانب بليني الذي كان يهدف من وراء ذلك إلي رفع الروح المعنوية للجنود الرومان , حيث إن الحملة قد فشلت في إخضاع الجرمنت بشكل حاسم , بل علي عكس فقد شجعت الجرمنت علي مد يد المساعدة إلي قبائل المارمريداي في كيرنايكي(62) , اذا لم يكن نصر بالبوس ضخما بالصورة التي صورها بليني في رأينا حيث انه لم يتم العثور علي نقش يشير إلي الحملة , وهذا لا يتفق مع عادة الرومان حيث أنهم كانوا يخلدون انتصارهم عقب كل معركة وعدم وجود نقش يدل علي عدم أهمية المعركة , أو إن الانتصار لم يكن بالقدر الذي وصفه بليني(63) .
الهوامش
1. يروى لنا هيردوت دوايتين حول تأسيس المدينة إحداهما عن سكان ثيرا والأخرى عن سكان كيرينى ..للمزيد يراجع هيردوت ، الكتاب الرابع ،ت محمد المبروك الدويب ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازى 2003 فقرة 156 .
2. هيردوت ، المصدرالسابق ، فقرة 157-158 الكوافى ، محمد الأحوال السياسية والاقتصادية فى أقليم المدن الخمس فى الفترة من 155- 14 م ، دراسة مقارنة مع اقليم المدن الثلاث رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة قاريونس ، 2005 ص.
3. pindar,the des,v.55.89.diodor,x111.20,sadawyaa,A,the creek settlement in cyrenaica with no tesno pottery discover there, l.h,Benghazi 1968.pp95ff.
4. pindar ,the odes.ix.
5. Applepaum,s. Jews and Greek in Ancient cyrene. Leiden Brill.1979 p84.elrasshdi ,f.imports of post-Archaic Greek pottery in to cyernaica from The End of the archaic to the beginning of the Hellenistic period . London ,2003.p10
باكليلى ، ليديانو، الاكتشاف الاغريقي لنبات السلفيوم ، ت شمس الدين عرابي السنة 12 ، منشورات مركز الجهاد ، طرابلس ،1990 ،ص ص 188-189
6. diodorus. s . xviii.20-1-6.7
7. Plutarch,moralia,255-257,rossberg.Quaestiones,de rebus cyrenarum provinicae romanae, frankenbergae . 1876.p20, kraeling, ptolemais city of the Libyan pentapolis , university to the paris . 1960.p11
8. هيردوت المصدرالسابق ، فقرة 160 .
9. lensel.s. carthage librarrie , Artheme fayard paris,1992.p108
10. Romanelli, P, la cirenaica Romana 96. B.C 64 B.C verbena . 1943.p60
11. Elmayer ,A, tripolitania and the Roman Empire B.c47 A.B235. markaz Jihad ,Tripoli 1997.p31. leigh, M,lucan and Libyan tale, J.R.S volxc,2000 pp 97-98
12. Diodorus, s.xx64.3.
13. وارمينجتون ، القرطاجيون ، تاريخ أفريقيا العام ، مج 2 ، اشرف جمال مختار ، منظمة الأمم المتحدة ، لبنان 1988 .
14. Renolds .J. cyrene . C.A.H, p625. larond . A, Greek colonists and Native populations, Australian classical Archaeology , 1990.p177
15. يذكر هيردوت فى الفقرة ، 159 ان كاهنة دلفى البيثية قد شجعت جمع الإغريق عندما نصحتهم بان بيحروا ويسكنوا ليبيا مع الكيرينئين لان الكريتئين دعوهم ووعدوهم بتقاسم الأرض S.E.G.1X.3.
- اختلفت الأبحاث في تحديد مكان ذلك النبع فمن الدراسين من يرى أنه عين القبة fantoli a.la libia negliseritt degli roma pp 11-35
بينما يرى الاخرن أن ذلك النبع هو عين مارة ـ انظر
chamoux.f.cyrene sous la monarchie des battiadis paris .
1953 . p146
- نصحى ،ابراهيم ، أنشاء قورينى وشقيقاتها، منشورات جامعةقاريونس ، بنغازى 1979، ص155
16. هيردوت ، المصدر السابق ، فقرة ، 159
17. جميلة ، عبد الكريم ، قورينائية والفرس الاخمينيون " منذ انشاء قوريني حتى سقوط أسرة باتوس " منشورات درار النهضة العربية ، بيروت 1996 ص 299 هامش 1-
18. هيردوت ، المصدر السابق ، فقرة 160
19. هيردوت ، المصدر السابق ، فقرة 160
20. diodorus .s xiv.34.4
21. بدوى ، عبد الرحمن ، ليبيا في مؤلفات ارسطو ، مجلة كلية الاداب ، بنغازى ، العدد 3 1969.3 ص 142 .
- أشار سيكلاكس أن كيرينايكي كانت مقسمة الى قسمين كيرينى وبرقة حيث اشتملت الاخيرة على توخيرا ويوسيريدس فى منتصف القرن 4 ق.م Skylacis.108
كما اشار هيردوت الى توخيرا منطقة تقع فى نفوذ البرقيين هيردوت ، المصدر السابق فقرة 171
22. robinson . catalogue of the creek coins of cyrenaica . bologna.1965.p,lv11. jones .a . cities of the eastern romon provinces oxford.1937.p353.
23. Thucydides . V11.50.2.Larond .A.op.cit.p171.
24. S.E.IX.77.
v مما شجع اوفيلاس على قيادة هذه الثورة مساندة اهالى كيرينايكي له مستغلاً
فى ذلك حالة السخط والغضب التى يعيشها أهالى الاقليم بعد اخماد بطليموس لثورتهم
الى جانب انشغال بطليموس فى حروبه ضد انتيخوس .
machu.j.annee,cyrene la Cite et le souverain alepogue
hellenisigue . revue historigue.75.paris.1970.p45.
25. الكوافى ، محمد ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 13-14 .
26. violaine .v.les ptolemees.Derniers pharaonsd Egypte
.D alexandre aclepatra. Paris . 1998.p63
27. .will. E .historie politigue du mode hellenistigue323-30.vol II.Paris. 1966.p125
28. اندرية لاروند ، الاغريق والليبيون فى قورينائية ، نقله عن اللغةالفرنسية الى اللغةالانجليزية ، جين باول ديسكوريس ، وقام بترجمته إلى اللغة العربية فؤاد سالم ابوالنجا ، ص 34 ، غير منشور .
29. chamoux. F. hellenistic civilization . trans lated by michel roussel , London. 2000 p139 .
30. لقد استوطنت هذه القبيلة المنطقة الواقعة من السلوم وحتى سرت , وأطلق اسمهم علي الإقليم الذي استقروا فيه وهو إقليم مارمريكا وهي المنطقة الممتدة من درنة حتى حدود مصر , يراجع Oliverio , cirenaica , D. A. l. ii. L. P 119.
31. مواطن أسباني من أصول قرطاجية وهو ابن غير شرعي لأحد الكهنة عمل بالبوس في الجيش مع بومبي – قيصر- أغسطس وقد حصل علي المواطنة بعد انتصاره علي الجرمنت - انظر
Cary and sculiard , a history of rome , London ,1975- P 331
32. Applepaum , op. cit.p68/mattingly , d , Tripoli Tania , London , 1995 ,p52/ Rossberg , op.eit,p60/ romanelli,op.eit.p68/Mattingly ,D, TheArchaeology of fazzan , vol I , Synthesis, Tripoli, 2003,pp83-84 .
33. Florus , II , 31 .
34 .Grant ,M From imperium to a ugtoritas a historical study of aes coinage in the Roman Empire 496.c a. d ,14 , cambridge ,1964. p 55
35 انديشه, احمد محمد , المرجع السابق , ص 67 .
36. ) Romanelli , op. cit, p 79
* كورنيكلاروم هي مدينة اجدابيا الحالية .
37. الميار, عبد الكريم , المرجع السابق , ص 70
38. للمزيد حول هذا النقش يراجع S.E.G.IX 63/Oliverio, cirenaica ,op. cit , p 101, N 67 .
39 . Romanelli , op. cit, p 77 .
40 . Romanelli , op. cit, p 78 .
عبدالعليم , مصطفي كمال , دراسات فى تاريخ ليبيا القديم ، منشورات الجامعة الليبية بنغازى , 1966, ص 87 .
41. جادالله , فوزي فهيم , المعارك والمواقع الهامة بين الليبيين والمستعمرين الإغريق والرومان نص محاضرة ألقيت في قاعة ابن غلبون بمركز الجهاد , طرابلس 1981 , ص 7.
.42 شلوف , عبد السلام محمد , قبيلة النساموينس , مجلة قاريونس العلمية , ع 1-2 السنة 4 , جامعة قاريونس , 1991, ص ص 160-161 .
43. Bates , O. op. cit, p 105.
44 . جاد الله , فوزي فهيم , المرجع السابق , ص 8
45. Haynes,E,L, the Antiquities of Tripolitania,1981,p 37/ Bates ,O,op, cit, p 234 .
46. Dio ,cassius.R.H.Iv.28 .
47. Elmayer , op, p61-62 .
48. ) Florus , II,31/Romanelli m op. cit, p76/merghi , la tripolitania antica , verbania ,1940 ,p 150 .
49 .كانت الفرقة الأغسطية الثالثة في الأصل تتكون من المواطنين الحاصلين علي حقوق المواطنة الرومانية , تم عززت الفرقة بأبناء الجنود الذين ولدوا في أفريقيا من أمهات افريقيات للمزيد أنظر : انديشة , احمد محمد , المرجع السابق , ص 192 .
* منطقة واقعة علي الحدود التونسية الجزائرية
50 .Renolds ,j, and perking the in--SS--ion of roman Tripolitania, London , 1925, N301.
51. Granelli ,A, op. cit, p2
52. Elmayer, op. cit, p 58
53. انديشة , احمد محمد , المرجع السابق , ص 65 .
54 . ) Haynes .op. cit. p36/Elmyer , op. cit. p 60 .
55. أيوب , محمد سليمان , جرمة من تاريخ الحضارة الليبية القديمة , دار المصراتي للنشر , طرابلس 1969 , ص 138 .
Daniels, C.M, the garamantes of soutern libya , 1970, p 22
56. Daniels, C.M, the garamantes of fezzan L.H. 1968 p 261 .
v قد وردت أول إشارة عن حملة كورنيليوس بالبوس من خلال كتابات ا الشاعر فرجيل الذي تحدث عن الإمبراطور أغسطس وكيف بسط حدود الإمبراطورية إلي ما وراء الجرمنتvirgil, vi. 791-797
57. syme,r , the Roman revolution , oxford, London , 1963 p 339/wheeler , m. Rome beyond the imperial frontiers London , 1955.pp 122-129/Mommsen.t, the provinces of the roman empire. Vol2. London 1909.p315/Merghi op. cit.p 15/ Romanelli, p, storia delle province romane dell Africa roma , 1959. pp178-180
حول كورنيليوس بالبوس يراجع
Prima, p. fezzan e oasi di gat , anno, xv roma , pp 266- 267-277-78
58. Haynes , op. cit, p 36 .
59. انديشة , اخمد محمد , المرجع السابق , ص 67 .
60. Bates , o, op. cit ,p 150 .
أيوب , محمد سليمان , حملة كورنيليوس بالبوس علي فزان عام 19 ق.م , ليبيا في التاريخ , دار المشرق , بيروت 1968 , ص 217 .
61. pliny , N.H.V.5.
62. Mommsen, t, op. cit .315 .
63. أيوب , محمد سليمان ,المرجع السابق , ص 208 .

السلام مشكور يادكتور علي المعلومات القيمة
ردحذف