الجمعة، 27 ديسمبر 2013

يوميات مقاتل فى ليبيا ..بقلم .. مراد الهونى

 
شد انتباهي وان أتصفح شبكة المعلومات بحثا عن مقالات أو وثائق تاريخية عن التاريخ الاستعماري لليبيا هذه المقالة المقتضبة و التي تناول كاتبها باختصار شديد بعض ماجاء فى يوميات عسكرى ايطالى وهو الملازم " ستيفانو لونقو Stefano Lungo " والذى كان من اوائل المجندين فى الحملة العسكرية الايطالية التى ابحرت من ايطاليا باتجاه ليبيا فى العام 1911 على انغام " طرابلس ارض الحب الجميلة " وقد صدرت هذه اليوميات فى كتاب بعنوان يوميات مقاتل فى ليبيا .

و قد بدأ ستيفانو فى تدوين يومياته فى سبتمبر من العام 1912 عندما كان ملازمآ فى الحملة التى وجهتها ايطاليا باتجاه الجبل الغربى فى محاولة مستميتة للقضاء على ثورة الجبل بقيادة البطل المجاهد سليمان باشا البارونى حيث اورد الكاتب خط سير تلك الحملة رجوعآ الى العزيزية مرورآ بقصر الحاج وبئر الغنم هبوطآ من مرتفعات جبل غريان الى جبل نفوسة وذلك بعد معركة الاصابعة التى التحم فيها الجيشان و ارفق الى جانب يومياته المكتوبة تلك مجموعة من الرسوم الكاريكاتورية التى رسمها بنفسه للجنود الايطاليين و للمجندين من " قوات المستعمرات " وهى التى ضمت العناصر الوطنية التى اجبرت كرهآ او طوعآ على الالتحاق بها وعنها يقول " لقد اثبتت قوات المستعمرات بمشاركتها فى تلك الحملة الولاء والاخلاص المطلق لعلمنا و بالذات المجندين الاريتريين منهم .

و خلال تلك العمليات توقف بعض من هذه الفرق لقوات المستعمرات فى نابولى بايطليا لتستعرض امام الملك الذى جاء خصيصآ لتحيتها وتم منح هولاء شارة صغيرة ترمز لعلم ايطاليا بدللآ من العلم الايطالى لمعارضة الدول الاوروبية انذاك حمل العلم الايطالى من قبل الوطنيين الذين تم تجنيدهم فى المستعمرات الايطالية .

وقد استخدم الاريتريون من ذوى الرتب العسكرية فى هذه القوات للمهمة الادق و الاصعب الا وهى بعث الروح لتكوين نواة لقوة من المجندين الليبيين كجزء من هذه القوة الاستعمارية والتى التحقت اول فرقها بالعمل بالقوات المحتلة فى عام 1912 وكانت عبارة عن قوة فرسان .

وقد ضمت بعد ذلك " قوات طرابلس " الى جانب 6 فرق من سلاح المشاة 7 فرق من ال " السوارى " الفرسان و فرقة من ال " المهارى " الجمالة والى جانب فرقتان من العساكر الاريتريون فى برقة كانت هناك فرقة فرسان واحدة وقد قسم الكاتب فى يومياته فرق الفرسان الى قسمين " السوارى " بلباسهم العربى واسلوب قتالهم التقليدى و قوات الجمالة والمسماة "الصحراوية " فى طرابلس و ال " المهارى " ببرقة وقد عزا الكاتب الفضل لصمود ايطاليا امام مقاومة الليبيين لها بقيادة السنوسيين الى المجندين الاريتريين فى غياب المجندين الليبيين الذين تم ترحيلهم و عائلاتهم الى صقليا بايطاليا بعد ان اصبح وجودهم بليبيا خطرآ عليهم وعبئآ امنيآ مضافآ لايطاليا بليبيا وعادت هذه الفرق لليبيا مباشرة بعد وصول الفاشيين للحكم . 

وفى الاعوام من 1920 الى 1930 اولت ايطاليا الفاشية جل اهتمامها بالعمل على اعادة احتلال ليبيا وفى هذا السياق يرجع الفضل للحاكم العسكرى الايطالى بليبيا " دى فيكى " De Vecchi انشاء " فرق الحدود المسلحة " و التى عرفت باسم " الزابطية " او ذوى العمائم البيضا نسبة الى لباسهم وهى قوات وسط بين القوات النظامية والغير نظامية وكانت تتمتع بخاصية السرعة فى الانتشار و الانقضاض التى منحتها لها بساطة تسليحها و خفة عتادها وكان لهذه الفرق المجندة دورآ مؤثرآ فى اعادة الاحتلال للمناطق التى انسحبت منها القوات الايطالية و بالذات المناطق الغربية من البلاد .
 
  عن صفحة الصفحة الشخصية لاستاذ مراد الهونى / مهندس وجامع صور تاريخية



الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

مدينة بن تليس الأثرية ...عبد المولى رمضان عبد المولى


تقع مدينة بن تليس في مدينة بني وليد على بعد تسعة كيلومترات على حافة الوادي الشمالية حيث ترتفع عن مستوى سطح البحر بجدود مائتين واثني عشرمتراً على ربوة صخرية من الحجر الجيري الصلب، يحدها من الشمال حي العطيات ومن الجنوب وادي بني وليد ومن الشرق حي اليعاقيب ومن الغرب حي المغاربة ،وقد تحدثت بعض الكتب التاريخية بأن أحمد أبو تليس القيرواني هو مؤسس الأسرة الحاكمة للمدينة وأنه كان رجلاً عالماً صوفياً وقع خلاف بينه وبين بعض العلماء في أفريقيا ورموه بالزندقة وكتبوا بذلك إلى حاكم البلد فخاف على نفسه فهرب هو ومن معه إلى طرابلس عن طريق البحر ووصل إلى بني وليد ومكث فيها نحو سبع سنوات وهو معدود من تلاميذ عبد السلام الأسمر، أجتمع به وأخذ عنه التصوف وبقى في بني وليد إلى أن سمع بوفاة الأمير الذي كان يخاف منه فرجع إلى القيروان ومات هناك ولم يذكر أحد تاريخ مجيئه إلى مدينة بني وليد بالتحديد ولكنه في أيام الشيخ عبد السلام الأسمر في المائة التاسعة الهجرية، وقد ترك أولاداً في مدة إقامته في مدينة بني وليد وهي سبع سنوات وهم أصل أولاد بن تليس ولا زالوا يعرفون بهذا اللقب، ويبدو أن أبناءه الذين تركهم بمنطقة بني وليد هم من أسس المدينة المعروفة بمدينة بن تليس الإسلامية لأن فترة بقاء أحمد أبو تليس لمدة سبع سنوات ببني وليد كما جاء في المصدر السابق غير كافية لبناء هذه المدينة الكبيرة والجميلة بشوارعها وقصورها ومساجدها وآبارها ومنازلها.

ويذكر أن أحمد بن عبد الله أبو تليس الأول والذي ولد ببني وليد قد أنشأ المدينة الحالية والتي تعرف بمدينة بن تليس واتخذها مقراً لحكمه كما أنشأ أيضاً مدينة أخرى بترهونة بوادي ترغلات وقد دام الحكم وراثياً من بعده في ذريته مدة مائة وثلاثين سنة تقريباً ، أما فيما يخص الروايات والقصص الشعبية فهي كثيرة ومتنوعة حول بن تليس كما أنها متضاربة ومختلفة من راوٍ إلى آخر ولا يمكن الاعتماد عليها كدليل تاريخي وعلمي موثوق به.


ومن أهم معالم المدينة "قصر الحاكم" أو ما يعرف بقصر بن تليس الموجود في القسم الغربي منها والذي يشرف على وادي بني وليد مباشرة، والمسجد والمقبرة ، بالإضافة إلى آبار المياه وبعض الشوارع التي تربط بين المنازل داخل المدينة، وإن طريقة البناء داخل المدينة والقصر تشبه إلى حدٍ كبير طريقة البناء في المدن الليبية بالمناطق الشبه الصحراوية التي تعود للعصر الروماني من القرن الأول الميلادي وحتى القرن السادس الميلادي مثل مدينة قرزة وقصور وادي خنافس وشعبة أم الخراب والمردوم ونفذ وهو أسلوبُُ ليبيُُّ بالدرجة الأولى

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

الشاعرة والمجاهدة مبــــــــــــروكة الوكواك .. محمد غريدة

ولدت حوالي سنة 1900م , بمنطقة "سيدي اسماعيل" احدى ضواحي المرج , وتنسب إلى بيت الوكواك الذي ولدت فيه ثم غادرته إلي بيت زوجها وإبن عمها "عيسى الوكواك" , الذي كانت له نعم الزوجة والرفيقة ووقفت معه في أصعب الظروف .. كانت تنظم الشعر منذ صباها , ويؤخذ عن شعرها انها لم تقل الشعر الغزلي بل اشتهرت بقصائد المدح والرثاء والحماسة , كما كانت من المجيدات في رواية الأحداث التاريخية . 

وتعد "مبروكة الوكواك" من المجاهدات الليبيات اللاتي كان لهن مواقف بطولية ,, التحقت بالمجاهدين إلى ساحات الشرف لرفع روحهم المعنوية بالأهازيج والملاحم البطولية , وقرضت الشعر تحدياً للغزاة الطليان وكانت تساعد المجاهدين ولا تهاب رصاص العدو . 


رافقت زوجها في تنقلاته مع قائده "عمر المختار" وكبار مساعديه, وشهدت إلى جانبه العديد من المعارك, حاملة بندقيتها إلى جانب المجاهدين في قتال العدو على صهوة أحد الجياد في إحدى المعارك التي شارك فيها المجاهد "علي أمبارك اليمني" بمنطقة المرج , واستطاع المجاهدون فيها أن يردوا العدو على أقعابه بعد قتال باهر , ولم يستطع الطليان أن يزحزحوا هؤلاء الأبطال التي من بينهم المجاهدة "مبروكة الوكواك" , وعند توزيع الغنائم خصص لها مفتي الدور الشيخ " محفوظ عثمان الورفلي" حصة تعادل كل مجاهد شارك في المعركة . 


ومن قصائدها في رثاء زوجها المجاهد "عيسى الوكواك" :
حيه على رعيـــان لدايب ياعيسى ومعاك الشايب
حيه على مرمى كاطــاته ركاب الوافي صهلاته
وين يسمع حس الزغراته يحدر عالطابور الجاير 


كانت دائما تتحدث وتفتخر بأنها قامت بطهي الطعام ل"عمر المختار" ورفاقه ومداواة الجرحى من المجاهدين .


اعتُقلت مع أهلها في معتقل "اسلوق" لمدة أربع سنوات , وبعد خروجها من المعتقل قبض عليها الأيطاليون مرة أخرى بسبب سبها وشتمها للحكومة الإيطالية في شعرها , وتحريض المجاهدين على مواصلة الجهاد والقتال , وأودعوها في سجن المرج وحكم عليها بست سنوات , وتم نقلها إلى سجن "سيدي اخريبيش" في بنغازي وهو عبارة عن "شيلات" في مكان ضيق جداً.


وقد سُئلت "مبروكة الوكواك" عن تحريض المجاهدين فأجابت بكلمة (نعم),, فأُعجب بها القاضي لصراحتها وشجاعتها وقال لها : (أنت شجاعة وجريئة) , وتمت تبرئتها والإفراج عنها بعد أن قضت أربع سنوات سجينة بدون ذنب إلا دفاعها عن وطنها .


أكملت بقية حياتها ربت بيت شريفة , وانتقلت إلى رحمة الله في عام 1981م . 


تغمدها الله بواسع رحمته وأسكنها فسيح جناته .


نقلاً عن ( صفحة مرجاويات بحث أجراه الأستاذ : محمد غريدة ) .

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

السيد صفي الدين بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي ...بقلم صفي الدين هلال محمد الشريف

للتاريخ وللاجيال التي غُيب عنها مؤسسي ليبيا.......

السيد/ صفي الدين: هو صفي الدين بن محَمّد الشريف بن محَمّد بن علي السنوسي. أمه هي السيدة/ خديجة على المحجوب، ووالدها من مصراتة ومن كبار الإخوان السنوسيين . ولد السيد/ صفي الدين في عام 1895م وتلقى تعلمه في الزّوايَا السنوسيّة، وحفظ القرآن الكريم على يد العلامة المغربي ( سيدي/ العربي الفاسي ). ولسيد/ صفي الدين أربعة أخوة، والسادة هم: أحمد الشريف، علي الخطّابي، هلاّل، محمّد عابد. وله ثمانيّة أبناء، والسادة هم: علي، فخري، رضا، منصور، أمين، السنوسي، عادل، صبري.

والسيد/ صفي الدين هو الأخ الأصغر للمجاهد الكبير السيد/ أحمد الشريف. ويذكر أنّ السيد/ أحمد الشريف في فترة إمارته لحركة السنوسيّة كلّف أخيه الأصغر السيد/ صفي الدين – ولم يتجاوز وقتذاك الثامنة عشر (18) من العمر – بالإنابة عنه في مناطق حدود إجدابيا، وبالذات،..(.. على دورى النوفلية والقطافية..)، كما جاء في مقالة للدكتور/ محمّد المفتي.
ويروي د/ علي الصلابي في كتابه: الحركة السنوسيّة في ليبيا / الجزء الثاني،..(..أنّ السيد/ أحمد الشريف أرسل أخيه السيد/ صفي الدين ليتولى قيادة الجهات الغربية من برقة، وكان إرساله فرحة عظيمة لدى القبائل المنضويّة تحت لواء الحركة السنوسيّة، وقاد السيد/ صفي الدين السنوسي معركة عظيمة ضد إيطاليا بموقع "أبي هادي"، واستمرت المعركة بشدة وعنف ساعات انجلت عن خسارة إيطاليا. وكانت الانتصارات التي حققتها الحركة السنوسيّة، محل الإعجاب والتقدير من أبناء ليبيا المخلصين، ولذلك اتصل كثير من القادة والشيوخ بالسيد/ صفي الدين، وكان السيد/ رمضان السويحلي المجاهد الكبير على رأس أولئك الأبطال المغاوير..). ويذكر أنّ السيد/ صفي الدين اختار في الفترة الواقعة ما بين 1914م إلى 1922م الشيخ محمود بوهدمة سكرتيراً ومساعداً عسكريّاً له.

كان السيد/ صفي الدين السنوسي من أهم وأشهر قادة معركة القرضابية. ومعركة القرضابية انطلقت في صحراء سرت في 29 أبريل 1915م، وقد هُزمت القوات الإيطاليّة الغاشمة في هذه المعركة التاريخيّة على أيدي القوات السنوسيّة وقوافل المجاهدين الذين توافدوا من كافة مناطق ليبيا للمشاركة فيها. ويروي الدكتور/ محَمّد المفتي في مقالة له نشرت في مجلة "عراجين" في يناير 2004م عن دور السيد/ صفي الدين في معركة القرضابيّة ما يلي:..

(.. للأمانة التاريخيّة، كانت هناك على أرض معركة القرضابيّة كتائب مجاهدين لعبت دوراً أساسياً في دحر الطليان. كان هناك مجاهدو قبيلة المغاربة – من منطقة إجدابيا – بقيادة المجاهد/ صالح الإطيوش يرافقهم المجاهد/ صفي الدين السنوسي، الذين أوقفوا تقدم الطليان...). أو يمكن تحديد دور السنوسيّة، والسيد/ صفي الدين في معركة القرضابيّة على النحو الذي ذكره د/ علي الصلابي في كتابه"الحركة السنوسيّة في ليبيا / الجزء الثاني"، والذي قال عنه ..(.. لقد كانت القيادة الفعليّة لمعركة القرضابيّة للسيد المجاهد صفي الدين السنوسي والقادة السنوسيين الذين معه، وقد ساندهم مساندة فعّالة المجاهد رمضان السويحلي بجنوده وانضم معهم في الوقت المناسب..).

ويذكر أنّ الأمير/ إدريس السنوسي كان قد أرسل السيد/ صفي الدين على رأس جيش من المجاهدين إلى المنطقة الغربية لمعاضدة مناضلي ومجاهدي إقليم طرابلس لمقاومة المستعمر الإيطالي إلاّ أن الأمير طلب منه الرجوع إلى برقة بعد أنّ توعد السيد/ رمضان السويحلي بقتال السنوسيين لأنّه رأى في تواجدهم تهديداً لزّعامته لإقليم طرابلس. وبعد هذا التهديد، أمره الأمير بالرجوع إلى برقة خوفاً من نشوب صراع مسلح بين جماعته (الجماعة السنوسيّة بقيادة السيد صفي ) وأتباع السيد/ رمضان السويحلي. وقد نفذ السيد/ صفي الدين ما طلبه الأمير منه.

ويذكر كذلك أنّ دولة الخلافة العثمانيّة كانت قد منحت رتبة جنرال بجيش التركي (لواء) للسيد/ صفي الدين اعترافاً بقدراته العسكريّة والقياديّة، وتكريماً من تركيا لشخصه حيث لعب أداوراً هامّة من أجل الإسلام وقضايا المسلمين. وعُين السيد/ صفي الدين في عام 1921م رئيساً لبرلمان برقة. وأرسله الأمير إدريس السنوسي في نوفمبر 1921م إلى سرت للتباحث مع أعيان طرابلس بشأن البيعة.

ذكر السيد/ دي كاندول على لسان الملك إدريس في كتابه "عاهل ليبيا.. حياته وعصره" بخصوص هذه البيعة ما نصه:..(.. أثناء مؤتمر لأعيان طرابلس عقد في غريان في شهر نوفمبر 1921م، تقرر تأسيس إمارة طرابلسيّة وعرض البيعة عليّ. ثم طلبوا مني إرسال مبعوثين إلى سرت لبحث الأمر معهم، قأوفدت أبن عمي السيد/ صفي الدين للقائهم، كما أعلمت والي بنغازي في الوقت نفسه...).

وبعد حادثة إغتيال السيد/ إبراهيم الشلحي (ناظر الخاصة الملكية) في 5 أكتوبر 1954م على يد أحد أفراد العائلة السنوسيّة (الشريف محي الدين السنوسي)، قرر السيد/ صفي الدين الخروج من ليبيا حتى يقطع الطريق على أيّ فتنة يُراد لها أنّ تحدث بين أبناء العائلة السنوسيّة أو يسبب وجوده إحراجاً من أيّ نوع للملك إدريس السنوسي كبير العائلة وشيخ الطريقة السنوسيّة. غادر السيد/ صفي الدين ليبيا في سيارتين يصبحه فيهما أفراد عائلته ووصل إلى منطقة الأهرامات بمصر في الليل وتصادف وصوله في تلك الليلة إلى القاهرة مع بدء غارات العدوان الثلاثي على مصر (حرب 1956م). قضى السيد/ صفي الدين وأفراد عائلته تلك الليلة في السيارتين حيث تعذر عليهم مواصلة سوق السيارة إلى وسط مدينة القاهرة.

ذهب السيد/ صفي الدين في صباح ثاني يوم وصل فيه إلى القاهرة إلى السفارة السعوديّة بالقاهرة وتحدث مع السفير السعودي بشأن رغبته في الإقامة بالأراضي السعوديّة. اتصل السفير بالسيد/ صفي الدين بعد ساعات من مغادرة الأخير لمبنى السفارة وأعلمه بقبول الملك سعود لطلبه. توجه السيد/ صفي الدين وعائلته إلى السعودية بعد حوالي عشرة أيام من وصولهم إلى القاهرة على متن طائرة سعوديّة خاصّة. أقام السيد/ صفي الدين وعائلته في السعوديّة منذ ذلك التاريخ إلى أواخر عام 1960م. غادر السيد/ صفي الدين في أواخر عام 1960م السعوديّة، واستقر في القاهرة منذ بداية عام 1961م وإلى عام 1967م. أقام في شقة بمدينة المهندسين في القاهرة بالمنطقة المعروفة باسم جامعة الدّول العربيّة – 5 ميدان سفنكس/ المهندسين.

منحته السعوديّة حق الإقامة الدائمة على أراضيها وظلت هذه الإقامة ساريّة المفعول حتى بعد انتقاله إلى مصر. خصصت السعوديّة له مرتباً شهرياً وأرسلت له سيارة خاصّة (هديّة) إلى القاهرة، واستمرت السعوديّة تعامله على هذا النحو حتى بعد وصول الملك فيصل إلى كرسي العرش،بل، ظلت متكفلة بمصاريفه الشهريّة إلى أنّ وافته المنية في عام 1967م. لم يغادر السيد/ صفي الدين القاهرة منذ وصوله إليها إلاّ بعد هزيمة 1967م حيث ذهب إلى ليبيا وقرر الاستقرار فيها مجدداً فأختار لنفسه مقراً سكنياً في مدينة الحدائق بالفويهات الشرقيّة بمدينة بنغازي. وكان المقر السكني الذي اختاره عبارة عن فيلتان مملوكتان للسيد/ مختار الأشهب، وتعهدت الدولة الليبيّة بدفع إيجارهما السنوي.

عاد من ليبيا إلى القاهرة لأجل تسويّة كافة شئونه الخاصّة ثمّ ليعود مجدداّ إلى ليبيا ويقضي ما تبقى من العمر في بلاده بين أهله وأحبابه إلاّ أنّ المرض حال بينه وبين العودة حيث توفي في أواخر السنة نفسها، وذلك في 22 نوفمبر 1967م. وبعد وفاته أمر الملك إدريس بنقل جثمانه إلى ليبيا حيث دفنَ في الجغبوب مع جده مؤسس الحركة السنوسيّة الإمام محمّد بن علي السنوسي.

نقله الفقير الي الله

صفي الدين هلال محمد الشريف

راس لانوف
02- 06- 2012 م

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

الرّسـوم الصّخريّة اللّيبيّـة في عصر ما قبل التّاريخ ...د.محمد عيسى

 "رسوم نادرة تعدّ معارض فنّيّة طبيعيّة يجب المحافظة عليها لأنّها تمثّل عمل أهمّ مركز حضاري لفترة عصور ما قبل التّاريخ في جنوب المتوسّط".
 
مقدّمـة:
الفنّ في عصور ما قبل التّاريخ:
     كانت المراحل الأولى لحياة الإنسان لا تكاد تختلف في جهة من العالم عنها في الجهات الأخرى، واشتركت الحضارات الإنسانيّة في مظاهرها الرّئيسيّة في الجزء الأكبر من العصر الحجري القديم، ولم يبدأ الاختلاف الحضاري بين أجزاء العالم إلاّ في نهاية العصر الحجري القديم وبداية العصر الحجري الوسيط.
     وأصبحت صناعة الآلات الحجريّة مع نهاية العصر الحجري القديم أقرب إلى الفنّ منها في أيّ عهد سابق. وظهرت عشرات من أنواع الآلات المختلفة مثل المكاشط الحجريّة ذات الحواف التي تستخدم في "التقشير والحك وسلخ الحيوانات"، والمثاقب التي كانت تستخدم في ثقب العظام والخشب، والإبر التي كانت تصنع من العظام وقرون الحيوانات، والأزاميل الصغيرة والمناحت ورؤوس الحراب.
     واستمرّت هذه الأدوات مستعملة حتّى نهاية العصر الحجري الوسيط، وفي العصر الحجري الحديث لم يكتف إنسان ذلك العصر بصنع الآلات من الحجر فحسب، بل استخدم العظام العاج وقرون الحيوانات أيضاً، ومن الآلات الهامّة التي صنعت في ذلك العصر من العظام "رأس الحربون" وهي من الآلات التي تزدان بصف من الخطاطيف على أحد الجانبين، وأحياناً على كلا الجانبين، وكانت هذه الآلة تربط بحبل يظلّ في يد الصّيّاد، ولذلك يستخدم الحربون، بالإضافة إلى إصابة الفريسة، في سحبها بعد إصابتها أيضاً.
     إنّ إنسان ما قبل التّاريخ بإنتاجه للعديد من الفنون، لم يكن يفكّر في إنتاج أثر فنّي لغرض الفنّ، لكنّه في معظم الأحوال كان ينتج تلك الأشياء لأغراض سحريّة ودينيّة. ويمكن تقسيم الفنون في العصور الحجريّة إلى نوعين:
     فنّاً مفرداً منقولاً، وفنّاً صخريّاً ثابتاً.
     ويتألّف الفنّ المفرد المنقول من منحوتات ورسومات مفردة، ويمكن العثور عليها في الوقت الحاضر في طبقات أثريّة واضحة التّواريخ، أمّا الفنّ الصّخري الثّابت فيتألّف من رسومات متلاصقة ذات موضوعات متّصلة أحياناً. ويعتبر فنّ النّحت والفنون التّطبيقيّة خير ما يمثّل النّوع الأوّل، وفنّ التّصوير خير ما يمثّل النّوع الثّاني.
أ- فنّ النّحت:
     كانت الأشكال الأولى لفنّ النّحت عبارة عن تماثيل صغيرة لنساء منحوتة من الحجر أو العاج، وأطلق العلماء على تلك التّماثيل اسم "فينوس" ولم تكن تلك التّماثيل جميلة كما يبدو من الاسم، ولكن ربّما من باب التّهكّم، لأنّ تلك التّماثيل بعيدة جدّاً عن قوانين الجمال كما نفهمها في أيّامنا هذه، وتلك التّماثيل عبارة عن كتل حجريّة تمثّل نساء برزت أردافهنّ وبطونهنّ واستدارت رؤوسهنّ ورغم كلّ هذا القبح، فلم تكن تلك التّماثيل مجرّد لهو وعبث، ولكنّ بعضها يدلّ على درجة لا بأس بها من الحذق والمهارة والذّوق الفنّي، وأحسن نموذج لهذا النّوع، ذلك التّمثال الذي يدعى "فينوس فيلندروف" والذي عثر عليه في النّمسا ويعود تاريخه للفترة ما بين 25 – 20 ألف سنة قبل الميلاد(1).
ب- فنّ الرّسم:
     إنّ فنّ الرّسم أمره يختلف عن فنّ النّحت، فقد كان الفنّانون في عصور ما قبل التّاريخ يمارسون الرّسم على جدران الكهوف وعلى المنحدرات الصّخريّة بكلّ دقّة وإتقان. وقد بلغت رسوماتهم ذروة الكمال الفنّي مع نهاية العصر الحجري القديم. فمنذ أكثر من 20 ألف سنة أخذ الإنسان الأوّل مرّة يدوّن لنا صور ما يحيط به من الحيوانات التي تمكن من قنصها.
     إنّ إنسان ذلك العصر بتنفيذه لتلك الأعمال الفنّيّة الرّائعة لم يكن يقصد منها مجرّد أعمال فنّيّة خالصة، بل كانت نوعاً من التّعاويذ السّحريّة التي من شأنها أن تحمي الصّيّاد وتدلّه على مناطق الصّيد الوفير. وتعتبر تلك الرّسومات الصّخريّة في نظر إنسان ذلك العصر بمثابة ضمان ورمز ديني له أثره في التّوفيق في عمليّات الصّيد.
     يمكن تقسيم الرّسومات التي نفّذها إنسان العصور الحجريّة القديمة إلى نوعين من الرّسومات:
     رسومات الكهوف في أوربّا الغربيّة، والرّسومات الصّخريّة المنتشرة بالسّلاسل الجبليّة بالصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا.
1- رسومات الكهوف الأوربّيّة:
     تقتصر رسومات الكهوف الأوربّيّة على مناطق صغيرة من فرنسا وأسبانيا. ولقد تمّ التّعرّف على أكثر من (100) كهف معظمها تزدان برسومات رائعة، ولكنّ أكثر تلك الكهوف إثارة وأكثرها فائدة لتاريخ الفنّ هما: كهف "لاسكو" بالجنوب الغربي من فرنسا، وكهف "التراميرا" بشمال شرق أسبانيا.
     ولقد تمّ اكتشاف كهف "لاسكو" عام 1940م عن طريق الصّدفة بواسطة فريق من الأطفال كانوا يتنزّهون، ويعدّ هذا الاكتشاف من أهمّ الكشوف في مجال فنّ الكهوف العائدة إلى العصور الحجريّة. ولقد قام إنسان تلك الحقبة الزّمنيّة الموغلة في القدم برسم تلك المناظر الموجودة بالكهف منذ أكثر من 20 ألف سنة، وأهمّ رسوماته بعض الثّيران وبعض الخيول الصّغيرة.
     وأمّا كهف "التراميرا" فقد تمّ اكتشافه عام 1879م عن طريق الأسباني "مارسيلينو دي سوتولا" ورأى ذلك العالم الأسباني أنّ تلك الرّسومات التي وجدت بالكهف تعود في تاريخها إلى حوالي 10 آلاف سنة قبل الميلاد. ولم يصدّق أحد من النّاس ذلك الخبر، ولكن اكتشافات مشابهة أعطت الدّليل على قدم تلك الرّسومات. لقد رسمت على سقف كهف "التراميرا" صور تمثّل بعض الثّيران الوحشيّة والخيول والخنازير البرّيّة.
     إنّ الأعمال الفنّيّة الرّائعة التي رسمت على جدران الكهوف الأوربّيّة منذ أكثر من 20 ألف سنة على أضواء المشاعل، صدرت عن إنسان يعرف كيف يرسم، ويستطيع أن يعرض ما يشاهده في الحياة بكلّ دقّة. وقد استخدم في إنجاز تلك الرّسومات ألواناً متباينة كانت تصنع من مختلف أنواع التّراب الطّبيعي المتعدّد الألوان أو من الفحم الحيواني بعد مزجه بشحوم الحيوانات.
2- الرّسومات الصّخريّة بالصّحراء اللّيبيّة:
     لقد بدأ موضوع الفنّ الصّخري بمناطق الصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا، يلفت اهتمام الدّارسين منذ منتصف القرن التّاسع عشر، ومع بداية القرن العشرين أضحى هذا الموضوع الشّغل الشّاغل لمعظم المختصّين في مجال الفنون الصّخريّة في عصور ما قبل التّاريخ، ولقد ركّز علماء الآثار المختصّون في هذه الحقبة على دراسة ما خلّفه لنا إنسان ذلك العصر من أدوات وأدلّة أخرى تشير إلى هذا الفنّ.
     إنّ اكتشاف الكثير من الأدوات الحجريّة في الكثير من المواضع بالصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا إلى جانب الرّسومات الصّخريّة العديدة التي تمثّل الحيوانات الاستوائيّة كالأفيال، وأفراس النّهر، والتّماسيح، والقردة، يجعلنا نعتقد اعتقاداً جازماً بإنّ الصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا كانت على غير ما هي عليه الآن(2) ، وأيّدت الأبحاث الجيولوجيّة صحّة هذا الافتراض، حيث أكّدت أنّ الصّحراء في فترة عصور ما قبل التّاريخ، كانت غزيرة الأمطار، كثيرة الغابات، تتخلّلها الكثير من الأنهار(3) .
     ومن خلال دراستنا للفنون الصّخريّة بالمنطقة نستطيع تتبّع الحياة الحيوانيّة، والتّكهّن بالتّقلّبات المناخيّة، ونستطيع بالتّالي التّعرّف على ذلك الجذب التّدريجي الذي حلّ بها على مرور الأيّام.
     لقد اختلف علماء الآثار في تحديد تاريخ دقيق لهذه الرّسومات الصّخريّة، ولكنّهم وضعوا لها تقسيماً قائماً على الموضوع وطريقة التّكوين الفنّي، وكان ذلك التقسيم يتمثّل في أربعة أدوار رئيسيّة هي:
1- دور الحيوانات الاستوائيّة:
     يعتقد علماء الآثار أنّ هذا الدّور من أقدم أدوار الرّسومات الصّخريّة بالصّحراء بشمال أفريقيا، ويرجع هذا الدّور إلى عصر الصّيّادين، وقد ظهرت في هذا الدّور الحيوانات التي تحتاج إلى مصادر دائمة من الماء والحشائش مثل الفيلة والزّراف وأفراس النّهر ووحيد القرن والتّماسيح والقردة. ويغلب على هذه الرّسومات أنّها غير ملوّنة، ويظهر إلى جانب هذه الحيوانات الصّيّادون في جماعات وهم يستعملون الشّباك والهريّ التي تنتهي أطرافها بحراب حجريّة. ونلاحظ عليهم أنهم يرتدون أقنعة على شكل رؤوس الحيوانات للتّمويه، وذلك لكي يسهّل صيد تلك الحيوانات، أو ربّما كانوا يضعون تلك الأقنعة لأغراض دينيّة محضة(4)  (أنظر الشّكلين (1)، (2)).
     إنّنا لا نستطيع إعطاء تاريخ محدّد لهذه الرّسومات الصّخريّة، ولكن معظم آراء الباحثين تتّفق على أنّها تعود لفترة تاريخية تسبق الألف الثّامنة قبل الميلاد.
ب- دور الرّؤوس المستديرة:
     نلاحظ أنّ رسوم هذا الدّور تشتمل على أشكال بشريّة صغيرة ذات رؤوس مستديرة ضخمة مبالغ في ضخامتها، ونلاحظ أنّ الفنّان في هذا الدّور بدأ يستعمل الألوان في تلوين رسومه التي كانت تلوّن في البداية بلون واحد بتحديد الملامح الخارجيّة للأشكال، ثمّ يملأ الرّسم بلون آخر غالباً ما يكون الأصفر أو الأخضر أو الأحمر. ويعتقد علماء الآثار أنّ هذه الرّسوم ترجع لحوالي الألف الثّامنة قبل الميلاد.
ج- دور الرّعاة:
     ظهر في هذا الدّور قمّة الإبداع الفنّي متمثّلاً في الرّسوم الصّخريّة الملوّنة والتي تتألّف من أشكال حيوانيّة بأحجام صغيرة رسمت بطريقة طبيعيّة بديعة، ومن الملاحظ أنّ الماشية هي الحيوانات المفضّلة للرّسم من قبل فنّان ذلك الدّور. وبالإضافة إلى الحيوانات يمكن أن نشاهد صور الرّعاة خلف حيواناتهم (شكل (3)). لقد استعمل الفنّان في هذا العصر أملاح بعض المعادن كأصباغ للتّلوين، ممّا جعل الصّور تحتفظ بألوانها الأصليّة إلى يومنا هذا(5)، ويعتقد علماء الآثار أنّ تاريخ هذه الرّسوم يرجع لفترة زمنيّة طويلة تبدأ مع نهاية الألف السّادسة قبل الميلاد، وتنتهي مع نهاية الألف الثّالثة قبل الميلاد.
د- دور الحصان والجمل:
     ظهرت في هذا الدّور صور الحصان والجمل، فمن حيث الحصان فإنّه دخل الرّسوم الصّخريّة أحياناً على شكل منفصل، وأحياناً أخرى متّصلاً بعربة، وكانت العربة تجرّ بأكثر من حصان في معظم الأحوال وقد انتشرت في هذا الدّور رسوم تمثّل الجمل، ونلاحظ أنّ الجمال تظهر في هذه الرّسوم على شكل قوافل لوّنت باللّون الأحمر.
     إنّ أسلوب الرّسومات الصّخريّة التي تمثّل الحصان والجمل لم تكن في مستوى الرّسوم التي نفّذت في الأدوار السّابقة، وتعتبر رسوم هذا الدّور بمثابة خطوة إلى الوراء بالنّسبة لما تحقّق في دوري الرّؤوس المستديرة والرّعاة، ويعتقد العلماء أنّ تاريخ هذه الرّسوم يعود إلى الفترة التّاريخيّة ما بين 800 قبل الميلاد و100 ميلاديّة. ويعتقد وجود علاقة بين هذه الرّسوم وحضارة الجرامنت التي كانت عاصمتها مدينة جرمة.
     ومن الجدير بالذّكر أنّ بداية الاكتشافات الأثريّة للفنون الصّخريّة اللّيبيّة، كانت قد اكتشفت عن طريق الصّدفة وكان ذلك عن طريق الرّحالة الألماني "هنريش بارت" عام 1850م، وكانت أولى تلك الاكتشافات تلك التي بمنطقة (ماتخندوش) بوادي (البرجوش) جنوب غرب مدينة مرزق. ثمّ توالت الاكتشافات بعد ذلك، فقد عثر على نماذج من هذه الفنون في وادي (زقزة) بوادي الشّاطيء وفي جنوب شرقي مدينة غات خاصّة في المنطقة المعروفة باسم (تادرارات أكاكوس)، وفي منطقة الحمادة الحمراء في منطقتي (قارة أم النّسور) (وعاطف بن دلالة). وتمّ العثور على رسوم مماثلة في سيدي الغريب قرب مدينة ترهونة وفي جبل العوينات قرب الكفرة. لم يقتصر تواجد هذه الفنون الصّخريّة في المناطق السّالفة الذّكر فحسب، بل إنّ مثل هذه الرّسوم تكاد تغطّي معظم المناطق اللّيبيّة.
     وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الرّسوم الجداريّة "الجداريّات" لم تلق بعد العناية والاهتمام الكافيين –خاصّة منها المناطق النّائية- إلاّ من طرف بعض الباحثين المختصّين، وهذا الاهتمام لا يكفي وحده إذ لا بدّ له من تعاون من سكّان هذه المعارض الطّبيعيّة وذلك بالمحافظة عليها ومنع العبث بها، ويجب التّنويه هنا إلى أنّ هذه الرّسوم الجداريّة تمثّل عمل أهمّ مركز حضاري لفترة عصور ما قبل التّاريخ جنوب منطقة حوض البحر المتوسّط.
  الهوامش والمراجع:
 
1- Jacques Godte HOT, l'histoire des Oniginesa Louis XIV Tome 1, Larousse, Paris, 1976, p. 12.
2- جمعة محمد العناق، من آفاق الثّقافة اللّيبيّة، مصلحة الآثار، طرابلس، 1977م.
3- هنري لوت، لوحات تاسيلي، قصّة لوحات كهوف الصّحراء الكبرى قبل التّاريخ، ترجمة أنيس زكّي حسن، الفرجاني، طرابلس، 1967م، ص 12.
4- نفس المرجع السّابق، ص 208.
5- فابر يتشيسو موري، تادرارت أكاكوس، الفنّ الصّخري وثقافات الصّحراء قبل التّاريخ، تعريب عمر الباروني وفؤاد الكعبازي، مركز دراسة جهاد اللّيبيّين ضد الغزو الإيطالي، طرابلس، 1988م، ص 42.
 
سبق النشر فى : مجلة تراث الشعب التي تصدر عن وزارة الثقافة : العدد(1)1991. 


الخميس، 21 نوفمبر 2013

الجامع الليبى .. تخطيط وبساطة ...الدكتور/ عبد العزيز الفضالى

الجامع تقام فيه جميع الصلوات بما فيها الجمعة والعيدين,ويعرف بالمسجد الجامع أو الجامع الكبير و يزود بمنبر , ويراعى فى تخطيطه أن يكون ذا مساحة كبيرة, وقديما كان هذا الجامع أول ما يخطط فى المدينة الجديدة, وتكون جدرانه عالية وأبوابه شارعة,وبعض الجوامع الكبيرة محاطة بزيادات، ونظرا للتوسع الكبير الذى شاهدته المدينة الاسلامية واقامة الأسوار حولها مما قسم المدينة بمرور الوقت الى مدينة ملكية وأخرى للعامة, زادت أعداد المساجد الجامعة وهو ما نراه جليا فى بغداد, فعندما أقام "أبو جعفر المنصور " الأسوار حولها ظهرت تجمعات سكنية خارج الأسوار كانت فى حاجة الى مساجد جامعة ، وحتى داخل المدينة نفسها زادت الحارات وزاد عدد السكان فكان الاتجاه الى اضافة الزيادات الى الجوامع الموجودة مثل جامع أحمد بن طولون والاكثار من الجوامع مثلما نرى فى القاهرة الفاطمية .

ومهما يكن من أمر الاعتبارات التي وضعها المعماري في إظهار هذا النمط من المساجد ، فإن جهوده قد تكللت بإبراز شكل من أشكال المساجد تطورت مع الزمن وصارت تميز عمارة المساجد في ليبيا كطراز محلي لاقى نجاحاً كبيراً خصوصاً عند إحيائه بشكل متطور في مدينة طرابلس القديمة عند دخول العثمانيين اليها ، ويعود الفضل في انتشار مثل هذا النوع من المساجد في المدينة الى "درغوت باشا"- ثاني والي تركي على طرابلس- والذي أراد بناء مسجده بالمدينة على هذا النمط وهو أول مسجد عثماني بالمدينة أن يلاقي مبناه هذا القبول والاستحسان من قبل الأهالي أولاً ، ويعتقد أن عدم استعماله للطراز العثماني في بناء المساجد والذي كان مزدهراً جداً في هذه الفترة ( القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي ) في بناء مسجده بطرابلس دليلاً يؤكد نجاح مسجد القبيبات في إبراز نفسه كطراز ليبي خاص ميز عمارة المساجد في البلاد بشكل عام واذا نظرنا الى المسجد الليبي قبل العصر العثمانى فنجد أن أول ذكر لمسجد فى مدينة زليتن قد جاء فى دراسة الدكتور محمد مصطفى وذلك بعد حفرياته فى هذه المدينة وأرجعه الى العصر الفاطمي.

ـ تطور معمار المسجد في ليبيا في العصر العثماني :

شهدت ليبيا ، في العصر العثماني ، تطور ونهضة معمارية وفنية في كل المجالات ، واتسمت المنجزات المعمارية الدينية بخصائص ومميزات زخرفية ومعمارية لم تعهدها ليبيا قبل خضوعها للسيطرة السياسية والاقتصادية ، وكذلك للتأثيرات الفنية والمعمارية التركية .

والحق يقال إن أغلب ما هو قائم في ليبيا من مباني دينية وعسكرية ، وخاصة في مدينة طرابلس وضواحيها ، والمناطق الغربية من ليبيا ، طبعاً إنما يرجع هذه الفترة ، ذلك أن مدينة طرابلس القديمة كانت مقراً للحكومات المتوالية والإدارات المتعاقبة للتركيبة الإدارية العثمانية بكل مكوناتها ، مما جعلها تحظي بتطور معماري وفني طيلة هذه الفترة الطويلة .

ويمكن القول أن المباني الدينية ، التي تعود إلي الفترات الإسلامية المبكرة ، قد اندثر أغلبها أو أعيد بناؤها وتشييدها في العهد العثماني علي أيدي الليبيين تحت إشراف الإداريين الأتراك والهيئات الدينية الوطنية التي آلت علي نفسها أن تعيد بناء ما تهدم من تلك المنشآت الدينية التي تعود إلي العهود الإسلامية السابقة ، وخاصة فترة احتلال الأسبان وفرسان مالطا لطرابلس في الفترة ما بين 1510و1551م ، والتي دمرت أثناها أغلب مباني المدينة وخاصة المباني الدينية ، ولم تسلم المباني كذلك من الدمار نتيجة المعارك التي اندلعت في مدينة طرابلس بين الأسطول والجيش العثماني بالتعاون مع المجاهدين الليبيين وبين فرسان القديس يوحنا أثناء الحصار .
وتكرر دمار المدينة عدة مرات أثناء حصار الأساطيل الإفرنجية وكذلك المدينة ومبانيها بآلاف القذائف المدمرة من دول أوربية مختلفة ، ولفترات طويلة أو متقطعة نتيجة الصراع البحري الذي كان سائداً في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ،بين المسلمين بقيادة الدولة العثمانية ، وبين المسيحيين بقيادة أسبانيا والبرتغال ، والذي دام عدة قرون كانت فيها ليبيا وطرابلس خصماً عنيداً وقادراً ومؤثراً وفعالاً في أحداث البحر الأبيض المتوسط سياسياً وحربياً واقتصادياً.

ـ الخصائص المحلية للجامع الليبي :

في اغلب المباني الدينية ،الموجودة حالياً في ليبيا ، تمثل خصائص وسمات العمارة المحلية وهي التي تمثل أيضاً مفهوم مدرسة العمارة المحلية0 ولهذا النوع من المعماري الشعبي المحلي ،والمنتشر مثله في كل بقاع العالم ، تسميات ومصطلحات كثيرة منها : المعمار العفوي التلقائي أو الانبعاثي أو الإقليمي (VERNACULAR) والمعمار غير المحدد المعالم أو المجهول (ANONYMOUS) ،كما يعرف أحياناً بالمعمار الريفي التلقائي (SPONTANEOUS) ، وأحياناً أخري ، يطلق عليه المعمار القروي ، وبعض العلماء والمختصين يطلقون عليه المعمار الفطري أو البلدي (INDIGENOUS)، وآخرون ،ويطلقون عليه المعمار بدون مهندس معماري (ARCHITECTURE WITHOUT ARCHITECTS ) هذا النمط البنائي الإنشائي البسيط ليس إنتاج المتخصصين في مجال الهندسية المعمارية ،وإنما هو إنتاج تلقائي ومستمر لنشاط كل الجماهير الذين لهم تراث مشترك ويتحركون خلال خبرات المشاركة الجماهيرية الشعبية .

وقد تم توضيح أن المعمار الشعبي والمحلي في ليبيا امتاز بالبساطة في التخطيط والتصميم والتنفيذ ،فالمباني الدينية التي تندرج تحت هذا النمط ، تشيد من الحجر الدبش (غير المصقول ) ،والآجر المصنوع من الطمي أو الطين ،وأسقفها تتكون من طبقة من جدوع النخيل والجريد والطين المضغوطة والملاط ، وهناك نوع آخر من المعمار الشعبي ينتشر علي طول المناطق الساحلية ، يشيد غالباً من الحجر الرملي أو الجيري المستخرج من بعض المحاجر وتقتصر زخرفته علي العناصر البسيط والقليلة وغير المعقدة ، وهي عبارة عن خطوط تجريدية ، وبعض الكتابة العربية المنفذة بشكل بسيط والمصاحبة لبعض التوريق ،كما نشاهد كذلك الشراريف المسننة علي هيئة المثلث ، والعقود المدببة والمصممة علي هيئة المثلث المتساوي الساقين ، وعناصر زخرفية علي هيئة الخطوط المنكسرة .

هذا ما يمثل خصائص العمارة الدينية ومميزتها منذ الفترة الأولي من انضواء ليبيا تحت الحكم الإسلامي واعتبارها ولاية جديدة من ضمن حدود الدولة العربية الإسلامية 0 استمر هذا النمط المعماري في الاستخدام إلي مجيئ الأتراك واستيلائهم علي ليبيا سنة 1551 ، ومن حينها أصبحت ليبيا إيالة (ولاية ) عثمانية ، واستمرت خاضعة للسيطرة العثمانية المباشرة لمدة نحو 360 سنة ، شهدت ليبيا خلالها نهضة معمارية كبيرة ومتطورة في كل النواحي ، واتسمت بخصائص ومميزات زخرفية ومعمارية لم تعهدها ليبيا قبل هذه الفترة.

ـ الطراز المحلي لزخارف الجامع الليبي :

امتازت العمائر الليبية منذ الفتح الاسلامى بانها نادرة الزخرفة وخصوصا العمائر الدينية منها,وقد تكون قلة الزخرفة ناتجة عن عدة عوامل نذكر منها :

1-عدم وجود الحرفيين والصناع اللازمين لتنفيذ برنامج زخرفى على العمائر.
2- قد تكون قلة الزخرفة ناتجة عن الاستجابة لقيم الزهد والتقشف وهو ما يتناسب مع حالة أهل ليبيا وخصوصا أنهم شعب من البدو.
3- كان من سوء حظ ليبيا وجودها بين حواضر غنية سياسيا وحضاريا مما لم يلفت اليها أنظار الفنانين والصناع حتى يهاجروا اليها فمثلا وجدنا جاليات شامية فى مصر ، ويمنية فى تونس,وكذلك كان هناك صناع وفنانين بينهم علاقات فى كلا من مصر والعراق والشام والمغرب وهو مالم يظهر فى التاريخ الليبى.ومن جهة اخرى فقد لعبت المنارات العلمية دورا فى جذب طلاب العلم واللذين عملوا فى حرف عدة أدت الى حدوث تبادل فنى بين الأقاليم الاسلامية,فقد لعب هذا الدور فى مصر جامع عمرو بن العاص ثم الأزهر الشريف,وفى الشام الجامع الأموى,وفى تونس الزيتونة .
4- تأثر الليبيون بالدعوة الموحدية سياسيا ودينيا ومن ثم جاءت عمائر الليبيون مقلدة لعمائر الموحدين التى قلت فيها الزخارف النباتية وتكاد تكون انعدمت,واعتمدوا فى نفس الوقت على الزخارف الهندسية بشكل كبير ، وعلى الرغم من أن قلة الزخارف فى مساجد ليبيا وعمائرها قد جاءت نتيجة لظروف المجتمع الليبي الا أن الكثير من علماء العمارة يعتبرون أن الإسراف الزخرفى يأتى فى أحيان كثيرة لاخفاء عيوب معمارية.

واذا نظرنا الى طرق زخرفة الجدران والمباني المعمارية في ليبيا قبل العصر العثماني نلاحظ تميز الأسلوب الزخرفي المحلي للمباني المعمارية في ليبيا بالبساطة وخلوها من البهرجة الفنية , على الرغم من وجود بعض المساجد التي حظيت بعناية خاصة في البناء والزخرفة بصفة عامة , واتضح من خلال ما تم اكتشافه في المسجدان المكتشفان بمدينة ( سلطان ) شرق مدينة سرت ( واجدابية ) جنوب غرب مدينة بنغازي اللذان شيدا في العهد الفاطمي حيث كانا مزخرفين بالكتابات الكوفية الى جانب الزخارف الحجرية والجصية،وكانت هذه الزخارف مشابهة للمساجد في كل من تونس ومصر، ولقد وجدت زخارف كتابية موضوعة على أرضية مزهرة بالحليات البارزة والزخارف في الجبس،أو زخرفة الكف المطبوعة على المساجد في منطقة نفوسة , بالاضافة الى ذلك الأشكال الهندسية وخاصة (المثلث) بأوضاع مختلفة في المساجد الواحات ببرقة وفزان خاصة على المآذن وعلى مداخل وزوايا للمباني الدينية وأسوار مدينة غدامس.


أما بالنسبة لزخرفة المساجد الموجودة في الجنوب , فكانت تشكل بعدم الاهتمام بالجانب الزخرفي , وحتى ان وجدت فهي عبارة عن زخارف بسيطة وبأشكال نجمية وبعض الكتابات وزخارف نباتية محورة أو تحتوي على جامات مزخرفة بوريدات مختلفة الأعداد مثال لذلك ( جامع يونس ) بغدامس، لكن غالبا ما تكون المساجد في الجنوب خالية من الزخرفة مطلية حاليا باللون الأبيض والأصفر والأخضر.

ولقد أحدث تغيرا في العمارة الاسلامية والفن الاسلامي في ليبيا بصفة عامة , في فترة العهد العثماني بتعدد الأشكال الزخرفية والمواد التي دخلت حديثا في زخرفة المسجد الليبي من ضمنها استخدام الحليات الزخرفية البارزة والمنحوتة على الرخام والحجر الجيري والخشب المنحوت والمحزوز المدهون بألوان زاهية مختلفة , والزخارف الجصية ، وعلى رغم من أن جامع قرجي شيد في 1834 م الا أننا لازلنا نلمح التأثير الزخرفي في القيم وخاصة الزخارف المنحوتة على الرخام والحجر ، ففي الجدار الشمالي الشرقي والجدار الشمالي الغربي للمسجد من الخارج , نجد المدخلين في هذين الضلعين وكذلك مدخل الضريح الواقع في صحن المدرسة , نجد كوشات هذه العقود من نوع حدوة الفرس المدبب ـ مزدانة بزخرفة بالنحت البارز على شكل وردة ـ ومفتاح العقد بكل هذه العقود يتوجه عنصر الهلال ، الذي بدوره تعلوه زخرفة بارزة تمثل السحب , بينما المداخل الثلاثة في بيت الصلاة والمحراب لها نفس التصميم العام والأسلوب الزخرفي.

ومع دخول العثمانيين لطرابلس,بدأت الزخارف تظهر فى عمائر تلك المدينة وان كانت على استحياء ، وذكر الكثير من المؤرخين والرحالة اللذين مروا بطرابلس فى القرنين 17,16 الكثير عن غنى مساجد طرابلس بالحشوات الرخامية وتحدثوا كذلك عن جمال الأسقف ، وقد تعددت الأشكال الزخرفية التى دخلت فى زخرفة المسجد اليبي فى الفترة العثمانية ,فقدت تعددت الأشكال الزخرفية وكذلك المواد المستخدمة فى تنفيذ تلك الأشكال,فقد نفذت الزخارف سواء البارزة أو المنحوتة على الرخام والحجر الجيرى وصنعت الزخارف على الاخشاب وكذلك استخدمت بلاطات القاشانى.

مستقبل ليبيا ...د.محمد المفتى

في سنة 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية، إثر مهاجمة ألمانيا لبولندا في 1/9/1939 وفي 10/6/ 1940 دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا، فتشكل بذلك معسكر المحور، في مواجهة معسكر الحلفاء الذي قادته بريطانيا ثم أميركا. وسرعان ما قادت مشاعر العظمة لدي موسيليني، إلى شن هجوم على مصر لإضعاف بريطانيا، ولكن أيضا على أمل ربط جسر بين ليبيا والحبشة وتوسيع الإمبراطورية الإيطالية في أفريقيا. فكلف جنراله المهووس أيضا بعقدة العظمة، السفاح غراتسياني، بقيادة القوات التي سرعان ما توغلت في الأراضي المصرية لتوقفها القوات البريطانية عند سيدي البراني، فى منتصف سبتمبر.

لكنها كانت حملة خرقاء. فما أن حصلت القوات البريطانية على تعزيزات، حتى شنت هجوما معاكسا وصاعقا بقيادة الجنرال ويـفـل فى 12/9/1940 وخلال ثلاثة أيام نجحت فى سحق الفرق الإيطالية. وواصل الإنجليز تقدمهم يطاردون جيش غراسيانى ودخلوا طبرق فى 23 يناير 1941  ليصلوا بنغازى فى 5 فبراير، وبذلك استولوا على كامل برقة (وهو ما يسمى بالاحتلال الأول). وفى تلك المواجهة وقع بيد الإنجليز 130 ألف أسير ايطالى، و400 دبابة و1200 مدفع. وانسحب غراسيانى بفلول قواته الى خط دفاع قرب الخمس. وقبل نهاية الشهر، أقيل غراسيانى من مناصبه، وأحيل الى محكمة عسكرية، لكن موسيلينى قرر ألا يفعل به شيئا.
وفي هذه العملية تم أسر حوالي خمسة آلاف من الليبيين المجندين فى الجيش الايطالى، تم ضمهم إلى جيش التحرير الليبي الذي تشكل أساسا من المتطوعين من الليبيين الموجودين في المهجر.

بداية التحرك الليبي

حين اندلعت الحرب العالمية الثانية، بادر إدريس السنوسى الذى كان مقيما فى المهجر بمصر، إلى الاتصال بالإنجليز، وأعلن انحياز "الليبيين / السنوسيبن / البرقاويين" إلى جانب الحلفاء. كما أبدى استعداده لتجنيد ليبيين لكى يدربوا للعمل كجيش مساند لقوات الحلفاء عند دخولها إلى ليبيا .

بدأت مبادرة إدريس السنوسى بدعوته أعيان الجالية الليبية إلى اجتماع فى منزله بحى فكتوريا بالإسكندرية، خلال أيام 20-23 اكتوبر 1939. وهناك اجتمع واحد وخمسين من شيوخ وزعماء الجالية الليبية فى مصر، وتوصلوا إلى توقيع وثيقة مبايعة له كممثل لليبيين. كما وافقوا على تفويض الأمير بأن يقوم بمفاوضة الحكومة البريطانية بشأن تكوين جيش من المتطوعين الليبيين. لكن هذه الخطوة، قوبلت بالشك من قبل بعض زعماء طرابلس وأصروا أن يكون التفويض/البيعة بشرط انتخاب هيئة شورى، وهى ما تلكأ إدريس فى تكوينها. وهناك من سأل أثناء الاجتماع عن مصير البلاد الليبية، وفى غياب أية ضمانات رفض البعض توقيع الوثيقة.

كانت مبادرة إدريس السنوسى، وليدة ثقته فى الانجليز الذين أعانوه قبل عقدين فى التفاوض مع الطليان وتأسيس إمارة اجدابيا. وبالمقابل نبّهت حملة غراسياني الإنجليزَ إلى خطر "بوابة برقة". وهكذا بدأ تحركهم لغزو إقليم برقة من باب تأمينها. وهذا ما قادهم بالطبع إلى البحث عن حلـفـاء من بين أهلها.

 وهنا اكتسب إدريس السنوسي قائد برقة الروحى آنذاك، جدية وأهمية، بعد أن أمضي قرابة عشرين سنة في مهجره بمصر، لا يلتفت إليه أحد. ورأت بريطانيا مبكرًا إمكانية الاستفادة من رغبة المهاجرين الليبيين في مصر لتحرير وطنهم، فقررت تجنيدهم لإعداد كتائب تيسر عمل قواتها داخل ليبيا. وفي يوم 8/8/ 1940 قابل الجنرال ويلسون، بمقر القيادة البريطانية بجاردن سيتى فى القاهرة، السيد إدريس وبعض الزعماء، وأعلمهم برغبة بريطانيا في تدريب وتمويل القوة الليبية.

توالت المعارك بين كر وفر بين الحلفاء ودول المحور، بدخول القوات الألمانية لساحة الحرب في شمال أفريقيا. حين نزل الجنرال الألماني رومـل "ثـعـلب الصحـراء" بالفيلق الإفريقي في بدايـة أبـريل 1942 عند العقيلة ليتـقـدم إلى مصر عـابــرًا برقة على خط مستقيم جنوبي الجبل الأخضر حتى أوقفته القوات البريطانية عند وادي حلفا أو مرتفع العلمين. وشكل التوغل الألماني تهديدا فعليا للوجود البريطاني في مصر، وأثار الفزع مما جعل القيادة البريطانية تقوم بترحيل رعاياها وإداراتها من القاهرة والاسكندرية إلى فلسطين والسودان تحسبا لأى غزو ألمانى. وبالمثل، غادر السيد إدريس القاهرة إلى القدس، وسافر بعض الليبيين إلى السودان.

وخلال ستة أشهر نجحت بريطانيا في تجميع جيش فعال تحت قيادة جديدة في ما عرف بالجيش الثامن بقـيــادة الجنرال مونتجمري. واندلعت معركة العلمين يوم 24/10/ 1942. وخلال أسابيع تقدم الجيش الثامن البريطانى ليحتل برقة، أمام انسحاب القوات الألمانية. وكان ذلك هو الإحتلال النهائي من قبل الإنجليز. وقد شارك في هذا الزحف رجال الجيش الليبي كقوات كشافة مساندة، وكحلقة وصل مع الأهالي، ولتأمين الاستقرار وحفظ الأمن. كما شارك ليبيون في وحدات الكوماندوس للعمل والتخريب وراء خطوط العدو.
لاشك أن إدريس السنوسى كانت له طموحاته الخاصة، سواء اعترف بها أم لم يعترف، وأقلها تأمين استمرار الطريقة السنوسية التي أسسها جده. بالمقابل أسبغت عليه الأقدار حضورا، جعل الزعامات الأخرى تنظر إليه على أنه زعيم روحي، وشخصية يصطف وراءها الآخرون. وهكذا رآه الإنجليز الباحثين عن حليف من داخل ليبيا.

وعاد إدريس السنوسى إلى البلاد لأول مرة سنة 1944 وقوبل بفرح وحماس، واجتمع بأعيان المدن ومشائخ القبائل مرددا شكره لله تعالى على معجزة خروج الطليان، مؤكدا كل مرة امتنانه لدولة بريطانيا التي حررت البلاد من براثن الطليان، وداعيا للتسامح ونبذ الفرقة. لكن الإدارة البريطانية لم تكن مستعدة لإعطائه مقاما رسميا بحجة أن مستقبل برقة لابد أن ينتظر انتهاء الحرب العالمية. فعاد إدريس إلى مصر ليرجع إلى برقة نهائيا سنة 1946.

الحـركـة السـياسية في الداخــل

مع انتهاء الحرب العالمية أسست بريطانيا في ليبيا إدارتين لكل من طرابلس وبرقة. وإضافة إلى ما بذلته من جـهـود متوقعة لحفظ الأمن والاستقرار الاقتصادي في الإقليمين، وخلق إدارات بلدية، أطلقت الإدارتان حرية التعبير والتنظيم السياسي، فنشأت صحف ليبية عديدة وتأسست أحزاب سياسية في طرابلس أهمها الحزب الوطني وحزب الاستقلال والكتلة الوطنية الحرة. وفي برقة تأسست جمعية عمر المختار. وفي ما بعد شكلت الأحزاب الطرابلسية جبهة وطنية، انبثق عنها سـنة 1949 المؤتمر الوطني الطرابلسي بزعامة بشير السعداوي(1). وتفاوتت مواقف تلك الحركات السياسية. لكن التيار الوطني رفع شـعار اسـتقلال ووحدة ليبيا كهدف أساسي. وكان ذلك محـور التباين بين قادة الإقليمين.

وبالمقابل أبدى أقوى الأطراف في الساحة السياسية، إدريس السنوسى، تشبثا بأمل تأسيس إمارة في برقة، بناء على وعد من الحكومة البريطانية إبان الحرب العالمية. وكانت بريطانيا قد رأت أن من مصلحتها الاستراتيجية، الاحـتـفاظ ببرقة، التي تأكد أثناء الحرب أنـها ضـرورية لحماية نفـوذها في مصر وقناة السويس وبترول الشرق الأوسـط.

وحرص بعض قادة طرابلس من جانبـهـم على توحيد التحرك السياسي لطرابلس وبرقة، ودارت حول ذلك مداولات في بنغازي في بداية 1947 لكنها باءت بالفشل الذي قابله الشارع السياسي بالاسـتهجان والحزن.

مشروع بيفن  – سـفورزا

من جهة أخرى سـعت إيطاليا إلى العودة إلى حكم طرابلس .. وشهدت سنة 1949 أهم محاولاتـها بإعلان مشروع بيفن – سفورزا. فقد نجح الكـونت سـفـورزا وزير خارجية إيطاليا فى إقـناع وزير خارجية بريطانيا إرنست بيفن، بوصاية إيطاليا على طرابلس وبريطانيا على برقة.

وفى 8  مايو 1949 تقدم وزيرا الخارجية البريطاني والإيطالي، إلى هيئة الأمم المتحدة بمشروع مشترك، يقترح عودة إيطاليا كدولة وصية على طرابلس لمدة ثمان سنوات، على أن تبقى بريطانيا فى برقة التى تمنح استقلالا ذاتيا، مع بقاء فزان تحت الإدارة الفرنسية. وكانت مبادرة استباقية من قبل الوزيرين مستغلين عدم وضوح الرؤية الدولية حول مستقبل ليبيا. لكنه كان مشروعا قصير الأمد وسرعان ما تم اسقاطه، حين رفضته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم  17 مايو 1949 .

وقد استقبل الليبيون المشروع بالرفض، وأغلقت المحلات والمقاهى فى شكل إضراب عفوى، وخرجت المظاهرات الصاخبة التى استمرت عدة أيام. كما أحرق المتظاهرون فى طرابلس عدة مقار إيطالية مثل النادى الايطالى واقتحموا بيت الإيطالى غالمبرتى الموفد من وزارة المستعمرات الايطالية لدعم السياسة الإيطالية فى طرابلس.

وأبرق زعماء البلاد، إلى الموفدين الليبيين فى ليك سكـسـس، وهم السعداوي ومنصور بن قدارة ومحمد فؤاد شكرى عن هيئة التحرير، وعمر شنيب وخليل القلال وعبد الرازق شقلوف عن برقة، وعلى نور الدين العنيزى عن جامعة الدول العربية. كما تقدموا بمذكرات احتجاج إلى السلطات البريطانية. وأسرع وفد من جمعية عمر المختار فى بنغازى، بالذهاب إلى طرابلس ليلتقى بقادة الجبهة الوطنية هـناك.

وإن تراجعت بريطانيا عن مشروع بيفن سفورزا، فإنها سرعان ما أقدمت على محاولة أخرى لتعزيز وجودها في برقة. وهكذا أصدرت الإدراة البريطانية يوم 1/7/ 1949 إعلانًا بنقـل السلطات إلى حكومة برقاوية برئاسة إدريس السنوسى، وبذلك منحت برقة استقلالا ذاتيا. وفي 18/9/1949 صدر دستور برقة. وبعد أقل من عام، في 5/6/1950 أجريت انتخابات مجلس النواب البرقاوى.

الاســتقلال

في تلك الفترة تضاربت مصالح ومواقف الدول الكبرى الأربعة التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية، أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا. فكان في نيّة بريطانيا الاحتفاظ بإقليمي برقة وطرابلس. وكانت فرنسا تريد الاحتفاظ بإقليم فزّان. وكانت الولايات المتحدة قد استقرت في مطار الملاّحة قرب طرابلس لتجعله قاعدة جوية. ومعًا حرصت هذه الدول الثلاث على الاحتفاظ بليبيا لموقعها الاستراتيجي، ومن باب إبعاد الاتحاد السوفـييتي من منطقة البحر المتوسط.

وقرّرت الجمعيّة العامة إحالة القضيّة إلى لجنة السياسة والأمن التي وافـقت بدورها على الاستماع إلى آراء مندوبي المنظّمات السياسيّة والأهليّة في ليبيا.

واستجابة لهذه التطورات توجهت وفود من طرابلس وبنغازي والقاهرة للدفاع عن القضية الليبية. وشكل المؤتمر الوطني البرقاوي وفدًا من عمر فائق شنيب وخليل القلال والشيخ المجاهد عبد الحميد العبار الذي حل محله في مابعد عبد الرازق شقلوف. كما سافر إلى الأمم المتحدة من طرابلس ممثلون عن الحركات السياسية هناك. وهم بشير السعداوى عن المؤتمر الوطني الطرابلسي وبصحبته مستشاره المصري الدكتور محمد فؤاد شكري. والدكتور علي العنيزى الذي وصل موفدًا من قبل عبد الرحمن عزام، أمين جامعة الدول العربية. وكان هناك عن طرابلس أيضا مختار المنتصر ومصطفى ميزران (رئيس الجزب الوطني). كما جاء سالم المنتصر وعبد الله الشريف عن حزب الاستقلال الذي كان يبدى قبوله بوصاية إيطالية وكان يتلقى الدعم من جهات إيطالية.
وفى ليك سكسس Lake Success  قـُرب نيويورك حيث كان مقر الأمم المتحدة، التـقـت تلك الوفـود. ورغم ما بينـهم من اختلافات وشكوك وتنافس، إلا أن لقاءهم في الغربة كان حميميًا ودافئا. فهم كأشخاص كانت تربطهم وشائج معرفة وصداقات متفاوتة العمق. ثم إنهم كانوا جميعا يتطلعون إلى وطن له إسم وذي سيادة، ويشتركون في مشاعر القلق لأن مستقبل بلادهم ما يزال رهن صراعات الدول الكبرى. وهكذا سرعان ما هيمن على لقائهم في بلاد الغربة إحساس بالقرابة. نابع من شعورهم بالعزلة. أو حتى، ربما، شيئا أقرب إلى مشاعر الأيتام أو ضحايا الكوارث والحروب! وهذا ما نلمسه من صورهم الفوتوغرافية.

وخاض الليبيون غمار تجربة جديدة لا عهد لهم بها، في أروقة المؤسسة الدولية. وهناك وجدوا العون والتعاطف من وفود الدول العربية وخاصة فاضل الجمالي رئيس الوفد العراقي، وأحمد الشـقـيري ممثل السعودية آنذاك، والسفير المصري إلي واشنطن كمال عبد الرحيم، إضافة إلى ممثلي تركيا والهند وغيرهم.
وفى 12 اكتوبر 1949 صدر قرار الأمم المتحدة بمنح ليبيا استقلالها فى مدة أقصاها يناير 1952. كما وافقت الأمم المتحدة على اقتراح الوفد الهندي بتشكيل لجنة لمساعدة الشعب الليبي على اجتياز فترة الانتقال واختيار شكل الحكم ووضع الدستور.

المراجع

انظر أيضا كتابنا: السعداوي والمؤتمر: بين التمجيد والنسيان القاهرة 2005.
ص  314-320 من كتاب ذكريات في نصف قرن ، الهادي ابراهيم المشيرقي، منشورات مركز دراسات الجهاد، طرابلس 1988.
أنظر دراسة الأستاذ مفتاح السيّد الشريف بعنوان العوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها التي قدمها لمؤتمر "الدستور الليبي" الذي انعقد بمقرّ الكونجرس الأمريكي في الفترة من 23-24 يونيو2006 .
 4 أكتوبر 2010 عن موقع سريب

الخميس، 7 نوفمبر 2013

السيدة زعيمة سليمان البارونى ...إيناس المنصورى

ولدت السيدة زعيمة في جادو احدى قرى جبل نفوسة سنة 1910م، وتلقت دراستها الابتدائية باللغة التركية في اسطنبول (1) حيث نشأت في أسرة تهتم بالعلم، أسرة سليمان باشا الباروني (2).

تعلمت القراءة والكتابة فتنبهت في نفسها الرغبة في المطالعة والدراسة العميقة (3) وعاشت مع والدها سنوات طويلة في المهجر استطاعت خلالها أن تتلقى قدراً من التعليم المنظم، وقد وجدت بالاضافة الى ذلك مكتبة والدها الغنية بكل أنواع المعارف، فقرأت واستوعبت وتفتحت موهبتها وسط مناخ علمي لم يكن متاحاً لغيرها من النساء في بلادها (4) ثم استكملت دراستها باللغة العربية بعد العودة من تركيا إلى ليبيا (5) بعد ان عاشت مع والدها المناضل حياة التشرد والنفي بعيداً عن ارض الوطن، حيث شاركته تنقلاته بين الاقطار العربية، ثم رجعت الى بلادها في اواسط العام 1947م حيث استقر بها المقام في طرابلس بعد وفاة والدها 1940م (6) حيث عينت في سنة 1950 م مدرسة بالمرحلة الابتدائية (7).

ولعل دخول السيدة زعيمة الباروني ميدان الكتابة والنشر من العلامات البارزة التي سجلتها فترة الخمسينات، فقد اطل عام 1955م ليمنح المشهد الثقافي الليبي انتاجا لامعا قويا رفيع المستوى خطته أنامل هذه السيدة الاديبة ابنة الوطن، فهي تنشر في شهر فبراير قصة (فزان البعيد)، وتوالت قصص السيدة زعيمة في مجلات وجرائد ليبية متنوعة منها صوت المربي، وجريدة طرابلس الغرب، وهي تتحدث عن ما لاقته في هذا الامر من صعوبات، اذ تقول السيدة زعيمة عن ذلك: "لا ادرى بماذا أقدم موضوعات كتبتها منذ سنة 1953م في بلادي، ونشر منها ما نشر في جريدة "طرابلس الغرب"، ومجلة "صوت المربي"، ومجلة "هنا طرابلس الغرب"، ولم تساعدني الظروف القاسية من كل جهة على نشرها مجتمعة في كتاب" (8). وقد استطاعت التغلب على مصاعب عدة من اجل نشر كتابها تحت اسم "من القصص القومي" في سنة 1958م والكتاب عبارة مجموعة قصص هي مزيج من التاريخ والاسطورة في اسلوب لا يخلو من روعة ورشاقة (9).

ولم يلق الكتاب الذي قامت بطباعته على نفقتها الخاصة عند صدوره التعليق الذي يستحقه من النقد او النقاد، باستثناء محاولة يتيمة من الكاتب محمود الفساطوي بجريدة الرائد، في معرض حديثه عن قضية المرأة في ليبيا، في مقالة بعنوان "القصص القومي وأنصار المرأة"، فهو لم يتعرض لنقد المجموعة من الناحية الفنية أو من ناحية المضمون، فما لفت انتباهه الى الكتاب هو وجود ادب نسائي لم ينل اهتماما كافيا، رغم ما يوضع امام المرأة الليبية من عقبات وقيود، معتبرا الكتاب بداية مباركة لمستقبل أدبي عظيم (10).

اما الاديبة شريفة القيادي ففي دراستها التوثيقية للكتابة النسائية الليبية "رحلة القلم النسائي الليبي"، فتشير الى ادب السيدة زعيمة بأنها حاولت احياء الشخصية الليبية بكل ابعادها، فالكاتبة تتوقف عند كثير من التفاصيل في وصف الأزياء والعادات والتقاليد الليبية حتى وان اساء ذلك للناحية الفنية في بعض الاحيان (11).

وهناك من يرى ان السيدة حميدة العنيزي هي الوجه التنظيمي للحركة النسوية الليبية، فإن السيدة زعيمة الباروني هي الوجه الثقافي لهذه الحركة (12).

فقد برزت في فترة الخمسينيات (المرأ قضية تنمية ووعي)، تـحت شعار (الـحجاب والسفور)، أي ثنائية الـحداثة والأصالة. مـحور الـجدل الدائر آنذاك، والذي لـم يتوقف. كان هذا الـجدل رجالـي الطابع فيما كانت المرأة تدخل مُعترَك الكتابة والقضايا الاجتماعية، فالسيدة زعيمة الباروني تكتب قصصها وتوقِّع بـ (بنت الوطن)، دون اهتمام مباشر بالـجدل الدائر، وكأن السفور عندها هو حالة الكتابة ذاتها، فالعرقلة نصيب كتاب (زعيمة البارونية) (13) فكان لا بُدَّ من الـحذر وترك القصص بدون أسـماء، فالسيدة زعيمة تشير للاهمال الذي لحق بكتابها، والسبب في ذلك صاحب المكتبة الذي تعهد ببيعه فركنه في زاوية داخلية بالمكتبة فلم يلتفت اليه احد" (14) (طُبِع هذا الكتاب فـي زمن غير زمن أهله، فكان نصيبه من الإهمال بل وفالعرقلة نصيب صاحبته (زعيمة البارونية)، فكان لا بُدَّ من الـحذر وترك القصص بدون أسـماء، وغيره". زعيمة البارونية (بنت الوطن) (15).

وكانت إسهامات زعيمة الباروني غزيرة ومتعددة، كتبت المقالة الصحافية والاجتماعية، وهي أحيانا تخوض معركة من معارك الكلمة او تنبه إلى قضية من القضايا وبين الفينة والاخرى كانت تعرج على الادب فتكتب قصة أو خاطرة أدبية تظل مشحونة بكل همومها وإحساسها بوطأة الظروف القاسية التي كان يعيشها الإنسان في وطنها (16). و كانت مقالاتها تفيض سحراً وبهاءً تهز القلوب والعقول حيث شاركت في مختلف الصحف والمجلات مثل مجلة (صوت المربي) الطرابلسية ومجلة الأفكار (17). مركزة اهتماماتها منذ البداية على قضيتين رئيستين أولاهما تربية النشء تربية سليمة بما يحقق ذاته ويصون أمجاده وتاريخه العريق ويحقق طموحه في ارتياد التقدم، والأمر الثاني هو حفظ تراث المجاهدين الذين ضحوا في سبيل هذا الوطن ومن جملة ذلك حفظ تراث والدها (18). ولها مراسلات قيمة في مثل هذه الشؤون العامة مع أخيها تدل على مبلغ علمها وثقافتها وأخلاقها وإخلاصها لمبدأها، امتازت هذه السيدة الفاضلة بأسلوبها القصصي الشيق، الخفيف الروح (19).

كما أخرجت زعيمة للمكتبة الليبية مجموعة من الكتب منها كتاب صفحات خالدة من الجهاد الليبي للمجاهد سليمان الباروني، جمع وترتيب زعيمة سليمان الباروني، وديوان (السيف الوقاد) تأليف إبراهيم بن قيس الحضرمي تحقيق زعيمة الباروني، وهو كتاب يتحدث عن مفاخر العروبة والاسلام (20). فمن وجهة نظر السيدة زعيمة الباروني ضرورة الاستفادة من كتب التراث ذاكرة ذلك للاديبة لطفية القبائلي في مقابلة معها في مجلة البيت في العام 1969: "نصيحتي لهؤلاء الشباب ان يستفيدوا من كنوز الادب القديم ويفهموا ويطبقوا ويجربوا" (21).

وكانت السيدة زعيمة متعلقة بوالدها سليمان الباروني تعلقا كبيرا، وترك ذلك اثر عميق في حياتها، فمن ضمن مؤلفاتها (أبي كما عرفته) وهو كتاب عن حياة والدها سليمان باشا الباروني، وورثت زعيمة الروح الفدائية عن والدها العظيم، واختارت لنفسها حياة الانقطاع من أجل عملها ووطنها ومن أجل أبناء أخيها إبراهيم فلم تتزوج، وبذلت الوقت والجهد لتربية أبناء أبناء أخيها إبراهيم فكانت تقول: (إني أعاهد الله أن أبذل جهدي في تنشئة أبناء أخي التنشئة التي أرادها لهم جدهم المرحوم الوالد الباشا ولو كلفني ذلك آخرة قطرة من دمي) (22).

كانت مع قيامها بشؤون الأسرة وأبناء أخيها إبراهيم (23) كانت معلمة ببعض مدارس البنات بطرابلس، لحسن سيرتها وكمال استعدادها أصبحت نائبة لمديرة دار المعلمات بطرابلس، كما تقلبت في الوظائف التربوية فاشتغلت مفتشة فرئيسة مكتب محو الامية (24).

كما كانت من العضوات المؤسسات لجمعية النهضة النسائية في طرابلس سنة 1958م، حيث شاركت من خلالها في مؤتمرات خارج ليبيا تهتم بقضايا المرأة منها، مؤتمر المرأة الأفرو آسيوية بالقاهرة سنة 1960م، برفقة السيدة حميدة العنيزي رئيسة جمعية النهضة النسائية ببنغازي (25).

وتذكر السيدة زعيمة عن رأيها في الجمعيات النسائية الليبية ومنها جمعية النهضة النسائية بطرابلس، "انها تحاول جميعها تحاول ليس اكثر، فبالنسبة لجمعية النهضة النسائية في طرابلس، لها محاولات لا بأس بها، ولكن تغيير الرئيسة دائما يربك سير الجمعية، لان كل رئيسة جديدة لها تخطيط غير الذي وضعته الاولى، وهذا الامر يجعل الجمعية تحبو بعد أن كانت تمشي، لتعدد الخطط وتعدد البرامج، وقلة التنفيذ، ولكن اجماليا ارى أن كل محاولة نسائية يجب ان تقابل بالتشجيع طالما ان غايتها سليمة، وأهدافها بناءة " (26).

وربما السيدة زعيمة انسحبت من نشاط الجمعية في فترة ما من حياتها، وذلك لوجهة نظرها المذكورة أعلاها، على الرغم من اعادة تقييم التجربة النسائية الليبية من جديد في استطلاع اجرته مجلة المرأة الجديدة بعد تغير نظام الحكم في ليبيا عام 1969م، مع مجموعة من السيدات الفاعلات في تلك الجمعية ومنهن السيدة زعيمة، فذكرت: "رغم معاصرتي للحياة في بلادي من قبل الاستقلال، ورغم انتسابي لجميعة النهضة منذ تأسيسها في طرابلس وصداقتي مع جميع العاملات ومحبتي لحركة المرشدات، فإن ظروفي الخاصة لم تساعدني مع الاسف على العمل المستمر معهن ولهذا لا أخول لنفسي الحكم على مسيرة هذه الجمعية او تقييم اعمالها، فإلى من كن مسئولات حقاً، الرأي تبنى على الصحة وتنبع من النزاهة وشرف القصة " (27).

كما كانت من ضمن المشاركين في مؤتمر الكتاب والأدباء الليبيين المنعقد ببنغازي في فبراير سنة 1973 (28).

بالاضافة لعدم توقفها عن الكتابة في المجلات والجرائد فقد كتبت في احدى اعداد مجلة المرأة مقالاً ضمنته تهنئة حارة إلى خريجات إحدى الكليات العلمية في بلادنا في أسلوب أدبي رفيع مع اعطائهن النصح والارشاد، كما أنها كانت ترى رغم الاصوات الرافضة لفكرة وجود أقلام نسائية ليبية فمن وجهة نظرها أن الواقع عكس ذلك، "أن الابداع أو الخلق الابداعي يبدأ بالتدريج إلى أن يأخذ مكانته اللائقة، وهكذا أدبنا، وعدم الاعتراف بوجود أدب نسائي من شأنه أن يحطم آمال الطبقة الناشئة من الكاتبات ويغلق الابواب أمامهن، ويجب ألا نقارن أدبنا بأدب البلدان التي سبقتنا، والمفروض أن نبني على ماضينا إلى أن يخرج لنا انتاج طيب" (29).

توفيت يوم الاثنين 10 مايو 1976م (30) حيث نعتها الاديبة لطفية القبائلي في مجلة البيت الصادرة سنة 1976 : "لوعنا بنبأ وفاة المربية والأديبة زعيمة الباروني، أول من حمل القلم من النساء في بلادي، أول من تصدرت مطبوعاتها المكتبة الليبية كمؤلفة وأديبة ومؤرخة، إنها الابنة البارة، المرأة الوقورة دائما، المتدينة دائماً، أتخيلها بصوتها الخافت حتى ليصل إلى الهمس، أتخيلها الآن وهي تنصحنا في ساحة المدرسة: إياكن يا بناتي والبعد عن كتاب الله، إياكن وتضييع الوقت، أطعن والديكن دائماً، لا تبخلن على آبائكن بجهد، لا تهملن في إدارة البيت، فالفتاة الناجحة هي التي تنجح في الميدانين حتماً بيتها وعملها" (31) ملخصة حياة رائدة حقيقية ذات نظرة تقدمية في ما يخص حرية المرأة وتعليمها وتثقيفها، ومناضلة سياسية ساهمت في حفظ جزء من التاريخ الليبي من خلال وثائق والدها.

 --------------------------

1- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138. 2- سليمان باشا الباروني (ولد سنة 1870م) في مدينة جادو (فساطو) بليبيا، مجاهد ليبي حارب الإيطاليين و كان من أهم السياسيين الليبيين في تلك الفترة ساهم في تأسيس جمهورية في الغرب الليبي تحت اسم الجمهورية الطرابلسية. كما اسس المدرسة البارونية بمدينة يفرن بليبيا وأسس بمصر عام 1906م (مطبعة الأزهار البارونية)، وفي عام 1908 م أصدر جريدته التي أسماها (الأسد الإسلامي). رجع إلى ليبيا وقاد معارك الجهاد ضد الغزو الايطالي من الفترة 1911م حتى 1916م حين عين والياً على ليبيا ثم اعلن أول جمهورية في العالم العربي تحت اسم الجمهورية الطرابلسية، سنة 1919م اعتزل العمل السياسي بعد اعتراف إيطاليا المزيف بالحكومة الوطنية الليبية.وفي عام 1922م أجبرته السلطات الإيطالية على مغادرة طرابلس فتنقل بين تركيا و فرنسا محاولا العودة إلى ارض الوطن ولكنه منع، واستقر به المقام في سلطنة عمان سنة 1924 حيث عمل مستشارا لدى الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إمام عمُان وظل بها حتى وفاته عام 1940م في الهند أثناء رحلة علاجية من مرض المالاريا.
3- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة).
4- الطاهر بن عريفة، أصوات نسائية في الأدب الليبي، طرابلس، دار الحكمة، ط1، 1998، ص 12.
5- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
6- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص12.
7- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
8- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص 15.
9- شريفة القيادي، رحلة القلم النسائي الليبي، مالطا، دار elga، 1997، ص 57.
10- شريفة القيادي، مرجع سابق، ص 66.
11- شريفة القيادي، مرجع سابق، ص 67.
12- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص 11.
13- احمد الفيتوري / عطر النزوة في الشعر النسائي الليبي / مدونات مكتوب،منبر حرية الفكر والكتابة.
14- (شريفة القيادي، مرجع سابق، ص 58).
15- احمد الفيتوري / عطر النزوة في الشعر النسائي الليبي / مدونات مكتوب،منبر حرية الفكر والكتابة) .
16- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص13.
17- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
18- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص12.
19- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
20- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص12.
21- لطفية القبائلي "مقابلة مع السيدة الاديبة زعيمة الباروني" مجلة البيت، العدد 10،السنة 12، 20 مايو 1976، ص6.
22- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
23- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
24- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
25- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
26- لقاء مع الأديبة زعيمة الباروني، مجلة "المرأة" ـ العددالثاني ـ 10 فبراير 1965م، ص 5) .
27- خديجة الجهمي، "الاستفتاء، تقييم الحركة النسائية قبل الثورة" مجلة المرأة الجديدة، نوفمبر 1969، السنة 5، العدد 17، ص5.
28- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
29- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص14.
30- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
31- لطفية القبائلي، مجلة البيت، السنة 12، 20 مايو 1976، العدد 10، ص 5

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

في تأبين الإمبراطور الأخير في لبدة الكبرى (عمر صالح المحجوب ) ...يوسف أحمد الختالي

في تأبين الإمبراطور الأخير في لبدة الكبرى.
عالم الآثــار الليبي، وفخر الأمــة الليبية.
الأسـتـاذ /المرحوم عمر صالح المحجوب

الســـيرة الذاتية:
الإســــم: عمر صالح المحجوب
تاريخ الميلاد : سنة 1923 م.
مكان الميلاد : الخمس / لبدة الكبرى.
المستوى الدراسي : دراسة في كتَاب الخمس فقط لحفظ القرآن الكريم واللغة العربية.- شهادة ابتدائية ( عربي / إيطالي ) من مدرسة الخمس.


تاريخ الالتحاق بالعمل : سنة 1938 م.


التسلسل الوظيفي :


1. وظيفة إدارية في مكتب آثار لبدة- من سنة 1938 م إلى سنة 1954.
2. وظيفة فنية (ملاحظ) في نفس الإدارة- من سنة 1954م حتى سنة 1969م.
3. وظيفة رئيس مكتب أثار لبدة من 01/10/1969م حتى 29/04/1973م.
4. مراقب أثار لبدة من 29/04/1973م حتى 01/10/1990م
حيــث أحيل إلى التقاعد.
5. مستشار لمراقب أثار لبدة لمدة عامين.


الدورات التدريبية والمــؤتمــرات العلمية :


1. التحق بدورة تدريبية في مدينة فيرونا في إيطاليا في ترميم الآثار سنة 1963م.
2. اشترك في مؤتمر دولي لدارسة الفسيفساء في مدينة رافينة في إيطاليا.
3. اشترك في ندوة في المركز الدولي لصيانة الممتلكات الثقافية بروما في سنة 1978م.
4. شارك في دورة في ترميم المعالم الأثرية بمدينة أتكونا بإيطاليا
5. شارك في المؤتمر الدولي لآثار البحر الأبيض المتوسط بمدينة مرسيليا في سنة 1988م.
6. شارك في العديد من المؤتمرات الأثرية المحلية والعربية.
أعمال الترميم والصيانة بمراقبة آثار لبدة :-
الإشراف على ترميم مدينة لبدة وخاصة حلبة المصارعة (الميدان المدرج) ودارة سيلين بمنطقة سيلين.


أعمال الحفائر :-


1. القيام بحفائر الميدان المدرج بمدينة لبدة.
2. القيام بحفائر دارة سيلين بمنطقة سيلين.
3. شارك في حفريات فيللا حمامات الصيد . وهو يؤمن إيمان كامل بأنها فيللا وليست حمامات خاصة لإحدى نوادي الصيد كما يعتقد جون ورد بيركنز العالم الإنجليزي.
4. المشاركة في حفائر ميناء لبدة القديم بالخمس والدارة التي كانت اسفل مدرسة إبراهيم الرفاعي.
الإشراف على الحفائر الطارئة التي تظهر بالمراقبة مثل المقابر و الدارات وغيره.


أعمال المتاحف :-


أشرف على إعادة تنظيم العرض في المتحف القديم (الإيطــالي) لمدينة لبدة الكبرى.
المشاركة في دراسة وعرض متحف لبدة الجديد.
تأسيس متحف خاص للفسيفساء المستخرجة من لبدة العتيقة ، وكان ذلك أخر أحلامه وقد تحق الآن بالفعل. 


النشر العلمي:


1. كتب موضوعات مختلفة في مجلة ليبيا القديمة عن الحفائر الأثرية.
2. أشرف على الجزء الخاص بدراسات المساجد في منطقة الخمس في الموسوعة الإسلامية.
3. نشر كتاب مصور عن تقريره الأولي حول فسيفساء فيللا وادي يـاله " سيــلين".


البعثات الأجنبية :-


اشرف إشراف كامل على البعثات الأجنبية العاملة في المراقبة سواء أعمال الحفائر أو الترميم أو التسجيل.
شارك برأيه وخبرته الفنية والعلمية في أكثر الأعمال الأثرية في مراقبة آثار لبدة وغيرها من المراقبات.
أصبح منذ ســـبعينات القرن الماضي مــرجعــا أسـاسيا لكل باحث في مجالي الأثار والتاريخ الليبيين, وهــكذا نجد
منذئذ معظم منشورات الباحثين الليبيين والجانب لا تخلو من ذكر اسمه كمصدر علمي.


خـــلال فترة مراقبته، سجلت مدينة لبدة في منظمة اليونسكو كأحدى معالم التراث العالمي التي يجب المحافظة عليها نظراً لأهمــية تاريخها العظيم ومبانيها الخالدة ودورها الحضــاري في مســيرة البشـــرية.


أحب لبدة الكبرى – ولا يزال قدوة لنا في محبتها – وعمل جاهدا على حمايتها من الأخطار بالآثار، ودافع عن كنوزها في أكثر من موقف يشهد له التاريخ، مثل تلك الحادثة التي حصلت بعد انتصار الحلفاء على الأراضي الليبية وأراد أحد الجنود الإنجليز تسلق عمود من الجرانيت في الميدان القديم بالمدينة العتيقة لكي يعلق عليه علم بريطانيا، منعه الأستاذ المرحوم عمر المحجوب من القيام بذلك وأمره أن ينزل فورا ، من كان يقدر أن يفعل ذلك مع منتصر يمثل دولة عظمى ولا تزال خمر الانتصار تداعب رأسه.
ولقد أخبرني يومــا، رحمه الله – أنه خاض نقاشا طويلا ومريرا مع البعثة الألمانية التي تعمل في وادي لبدة، لكي يمنع رئيسها " زيجرت" من تحويل فسيفساء المجالد الصريع من مكانها في فيللا وادي لبدة، إلى متحف الفسيفساء .


كان المرحوم يحب علم الآثـار، ويحب أن يعلمه - ولقد نهلنــا الكثير من علمه الغزير رضي الله عنه ما كان يحتكر فكرة واحدة لنفسه وإنني على يقين، أن الكثيرين من العلماء الأوربيين والأمريكان قد أخذوا عنه الكثير وأشاروا إلى ذلك في منشوراتهم.

توفي في مـديـنة الخـمس- في يـوم الأحد10/11 الموافق6 رمضان / 2002 رحمـه الله وأسـكـنه فســيح جــناتـه وألهـــم ذويــه الصــبر والسـلوان. كان الأســــتاذ عــمر المـــحـجوب رحمه يمتاز بالأخلاق العالية والإخلاص في عمله وحبه للآثار والتاريخ , ذو خبرة عالــية في مجالات الآثار المختلفة, وذوق رفيع في العرض المتحفي. شارك بجهده وعلمه وخبراته محليا ودوليا في إظهار أهمية الآثار الليبية عامة، ومدينة لبدة خاصة. أفـــاد بعــلمه الغــزير أجيــالا من بعده، سوف لن تنسى له جميل أعمالــه، وإنا لله وإنا إليه رجعون.


فى ذكرى وفاة الراحل  

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

المجاهد سالم عثمان العجيل...مختار محمد كعبار



المجاهد سالم عثمان العجيل من قبيلة اولاد همام من ساحل الآحامد، ولد سنة 1901م بمدينة الخمس، والده هو المجاهد عثمان العجيل رحمه الله (رايس بلدية) رئيس بلدية الخمس في العهد العثماني، وعندما نُكبت ليبيا بالغزو الإيطالي الغاشم سنة 1911م، انضم وهو لازال صغيراً فى السن مع والده لقوافل المجاهدين ككل الليبيين للمشاركة في الجهاد دفاعاً عن حياض الوطن وحمى الدين، حيث رافق وعمره احدى عشر سنة والده وقبيلة اولاد همام وابناء ساحل الآحامد وابناء الخمس، للمشاركه في معركة (المرقب) المشهورة وهى ربوة صخريه عاليه تقع جنوب غرب مدينة الخمس، وقعت تحت سيطرة الإيطاليين في 28 فبراير 1912م، فقام المجاهدون بقيادة قائد منطقة الخمس الضابط العثمانى خليل بك بالهجوم على الإيطاليين المتحصنين بالمرقب فى يوم 12 يونيو 1912م، وتمكنوا فى هذه المعركه من تحريرها ودحر الغزاة الإيطاليين، وقتل من الأيطاليين شبعة عشر ضابطاً ونحو الف جندى، واستشهد من المجاهدين مائة شهيد حسب البيان العثمانى فى ذلك الوقت.

عقب احتلال مدينة الخمس التجأت الاسرة، كالعديد من الأسر الليبيه والمجاهدين الى المناطق المجاورة، وكانت فلول الإيطاليين تطارد المجاهدين المنسحبين في كل مكان للقبض عليهم وتصفية المقاومة، وكان والده المجاهد عثمان العجيل احد المطلوبين من قبل سلطات الاحتلال الإيطالي، وصدر عليه حكماً غيابياً بالاعدام (قرار الحكم مدون في جرائد رسمية موجودة بالمتحف بمدينة طرابلس).

فالتجأ المجاهد عثمان العجيل وابنه المجاهد سالم العجيل وجميع افراد الأسره الي منطقة مسلاته جنوب الخمس، في حماية وجوار اسرة (جبيرة) كان عميد الاسرة أنذاك (محمد ابومليانه)، لتفادى ملاحقة الإيطاليين الفاشست، واختبأ المجاهد سالم مع والده المجاهد عثمان داخل احد الأبار، وطال بقائهم بمسلاته الى ان هدأت الامور، وتمكنوا بعدها وجميع افراد الأسره بمساعدة اهل المنطقة للهجرة رفقة تجار القوافل الى خارج ليبيا، وبعد رحلة طويلة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر وكثيراً من المعاناة عبر الصحراء الليبيه ثم الى مصر ومنها الى سوريا، حيث استقر بهم المقام اضطراراً لفترة من الوقت بسوريا، كما كان حال كثير من المهاجرين الليبيين فى ذلك الوقت، ولم يمهل القدر والده المجاهد عثمان العجيل فوافته المنية وهو بديار الهجرة والغربة وفي قلبه غصة على وطنه، فدفن بمنطقة الصالحية في مدينة دمشق بسوريا.

وبعد ان أعاد المجاهدون الليبيون تنظيم انفسهم وصفوفهم لمقاومة الإيطاليين الفاشست، عاد المجاهد سالم عثمان العجيل مع اسرته من سوريا الى ارض الوطن، ليلتحق مجددا بصفوف المجاهدين، ويواصل الجهاد تحت قيادة المجاهد الكبير رمضان السويحلي، وكان مسؤلا على الارزاق حتى وفاة المجاهد الكبير رمضان بك السويحلي فى 24 اغسطس 1920 م شرقى قصر ورفله بالقرب من شعبة ابن فايد، واستلم زمام القيادة من بعده اخيه المجاهد سعدون السويحلي، ونتيجة لدور ومشاركه المجاهد سالم عثمان العجيل في حركة الجهاد اصدرت السلطات الإيطالية الفاشستية في سنة 1927م عليه حكماً غيابياً بالاعدام، وكان عمره حينئد ستة وعشرون سنة، ومصادرة جميع ممتلكات اسرته بالخمس.

فى سنة 1930م وبعد أن أحكم الإيطاليين الفاشست سيطرتهم على معظم البلاد وضيقوا الخناق على المجاهدين واعدموا المئات وشردوا الالاف، توجه عدد من المجاهدين ترافقهم اسرهم في اتجاه شرق ليبيا مهاجرين ولنصرة شيخ الشهداء عمر المختار، وكان من ضمنهم المجاهد سالم عثمان العجيل ترافقه زوجتيه واولاده محمد وعثمان واصغرهم علي (الذي كان رضيعاً في اشهره الاولي، ولد سنة 1929م)، وقد عانوا مشقة وصعوبة السفر في الصحراء وقساوة الحر ونقص الماء والمؤن ومطاردة قوات جرتسياني لهم، واستغرقت الرحلة مايقارب العام هائمين في الصحراء، وقد توفي أثناء هذه الرحلة الابن الاكبر للمجاهد سالم عثمان العجيل (عثمان)، وكان حزن والديه عليه كبيرا، زاد هذا المصاب في مضاعفة الآلام والمعاناة، أضافةً للاخبار المحزنه التي وصلت للمجاهد سالم العجيل ورفاقه معلنة استشهاد شيخ الشهداء المجاهد السيد عمر المختار في مدينة سلوق في 16 سبتمبر سنة 1931م.

فقرر المجاهد سالم العجيل ورفاقه مواصلة رحلة الهجرة مُرغمين الى ارض الكنانه، خاصة ان الإيطاليين أقاموا معسكرات الاعتقال الوحشيه والابادة الجماعيه بالصحراء قرب البريقه والعقيله، (بحسب قرار أصدره الجنرال بادويليو الحاكم العام لليبيا فى صيف 1930م الى الجنرال جرتسيانى ورد فيه: "وبناء عليه فأنه من الضرورى تجميع السكان المستسلمين فى مكان ضيق بحيث يمكن مراقبتهم، مراقبة فعاله وبحيث يكون هناك فراغ يراعى بمنتهى الدقه بينهم وبين الثوار")، كنوع من العقوبات الجماعيه حيث سيق الليبيين بالألاف رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً للاحتجاز فى خيم باليه يفترشون الرمال ومحاطين بالاسلاك الشائكه والحرس الأرتيرى، وداخل معسكرات الموت هذه، تعرض الرجال الذين يرفضون الامثتال للأوامر والتعاون ويثورن على الحرس للضرب والجلد والقتل رمياً بالرصاص، وتعرضن النساء والفتيات للاعتداء والاغتصاب من قبل الجنود الإيطاليين والارتيريين، وتم تسخير الجميع فى أعمال السخرة الشاقه كتكسير الحجاره والصخور يدوياً لاعمال رصف الطرق، كما مات الكثيرين نتيجة الجوع وانتشار الأمراض.

وبعد رحلة شاقة حطت الاقدار بالمجاهد سالم عثمان العجيل وأسرته ورفاقه في مدينة الاسكندرية، بمنطقة سيدي غازي بمحافظة البحيرة، وسط تجمع من المهاجرين الليبيين وعائلاتهم، وطال بقاء المجاهد سالم عثمان العجيل واسرته قرابة خمسة وثلاثون عاماً، وتزوج ابناءه في المهجر من العائلات الليبية المهاجرة، فتزوج اصغر ابناءه (علي) من ابنة المجاهد مفتاح محمد هامان، وصار له احفاد، وفي سنة 1952م اشتد حنينه لبلده بعد ان نالت ليبيا استقلالها فعاد الى ارض الوطن ومسقط راسه مدينة الخمس، وبهذا انتهت محنة الهجرة القاسية، وليعود الى حضن بلده ليبيا وموطن آباءه واجداده.

تفرغ المجاهد سالم العجيل لإعادة ترتيب حياته في بلده بعد الأستقلال، ومارس العمل التجاري ولم ينسى هموم وطنه التي حملها معه طيلة سنوات الغربه، فقرر المساهمة فى بناء بلده وحمل الهموم ثانية عندما تقدم للمشاركة في العمل السياسي الوطنى، وفي سنة 1954م خاض معركة الانتخابات التشريعية لولاية طرابلس، وانتخب عضوا في المجلس التشريعي للولايه، وشارك اخوانه اعضاء المجلس التشريعي في وضع وسن القوانين التي وفرت للمواطن الليبي فرص الحياة الكريمة الأمنه، وحماية حقوقه المدنية والسياسية.

وفي سنة 1957م بعد حياة زاخرة بالجهاد والمعاناة والعطاء والعمل السياسى في سبيل الوطن الغالي، فارقت روحه الطاهره جسده الى بارئها، رحمه الله واسكنه فسيح جناته. هذه احدي الذكريات المنسية من قصص ابطال الجهاد من كثير من قصص الليبيين الذين قدموا لله والوطن الغالي والنفيسن وهو واحد من الالاف من الذين تحملوا وجاهدوا وقدموا في سبيل ان ينعم الوطن بالاستقلال والمواطن الليبي بالحرية، رحم الله شهداء ليبيا رجالاً ونساءً وادخلهم فسيح جنانه.  



المصادر:
جهاد الأبطال فى طرابلس الغرب، للشيخ الطاهر الزاوى رحمه الله.
مصدر شخصى، حفيده رمضان علي سالم عثمان العجيل (سويسرا).