المجاهد
سالم عثمان العجيل من قبيلة اولاد همام من ساحل الآحامد، ولد سنة 1901م بمدينة
الخمس، والده هو المجاهد عثمان العجيل رحمه الله (رايس بلدية) رئيس بلدية الخمس في
العهد العثماني، وعندما نُكبت ليبيا بالغزو الإيطالي الغاشم سنة 1911م، انضم وهو
لازال صغيراً فى السن مع والده لقوافل المجاهدين ككل الليبيين للمشاركة في الجهاد
دفاعاً عن حياض الوطن وحمى الدين، حيث رافق وعمره احدى عشر سنة والده وقبيلة اولاد
همام وابناء ساحل الآحامد وابناء الخمس، للمشاركه في معركة (المرقب) المشهورة وهى
ربوة صخريه عاليه تقع جنوب غرب مدينة الخمس، وقعت تحت سيطرة الإيطاليين في 28
فبراير 1912م، فقام المجاهدون بقيادة قائد منطقة الخمس الضابط العثمانى خليل بك
بالهجوم على الإيطاليين المتحصنين بالمرقب فى يوم 12 يونيو 1912م، وتمكنوا فى هذه
المعركه من تحريرها ودحر الغزاة الإيطاليين، وقتل من الأيطاليين شبعة عشر ضابطاً
ونحو الف جندى، واستشهد من المجاهدين مائة شهيد حسب البيان العثمانى فى ذلك الوقت.
عقب احتلال
مدينة الخمس التجأت الاسرة، كالعديد من الأسر الليبيه والمجاهدين الى المناطق
المجاورة، وكانت فلول الإيطاليين تطارد المجاهدين المنسحبين في كل مكان للقبض
عليهم وتصفية المقاومة، وكان والده المجاهد عثمان العجيل احد المطلوبين من قبل
سلطات الاحتلال الإيطالي، وصدر عليه حكماً غيابياً بالاعدام (قرار الحكم مدون في
جرائد رسمية موجودة بالمتحف بمدينة طرابلس).
فالتجأ
المجاهد عثمان العجيل وابنه المجاهد سالم العجيل وجميع افراد الأسره الي منطقة
مسلاته جنوب الخمس، في حماية وجوار اسرة (جبيرة) كان عميد الاسرة أنذاك (محمد
ابومليانه)، لتفادى ملاحقة الإيطاليين الفاشست، واختبأ المجاهد سالم مع والده
المجاهد عثمان داخل احد الأبار، وطال بقائهم بمسلاته الى ان هدأت الامور، وتمكنوا
بعدها وجميع افراد الأسره بمساعدة اهل المنطقة للهجرة رفقة تجار القوافل الى خارج
ليبيا، وبعد رحلة طويلة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر وكثيراً من المعاناة عبر الصحراء
الليبيه ثم الى مصر ومنها الى سوريا، حيث استقر بهم المقام اضطراراً لفترة من
الوقت بسوريا، كما كان حال كثير من المهاجرين الليبيين فى ذلك الوقت، ولم يمهل
القدر والده المجاهد عثمان العجيل فوافته المنية وهو بديار الهجرة والغربة وفي قلبه
غصة على وطنه، فدفن بمنطقة الصالحية في مدينة دمشق بسوريا.
وبعد ان
أعاد المجاهدون الليبيون تنظيم انفسهم وصفوفهم لمقاومة الإيطاليين الفاشست، عاد
المجاهد سالم عثمان العجيل مع اسرته من سوريا الى ارض الوطن، ليلتحق مجددا بصفوف
المجاهدين، ويواصل الجهاد تحت قيادة المجاهد الكبير رمضان السويحلي، وكان مسؤلا
على الارزاق حتى وفاة المجاهد الكبير رمضان بك السويحلي فى 24 اغسطس 1920 م شرقى
قصر ورفله بالقرب من شعبة ابن فايد، واستلم زمام القيادة من بعده اخيه المجاهد
سعدون السويحلي، ونتيجة لدور ومشاركه المجاهد سالم عثمان العجيل في حركة الجهاد
اصدرت السلطات الإيطالية الفاشستية في سنة 1927م عليه حكماً غيابياً بالاعدام،
وكان عمره حينئد ستة وعشرون سنة، ومصادرة جميع ممتلكات اسرته بالخمس.
فى سنة
1930م وبعد أن أحكم الإيطاليين الفاشست سيطرتهم على معظم البلاد وضيقوا الخناق على
المجاهدين واعدموا المئات وشردوا الالاف، توجه عدد من المجاهدين ترافقهم اسرهم في
اتجاه شرق ليبيا مهاجرين ولنصرة شيخ الشهداء عمر المختار، وكان من ضمنهم المجاهد
سالم عثمان العجيل ترافقه زوجتيه واولاده محمد وعثمان واصغرهم علي (الذي كان
رضيعاً في اشهره الاولي، ولد سنة 1929م)، وقد عانوا مشقة وصعوبة السفر في الصحراء
وقساوة الحر ونقص الماء والمؤن ومطاردة قوات جرتسياني لهم، واستغرقت الرحلة
مايقارب العام هائمين في الصحراء، وقد توفي أثناء هذه الرحلة الابن الاكبر للمجاهد
سالم عثمان العجيل (عثمان)، وكان حزن والديه عليه كبيرا، زاد هذا المصاب في مضاعفة
الآلام والمعاناة، أضافةً للاخبار المحزنه التي وصلت للمجاهد سالم العجيل ورفاقه
معلنة استشهاد شيخ الشهداء المجاهد السيد عمر المختار في مدينة سلوق في 16 سبتمبر
سنة 1931م.
فقرر
المجاهد سالم العجيل ورفاقه مواصلة رحلة الهجرة مُرغمين الى ارض الكنانه، خاصة ان
الإيطاليين أقاموا معسكرات الاعتقال الوحشيه والابادة الجماعيه بالصحراء قرب
البريقه والعقيله، (بحسب قرار أصدره الجنرال بادويليو الحاكم العام لليبيا فى صيف
1930م الى الجنرال جرتسيانى ورد فيه: "وبناء عليه فأنه من الضرورى تجميع
السكان المستسلمين فى مكان ضيق بحيث يمكن مراقبتهم، مراقبة فعاله وبحيث يكون هناك
فراغ يراعى بمنتهى الدقه بينهم وبين الثوار")، كنوع من العقوبات الجماعيه حيث
سيق الليبيين بالألاف رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً للاحتجاز فى خيم باليه
يفترشون الرمال ومحاطين بالاسلاك الشائكه والحرس الأرتيرى، وداخل معسكرات الموت
هذه، تعرض الرجال الذين يرفضون الامثتال للأوامر والتعاون ويثورن على الحرس للضرب
والجلد والقتل رمياً بالرصاص، وتعرضن النساء والفتيات للاعتداء والاغتصاب من قبل
الجنود الإيطاليين والارتيريين، وتم تسخير الجميع فى أعمال السخرة الشاقه كتكسير
الحجاره والصخور يدوياً لاعمال رصف الطرق، كما مات الكثيرين نتيجة الجوع وانتشار
الأمراض.
وبعد رحلة
شاقة حطت الاقدار بالمجاهد سالم عثمان العجيل وأسرته ورفاقه في مدينة الاسكندرية،
بمنطقة سيدي غازي بمحافظة البحيرة، وسط تجمع من المهاجرين الليبيين وعائلاتهم،
وطال بقاء المجاهد سالم عثمان العجيل واسرته قرابة خمسة وثلاثون عاماً، وتزوج
ابناءه في المهجر من العائلات الليبية المهاجرة، فتزوج اصغر ابناءه (علي) من ابنة
المجاهد مفتاح محمد هامان، وصار له احفاد، وفي سنة 1952م اشتد حنينه لبلده بعد ان
نالت ليبيا استقلالها فعاد الى ارض الوطن ومسقط راسه مدينة الخمس، وبهذا انتهت
محنة الهجرة القاسية، وليعود الى حضن بلده ليبيا وموطن آباءه واجداده.
تفرغ
المجاهد سالم العجيل لإعادة ترتيب حياته في بلده بعد الأستقلال، ومارس العمل
التجاري ولم ينسى هموم وطنه التي حملها معه طيلة سنوات الغربه، فقرر المساهمة فى
بناء بلده وحمل الهموم ثانية عندما تقدم للمشاركة في العمل السياسي الوطنى، وفي
سنة 1954م خاض معركة الانتخابات التشريعية لولاية طرابلس، وانتخب عضوا في المجلس
التشريعي للولايه، وشارك اخوانه اعضاء المجلس التشريعي في وضع وسن القوانين التي
وفرت للمواطن الليبي فرص الحياة الكريمة الأمنه، وحماية حقوقه المدنية والسياسية.
وفي سنة
1957م بعد حياة زاخرة بالجهاد والمعاناة والعطاء والعمل السياسى في سبيل الوطن
الغالي، فارقت روحه الطاهره جسده الى بارئها، رحمه الله واسكنه فسيح جناته. هذه
احدي الذكريات المنسية من قصص ابطال الجهاد من كثير من قصص الليبيين الذين قدموا
لله والوطن الغالي والنفيسن وهو واحد من الالاف من الذين تحملوا وجاهدوا وقدموا في
سبيل ان ينعم الوطن بالاستقلال والمواطن الليبي بالحرية، رحم الله شهداء ليبيا
رجالاً ونساءً وادخلهم فسيح جنانه.
المصادر:
جهاد الأبطال فى طرابلس الغرب، للشيخ الطاهر الزاوى رحمه الله.
مصدر شخصى، حفيده رمضان علي سالم عثمان العجيل (سويسرا).
جهاد الأبطال فى طرابلس الغرب، للشيخ الطاهر الزاوى رحمه الله.
مصدر شخصى، حفيده رمضان علي سالم عثمان العجيل (سويسرا).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق