الأحد، 29 يونيو 2014

عن مظاهر الحياة في شهر رمضان في بنغازي ..د.وهبى البورى

وهبي البوري (1916 - 7 يونيو 2010) سياسي وأديب ومؤرخ ليبي. ولد في مدينة الإسكندرية بمصر التي هاجر إليها والده بعد الاحتلال الإيطالي. عاد إلى بنغازي في عام 1920. وظل بها حتى العام 1939، وتنقل بين عدة عواصم أوروبية أثناء عمله لدى الهيئة العربية لفلسطين وفي تدريس اللغة العربية في المدارس الثانوية الإيطالية.نشر فى مجلة ليبيا المصورة نشر قصصه وترجماته والكلمات المتقاطعه لاول مره فى الصحافه الليبيه ، كما كتب أول تحقيقا صحفيا في ليبيا بعنوان :

" عن مظاهر الحياة في شهر رمضان في بنغازي

يستعد أهل بنغازى إستعداداً طيباً لملاقاة شهر رمضان فى كل عام فهذا الشهر المبارك يحتل مكانة و قيمة بين الناس الذين يحتفلون بمجيئه و ذهابه فى كل عام. و يستعد الناس قبل حلول شهر الصيام بشراء لوازمه من المأكولات و اللوز و الفول السودانى و الصنوبر و غيره من لوازم رمضان.

و عندما كان يحل شهر الصيام فى أوقات لم توجد بها تلفونات و لا موصلات أخرى سريعة فيظل الناس ليلة الصيام أمام المحكمة الشرعية ينتظرون من سيأتى و يشهد برؤية الهلال. فإذا جاء أحد و شهد برؤية الهلال أمام القاضى و بتزكية شاهدين يحكم القاضى ببداية شهر رمضان و إلا فيكون الغد المتمم لشعبان. و الغريب أن البلاد متقاربة و تختلف فى بداية صومها فلو فرضنا أن الهلال رؤيه فى إجدابيا و قرر القاضى بداية الصيام و يكون فى بنغازى قد إنعدمت رؤية الهلال و أصبح الناس فاطرين و ذلك بسبب قلة التلفونات التى تربط بين مختلف البلاد. و يسر الناس سماع أذان المغرب و إطلاق مدفع الإفطار لأنهم يقبلون على طعام شهى و كانت أطعمة رمضان فى بنغازى شهية بمعنى الكلمة و تتألف من الشُربة اللذيذة و من طاجين لحم بالبطاطة و مفروم باللحم و البيض أو بدل الطاجين طبق من الكسكسى أو الرشدة أو الأرز و البوريك و البقلاوة و البراك.

و تحاول النسوة تغيير المأكولات بين ليلة و أخرى كى لا يتكرر ما أُكل فى الليلة السابقة أن يُؤكل فى هذه الليلة. و صلاة التراويح يقوم بها أغلب الناس الذين يذهبون إلى المساجد لأدائها. و كان فى دور بعض المقتدرين فقيه يصلى بالمدعوين إلى العشاء صلاة التراويح ، و يتزاور الناس فى رمضان و تظل الأنوار مضأة و الحركة دائمة إلى ساعة متأخرة من الليل. و السحور هناك من يظل متيقظاً إلى حلول وقته و هناك من ينام ثم ينهض للسحور، و عادة تُأكل فى السحور مأكولات خفيفة. و يحتفل فى رمضان بكبيرة حلوله و كبيرة النصف و كبيرة 27 رمضان و تقدم فى هذه الكبائر مأكولات خاصة، و يقضى الناس سهراتهم الرمضانية فى المرابيع أو فى المقاهى و خاصة مقاهى الفندق التى يكثر بها لاعبوا الورق و الخاتم، و فى المرابيع تدوم السهرة إلى ساعة متأخرة من الليل يلعب خلالها الحاضرون الورق و تقدم إليهم الحلويات و الإسفنز.

و يحل العيد بالرؤيا من أمام المحكمة الشرعية التى تظل تنتظر فى الشاهد الذى ينبؤها بنهاية رمضان. وتقام صلاة العيد مبكرة و يذهب إليها الناس جمعات مرددين بصوت عالى "الله أكبر الله أكبر و لله الحمد" و بعد الإنتهاء من صلاة العيد يقوم المصلون بتهنأة بعضهم البعض بهذه المناسبة السعيدة، و يفرح الأولاد بالعيد و يقرعون دور الأقارب و الجيران للحصول على العيدية و لم تكن فى بنغازى لا ملاهى و لا وسائل ترفيه للأولاد و الوسيلة الوحيدة التى كانوا يتمتعون بها هى رحلة بالقوارب إلى شاطىء جليانة و العودة. و تعد الحلويات بأشكال مختلفة لتقديمها إلى المهنئين بالعيد، و يتوافد على الدور المهنئين من أبناء البلاد".

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

ملخص كتاب جديد عن العملة البرونزية الكيرينايكية ..د.خالد الهدار


أصدرت دار نشر لإيرما دي بريتشنادير (L'Erma di Bretschneider) في شهر سبتمبر من عام 2011 كتابا يختص بالعملة البرونزية في إقليم كيرينايكا في العصرين الإغريقي والروماني (Nummi aenei cyrenaici. Struttura e cronologia della monetazione bronzea cirenaica di età greca e romana (325 a.C.-180 d.C.))، لمؤلفه الايطالي ميتشيلي ازولاتي (Michele Asolati) من جامعة بادوفا في ايطاليا وعضو البعثة الأثرية الايطالية في شحات ، وجاء الكتاب في 154 صفحة من الحجم الكبير ، وقد كتب المؤلف كتابه بالايطالية مع ثلاث صفحات تلخيصا باللغة العربية من إعداد أ. عبدالسلام الكواش .

يهتم الكتاب بالعملة البرونزية التي كان تسك في الإقليم ما بين 325 قبل الميلاد و 180 ميلادي اي إنها تشمل مرحلة تاريخية تمتد بين العصرين الإغريقي والروماني، وأكثر تحديدا ما بين استيلاء المغامر الاسبرطي ثيبرون على الإقليم مرورا بسيطرة البطالمة عليه ما بين 322-96 ق.م. ثم سيطرة الرومان حتى عصر الإمبراطور الروماني ماركوس اوريليوس.

والكتاب مقسم إلى أجزاء : اهتم الجزء الأول بالعملة البرونزية الاغريقية (ص ص.19-47)حيث تطرق إليها المؤلف من خلال الإصدارات التي حدثت في أربع مدن هي كيريني و برقة ويوسبريديس و ابوللونيا . وتطرق الجزء الثاني إلى العملة البرونزية في العصر الروماني التي سكت في كيريني (ص ص. 49-53)، أما الجزء الثالث فهو عن العملة البرونزية في العصر الروماني التي سكت في روما من اجل استعمالها في الإقليم (ص ص.55-57). وقد استعرض المؤلف إصدارات العملة البرونزية الإغريقية وفق لمكان إصدارها وبدأ بعملة كيريني (ص ص.21-19-36) ، ثم عملة برقة (ص ص.37-38) ثم عملة يوسبريديس (ص ص. 39-43)، ثم عملة ابوللونيا ( ص.44)، وأخيرا عملات يصعب نسبتها إلى مدينة بعينها او قد تكون مستوردة وليست محلية (ص ص.45-47)، وقد استعرضت كل مجموعة وفق لتسلسل زمني للحكام البطالمة بدأ من بطليموس سوتير (308-305 ق.م.) إلى بطليموس ابيون (104-96 ق.م.)وبعض الأحداث التاريخية في عهدهم مثل الحملة العسكرية لاوفيلاس على قرطاجة (309 ق.م.) و ثورة ماجاس عن البطالمة (282-261 ق.م.) وعملة الاتحاد الفيدرالي (250-246 ق.م.) ، وهناك عملات لم تحمل اي أسماء سكت ما بين 325-313 ق.م. وتميزت بتصوير نبات السلفيوم باشكال مختلفة ، وهذا التسلسل نجده في عملة كيريني البرونزية، ولا نجده في عملة برقة التي مجالها الزمني ما بين 325-163 ق.م مع وجود حلقات او إصدارات مفقودة خلال الفترة السابقة وهذا يرجع إلى ما تعرضت إليه هذه المدينة على يد الفرس ثم تأسيس بطوليمايس (طلميثة) لتحل محلها، كما أن المجال الزمني لعملة يوسبريديس محصورا ما بين 325-116 ق.م. وتعكس بعض الإصدارات هجر المدينة والانتقال إلى مدينة بيرنيكي.أما العملة البرونزية في ابوللونيا فقد ركز المؤلف على العملات التي سكها المغامر الاسبرطي ثيبرون ما بين 323-322 ق.م. في ابوللونيا . أما العملات البرونزية الرومانية فقد استعرض المؤلف تلك التي سكت في مدينة كيريني وتؤرخ ما بين عام 67 ق.م. والنصف الأول من القرن الأول الميلادي وأهمها تلك التي أصدرها بروقناصلة الإقليم أمثال لولليوس وكراسوس و بوبيوس روفوس ثم العملات التي سكت أثناء تحالف ماركوس انطونيوس وكليوباترا (34-31 ق.م.) ثم إصدارات ترجع إلى عصر اغسطس أصدرها الحكام كابيتو و باليكانوس وسكاتو ثم العملات التي ترجع إلى الأباطرة تيبريوس جيرمانيكوس ودروسوس وجايوس ، إضافة إلى إن هناك عملات سكت في روما لاستعمالها في الإقليم في عصر الإمبراطور تراجان وماركوس اوريليوس.

وقد جهز المؤلف الكتاب بكتالوج وصفي (ص ص.63-107) قسم فيه العملات البرونزية الإغريقية والرومانية إلى 191 طرازا وهناك عدة طرز توجد بها تفرعات داخلية أشار إليها بالحروف مثل (1A,1B) ، ويرتبط الكتالوج بصور العملات الموصوفة في شكل لوحات (ص ص.117-150) عرضت 519 قطعة عملة توضح التطور الزمني للعملة البرونزية الإغريقية والرومانية من مدن الإقليم ، وهناك ملحق يوضح مصدر صور العملات المنشورة(ص ص.109-114).

وبهذا فالكتاب يعد دليلا لدارسي العملة البرونزية الإغريقية والرومانية في الإقليم ومرشدا للمنقبين الذين كثيرا ما تصادفهم العملات البرونزية في حفرياتهم ، وهو يعد تجميعا ممتازا للعملات البرونزية في الإقليم ، حيث اعتمد على العملات التي نشرها روبنسون في كتالوج العملة الكيرينايكية في المتحف البريطاني الصادر عام 1927 واتبع المنهجية ذاتها والتسلسل الزمني أيضا ، وأضاف إليها العملات التي نشرت بعد ذلك في دراسات منفصلة أو نشرت في مجلدات تخص نتائج الحفريات لاسيما أعمال باتري، يضاف إلى ذلك قطع جديدة غير منشورة عثرت عليها البعثة الأثرية الايطالية التابعة لجامعة اوربينو المنقبة في شحات ما بين 1957-2010. ومن ثم يعد هذا الكتاب تجميعا للعملة البرونزية في الإقليم ما بين 325 ق.م. – 180 م التي سبق نشرها مع إضافات جديدة غير منشورة زادت في قيمة هذا الكتاب الذي يعد إضافة جديدة
للمكتبة الأثرية.


نقلا عن مدونة الآثار الليبية ، للدكتور خالد الهدار، استاذ الآثار الكلاسيكية بقسم الاثار بجامعة بنغازى .

الاثنين، 23 يونيو 2014

عادات وتقاليد الليبيين في شرب الشاي... سعاد أحمد بوبرنوسة

مقدمة :
كان يسمى في الوثائق والتواريخ المغاربية ب ” التيه “، ولقد ورد هكذا في كتب الرحالة المغاربة وفي يوميات حسن الفقيه (بداية القرن التاسع عشر) و لا زال هذا اللفظ يستعمل في غدامس وغات. أما اليوم فهي تكتب في العربية (الشاي)، وبعدها حرفت في اللهجة الليبية إلى (الشاهي) ، بزيادة الهاء ، ولعلها هاءُ الاشتهاء ! (عمّار جحيدر).


ونجد أن أهم إضاءة لتاريخ الشاي في هامش وضعه الباحث والمؤرخ الليبي الشاب الأستاذ عمار جحيدر في تحقيقه ليوميات حسن الفقيه فيقول في الصفحة 111 من الجزء الثاني من هذا الكتاب : ” ويبدو أنه عرف أول الأمر بذلك (التيه) أخذاً من اللغات الاوربية ولا يزال أثر ذلك في لهجة تونس حتى اليوم (التاي) ويرد في (تكملة المعاجم العربية) باسم (الشاى) مع الإحالة على (محيط المحيط) للبستانى وفيه أن : (الشاى) نبات في الصين يغلى ورقه ويشرب ماؤه ، وهو عند الافرنج كالقهوة عند العرب وغيرهم).
ويبدو أنه من أقدم المعاجم العربية التى دخلتها الكلمة أذ كان الشاى آنذاك حديث عهد بالبلاد العربية .


وفي (موسوعة حلب المقارنة) :


” الجاي – بجيم مثلثة – أو الشاي : من التركية عن الفارسية : وهي مأخوذة كما تقدم عن الصينية (Tchha): نبات من فصيلة الكامليات يتخذ من مغلى ورقه مع السكر شرابُ دافىءُ لذيذ”.


ومن أول الإشارات الى الشاي في المخطوطات العربية ما نجده لدى الرحالة (الشنقيطى أحمد المصطفى بن طوير الجنة) في رحلته الحجازية (رحلة المنى والمنة) التى ابتدأها سنة (1829 م) ومرَ في اوبته منها بليبيا سنة(1831 م) ولكنه لم يذكر الشاى بها، وانما ذكره في الجزائر التى وقعت في يد الفرنسيين قبيل ذاك بقليل (1830 م) وكان الفرنسيون قد احسنوا لقاءَه واكرموا نزله طمعاً فيما يمكن أن يؤديه لهم من خدمات ومعلومات عن غرب افريقيا غداة احتلالهم للجزائر فقد انزلوه في اعلا دور المدينة ووكلوا به من يخدمه ، مع غلامين مترجمين يهوديين.


ويقول الرحالة الشنقيطي: ” وشروط اتاى ] كذا[كلها موضوعة عندنا من سكره واتايه وكيسانه ومجماره (يقصد الكانون) غير محدودة بوقت من الأوقات، بل أي وقت أحببناه من ليل أو نهار ندعوا واحدا من تلك الجماعة الموكلة بنا فيصنعه لنا، فصرنا نصنعه مرات في الليل ومرات في النهار”.


 وفضلا عما جاء في يومية الفقيه المذكورة أعلاه (1832 – 1835 م) عن تقديم الشاى كمشروب لضيوف البلاط القرمانلى ترد إشارة مماثلة أقدم في إحدى الرحلات الأجنبية في أوائل القرن التاسع عشر(1805 م) لدى الرحالة (باديا ! ليبليك) الاسبانى المتنكر باسم على بك العباسى . ويعلق المؤرخ الراحل الاستاذ مصطفى عبدالله بعيو – رحمه الله تعالى – على ذلك بقوله : ” نجد الرحالة (المذكور أعلاه) يذكر الشاى كمشروب يقدم للزوار في حضرة الباشا ولم يسبق لاي رحالة آخر جاء قبله فيما أعلم أن اشار الى الشاي، اذ الملاحظ أن جميعهم كانوا يشيرون الى الشربات أو القهوة كمشروب للزوار” .
وبناء على قول الأستاذ بعيو نستطيع أن نستخلص أن الشاي لم يدخل إلى ليبيا قبل بداية القرن التاسع عشر، أي قبل مائتي عاما مضت. ولا يتناوله آنذاك إلا الباشا وعائلته، وضيوفه.


كما قُدم الشاى الى يوسف باشا القرمانلى ومن كان معه من المدعوين في حفل استقبال بالقنصلية الفرنسية خلال سنة 1826 م بمناسبة عيد الملك . وفي تركة يوسف باشا القرمانلى (المؤرخة في 1839 م) نجد أيضا تفاصيل عدة طهي الشاي : (بكرج تيه وسكّريَة وصفرة صغيرة وجوز كواشيك قهوة وجوز كواشيك تيه ، الجميع فضة) وهو ما يفيد تخصيص بعض الأدوات لإعداد الشاي على نطاق ضيق منذ وقت مبكر. ومجمل هذه الإشارات تدل على أن الشاي كان حتى ذلك الوقت مشروب النخبة ولم ينتشر بعد، وقد أثار التبغ – الدخان وكذلك القهوة عند ظهورهما وانتشارهما في العالم الاسلامى كثيراً من الاراء والجدل الفقهى بين التحريم والإباحة ، ويبدو أن الشاي كان أقل حدة وإثارة ومع ذلك فقد لاحظ الباحث عمار جحيدر من خلال بعض الفهارس الموريتانية وجود بعض الآثار المخطوطة حول الشاى وتحريمه وإباحته ! ويتسائل عما إذا كان للعلماء لليبيين إنذاك موقف ما من هذه المسائل في تاريخنا الاجتماعى .


ويذكر الباحث أعلاه أن العّلامة الاسدى (كذا) قد قدّم – رحمه الله تعالى – نبذة موجزة عن تواريخ انتشار الشاي في العالم. ويقتطف من تلك النبذة فقرة طريفة تقول:(وبعض الامم تشرب الجاى الأخضر كا لليبيين ، وشربته أنا عندهم، والأخضر هذا لم يكتمل اختماره). للأسف السيد جحيدر لم يذكر لنا في هامشه شيئا عن تاريخ العلامة (الاسدي) أو موطنه ولا حتى تشكيل اسمه، ولعل ذلك ناجم عن الطباعة النهائية للكتاب.(راجع اليوميات الليبية / الجزء الثاني / الطبعة الأولى – هامش أضافه المحقق والمؤرخ الأستاذ عمار جحيدر (ص 111).


 وتروي السيدة مريم خليفة يعقوب (من فساطو) أن شراب الشاي في بداية دخوله إلى ليبيا في عهود الإستعمار التركي والإيطالي كان عيباً كبيراً مثل التدخين وتناول الخمر في الوقت الحاضر ومباح للرجال فقط ، ومحرم شربه على النساء. وأستمر هذا الحال حتى دخول الأنجليز حيث أنتشر وأصبح سائداً ولكنه كان غالي الثمن وهناك من لا يستطيع الحصول عليه لهذا نجد في تلك الفترة من يقايض ببعض البضائع النادرة والثمينة مقابل الحصول على الشاي” انتهى الإقتباس.

الشاي الليبي عبر التاريخ:


في العصر التركي ” شراب الملوك ” :


أن الشاي قد دخل إلى ليبيا في العصر التركي ولم يعرفه في ذلك الوقت عامة الناس ولكنه ظل مقتصراً على فئة معينة كالعائلة الحاكمة وبعض الشخصيات الهامة في البلاد مثل القناصل ووجهاء البلاد ونتيجة للظروف الصعبة التي كانت تمر
بها البلاد من مجاعات وأمراض وضرائب باهضة من قبل حكام ذلك العصر أقتصر الناس على أستهلاك أنواع معينة من الأطعمة دون غيرها وأن عامة الناس في العهد التركي كانوا يعرفون القهوة ولكنهم لا يشربونها لأنها كانت غير منتشرة على نطاق واسع ومقتصرة على الأغنياء فقط وكانت توجد بعض المقاهي التي تقدم القهوة في مدينة طرابلس.


وقد ذكرت الأنسة توللى القهوة في كتابها حيث قالت :
” عندما كنت في زيارة إلى اللالة أماني بسبب مرضها قدمت لها القهوة في فناجين صغيرة جداً موضوعة في صينية فضية وصينية من الذهب التقديم القهوة الى السيدات المتزوجات وأضافوا إلى القهوة القرنفل والزعفران والقرفة وكانت القهوة مليئة بالسكر” أنتهى الإقتباس.


المقاهي في العهد التركي :


ويقول ريتشارد تولّى قنصل بريطانيا في وصف المقاهي في مدينة طرابلس:
” يلتقي الأتراك المقيمون بطرابلس في المقاهي لتبادل الأخبار ومعرفة ما يدور في طرابلس من أمور أما سادة القوم فلايأوون هذه المقاهي لأنهم يجتمعون في منازلهم على فرش فاخر ويبعثون خدمهم لاحضار القهوة لهم أما أن ذهب أحدهم الى المقهى فلا يذهب إلا ومعه خادمه لكي يمد له القهوة وتلبى طلباته ولما يجتمع هؤلاء السادة يدورالحديث بينهم وبعضهم يشرب قهوته والآخر يمتضى نرقيلة وآخرون قابضون على مناديلهم في أيديهم ويصعب على الاوربي الذي لا يعرف العادات هنا أن يتكيف مع الوضع ومجرى الحديث لأن المتكلم هنا يستعمل يده للتعبير عن شعوره بل لا ستعمالها كما نستعمل نحن القلم لوضع الفاصلة أوالقاطعة في الكتابة ويستعمل يده اليمنى في عد نقاط حديثه على أصابع اليسرى “. أنتهى الأقتباس.


ويصف الصحفي الألماني بانزه شرب القهوة في شهر رمضان بقوله :
” قبل نصف ساعة من الغروب يصبح الجميع عصبين فثمة من يغلي القهوة ويهي سيجارة لفها لتوه ووضع بجانبها عود الكبريت أويأخذ قطعة خبز في يد وفنجان القهوة المملوء في اليد الأخر بينما يترقب الجميع طلقة المدفع “. (راجع الأنسه توللي – منصور الشتيوي – إفالد بانزه).


ولقد وصف الضابط التركي عبد القادر جامي الذي نفي إلى ليبيا في بداية القرن العشرين – الشاي على الطريقة الليبية حيث أورد بعض الطرائف عنه في رحلته المشهورة من طرابلس إلى فزان بقوله :


” بعد أن أكلنا البازين في قصعة خشبية وشربنا اللبن الحامض وضعت أواني الشاي في الوسط : كؤوس زجاجية صغيرة على مائدة خشبية صغيرة وإبريقان صغيران وعلبة من الصفيح ملونة لوضع الشاي والسكر مما يدل على أن صاحب البيت ذو مال أو بتعبير أصح إنه تحصل على محصول زراعي وافر في هذه السنة. وإن الشاي الأخضر الذي أدمن أهالي طرابلس على شربه فتاك من الناحية الصحية والمالية وأكثر ضرراً من المشروبات الكحولية التي أدمن على تناولها الأوروبيون . فالشاي الأخضر الذي يلون بأصباغ مضرة يجد سوقاً رائجة عند الليبين لأنهم يفضلون الأغمق لوناً على غيره ، والشاي بلية انتشرت في شمال افريقيا وآفة عممتها الزوايا السنوسية بين السكان .


 ورعاية لمنشأ هذه العادة يشترط أن يراعى في إحضاره وتوزيعه على الضيوف آداب خاصة. فالذي يحضر الشاي يقلد الوضع الذي يتصف به شيخ الزاوية أمام تلاميذه”.
وقال في موضع آخر من الكتاب:” قد كلف ذات يوم أحد رفقائنا وهو الشيخ أحمد بن علي شيخ قبيلة القوائد من الشاطىء وهو من التجار المعروفين بمهمة إحضار الشاي بعد الطعام (الغداء) لمعرفته بآدابه وتقاليده. وقام الشيخ المذكور بالمهمة وبعد أن انتهى من توزيع ثلاثة أقداح على جميع الحاضرين أشار على صاحب البيت برفع الأواني من أمامه ولكن بما أن ورشفانة جميعها وسكان وادي المجينين وخاصة بدو توهونة لا يكتفون بثلاثة أقداح وحتى بتسعة – فقد جذب صاحب البيت أواني الشاي لناحيته، ورعايةً لتقاليد إحضار الشاي مدّ رقبته الطويلة حتى برزت عضلاتها وحملق بعينيه الواسعتين البراقتين وظهرت تقاسيم وجهه المستطيل بأنفه المنقاري وشفتيه الرقيقتين وانتصب برأسه تحت طربوشه واتخد وضعاً خاصاً يليق بمهمته وشرع في إحضار الكأس الرابع ….”


 في العصر الإيطالي :

الشاي والحركة السنوسية :


يشير الرحالة المصري أحمد محمد حسنين الذي التقى بالسيد إدريس السنوسي في القاهرة عام 1915 الذي ساعده في الدخول إلى ليبيا سنة 1923 – يشير إلى موضوع الشاي في ليبيا:
” حرم السيد ابن على السنوسى مؤسس الطائفة السنوسية في ليبيا شرب القهوة والدخان على أتباعه ولكنه لم يصدرأي أمر بشأن تحريم الشاي وكان أتباع الزاوية السنوسية يفضلون شرب الشاي عن القهوة لسبب دينى وعملى ولهذا تجد كل أتباعه يحبون الشاي : ذلك الشراب الذهبى الشهى ذى الرائحة الزكية (يقصد النبيذ) الذى يوسّع حافات الموائد في بلاد الحضارة . وأهل الصحراء يفضلون الشاي عن القهوة لأنه منشط على العمل وهم يشربونه عقب كل طعام ويختمون به رحلة اليوم.


ويشرح المؤرخ الليبي (محمد بن مسعود فشيكة) كيف منعت السلطات الإيطالية تعاطي الشاي في ليبيا:
أصدرت إيطاليا سنة 1922 م قانوناً يمنع تصدير السكر والقهوة والشاي والدخان والأقمشة من المدن الساحلية الى الدواخل أو المناطق التي يوجد بها المجاهدون وقد وصل بعض التجار على خيولهم وجمالهم الى تونس واتجهت القوافل الى مصر في فصل الربيع لإحضار الأرز والملابس والسكر والشاي مقابل المواشي التي يحملونها معهم من الأسواق الليبية وابتلى الليبيون جميعاً بشرب الشاى في أعز أوقات النهار ، فكانوا يتجرعون من أكوابه ثلاث مرات في اليوم ، يقيمون له في الدكاكين الريفية والاسواق العامة ، مجالس خاصة وتستغرق مدة كل شربة ساعة أو ساعتين ، ومن أكبر أثار هذه البلوى انها عودتهم الكسل والخمول ، والتسلى بتقييد أحوال الناس وقد رات الحكومة الايطالية بليبيا في ذلك الوقت ، ان شغف الليبيين بشرب الشاى تجاوز حدود العقل ، وتعودهم اياه على هذا الوصف ليس فيه مصلحة لها ولا لهم فاضطر المارشال بادوليو حوالى سنة 1933 م ان يعالجه بما يمكن ، فمنع ان يشربوه في المحلات العامة إلا في ساعات القيلولة ، ومع ذلك فقد كانوا يخالفون هذا الأمر الرسمى سراً .


مجالس الشاى والجهاد الليبي في العهد الإيطالي :


يقول الأستاذ محمد الأسطى في وصف مجالس الشاي في العصر الإيطالي:
” في العهد الايطالي بالرغم من انعدام وسائل الاعلام (الاذاعتين) ولم تكن ثمة مجلات أو جرائد تستحق القراءة ومع هذا كانت أخبار المعارك تتسرب عبر العائدين من الجبهة الى الناس وبالتالى فأن السهرات حول أكواب الشاهي الصغيرة تنقل أخبار الجهاد وكان يتوسط الجمع الذى يعقد عن النساجين واحد ممن يجيدون القراءة ويمسك كتاب السيرة أو التاريخ ويقرأ هو وينصت الأخرون. حيث كانت مجالس النساجين التي كانت تدور في محلات انوال النسيج وما يدور في جلسات الشاي تمتد حتى منتصف الليل من بعد صلاة العشاء وما يتناقله المواطنون فيها من أخبار المعارك”.


وكذلك يقول في موضع آخر:


” من بين الظواهر الغريبة التى لفتت نظرى في الزنتان ما كان يجرى في يفرن إذ بين الحين والآخر يجرى تنظيم مزادات
لبيع الإبل والبضاعة المصادرة وقصة هذه البضاعةأن عددا من ابناء الزنتان اغراهم قرب تونس فتحولوا الى جلب احتياجات الزنتان من السكر والسلع خاصة وان السكر في تونس يباع في شكل ” الأقماع ” التى يفضلها الاهالى ولما
كانت هذه التجارة تتم من وراء ظهور الطليان فقد نشط الفاشيون في نصب الفخاخ والعيون وتسيير الداوريات خلف هؤلاء وتشددوا في تطبيق العقوبات عليهم فكانوا يزجون بهم في السجون ويصادرون الإبل بكل ما تحمله من بضائع أما عملية التصريف أوالتخلص من هذه البضائع فقد كان يجرى الاعلان عن بيعها في مزاد عام وتنتشر الإعلانات في الزنتان ويفرن والقرى المجاورة وهنا لفت انتباهى ان اهالى البلاد كانوا يمتنعون عن المشاركة في هذا المزاد على اساس ان هذه البضاعة مغتصبة من العرب وبالتالى فليس من الحلال دينيا والجائز وطنيا تسويقها وهكذا تخلوالساحة ليهود يفرن الذين كانوا يأتون للزنتان فيزايدون فيما بينهم طبعا ويحصلون على البضاعة والإبل رخيصة ثم يبيعونها للأهالى بأسعار مرتفعة ولم استطع السكوت على هذه المفارقة الغريبة فأعلنت رأيى للأهالى واقتنعوا به بعد أخذ ورد وأقبلوا المزاد فاشتروا البضاعة بدلا من اليهود”. (راجع محمد الأسطى).


شاي بالكاكاوية على شاطى البحر في مدينة طرابلس :


تقول الأمريكيتان في وصف نزهه بحريه وشرب شاي بالكاكاوية : ” وإذا كان التغيير ضرورياً للحياة فحياتنا مليئة به فحين رجعنا من السوق وجدنا أربعة من أصدقائنا الفرسان ينتظروننا في الشرفة لأخذنا في نزهة بحرية في الميناء وكان قاربهم ذو الشراع المثلث البنى اللون مزيناً تكريماً لنا وقد فرشت أرض القارب بالسجاد القيروانى ورصت المقاعد والوسائد العربية عند مقدمة القارب حتى تخفف من اصطدام القارب بحاجز الأمواج حيث هبطنا لتناول الشاى وقد أخذ القارب ينزلق في يسر وسهولة فوق البحر الهادئ مارا بمقر الحكومة وقصر الأمير والمطار الجديد وفوق المقبرة البحرية حيث أغرقت الباخرة الأمريكية ” فيلادلفيا ” حتى وصلنا لمدخل الميناء واخذ فرساننا الأربعة بأيدينا فأنزلونا الى الشاطئ حيث جلسنا فوق السجاد والوسائد ثم تجمعوا أصدقائنا الفرسان في حمية ونشاط حول الموقد العربى والغلاية النحاسية يحاولون في حذر إيقاد النار بثلاثة عيدان من الكبريت هي كل ما استطاعوا ابقاءه جافاً وقد أمضينا وقتاً جميلاً ونحن نمرح ونشرب الشاي في أقداح زجاجية مع الفول السودانى ولأول مرة نذوق ” الحلاوة العسلية ” وهى حلوة مصنوعة من معجون الجوز وعسل النحل “(راجع كتاب الرحالتان الأمريكيتان : د . لوينسن سميت – ه . لويز بريستون) أنتهى الأقتباس.


طرائف محمد الأسطى عن أغرب فنجان قهوة في ليبيا:


روى لى أحد المجاهدين ان ضباطا ألمانيين وأتراكا قدموا ضيوفا على احد قادة المجاهدين في مصراته فقدم لهم القهوة في فناجين عادية ولما استغربوا وتساءلوا عن مصدر البن والسكر في ذات الوقت الذى يعانون هم ايضا نقصا فيها في بلديهم الاصليتين واجاب رئيس المجاهدين بان ما شربوه مصدره النخلة فالسكر مصدره اللاقبى الحلو من النخلة أما البن فإنه عبارة عن نواة البلح بعد حرقها وطحنها فأصبحت تعطى مذاقا أشبه بالبن تماماً وانصرف الضباط بعد أن ابدوا اعجابهم الشديد ودهشتهم.


في عصر الإدارة البريطانية:


أما بخصوص الشاي في سنوات الإدارة البريطانية يقول أحمد محمد القلال:
” إن عادة شرب الشاي لها جذر متأصل في العادات والتقاليد فالتحول حول سفرة الشاي والكانون عقب الوجبة اليومية على الأقل أمر طبيعي ، غير أن السكر والشاي سلعتان يصعب توفيرهما، فكانتا من الأمور اليومية التي يجب تدبيرها وكما قال عنهما ” بنبكوف ” إنهما بقيمة الذهب بين الليبيين حينذاك ، مما دعا إلى القيام بمحاولات لإيجاد البديل ، فقد استعمل التمر بدل السكر ، وأعيد استعمال الشاي الذي سبق غليه غلياً خفيفاً ، واستعملت مادة ” شيقوريا ” بدل الشاي ، كل هذا كان إرضاء لمزاج عادة شرب الشاي وما يجري من دردشة وأن كانت بعيدة عن راحة النفوس “.


ويضيف قائلاً عن أزمة الشاي في عهد الإدارة البريطانية:


” وخلال سنوات توزيع التموين البطاقي في عهد الإنجليز، تعرضت السلع إلى بعض التغيرات. فدقيق الشعير أوقف توزيعه في المدن لسهولة توفره في أسواق الحبوب، كما أوقف توزيع البن بحجة أن السكان لا يهتمون بشرب القهوة قدر اهتمامهم بشرب الشاي التقليدي في المدن والقرى، ولنقص الشاي عالمياً خفض مقدار الفرد إلى 60 جراماً شهرياً لعدة شهور من عام 1946 م “. (راجع أحمد محمد القلال).


 في العصر الملكي:

وصف جيمس ويلارد للشاي :


” وبينما كنت أقوم بعملية مسح (كسار مارا) بمقدار ما تسمح الظروف أشعل الدليل ناراً صغيرة بأشواك جافة وجلس الى جانبها القرفصاء يلاعب اثنين من أباريق الشاي الصغيرة التي يصنع فيها أهل الصحراء الشاي البالغ الحلاوة الذي يدعونه ” ويسكي ليبيا ” وكان أيضاً قد فرش قطعة من القماش نثر عليها التمور التي يجففونها ويصلحون من أمرها عادة بدفنها في الرمال وكان الذباب قد جاء من حيث لا أعلم ليشاركنا الطعام الذي أصبح جاهزاً ودعيت لأشرب أول قدح من الشاي وأتناول عينة من التمر اعتصرتها بقوة أصابع مصفحة بالاوساخ وكان الشاي وكانت التمور لذيذة فعلاً . في تلك اللحظات وأنا جالس على الرمل مع رجلين غريبين قلما كنت استطيع مخاطبتهما ولكنني كنت مع ذلك احدثهما ببضع كلمات من لغات مختلفة وببعض البسمات والحركات مختاراً لكل منهما ثمرة جيدة مشاركاً اياهما تناول الشاي من القدح الصغير نفسه (الذي كان يغسل تلطفاً بين كل رشفة واخرى). وهنا احب أن أكون واثقاً من أن أحداً لا يسئ فهم ما أقول فأنا لا أنوي أن أضيف شيئاً الى المؤلفات الرومانطيقية العادية الكثيرة حول الشيوخ وأشجار النخيل يماوج سعفها النسيم العليل ومناظر الغروب وضوء القمر “.


مكونات عالة الشاي الليبية :


توجد أدوات خاصة لطبخ الشاي بالطريقة الليبيية ومجموع هذه الأدوات مع بعضها يكون مايعرف عند العامية بعالة الشاهي وهذه الأداة (العالة) يتميز بها الليبييون عن غيرهم من سكان الشمال الإفريقي وعند إعداد الشاي لابد أن تكون كل هذه الأدوات موجودة وترتيبها كالأتي :


1 – النار: وكانت قديماً في بداية أنتشارالشاي تحضر من الفحم في منقل أو كانون خاص من الطين أما الأن فهى عبارة عن اسطوانة صغيرة من الحديد الصلب تحوي سائل الغاز الطبيعي وتسمى بريمس.
2 – سفرة صغيرة / بها السكر والشاي وكمية من الأعشاب العطرية مثل النعناع والزعتر كل منهم في إناء مقفل خاص به يسمى (سكرية) بالإضافة إلى علبة كبريت وقد أنقرضت الآن وحلت محلها الولاعة (القداحة) مع إبريق كبير من الماء يسمى (سخان).
3 – سفرة كبيرة / بها إبريقين أحدهما كبير والأخر صغير مع مجموعة أكواب صغيرة من الزجاج تسمى (طاسات) وصفاي لتصفية الشاي وإناء أخر يشبه البراد ولكنه بدون غطاء لعمل الرغوة ولتبريد الشاي الساخن يسمى (لقامة) كل هذه الأدوات موضوعة في سفرة من المعدن ثم توضع فوق سفرة أخرى من الخشب مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض ومغطأة بمفرش.
4 – سُفرة تقديم الأكواب والحلويات / وتختلف أحجامها حسب المناسبات، تحتوي على سلتين بهما بعض الكعك والخبز وكانت قديما الزميتة (تاعبوت) والبسيسة (طومن) تقدم مع الشاي، حيث تُملاء أكواب الشاي (الطاسات) في هذه السفرة تم تمرر على الحضور وأحداً بعد الأخر وفي السنوات الأخيرة أصبحت تغطى كل السفر المستعملة بمفارش متشابهة في النوع والشكل وتختلف في الحجم حسب حجم السفرة وتسمى مفارش عالة الشاي.
5 – إناء من المعدن أو البلاستيك دائري مفتوح به عمق يوضع فيه الماء لغسل الأكواب وفي المدة الأخيرة أستبدل بالستيل والزجاج يسمى (محبس العالة).


ملاحظة :


كل هذه الأدرات ما عد الأكواب مصنوعة من معدن الستيل وتستورد من الخارج وتباع في الدكاكين والأسواق في الوقت الحاضر أما في أما في فترة الثمانينات كانت تباع في الجمعيات الأستهلاكية فقط ولا تصرف للمواطنين بدون كتيب أستهلاك و أنتظار الدور الذي قد يصل الى عدة سنوات وكذلك القرعة وعند حصول العائلة على العالة والفوز في القرعة تقام حفلة بالمناسبة ويحضر الجيران لشرب الشاي وتسرد الكثير من الحكايات عن كيفية الحصول عليها ويستمر الحديث الى أخر النهار عن الجمعية والبضائع الموجودة بها وهذا للتوثيق فقط.


تحضير الشاهي على الطريقة الليبية :


وفي الوقت الحاضر يعتبر الشاي من المشروبات المنتشرة بكثرة في المجتمع الليبي ويقدم للضيوف في المناسبات ويستخدم كامشروب يومي للأسرة ويستعمل كذلك في أغلب الدوائر الحكومية والمقاهي والفنادق وتختلف طريقة إعداده في المنزل عن الأماكن الأخرى ومن تقاليد إعداده في البيوت إنه يطبخ ثلاث مرات في اليوم على الاقل وتعد حلقاته من المناسبات الهامة لتبادل الحديث والتى لا يمكن التفريط في عقدها وخاصة بعد الافطار والغذاء والعشاء وعند مجئ الضيف وأحياناً أكثر حسب الظروف وبعد طبخه يقدم ثلاث مرات في الجلسة الواحدة والثالثة عادة ما تكون بالكاكاوية أو اللوز وتستغرق عملية طبخه حوالى ساعة ونصف الساعة ويدور خلال طبخه الحديت عن كل شىء يخطر على البال (من البنات المؤهلات للزواج حتى السوق المالية). وفي بعض الأحيان يبدأ طبخه في الصباح ويستمر الى أخر الليل ويتم طبخه على جمر موضوع في موقد يسمى (المنقل)أو موقد فخاري يسمى (كانون) مصنوع من الطين ذو لون أحمر ويضم نار الفحم الخشبي يسمى (بياض) وسمى هكذا مع إنه لونه أسود لأنه الناس يتشأمون من السواد . ويثم طبخ الشاي في ابريق يسمى برّاد في اللسان الدّارج أما في الفصحى فيعنى اناء يبرد فيه الماء ويسمى البرادة أيضاً مع ملاحظة أن لفظ الشاي لا وجود له في لغة العرب القديمة لا نهم كانوا لا يعرفونها.


طريقة أعداد الشاي :


يمسك البراد ويعبأ بالماء حتى منتصفه ويضع فوق النارالى أن يغلي الماء تم يضع فوق الماء المغلي عشبة الحشيشة وتسمى (حشيشة) ويوجد منها نوعان الحمراء والخضراء (من ناحية اللون) وبالنسبة للنوعية منها الدقيقة والغليظة بعد الغلي يصفى بالصفاي (وهو أداة من المعدن بها تقوب توضع على البراد تسمح بمرورالشاي وتعلق بها البقايا المعروفة بالحشيشة) الى براد آخر أصغر حجماً من الأول يسمى براد السكر ويضاف السكر ويدع الخليط يغلي مراراً ثم يمر بعملية تبريد بنقله بين براد السكر وإناء أخر يسمى اللقامة وتسمى هذه العملية (تخديم الشاي) ثم يوزع في أكواب صغيرة تسمى الواحدة منها طاسة الشاي – وفي اللغة (طاس) وليس طاسه ويعنى اناء من نحاس يشرب فيه وجمعها طاسات وتوضع هاته على طبق يسمى صفرة ثم يوزع على الحاضرين مع بعض البسيسة أو الزميطة والآن حل الضيف الثقيل الكعك محل هاتين الأكلتين ويوضع السكر في صفيحة وتخصص أخرى للشاى وتوضعان في سفرة واحدة. ويباع الشاي والسكر في الدكاكين وهي أمكان أخرى لحضور الميعاد (أو أجتماعات الشاهي) بالنسبة للرجال، أو في السوق اليومية والأسبوعية.


أجتماعات عالة الشاهي اليومية الخاصة بالنساء المعروفة بالميعاد : (ميعاد النساوين):
من الاشياء المتعارف عليها بين النساء في المجتمع الليبي الاجتماع اليومي على (عالة الشاهي) الذي يسمى بالميعاد ثلاثة مرات في اليوم أحدهما في الصباح عند الأفطار والأخره في المساء بعد الغداء ويكون هذا الاجتماع بالتناوب بين نساء الزنقة أي كل يوم يثم عند واحدة منهن . وأما المرة الثالثة ينفردن بها مع أزواجهن بعد العشاء في البيت .
والمرة الأولى لهذا الاجتماع تبدأ في الصباح حيث تجتمع نساء الشارع أو الزنقة كلهم أو بعضهم حسب ظروفهن في أحد البيوت على عالة الشاهي ومن مميزات هذا الاجتماع انه قصير في الداخل و ينتهى بإنتهاء الشاهي ولكنه طويل في الخارج أي على عتبة البيت عند توديع بعضهن ، بعدها تذهب كل واحدة منهم الى بيتها لتخضير طعام وجبة الغداء واستقبال الأطفال من عودتهم من المدرسة .


أما الاجتماع الثاني يتم في الفترة من قبل العصر الى قبيل المغرب حيث يجتمعن حول مايعرف بالعالة مع أكله خفيفة مثل الزميطة أو البسيسة أو الشكشوكة وفي معظم الاحيان يكتفين بطاسة الشاهي بالكاكاوية أو اللوز حسب حالة المادية للإسرة التى عليها دور الشاهي والمهم عندهم هنا ليس الشاهي وإنما الاجتماعات المصاحبة له وماهي جداول أعمالها.


وفي الاجتماع الاول يتم سرد الاخبار القصيرة والبسيطة يعني كما يقولون في تحرير الصحف عناوين الأخبار ولكن تحليل مضمون الاخبار يتم في الاجتماع الثاني في المساء حيث أي شىء تفكر فيه تجده عندهم مدرج في جدول بنود أعمالهم من (الفتيات التي في سن الزواج الى الأسعار في السوق المالية) بالإضافة الى ذلك منهم من لها أراء صائبة في مجال السياسة ولا يستهان بها .


في هاتين المرتين اللتين تجتمع فيهما نساء الزنقة على عالة الشاهي قد يشكل الأطفال الذين يرافقون أمهاتهم مشكلة ، بضجيجهم وحركتهم التي لا تنتهي حيث لا يتركون شيء في مكانه ولا تنفع فيهم كلمات الزجر والتهديد بالضرب ، ولا ينفع التخويف بعزوزة القايلة أو الغولة والعوّاوة أو غيرها من الأشياء المخيفة وهنا لا تجد النساء غير طريقة الايحاء الى احدى الفتيات الكبيرات للقيام بالمهمة . وهكذا الى ان تأخد النساء في الرجوع الى بيوتهن واحدة تلو الاخرة وبأيديهن أطفالهن وبذلك يكون الاجتماع الثاني قد أنتهي وأما المرة الثالثة تكون في الليل بعد تناول وجبة العشاء وفيها تنفرد الزوجة مع زوجها بعد ذهاب الاطفال الى النوم وتستغرق تلك العملية حوالى ساعة ونصف والشاهي يفور على النار والحديت يدور عن البنين والبنات وشئون العمل والبيت فاذا كانت الزوجة لديها بنات مؤهلات للزواج تحكى لزوجها ما دار حولهن من حديث خلال جلستها مع النسوة في جلسة الشاهي واذا كانت أم أولاد فلا تبخل عن بعلها بسرد ما دار من حديث عن بنات الجيران مع ابداء رأيها في كل منهن وكم تتمنى لابنها تلك الفتاة أو هذه وهكذا ترى أن تلك الاسرة متراضية منسجمة متفقة .


وحين يستقر رأى الزوجة والزوج على بنت معينة يتصل الزوج باخوته لدراسة الرأى معهم وتقوم الزوجة هى الاخرى بدراسة الموضوع مع ذواتها وحال وصول الجميع الى فكرة جماعية ناضجة وقرار صائب مدروس يكلف الزوج زوجته بأن ترسل لابنها تستوضح رأيه في بنت فلان ومن تلك التى ستكلف بالاتصال بها ياترى طبعا يتم ذلك عن طريق احدى العجائز الطيبات الالأئى يثق فيهن ويطمئن جانبه اليهن وتثق العائلة بكلامهن وتقوم العجوزة بذلك فتستدعيه وتسأله فاذا سكت الشاب عرفت أن السكوت علامة الرضى وأنه موافق وراغب في الزواج ممن ذكرت أما اذا ثار وبانت عليه علامات الغضب موضحا أنه غير راغب في الزواج ولو أن ذلك غالبا لم يحدث الا نادرا لان الاسرة لا تختار الا الاصلح . تقول الجدات في بعض الأساطير أن الإخوة الذكور الذين ليس لهم اخوة بنات لا تنتقل لهم أخبار الميعاد (الشاي) الذي تقوم به عادة النساء في اجتماعتهن الخاصة وأن جزء من هده الاجتماعات مخصص للكلام عن الشباب وهذا الكلام مهم بالنسبة للشباب في حياتهم حيث يهمهم راى النساء فيهم ومن جانب أخر كانت قديماً تقوم حروب بين القبائل وفي مجالس النساء كانت تنقل أخبار عن تلك الحروب من بعض العائدين من الحرب في بعض الاسر وبذلك الذي ليس له أخت تحضر ميعاد الشاي الخاص بالنساء لا تصل اليه الأخبار أي نستطيع أن نقول أن الذي ليس له نساء في ميعاد الشاي مثل الذي لا يملك أي وسيلة من وسائل الإعلام في الوقت الحاضر.


أماكن ميعاد الشاهي :


في كل مساء يذهب الرجال الى ميعاد الشاي في الدكاكين ويجلسون على ركابات وتوجد هذه الركابات عادة في الشوارع أوأمام البيوت أو أمام الدكاكين والركابه مكان مرتفع للجلوس يشبه مجموعة مقاعد مصفوفة حذو بعضها البعض لجلوس عدد من الناس وتبنى الركابه من الحجر أو الطوب وتوجد أمام المتاجر و في الأسواق وأمام البيوت القديمة يجلسون عليها الناس لقضاء وقت فراغهم لمناقشة بعض الأمور التي تهمهم وأحياناً يجلس المتجمعون في الدكان على هيئة دائرة على الأرض وبعد اللقاء يتم السلام والمصافحة بالأيدي وأثناء هذه المصافحة تكررعملية السلام عدة مرات وتستمر أحياناً حتى بعد الجلوس في حلقة الميعاد تم تحضر العالة ويبدأ إعداد الشاي، وفي بعض الاحيان وخاصة في ليالي الشتاء المطيرة يتحلق السامرون حول سفرة الشاي في (المربوعة)، أما في الصيف يتجاذبون أطراف الحديث تحت ظلال الزيتون في الغابة بعد انحسار القيظ حيث يتحدثون عن طفولتهم وحوادثها القديمة أو تراهم يذكرون الاعمار والسنين ومتى ولد فلان أو فلانه. وفي هذه الجلسات يتم تحقيق تواريخ الوقائع التي يذكرونها بنسبها إلى أحداث جسام، بعض منها قد يكون كوارث طبيعية – حروب – سقوط الحكام أو مجاعات، مثل عام السبول (سوقس ن إللي) أو قّرت الهزهازي وكذلك عام الطليان وعام الانجليز، وهذا ما فعله قبلهم الفراعنة والإغريق والرومان.
ولقد كانت جلسات الشاي مهمة بالنسبة للرجال لأنه من خلالها تعقد الصفقات وعمليات البيع والشراء والمقايضة بين الحاضرين، ومن الطرائف التي تذكر في فساطو عن مقايضة الشاي يروي السيد يوسف أحمد سعيد الختالي :


” قال المرحوم عمي أحمد خليفة المحروق أنه في سنوات نذرة الشاي ولعل ذلك في بداية الخمسينات حيث حصلت أزمة عالمية في تجارة الشاي (راجع أحمد محمد القلال) قّدم جدي المرحوم سعيد أحمد الختالي مجموعة من الطواقي البيض تسمى (تشوشاي) التي قام بصناعتها وتطريزها إلى تاجر فساطوي لقبه حشاد، وذلك لمقايضة تلك الطواقي بكمية من حشيش الشاي فرفض حشاد وقال له نحن الآن لا نقايض الشاي بالطواقي، فما كان من جدّي إلا أن رجع إلى بيته مغتاظاً، وأخذ على نفسه عهدا ألا يشرب الشاي ما بقي حياً، ولم يتناوله إلى أن توفيَ رحمه الله.


(وكان جدّي يعتز بكونه من أشهر الحرفيين في أعمال تطريز القماش والجلد ونقش الخشب فكان أحسن من قام بتطريز البخنوق الفساطوي ” آبحنوق” ونقش المكاحل الخشبية والجلدية وأحذية العرائس الجلدية (آركاس) وكذلك نقش (زيطيو) من الخشب الذي لا نعثر له على مثيل خارج أمازيغ نفوسة وبذا لا يوجد في العربية.


 دكاكين القرية وميعاد الرجال :

يختلف دكان الوقت الحاضر عن دكان فترة الستينات الذي كان يتميز بوجود طاولة قصيرة عند الدخول معيقة للمدخل وضعت فوقها أوعيه زجاجيه كبيرة بها الشاي والقهوة والسكر الذي كان يوجد في ذلك الوقت على هيئة قبابيع – أقراص يسمى سكر القالب يستورد من النمساء ويلف في ورق غليظ أزرق مثل الورق الذي كان يلف فيه اللحم ويسمى واحدها رأس سكر، أما الشاي يستورد من ألمانيا في صناديق خشبية مغلفة من الداخل بمادة من السلفر القوي وعند الشراء يزن بالميزان حسب الكمية المطلوبة ويضع في قطع من الورق المقوي تسمى (قرطاس) وكان يباع إلى جانب السكر والشاي عود الثقاب في علب صغيرة من الورق يسمى الوقيد ويستورد من بلجيكا أما سكان جبل نفوسة يستوردون الشاي والسكر عن طريق طرابلس ومع أن سكان نفوسة يستوردون مختلف السلع والبضائع من الاسواق المجاورة التي يحتاجون اليها مثل القطن والبلح والشعير والشاي والسكر فإنهم بنفس الوقت يعرضون بعض البضائع المصنوعة من الصوف مثل الوزرة التي تصنع في نالوت وفساطو والزيت الذي يحفظونه في جرار خاصة بالزيت وكذلك المواشي المشهورين بها أهل مزو أما أسواق الساحل فهي زواره والعجيلات وصرمان والزاوية التي تبعد يومين أو ثلاثة عن الجبل أما في المنطقة الجبلية فان يفرن وغريان وحدهما السوقان الموجودان الوحيدان ويفضل سكان الجبال الاسواق البعيدة على اسواق القرى المجاورة.


المرابيع وميعاد الرجال :


المربوعة هي مقر الرجل الليبي والغرفة الأكثر اضاءة في البيت والأكثر تزويقا باالأيات القرانية ذات الإطارات وصور عنتر وعبلة وهى عادة الأكبر مساحة والأكثر زينة والأفضل بناء في البيت وتخص لجلوس الرجال فقط وتكون خارجية وتوجد في مدخل البيت الذى يعرف بالسقيفة ويجتمع فيها الرجال بعد الظهر (في المساء) لتبدأ جلسة الشاي المتواصلة حتى صلاة العشاء وقد تستأنف مع حلول الليل الى وقت متأخر ففي غرف الاستقبال أو ” المرابيع ” كما يسميها البعض يستطيع أن يحس الإنسان بالراحة التامة مع أصدقائه عند الجلوس على وسائدها المتناثرة على الأبسطة المصنوعة يدوياً حيث يشعر بالرغبة في الاستترخاء والتأمل هذا بالنسبة للنوع التقليدى منها أما الحديثة منها والتي توجد في كثير من البيوت الأن فتوجد فيها مقاعد عصرية تعرف (بالصالون) ولا يفضل الليبيون الجلوس فيها وقد يجلسون عليها قليلاً ولكنهم سرعان ما يهجرونها الى الجلوس على الارض في الجلسة الليبية التقليدية وربما تفسر لنا هذه العادة ذلك الخروج أو الهجرة في نهاية كل أسبوع من المدن الى القرى في الجبل أوالريف أوالصحراء بحثاً عن الأرض الحقيقية واقتراباً من جانب عميق الجذور في نفوس الليبيين.


وقديماً كان للسكروالشاي مكانة خاصة و قيمة لذلك فإن الليبي يمكنه أن يودع عند زوجته نقوده وأشياءه الثمينة ولكن مفتاح صندوالشاي والسكر المربوط في سير من الجلد المعلق في رقبته لا يأتمن عليه أحد لأن أعداء السكر والشاي في البيت كثيرون.


السهر في ليالي الشتاء صحبة عالة الشاي وكانون الفحم :


يعتبر كانون النار وعالة الشاي من أعز الأصدقاء في ليالي الشتاء الباردة في بيوت طرابلس ومن أهم فوائد عالة الشاي في الدار الليبية في الليالي الباردة هو تكيف الجوء للعائلة وخاصة الأطفال الصغار حيث عند دخولك إلى الحجرة تجد الزوجة جالسة مع عالة الشاهى والى جانبها يجلس رب الأسرة بالقرب من الموقد الذى وضع عليه براد الشاهي وهو يغلي وبعد التدفئة وشرب الشاهى يتهيأ الأب ويبدأ سهرته مع أطفاله الصغار وذلك بعد تناوله طاسة الشاهى الأولى والتى يحرص أن تكون في المستوى الطيب أي ساخنة وداكنة ومرة لكى تعطيه مزاجا رائقا تتيح له المضى في سهرة طويلة مليئة بالحكايات الممتعة ومن هنا تنطلق الأصوات مقهقهة عبر أرجاء الحجرة الدافئة التى تفوح منها رائحة الشاهى الذى يغلى بداخل البراد المهيأ للطاسة الثانية ثم الثالثة وعند الثالثة وهي الأخيرة حيث يقترب الوقت من نهاية هذه السهرة التى تختم عادة بوضع بعض البخور في النار لطرد الأرواح الشريرة و بحكاية طويلة عن محمد ولد السلطان أو قصة الغيلان التى كانت تسكن الجيل وأبادها ماس بيدت وعند بلوغ هذه الفترة تكون كل العائلة قد بلغ بها السهر منتهاه بعدها يستسلم الأطفال للنوم الذي يداعب جوفنهم ويذهب كل منهم الى مكانه الخاص به.(راجع سالم سالم شلابى).


بعض أستعمالات الشاي في الطب :


تستعمل عشبة الشاي في علاج الشخص الذي تعرض إلى لدغ بعض الحشرات السامة مثل الأفعى وذلك بإعطائه شراب الشاي الساخن المحلى بالسكر تم بعد ذلك يهدى من روعه ويؤخذ الى المستشفى ومعه جثة الافعى – أن أمكن ذلك – كي يستطيع الطبيب معرفة نوع السم ويستعمل كذلك في علاج الهالات السوداء حول العين التي تظهر نتيجة لسوء التغذية أو حساسية جلدية ولعلاج هذه الظاهرة تستخدم كمادات شاي دافي لمدة عشر دقائق تم كمادات شاي باردة لمدة خمس دقائق قبل النوم يومياً.


 استعمالات الشاي عند الطوارق :

يعتبر الطوارق من الشعوب المستهلكة للشاي شأنهم شأن كل سكان الشمال الأفريقي وهناك عادة متبعة عندهم وهي عندما يحضر العريس المهر يجب عليه أيضاً أن يحضر معه أشياء مصاحبة للمهر تسمى (تيوسِي) تتمثل في كمية من الشاي والسكر وبعض العطور التي تسمى عندهم (أضوتن) وكمية من التبغ ورداء لأم العروس يسمى ( تسيغناس) وعدد من الأحذية المتنوعة ويستعمل الطوارق الشاي لعلاج بعض الأمراض مثل أمراض الحنجرة واللوزتين وذلك بطهى الحليب مع الشاي والسكر تم يبرد المخلوط ويسقى للمريض ويستعملونه كذلك لعلاج نهشة الأفعى وذلك بأن يسقى الملدوغ كثيراً من الحليب الساخن والشاي ثم مرق اللحم حتى يتقيأ الملسوع أما لسعة العقرب عندهم تعالج بإعطاء الملسوع الشاي الساخن أما انتفاخ البطن يعالج بسقى المريض الشاي الأخضر بدون سكر .


 خصائص تقاليد الشاي الليبي :

1– طريقة الجلوس عند إعداد الشاي :
طريقة الجلوس الشائعة في أغلب مجالس الشاي عند النساء والرجال هى التربيعة وهى تشبه طريقتهم في الجلوس اثناء الأكل وتتمثل في وضع المقعد والقدمين على الأرض كل ركبة على جانب وتعتبر هذه الطريقة من أحسن الطرق التى يجد
فيها الليبي راحته عند طبخ الشاي حيث يتم الجلوس فوق وسائد خاصة تسمى المنادير وفي هذه الحالة لابد من وجود عالة وجماعة من الناس ليتم الأنسجام التام والتسلية.
2 – عملية تكرار طبخ الشاي تلاثة مرات في اليوم :
من التقاليد الليبيية السائدة إعداد الشاي ثلاثة مرات في اليوم ولكن تقاليد الضيافة تفرض نصب عالة الشاي كلما قدم ضيف بدون نقاش وفي كل مرة من تلك المرات تطبخ ثلاثة طاسات متوالية صغيرة الحجم ويقدم الشاي لثلاث مرات في الجلسة الواحدة وتستغرق عملية إعداده حوالى ساعة ونصف الساعة.
3 – الطاسة الأخيرة باللوز أوالكاكاوية:
أن عادة وضع المكسرات في الشاي لم أجدها إلا عند الليبيين حيث في كل مرة يطبخ فيها الشاي تكون الطاسة الثالثة (الأخيرة) مختلفة عن الأخريات بإضافة الكاكاوية أواللوز اليها بعد عملية التقشير والتحميس على النار ويفضل أغلب كبار السن شرب الشاي بهذه الطريقة على الرغم من عدم وجود أسنان لديهم لذلك نجد إلى جانب العالة المهراس في بعض الأحيان لكي يسهل العملية.
4 – تخديم الشاهي وعمل الكشكوشة!! :
كلمة (تخديم) مصطلح في اللغة الدارجة ويعني عملية نقل الشاي من البراد إلى اللقامة بالتناوب عدة مرات متثالية لقصد التبريد أوعمل الكشكوشة (الرغوة) ولا توجد هذه العادة عند بقية الشعوب ولم أجد لها تفسير مع أن تم فيها نقاش كبير لمعرفة سبب ذلك وإضافة إلى ذلك لاحظت أن معظم الناس في ليبيا يفضلون إضافة الأعشاب العطرية إلى الشاي والتي من أشهرها النعناع والمينته والعطر والقرفة والقرنفل والكليل والزعتر وهناك بعض الأعشاب الأخرى التى تضاف لقصد العلاج من بعض الأمراض.


  – الكانون المصاحب للعالة:
يستعمل الكانون لطبخ الشاي ويفضل كبار السن شاي الفحم عن شاي الغاز ومن أحسن أنواع الفحم لطبخ الشاي فحم الزيتون وهناك من يضاف الى الفحم عيدان بعض الأعشاب البرية مثل عيدان الشعال أو التقوفت التى توضع في أعلى فحم الكانون لتعطي نكهة ورائحة عطرية وبعد طبخ الشاي يستعمل الكانون في تدفئة المكان وخاصة في ليالي الشتاء الباردة وعندما تهمد النار يوضع البخور في النهاية لتعطير المكان.


مصير عالة الشاي في الوقت الحاضر :


والآن وبعد كل هذا الاحتفاء والهالة الزخرفية التي أحاطت بمشروب دخل ليبيا منذ مائتي عام فقط ، وبعد أن نال شعبية لا حدود لها وأصبحت تقاليد شرابه جزء من ملامح الثقافة الليبية، وتسابقت النساء الليبيات على تزيين أدواته وزخرفت أغطيتها بأيديهن في بداية الأمر ثم أشترين الاغطية البلاستيكية التي أنتجتها مصانع (لداين ليبيا) ، ثم أوصلن طقوس الإعتزاز والتقديس لدرجة غسل أدواتها بالصابون والوراكينة (البوتاس) بعد تقديم كل دور، وذلك يتكرر ثلاث مرات.


وبعد كل ذلك المهرجان الجميل ما الذي حصل لعالة الشاهي الليبية ؟


لقد انقرضت عالة الشاهي من طرابلس منذ عشر سنوات تقريباً، ولعل نفس الشيء قد حصل في بعض المدن الليبية الأخرى. و تركت العالة مكانها في الجلسات الليبيية اليومية في الوقت الحاضر في أغلب البيوت حتى في ارياف جبل نفوسة وبقى أستعمالها محدودة في المناسبات أوبيوت العجائز المتقدمات في السن (توسَّارين). وحل مؤخراً محل العالة براد وأحد فقط يطبخ في المطبخ تم يقدم مع مجموعة من الأكواب الحديثة في سفرة ويقدم هذا البراد مع طاساته أثناء تناول طعام الفطورأو بعد الغذاء أوفي المساء أوعند قدوم ضيف وأن مصير هذه الأداة في المستقبل هو الزوال نهائياً والخروج من البيت الليبي بدون طرد شأنها شأن كل أدوات المطبخ القديمة التى لا مكان لها في المطبخ الآن ما عد بعض صورها في أرشيف توثيق المقتنيات التقليدية أوعرضها في المعارض الخاصة بالتظاهرات الثقافية، وإنه من الغريب حقاً أن يتم التخلي عن العالة بعد ذلك الأهتمام الخاص الذي كانت تحضى به كل تلك السنيين الماضية من قبل ربة البيت.


الشاي في الأدب الليبي :


وقد ورد ذكر الشاي في ذكريات الأديب سليمان الباروني في كتاب صفحات خالدة :
” في ربيع الأول سنة 1322 بمحل يعرف ب (بنداو) من جبل نفوسة المعروف الآن في البوسطة بجبل نفوسة مع جماعة من الأصدقاء هم أدباء القطر ورجاله خصصوا ذلك اليوم للاجتماع بنا وإكرامنا بما لذ وطاب استبشاراً يقدومنا ثم تواعدنا على العود مرة ثانية (وكان ذلك) ولكن حال دون حضورى معهم عارض فأرسلوا الى رسولاً مخصوصاً فأجبتهم معتذرا ومرغبا لهم في إعادة الاجتماع مرة ثالثة فقلت كالمرتجل :


الأنس بين زيتون وزرع وما من غدير في ظروف
ومشوى وشاى في كئوس مزججة مذهبة الحروف
وضرب بالبنادق وانشراح وصيد وانتشار في الكهوف


وهذه أبيات أخرى للباروني ذكر فيها الشاي قالها في مدينة الجزائر:


وقلت ونحن في رياضة ببرج القليعة من ملحقات مدينة الجزائر وكان غداؤنا عند رجل عظيم القدر من أعضاء مجلس إدارة ولاية الجزائر وذلك يوم توجهنا الى مدينة تلمسان للسياحة :
بين الجبال وبين حوض البحر أبهى منظر
طود به قصر(القليعة) والمناخ الأخضر
فيه استرحنا وارتشفنا كأس شاى أعطر
(زكّار) واسطة الجبال أمامنا كالمنبر
فاشرب هنيئاً وابتهج وأعرج لبرج المشترى
فإن العز معقود لواءاً على هام العمائم والحصون
فهذى بقذفها دكت جبال وتلك بطيها رفع السكون


وللباروني أبيات أخرى ذكر فيها الشاي قالها في مدينة قالمة عندما تذكر الأيام التى قضاها في جبل نفوسة :


وصلت في رجوعى من الصحراء الى مدينة (قالمة) المشهورة في التاريخ فاستقبلنى أعيانها الأصدقاء الكرام بكل إجلال ثم حكم بعضهم بالرجوع الى الحمام المعدنى المشهور هناك بينها وبين قستنطين وبعد أن دخلنا الحمامات وهى غاية من الانتظام والنظافة اجتمعنا للأكل وشرب الشاي على بساط الأرض والمنابع محيطة بنا وبخارها ملأ الجو متصاعداً ، ثم رجعنا في الليل وقد طلع البدر والجو صاف والعربة تسبح بنا في تلك الطرقات المنظمة بين تلك الأودية والجبال الشاهقة وعندما تذكرت تلك الأيام التى قضيتها في جبال نفوسة بطرابلس الغرب أو أن الربيع مع كثير من الأعيان في جبل بنداو كما سبق ذكره فقلت :


تدفق ماء معدنى من الصخر يذكرنى مما تخلد في الفكر
زمانا قضينا في جبال نفوسة بربوة (بنداو) المجاور للقصر
فحنت الى الأوطان نفس غريبة نأت فرأت أنسا بإخوانها العز
فأنّت وتاهت في الخيال ورفرفت عشية إذ هب النسيم على الزهر
ودارت كئوس (الشاي) بين أحبة كرام كإخوان الصفا مظهر الفخر
سبحنا وروّحنا النفوس سويعة وعدنا وجنح الليل منسدل الستر
تحف بنا تلك الجبال يزينها من الثلج هامات كمنفلق الفجر


الشاي في الأدب الشعبي الأمازيغي :


تروي السيدة مريم خليفة يعقوب (من قرية فساطو) عند وصفها للشاي أيام نذرته وكانت بعض النساء قد أدمنت على تناوله ” أنه قد دخل رجل كبير السن على خادمته وحدث حوار بينهما بلغة الشعر هذا نصه :
سأل الرجل خادمته: ما بالك نائمة ياعزيزة ؟
فأجابته :
منين قالوا الشاهى مهناش رميت المغزل والقرداش
فردّ عليها :
أمك عزيزة راقده خلوها كيلو وربع واق ما يسقوها


فقالت هي :
ما هيش غير عزيزه حتى السارح في السند بمعيزه
يقشقش يدير النار ويغلّيها

وتورد الراوية أعلاه قصيدة باللسان الأمازيغي عن الشاي:
الطّاست تيزاي خدّمتت د افكيّد جاي
خدّم د افكيّد نتش ايغفنوّ يعطب ديدّ

وتضيف على لسان شاعرة أمازيغية أخرى :

ليا قربع البراد وبناويته جيت قامزه حتى اللحاف نسيته
ونفرح ليا نادى على جاري وعيشى خبزته والحسى خليته
انتهى الاقتباس.

ولقد نقلت ذاكرة الأطفال في بعض الأغاني التقليدية الطرابلسية وصفا طريفا للشاي:

بعينى ريت اليوم عشية القملة لبست فراشية
ريت الفروج يتكيف شاهى باللوز
هو طاسة وأنى زوز وكمّلنا الشاهى بالنية
وهناك أبيات من الشعر تصف انتشار الشاي في مدينة طرابلس القديمة :
خطمت على حومة غريان سمعت البراد وتصفيره
تلقاها النسوه ملمومه إثنين ثلاثة فوق حصيره
وهذه أغنية شعبية أخرى جاء فيها وصف لبعض مكونات العالة :
البراد يبكي وتاسطه تشكيله
والسخان من صهد الجحيم حليله
البراد يبكى والمروحة ضرباته
جوه الطواسى يمسحو دمعاته

وهناك من الشعراء الشعبيين من انتقد عادة تناول الشاي وشرح مضارها التي اتنشرت بين الناس فيقول أحدهم:
جي الشاهي للناس سلبها قل حسبها إللي عنده عيله سيبها
* * *
إتريت الحق مع النسوان إللي يشكوا لدار القاضي
من مصر لبن قردان حتى لحدادات الاراضي
* * *
في كل زنقة تلاقي دكان البابور إيفرد وينادي
حط البي مع الأخوان وإلا إدنى عليهم غادي
* * *
وهذه أبيات للشاعرأبوالقاسم الشيش التكبالي ينهى فيها عن ظاهرة شرب الشاي التي تفشت في البلاد الليبية في مطلع الخمسينيات الماضية :
الشاهي سلب الاهالي فيه يطبخ المبسوط والزوالي
بعادة الشاهي الشعب ماشي التالي ضد شعبنا الشاهي كثر فساده

الشاهي في الأمثال الشعبية :

لم أجد أمثال عن الشاي في ما جمعناه من أفواه الناس أو في كتب المأثورات الشعبية الليبيية. ومن الممكن أن يكون سبب ذلك هو كون الشاي مشروب دخيل جاء في وقت متأخر وليس شراب أصيل على الرغم من صبغه بالعادات والتقاليد الليبيية التي لا توجد في مكان أخر.

سعاد أحمد بوبرنوسة مايو 2005 م
________
المراجع :
1- حسن الفقيه حسن
تحقيق عمار جحيدر
اليوميات الليبية / الجزء الثاني / الطبعة الأولى
منشورات : مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية / 2001 م .
2 – المبروك على الدريدى
من عادتنا وتقاليدنا
منشورات : الجمهورية العربية الليبية / وزارة الاعلام والثقافة / الإدارة العامة للثقافة.
3 – سالم سالم شلابى
تذكرة الى عالم الطفولة
منشورات : الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان.
4 – الأمريكيتان : د . لوينسن سميت – ه . لويز بريستون
منشورات : المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان.
5 – في صحراء ليبيا
تأليف : أحمد محمد حسنين
منشورات : لا توجد
6 – جيمس ويللارد
الصحراء الكبرى
منشورات : مكتبة الفرجاني / طرابلس – ليبيا / الطبعة الأولى بيروت مايو / 1967 م.
7 – من طرابلس الغرب الى الصحراء الكبرى
تأليف : عبد القادر جامي
الناشر : دار المصراتي – مؤسسة ثقافية – ج . ع . ل / 1974 م.
8 – محمد سعيد القشاط
التوارق عرب الصحراء الكبرى
منشورات : مركز دراسات وابحات شؤون الصحراء.
9 – جريدة : الشط / الثلاثاء 11 جمادى الاول 1372 و. ر – 2004 / العدد – 689.
10- محمد الأسطى
ورقات مطوية
منشورات : المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان / طرابلس – ليبيا / 1983 م.
11 – محطات سيرة شبه ذاتية
كامل حسن المقهور
منشورات : دار الرواد / 1995 م
13 – اطلس الرحلات
فهرس الرحالة والرحلات
منشورات : دار المختار للطباعة والنشر والتوزيع / جنيف سويسرا.
14 – تاريخ ليبيا العام من القرون الاولى الى العصر الحاضر
محمد بن مسعود فشيكة
منشورات : مطبعة الكافليير مادجى بطرابلس الغرب 1950 م / الطبعة الأولى
15 – في تاريخ ليبيا المعاصر سنوات الحرب والادارة العسكرية البريطانية في برقة (1939 – 1949 ف).
أحمد محمد القلال
منشورات : جامعة قاريونس ( بنغازي – ليبيا).
16 – من طرابلس الغرب الى الصحراء الكبرى
تأليف : عبد القادر جامي
الناشر : دار المصراتي – مؤسسة ثقافية – ج . ع . ل / 1974 م.
17 – مدينة غات وتجارة القوافل الصحراوية خلال القرن التاسع عشر الميلادي
تأليف : نجمي رجب ضياف
منشورات : مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية.
18 – مجلة : تراث الشعب
السنة الثانية والعشرون – العدد 1 / 1370 و. ر – 2002 ف.
19 – صفحات خالدة من الجهاد الليبي
زعيمة الباروني
منشورات : مطبعة الاستقلال الكبرى
20 – محمد حِجّي
رسومات من ليبيا
منشورات : الدار العربية للكتاب / الطبعة الأولى – 1984 م.
21 – أنتم !! إجتماعيات .. سياسيات
كتاب الرسوم الساخرة
محمد الزواوي الترهوني
منشورات : إقرا- 1973 – 1983 م
22 – تفاصيل ليبية – هون
مصطفى محمد عبداللطيف
23 – من طرابلس إلى فزان
مذكرات الرحالة الانجليزى جون فرانسيس ليون 1818 م
نقله إلى العربية : د . مصطفى جودة
منشورات : الدار العربية للكتاب / ليبيا – تونس / 1976 م
24 – أنا وطرابلس
جمع وترجمة : منصور عمر الشتيوي
منشورات : دار الفرجاني للنشر والتوزيع / طرابلس – الجماهيرية الليبيية .
تصوير إلكتروني : توفيق يوسف الختالي.

الأحد، 22 يونيو 2014

ملكية الأراضى فى ليبيا منذ العهد العثمانى حتى منتصف الالفية الجديدة (الجزء الثانى) ..م. صالح بشير المزوغى


                                                             

 ملكية الأراضى فى العهد الاستعمارى الايطالى:


دخل مصرف (بنك روما)الى ليبيا بوكالة عن طريق استخدام أحد الايطاليين المقيمين فى ليبيا ففي 27 مايو 1907م أصدر ثلاثة من مسؤولي مصرف (بنك روما) من بينهم أرنستو باتشيللي – توكيلاً إلى المدعو أنريكور شياني كوكيل مفوض وسجلت هذه الوثيقة في السجلات العامة بروما في المجلد 275 بتاريخ يونيو 1907م وصدقت عليها وزارة العدل الايطالية ووزارة الخارجية الايطالية ثم قنصل الدولة العثمانية في روما. وبموجب نصوص هذه الوكالة يقوم الوكيل المفوض بما يلي :-

1- شراء الاراضي للمصرف والأراضي الصلحة للزراعة في كل من طرابلس وبنغازي، وان يدفع مقابل ذلك السعر الذي يراه مناسباً، وله أن يقبل سندات التمليك والمستندات التي تثبت خلو العقارات من أي قيد أو التزام كرهن أو قسمة أو تأجير .

تعيين سعر الفائدة ووضع الشروط اللازمة لرهن الاملاك . 2-

3-الاتفاق مع الراهنين في أن يحل محلهم في الرهنيات، وله أن يحدد الشروط ويقدر المبالغ التي يدفعها للراهنين .

4-تنظيم وتحير كل الأوراق الرسمية في حدود القانون، وذلك حسبما يلزم لاجراء المعاملات المذكورة .

5-منح الموكل للوكيل بالاضافة إلى ما سبق صلاحيات غير محددة بصفته وكيلاًمفوضاًله مطلق التصرف .

و ما أن شرعت إيطاليا فى غزو ليبيا حتى باشرت بإصدار القرارات والقوانين المتعلّقة بهذا الإستيلاء ونذكر منها :الأوامر العسكريّة بتاريخ 24 يوليو 1912 و27 أبريل 1912 و 16فبراير 1913 بتصفية أصول المصرف العثماني الزراعي في طرابلس الغرب وبرقة وتحويلها الى بنك إيطاليا وبنك سيشيليا ثمّ لصناديق الإدّخار التي أُنشئت لتمويل المستعمرين الأوائل. وفي بداية عهد الجنرال فولبي 1922 تضخّمت الأراضي المصادرة،بموجب عملية شراء شكليّة وقسريّة لجزء كبير منها بنزع ملكيتها للمنفعة العامة لأقامة مشروعات الزراعة و العمران للدولة الايطالية الاستعمارية . امّا الأراضى الكبيرة التى سجلت بأسماء زعماء القبائل والأعيان بمناطق الدواخل لقاء ولائهم للدولة العثمانية فكانت تّنزع ملكيّتها ويُجبر شيخ القبيلة أو من ينوب عنه على البيع مباشرة أو بوكالة الورثة عن الأرض التى كانت مسجلة بأسمائهم "تنفيذا لنظريّة أملاك المتمرّدين وأقربائهم الذين رفعوا السلاح في وجه الجيش أو عرقلوا عمليّاته في حركة الإحتلال" كما أثبت بادوليو حاكم عام ليبيا في تقريره . وما أن جاء عهد بالبو عام 1933 بعد ان صدرت أحكاما بالعفو على بعض ممن تسموا بالمتمردين فتم تعويضهم مقابل أراضيهم التى صودرت منهم قبل انقلاب موسيلينى وبدأ بالبو حاكم ليبيا آنذاك بعدها بجلب المستوطنين ضمن برنامج التوطين لمليون مستعمر،حتى بلغت مساحة الأراضي المنزوعة ملكيتها بالشراء القسرى أكثر من نصف مليون هكتارا،إزدادت حتى بلغت 1938 ما مساحته 738,316 هكتارا في جميع أنحاء ليبيا ،ومن ثمّ وصل عدد هؤلاء الوافدين حتى عام 1940 تاريخ بدأ إندحار إيطاليا في الحرب،إلى 108,405 (معمّرا) . بينما لم يتجاوز عدد السكّان الليبيين– بما فيهم الرّعاة- 800,223 نسمة،حسب،إحصاء الكتاب السنوي (للمعهد الفاشيستي لإيطاليا الأفريقيّة) للعام 1940 .

ملكية الأراضى فترة الانتداب الانجليزى1942-1969م

استقرت الأمور بعد الحرب العالمية الثانية و خسرت ايطاليا الحرب و خرجت الحكومة الفاشية من ليبيا و بقى المعمرون الايطاليون فى المزراع و المدن الليبية بلا حكومة تحميهم وأصبحت ليبيا تحت الانتداب الانجليزى, فأحس الكثير منهم بالخطر فبدأوا ببيع الأراضى و المزارع و العقارات لليبيين وقد تم تاسيس البنك الزراعى والصناعى فى الخمسينات وقد ساهم فى تقديم القروض للمزراعيين والصناعيين الليبيين لشراء المزارع والمصانع من المعمرين الايطاليين وقد ظهرت فى بدايات الخمسينات تقسيمات داخل حدود سور المدينة طريق السور منها تقسيمات سيدى خليفة و المنصورة و فشلوم و النوفليين القديمة ثم بدأت مؤسسة دوكسيادس اليونانية بأعداد المخطط الشامل للمدن و القرى الليبية فى منتصف الستينات و ظهرت بعض المشروعات الاسكانية العامة للموظفين فى أراضى الدولة كما تاسست البنوك التجاريه الحكوميه وكذلك الاهليه والمساهمه التى أنشأت بعد أكتشاف النفط

فكان لها تأثير كبير فى حركة العمران و الاستثمار العقارى و تملك الأراضى كما سيأتى تفصيله....

ملكية الأراضى بعد أكتشاف النفط

أحدث أكتشاف النفط تغييرا اجتماعيا أخذ شكل الحداثة دون التغيير فى التكوين الاجتماعى للأفراد ، فبعد ان تكونت فى ليبيا بعض المؤسسات المصرفية منذ العهد العثماني الأخير، وأثناء فترة الاستعمار الايطالى ، تكونت فى مناطق الساحل وخصوصا طرابلس بعض مفاهيم الاستثمارات العقارية لدى بعض الليبيين الاان أغلب أفراد المجتمع الليبى ظلّت تقليدية، رغم وجود التغييرات السياسية و الاقتصادية فى المجتمع الليبى منذ بدايات الدولة الليبية فى الخمسينات ووجود خطة للتغيير، إلاّ ان ميزانية الدولة لم تكن تسمح بذلك ، فقد كانت دون 10 مليون دولار. ان التخطيط للتنمية كان جيدا رغم عدم وجود الأموال اللازمة له، وحين توفّرت الأموال، تم توظيف عائدات النفط لتحديث المجتمع بالشكل المادي ، وظهر ذلك من خلال التخطيط للبنية التحتية والخدمية "أي الطرقات والمباني والمدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها من المرافق الخدمية"، فارتفعت نسبة الراغبين فى تعليم أبناءهم فتحولوا بشكل مفاجىء من البادية الرعوية الى المدينة دون المرور بمرحلة الحياة الزراعية رغبة منهم فى العمل أولا فانتقلوا عزابا ثم كونوا أحياء متعددة من أكواخ الصفيح داخل أراضى المناطق العمرانية و على حدودها، تاركين حياة البداوة و الرعى والزراعة البعلية الموسمية , وقد ساهم انخفاض معدّلات الوفيات بين الأطفال فى زيادة السكان نسبيا فارتفع عدد المهاجرين للعمل بشكل كبير جدا خاصة بمدينة طرابلس و بنغازى، وقد تم تاسيس البنك العقارى الليبيى لتقديم القروض العقاريه لتمكين المواطنين من بناء مساكن خاصة داخل المخططات العمرانية المعتمدة فى الستينات بعد شراء بعض المستثمرين الليبيين الأراضى والمزارع فى طرابلس من المعمرين الايطاليين وتحويلها الى تقسيمات معتمدة بترخيص من السلطات الحكومية فظهرت الاحياء الشعبية لحل مشكلة أحياء الصفيح التى انتشرت بشكل كبير جدا لعشرات الالاف من الاسر المهاجرة للعمل وتعليم أبنائها من مناطق الدواخل فأوجدت التقسيمات الشعبية مثل غوط الشعال و قرجى و الدريبى و الشارع الغربى وقدح و أبوسليم و الهضبة الخضراء .

كما زادت على وجه الخصوص الاموال المستخدمة في المضاربة على شراء العقارات وعمليات البناء . وكان ذلك استجابة لطلب الاجانب على المساكن الفاخرة والفيلايات .

عمد رجال الاعمال ، واصحاب رؤوس الأموال خلال هذه الفورة المالية ، الى شراء الاراضي الزراعية والبساتين فتحولت الى مساحات سكنية لموظفي شركات النفط نتيجة لزيادة الطلب على السكن، فترتب على ذلك تحول المساحات الكبيرة من الاراضي الزراعية التي كانت تنتج المواد الغذائية والخضار والفاكهة الى عمارات سكنية وفيلات فخمة . وترتب على هذا الامر نقص كبير في انتاج المواد الغذائية الاولية ، وشجع ارتفاع سعر الأراضى النقص الحاد فى عمال الزراعة الكثير من المزارعين على بيع مزارعهم والانتقال الى المدن فقد هاجر عمال الزراعة الى المدينة للعمل فى الميناء و فى مجال البناء والحراسة وفى شركات النفط و التجارة والنقل وغيرها حيث الاجور المرتفعة اضافة الى توفر فرصة تعليم أبناءهم فى مدارس المدينة .

ملكية الأراضى بعد 1969

إعدت بعد الثورة 4خطط للتنمية الأولى 1972- 73 ف , بعدها شهد المجتمع الليبي ثلاث خطط للتنمية وهي :

الخطة الثلاثية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 73 -74 ف .

خطة التحول الاقتصادي والاجتماعي 76- 80ف

خطة التحول الاقتصادي والاجتماعي 81-85ف

شهدت السنوات الأولى من عمر نظام القذافى  توزيع المزارع المنتجة التى كانت تحت تصرف بقايا المعمرين الايطاليين بشكل عفوى على المواطنين البدو الذين كانوا يعملون فى هذه المزارع بالأجر اليومى,وغالبيتهم كانوا يعيشون حياة بدوية فى الخيام تعتمد على الرعى فانتقلوا بمفاهيمهم الرعوية وحيواناتهم الى مزارع كبيرة مشجرة و منتجة وهم على غير دراية بالعمليات الزراعية المتنوعة لهذه المزارع المنتجة على طول العام ,اضافة الى ادخالهم أكبر آفة الى المزارع وهى قطعانهم الكبيرة من الضأن والماعز الذى خربت بها البيئة الزراعية لهذه المزارع المنتجة خرابا كبيرا... ونتيجة للغفلة عن الضوابط القانونية للبناء فى هذه المزارع فقد انتشرت فيها البناءات العشوائية المتناثرة لورثة صاحب المزرعة الجديد فقسمت الوحدة الزراعية حصص ميراث شرعى دون اعتماد القاعدة الشرعية فى الميراث (لاضرر ولاضرار) التى كانت تمكن الدولة شرعا وقانونا من منع الورثة من تقسيم الوحدة الزراعية, انما تدفعهم الى بيعها لتقسيم الميراث وبهذه الطريقة تحفظ الوحدات الزراعية من التقسيم بالميراث ,كما تساهم فى عدم ارتفاع أسعار الوحدات الزراعية نتيجة لتقسيمها فتمنع بذلك تسرب العمران اليها مع تقدم الزمن .......كما ساهمت خطط التنمية الثلاث المتلاحقة هى الأحرى على تقويض أراضى البيئة الرعوية التى كانت مفتوحة للرعى المتعارف عليه بين الجميع فى الاراضى القبلية والاراضى الموات و الأراضى المتروكة خاصة فى مناطق الجبل الغربى و ترهونة والخمس فتحولت مناطق الرعى التى كانت تمتد لعشرات وعشرات الكيلومترات الى مزارع مسيجة ليست لها اى جدوى اقتصادية وليس لها أى انتاجية زراعية ذات نفع,بل أنها صارت مراعى خاصة للمنتفعين بها من الرعاة البدو الذين لم يتركوا ولا يتركوا ولن يتركوا تربية قطعان الضأن و الماعز فى هذه المزارع حتى لو كانت منتجة, لأنهم لايملكون ثقافة الفلاحة والزراعة أنما هم متشبثون بثقافة الرعى وتربية الحيوانات فكان من الخطأ الفادح اقامة هذه المشاريع أصلا لسببين أولهما انها غير مجدية زراعيا وثانيهما انها وزعت على مربين أغنام,,,فحتى لو كانت مجدية زراعيا فكانت ستلقى نفس مصير مزارع المعمرين الايطاليين التى كانت منتجة فعلا...... وزيادة الى ان هذه المزارع المسيجة قد ضمت أراضى قبائل و أراضى أفراد لم يتحصلوا على مزارع فى هذه المشاريع فقد دفعوا الى اتباع من سبقهم من أقاربهم الذين هاجروا الى المدن للعمل ولتعليم أبنائهم فقد كانت هذه الاراضى الفردية و القبلية التى شملتها مزارع المشروعات الزراعية تزرع موسميا بشكل بعلى ثم تفتح كعرف اجتماعى متفق عليه للرعى للجميع عند نهاية كل موسم, فأدت هذه الخطط التنموية الى بعض النتائج السلبية منها الاستحواذ الأسرى على أراضى أفراد الأسرة الواحدة فاستحوذ من بقى من الأسرة الواحدة على الميراث الشرعى لمن هاجر الى المدينة فأدى هذا الاستحواذ الى منازعات اجتماعية وقانونية خصوصا بعد وفاة أرباب الأسر المسنين ,كما ضمت هذه المزارع المسيجة لمشروعات التنمية الزراعية أراضى مملوكة لأفراد آخرين من غير أقارب المنتفع بالمزرعة المسيجة داخل حدود مزارع مشروعات التنمية ..... وعليه فأراضى مزارع هذه المشروعات هى خليط بين أراضى مملوكة لأسرة المنتفع بالمزرعة المسيجة و تشمل ضمن حدودها أراضى مملوكة لأفراد آخرين من قبيلة أخرى وأراضى قبلية مشاعة وأراضى موات.. وفى النهاية فهذه المزرعة المسيجة ليست سوى (مرعى خاص) لقطيع كبير من أغنام ينتفع بها صاحب المزرعة بمفرده وستظل هذه الأراضى كلها محل نزاع مستقبلى مالم يوضع لها حل جذرى سواءا أكان حلا قانونى أو عرفى, لأن الناس متفقون على الميراث الشرعى فى تقسيم الأراضى بينهم وعلى اعتماد و العرف الاجتماعى فى حل النزاعات و الخصومات بعد التقسيم وفق الفرائض الشرعية التى يقرها القانون أكثر من اعتمادهم على القانون

و القضاء فى محاكم الدولة خاصة فى مناطق الدواخل .

التعويض لقاء نزع الملكية

ان النصوص القانونية التى تحمى الملكية الفردية الخاصة فى ليبيا تؤكد على التعويض العادل لقاء نزع الملكية الخاصة لمصلحة المنفعة العامة,والملاحظ أن التعويضات التى استلمها المواطنون خاصة فى المناطق العمرانية الشعبية المزدحمة لم تكن مجزئة وعادلة لأ نها لم تأخذ فى حسابها القيمة الفعلية للموقع و الخدمات المتوفرة حوله والتى سيفتقدها المواطن صاحب العقار المنزوعة ملكيته, كالمدرسة و الروضة و المسجد و المحلات التجارية و خطوط المواصلات علاوة على الجيران و الكيان الاجتماعى الذى كان فيه, ولاشك أن هذه العناصر لها قيمة يفترض أن تقدر بثمن,ان الغاء أو عدم العمل القانون 648 لسنة 1375/2007 ف الذى يحدد قيمة التعويضات بالمتر المربع للعقارات الواقعة ضمن مسارات مشروعات المنفعة العامة, يجب أن تجدد أسعاره دوريا وفق تغيرات السوق,والا فان المواطن أصبح على دراية بحقوقه القانونية وسيعمد مباشرة الى الاعتراض على نزع الملكية واحالة الأمر الى دعوى قضائية, وهذا لاشك أنه سيعطل اجراءات نزع الملكية لوقت اضافى و بالتالى يعطل تنفيذ مشروعات المنفعة العامة,ونظراالى أن لقانون

648 لسنة 1375/2007 ف لم يشمل خيار التعويض البديل لقاء نزع الملكية الخاصة للمواطن, كتسليم المواطن قطعة أرض بمخطط أراضى معتمد بسعر السوق السائدة ويخصم باقى مايستحقه من تعويض بصك مالى يقوم بتنفيذ مسكنه به عن طريق دفعات مصرفية دون فوائد ربوية لأحد المصارف المعتمدة,أو تسليمه صكا ماليا دون شروط فى حال توفر البديل لديه بالشراء المباشر أو الاحتفاظ بالقيمة النقدية لنفسه مقابل اخلاء العقار, لأن تعدد البدائل المتاحة لقاء نزع الملكية سيكون له أثر ايجابى فى تسريع اجراءات نزع الملكية و الحفاظ على أسعار السوق السائدة دون ان تسبب تضخما ماليا يؤثر على الحياة العامة فى البلاد.أما تقدير العقارات المراد نزع ملكيتها فيفترض أن يتم بالتعاون بين لجنة تقدير العقارات و مكاتب العقارات بالمنطقة المراد نزع ملكيتة العقار فيها لأن ذلك يكون أقرب للتقدير الصحيح كما يجب أن تسبق عملية حصر العقارات اجراءات كالاعلان عن المواعيد المتعلقة بنزع الملكية و اخلاء القار و الهدم,و اخطار أصحاب الشأن بكل المواعيد كموعد الحضور وتسليم مستندات الملكية وتحديد موقع ممتلكاتهم وأسماء الملاك والورثة و الشركاء وأصحاب الحقوق فى الملكية و التوقيع على محاضر مسجلة تدل على صحة المعلومات المقدمة بعلم مندوب من المؤتمر الشعبى الاساسى المحلى, عندها يبدأ تقدير قيمة العقارات طبقا للاسعار السائدة وقت تسليم العقارات التى تقرر لزومها نزع الملكية للمنفعة لعامة,وفى حال عدم الموافقة على التقدير المقدم لصاحب العقار المراد نزع ملكيته يتم احالة الأمر مباشرة الى القضاء بمحضر يوقع عليه صاحب الملكية المعترض ويتم تسليمه مباشرة الى جهات الاختصاص ليأخذ مجراه القانونى وفق الاجراءات المتبعة بالخصوص عن طريق القضاء.

الاشكاليات التشريعية بنزع الملكية الخاصة فى ليبيا

لايوجد تنظيم قانونى مستقل لنزع الملكية الخاصة لمصلحة المنفعة العامة فى القانون الليبى

,وانما تمت الاشارة الى مسائل نزع الملكية للمنفعة العامة فى نصوص قانونية متناثرة ويعكس ويعكس هذا مظاهر من عدم الوضوح و الفاعلية فى النظام القانونى لنزع الملكية فى القانون الليبى و يتجلى هذا فى العدد الكبير من الدعاوى القضائية المرفوعة ضد اللجنة الشعبية العامة من قبل العديد من المواطنية الذين تم نزع ملكياتهم الخاصة بموجب قرارات صدرت عنها ... وفيما يلى نستعرض النصوص القانونية لمسائل نزع الملكية للمنفعة العامة:-

· الملكية الخاصة غير المستغلة مصونةولاتنزع الا وفقا للقانون- المادة 19 الاعلان الدستورى للثورة 1969.

· الملكية الناتجة عن الجهد مقدسة مصونة لاتمس الا للمصلحة العامة ولقاء تعويض عادل- الفقرة 11 من الوثيقةلخضراء الكبرى لحقوق الانسان.

· لايجوز نزع الملكية الخاصة الا لأغراض المنفعة العامة ولقاء تعويض عادل- المادة 12- القانون20 -1991 بشأن تعزيز الحرية.

· لايجوز أن يحرم أحد من ملكه الا فى الأحوال التى يقررها القانون و بالطريقة التى يرسمها و يكون ذلك فى مقابل تعويض عادل – المادة 816 من القانون المدنى.

· يجوز تقرير المنفعة العامة طبقا للمواد السابقة لمشروعات( الاسكان- التطوير العمرانى- المشروعات الصناعية) مادة 52-قانون رقم 5-1969

· يراعى عدم المساس بالاراضى الزراعية او الصالحة للزراعة عند تطبيق المخططات العمرانية مادة 16-قانون3-1369 و.ر

· يراعى عند اعداد المخططات تطبيقها أحكام التشريعات الزراعية, الطرق ,الملكية العقارية مادة 38-قانون التخطيط العمرانى

وعليه فانه من خلال النصوص السابقة و تفصيلاتها نخلص الى مايلى:-

1- نزع الملكية فى القانون الليبى لم يقرره المشرع القانونى مرسلا دون ضمانات, انما أحاطه بسياج من الاجراءات ليحول دون تعسف الجهات الادارية فى استعمال هذا الحق.

2- ان اعمال المنفعة العامة التى وردت فى القانون الليبى جاءت على سبيل الحصر وفى نطاق مايلى:-

*مشروعات الاسكان العام و الخاص.

*التطوير العمرانى

*المشروعات الصناعية... فقط دون غير هذه الثلاث أنواع, فى حين تجعل النظم القانونية المقارنة كما هو الحال فى مصر مثلا فى ظل القانون رقم 10-1990 أن مشروعات المنفعة العامة ذكرت على سبيل التمثيل وليس على سبيل الحصر كما هو الحال فى القانون الليبى

3- يكشف التطبيق العملى على أرض الواقع لقرارات نزع الملكية فى ليبيا عن عدم مواكبة التشريعات القائمة للتطورات التى حدثت بالمجتمع الليبى و التى من نتيجتها تزايد دور الدولة الليبية فى اقامة المشروعات العامة التى تقتضيها المصالح السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية للمجتمع الليبى .

4- عد توفير الضمانات الكافية لمن تنزع ملكياتهم الخاصة لأغراض المنفعة العامة اقتضاء تحصيل التعويض العادلأو البديل المناسب وفق اجاءات مبسطة.

ان أغلب القرارت الصادرة فى الاونة الاخيرة بشأن اعتبار بعض المشروعات من أعمال المنفعة العامة قد تتعرض للالغاء من دوائر القضاء الادارى للاسباب التالية:-

1-عدم أخذ الموافقة من اللجنة الشعبية العامة للزراعة و الثروة الحيوانية

و البحرية و الاسكان و المرافق.

2-عدم تحديد السبب الدقيق للمنفعة العامة المتوخى من اصدار بعض قرارات نزع الملكية لبعض الاراضى.

و الخلاصة أن هناك فراغ تشريعى يجب ملؤه فى أقرب وقت اذ أن القضاء الادارى قد ينتهى الى أنه من المتعذر قانونا فى الوقت الراهن اصدار قرارات نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة لعدم النص على ذلك صراحة فى القانون رقم 1 لسنة 1375 و.ر .

وفى نهاية مذكرة رأى جهاز الادارة و المتابعة القانونية باللجنة الشعبية العامة وضع اقتراح مشروع قانون ينظم أحكام نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة

المصلحة الوطنية وسياسة التشريع المستقبلية

لقد أكدت لجنة مراجعة القانون المدني فى مذكرتها الإيضاحية المرفقة بمشروع القانون المقدم للمناقشة والإقرار من قبل السلطة التشريعية وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية ؛ على ضرورة ضمان الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية لمن طبقت فى شأنهم تلك القوانين المطلوب إلغائها وهي :

القانون رقم 4 لسنة 1978 م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية .

القانون رقم 21 لسنة 1984 م بشأن الأحكام الخاصة بتقرير المنفعة العامة والتصرف فى الأراضي الزراعية .

القانون رقم 7 لسنة 1985م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوى التعويض المتعلقة بتطبيق المقولات الثورية.

القانون رقم 7 لسنة 1986م بالغاء ملكية الأرض .

القانون رقم 11 لسنة 1992م بتقرير بعض الأحكام بالملكية العقارية .

القانون رقم 10 لسنة 1427م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوى الملكية والطرد والإخلاء المتعلقة بالعقارات التي آلت إلى المجتمع .بموجب مشروع المصلحة الوطنية تقرر إلغاء كافة القوانين المعدلة للقوانين المشار إليها ، وإلغاء كل ما يخالف أحكام مشروع المصلحة الوطنية فى حال إقراره . وهو اتجاه إيجابي يتفق مع السياسة العامة الجديدة للدولة خاة وأن مشروع القانون أكد فى الفقرة الثانية من المادة 6 التي جاء فيها إنه :" لا يخل إلغاء القوانين المذكورة بالحقوق المكتسبة من تطبيق أحكامها ". بالمقابل فإن مشروع قانون المصلحة الوطنية أغفل وألغي ولم ينصف أصحاب الحقوق ممن تضرروا أو سوف يتضررون وهم كثر فى ضوء الكم الهائل من القرارات التي اتخذت وسوف تتخذها اللجنة الشعبية العامة بنزع الملكية لأغراض المنفعة العامة وقد اكتفت المادة الأولى من المشروع بقولها :" الملكية الخاصة مقدسة ومصانة ولا يجوز المساس بها إلا للمصلحة العامة وللقانون ولقاء تعويض عادل " ، وكان يجب أن يضاف إليها عبارة (أو البديل المناسب وأن تتضمن المادة الثانية من المشروع عبارة :" وتكون الأولية لمن تضرروا من نزع أراضيهم وممتلكاتهم لأغراض المنفعة العامة " لضمان الحق الذي منحه المشرع بموجب أحكام المادة 30 من القانون 116 لسنة 1972م الخاص بالتطوير العمراني) ، التي قد تعتبر ملغاة ضمنا بموجب المشروع ، رغم ما كفلته من حماية لحق الملكية بقولها :"يجوز أن يتم التعويض عن العقارات التي تؤول إلى الدولة بموجب أحكام هذا الباب عن طريق نقل ملكية عقار من أملاك الدولة إلى مستحق التعويض ، بشرط موافقته على ذلك وبمراعاة التعادل فى القيمة بين العقارين فإذا اختلفت القيمة أدى الفرق نقدا ".أما ما جاء بالمادة 88 من مشروع القانون والتي نصت على انه :" تفقد الأموال العامة صفتها بانتهاء تخصيصها للمنفعة العامة ، وينتهي التخصيص بمقتضى القانون أو بالفعل أو انتهاء الغرض الذي من أجله خصصت تلك الأموال للمنفعة " ، فقد أعطت الحق لمن لا يستحقه ومنعته على من له الحق فى استرجاع ممتلكاته وأراضيه فى حالة انتفاء صفة المنفعة العامة عليها خصوصا وأن المادة 7 من المشروع قد نصت علي أن تلغي أي أحكام أخري مخالفة لهذا القانون ، وتم تجاوز ما ضمنته المادة 29 من القانون رقم 116 لسنة1972 سابق الإشارة ؛ من ضمانات – لأنه ساري المفعول فيما لا يخالف أحكام المشروع- التي نصت على انه :" إذا لم يبدأ فى تنفيذ المشروع الذي صدر قرار باعتباره من أعمال المنفعة العامة خلال ثلاث سنوات من تاريخ صدور هذا القرار جاز رد العقارات التي تقرر لزومها لتنفيذ هذا المشروع إلى ملاكها السابقين أو ورثتهم بناء على طلبهم وبشرط أن يردوا ما صرف إليهم من تعويض طبقا للأوضاع التي يحددها وزير الإسكان خلال ستة اشهر من تاريخ انقضاء مدة الثلاث سنوات المشار إليها ، ويصدر بالرد قرار من وزير الإسكان ينشر بالجريدة الرسمية ويسجل فى مكتب التسجيل العقاري المختص دون مصاريف أو رسوم " ، وكان يتعين إقرار سياسة تشريعية متوازنة تتماشى و التوجه الجديد للمجتمع ؛ علي أن يستفيد منها كافة أفراد المجتمع دون استثناء ولكن وعلي ضوء ما نراه في ساحتنا وما يطرح من أراء و أفكار فإن الرابح الأكبر الذي سوف يستفيد من مشروع القانون وفي حالة تمريره و إقراره بصيغته الحالية وأصبحت له الصفة التشريعية خصوصا بعد أن نصت المادة 7 من المشروع بإلغاء أي نص مخالف لهذا القانون ، فان الرابح الأكبر هو "الاستعمار القانونى الجديد" والذي سوف يبتلع كل شيء ونندم حيث لا ينفع الندم ، ويتمثل هذا الاستعمار القانونى الجديد في الشركات و صناديق الاستثمار و المحافظ الاستثمارية وغيرها والتي أنشأت بموجب قرارات صادرة عن اللجنة الشعبية العامة و ممولة بالكامل من الأموال العامة العينية و النقدية والتى خولت له حق التصرف و إدارة واستثمار عوائد الليبيين المستفيدين من توزيع عائدات النفط ، كذلك تملكها للأصول الثابتة و المنقولة المملوكة للمجتمع بما في ذلك الأملاك الخاصة بعد انتفاء صفة المنفعة العامة علبها حسب المادة 88 من مشروع القانون ، كذلك يشمل هذا التملك أراضى شواطئ البحر المملوكة للمجتمع وما تبقي من منشئات صناعية و خدمية و بذلك سيسيطر هذا " الاستعمار الجديد سيطرة كاملة علي مقدرات الشعب الليبى وعلي اقتصاده الوطني .وسيبقى أفراد الشعب الليبى يلهثون وراء الحصول على عمل فى مؤسسات هذا الاستعمار الجديد التى قامت على ملكيات أراضيهم الخصبة للاستثمار الاقتصادى و التى تنزع منهم باسم مشروعات المنفعة العامة ,تماما كما عملوا فى أراضى الميرى فى العهد العثمانى الثانى أو فى مزارع المعمرين الايطاليين فترة الاستعمار الايطالى أو أنهم سيبقون خاملين بلا عمل ولا انتاج ولانشاط اقتصادى وعالة على الدولة كما حدث عندما وضعت القوانين والتشريعات لنزع الملكيات الخاصة وتحجيم النشاط الاقتصادى للأفراد فى السبعينات والثمانينات من القرن الماضى.

المراجع:-

1- عمارة الارض فى الاسلام ,د. جميل عبد القادر أكبر

2- دور السياسة المالية الاسلامية فى تحقيق التنمية الاقتصاديه د.السيد عطيةعبد الواحد
3- قانون الأراضى العثمانى لسنة 1858 م.

4- تاريخ الزراعة فى ليبيا, المؤرخ أحمد الطوير.

4- تاريخ المصارف فى ليبيا منذ العهد العثمانى, عبد الرحيم محمد النعاس.

5- نزع الملكية للمنفعة العامة بين الشريعة و القانون. سعد محمد خليل 1990.

6- المنفعة العامة و حق الدولة فى ملكية الأرض د.محمد المدنى ,صحيفة الوطن لليبية.

7-المصلحة الوطنية وسياسة التشريع المستقبلية,د. فايزة الباشا, موقع القانون الليبى.

8- مذكرة الرأى حول الاشكاليات التشريعية المتعلقة بقرارات نزع الملكية الخاصة واعتبار بعض المشروعات من أعمال المنفعة العامة فى ليبيا،


جهاز المتابعة و الأدارة, اللجنة الشعبية العامة..