ولد المجاهد محمد ملكني في واحة تازر
(الكفرة) سنة 1892 من أسرة تباوية بدوية، وترعرع بين أقرانه من قبيلته
والقبائل الأخرى القاطنة في الواحة، حيث عرف عنه لباقة الحديث وحسن التصرف
في الكثير من المواقف، وكان منبع خصاله هذه ما تميز به من رصانة وثقة في
النفس، وقد صاحبته هذه الخصال ولزمت سلوكه طوال حياته.
والده المجاهد علي أزامي، من قبيلة ماضنا، وقد جاهد ضد الاستعمار الفرنسي إبان احتلاله لتشاد في معارك العلالي وعين كلاكة وأم العظام، وكان معه من المجاهدين على سبيل الذكر عمر المختار وأحمد الشريف وعبد القادر آدم التباوي وعبدالله الطوير.
من أبنائه من زوجته الأولى هيادة: الشيخ أحمد وهو من حملة كتاب الله، وقد نشأ في بيئة صحراوية نهل منها الفضائل والمكارم، وكان إمامأ لجامع فاطمة الزهراء في واحة تازر (الكفرة)، وحاج لبن الذي عمل ضابطاً في سلك الشرطة في عهد الملك إدريس السنوسي وكذلك في العهد السابق، وقد عمل سابقاً مديراً لمركز شرطة غريان والكفرة واجدابيا ومركز الصابري ببنغازي، وكان همه الوحيد مثل غيره من الوطنيين وحدة تراب الوطن والدفاع عنه، فضلاً عن دوره الوطني حتى بعد إحالته من الخدمة، وهو من شيوخ التبو في الكفرة الذين لعبوا دوراً جلياً في رأب الصدع ونبذ ما تفشّى من نزاعات قبلية في الصحراء.
زوجته الثانية هي حواء، وقد أنجبت له مادية والحاج حسن الذي اتسم بالكثير من صفات أبيه كالشجاعة ونكران الذات ولباقة الحديث، ومن أحفاده الشهيد البطل فتحي لبن الذي أعتقل من قبل النظام البائد وذلك عقب خروجه من صلاة الفجر في مسجد الأنصار بحي “السويدية” سنة 1988، وكان متطوعاً في لتعليم الأطفال في حيين هما الشورى والسويدية، فعلّمهم قواعد اللغة والإملاء وأصول الدين والإرشاد، وقد سبق وأن هُدّد من قبل النظام البائد مرات عديدة للحد من ممارسته للشعائر الدينية وإرغامه بطريقة أو بأخرى على التخلي عن دوره الإرشادي، إلا انه أبى وواصل دعوته، فأودع سجن أبوسليم مع إخوانه في الدين والوطن حتى مقتلهم المشهود سنة 1996، زقد باتت هذه الجريمة النكراء معروفة دولياً باسم (مجزرة بوسليم). وعلى دربه سار إخوانه وأصدقاؤه فشكّلوا كتيبة باسمه هي “كتيبة الشهيد فتحي لبن” إبان الثورة الوطنية للإطاحة بالنظام البائد الذي أهلك الوطن والأمة والشعب.
ومن أخوته أرامي، والد الشهيد البطل حسن الذي استشهد في معركة قمينس ضد الاستعمار الايطالي سنة 1924، وقد تم تكريم أهله من قبل مركز الجهاد الليبي.
ومن أصدقائه المجاهد الكبير قجة عبد الله التشادي قائد معركة بير بلال، الذي ينتمي لقبيلة “البديات” وهي من تبو الدزا، وكان برفقته 50 مجاهداً من أفراد تبو تشاد وزغاوة، وقد آواه مِلْكِني هو ورفاقه في منزله بواحة تازر (الكفرة) عند قدومه إلي الواحة، وكان من ضمن الحاضرين الشيخ أردية أوشا، ولودة يسكي، وأزقي، وكان قجة عبدا لله يمازح ملكني باحثاً عن حقيقة كنية محمد (ملكني باللغة التباوية)، وكانت إجابة محمد أن اللقب للدلالة على اللون وصغر السن، ولكن هذه الإجابة لم تكن كافية لديه، فكان مُصراً على تفسيره باللغة العربية تارة بملك النيل، وتارة بذي الحكمة والعقل الذي لا تهزه النوازل والنوائب، والذي يعدّ بيته مقصدا لكل زائر.
التقي ملكني أيضاً بالمجاهد قجة عبدالله في منطقة قمينس عند عقد الاجتماع في تلك المنطقة، ومن أصدقائه المجاهدين من أبناء قبيلته المجاهد هرنجي دلمي والمجاهد سلمي شدة والمجاهد صالح اردموني وطاهر إبراهيم، وكانت تربطه علاقات حميمة مع قادة الجهاد في مناطق برقة كالجبل الأخضر وبرقة الوسطي والغربية، ومنهم المجاهد الكبير عمر المختار المنفي وإدريس السنوسي الذي تم تنصيبه أميراً على الأقاليم سنة 1922 في المؤتمر الذي عقد بسرت، وكان صالح الأطيوش المغربي رئيساً لوفد المنطقة الشرقية، وفي أواخر ديسمبر 1922 ذهب السيد إدريس إلى مصر وعيّن أخاه محمد الرضا السنوسي خلفاً له والشيخ المجاهد عمر المختار قائداً لمنطقة الجبل الأخضر، وعيّن صالح الأطيوش قائداً وزعيماً لمنطقة برقة الغربية، والمجاهد قجة عبدالله قائداً لمنطقة برقة الوسطي. وقد أرسل المجاهد محمد ملكني رسالة شكر للمجاهد صالح الأطيوش وبقية المجاهدين أعرب فيها عن شكره للدور الذي قاموا به من أجل توحيد صفوف المجاهدين واعتذاره عن عدم حضوره مؤتمر سرت.
كذلك تربطه علاقة متميزة بأفراد قبيلة المغاربة ومنهم صالح الكيلاني الأطيوش، وقبيلة المجابرة ومنهم الشاعر بوكارة المجبري، وأيضاً بالعائلة السنوسية في تازر وخاصة مع الوكيل عابد السنوسي ابن عم إدريس السنوسي وكذلك السيد الزروالي، وكذلك المجاهد بومطاري الزوي، حيث منح المجاهد محمد ملكني نظير شجاعته وإخلاصه وبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن أعلى الأوسمة وأرفعها منزلة خلال عهد المملكة وأيضاً شهادة تقدير من مركز الجهاد الليبي.
دوره في الجهاد
ما أن سيطرت القوات الإيطالية على مناطق الوسط والجنوب والغرب. إضافة إلى وجود الايطاليين في مناطق بنغازي وما حولها، حتى بدأت بالاستعداد العسكري لاحتلال منطقة الكفرة. وكانت السيطرة على هذه الواحات تمثل أهمية خاصة في الإستراتجية الحربية الاستعمارية الايطالية حينذاك، خاصة بعد أن تحول إليها القسم الباقي من المجاهدين عقب احتلال منطقة الخليج والمناطق الصحراوية المجاورة، كما تعتبر واحة الكفرة مركزاً اقتصادياً مهماً حيث كانت تمر بها القوافل الداعمة للمجاهدين في مناطق الجبل الأخضر، مع التخطيط الايطالي الحربي الذي أكد عليه الوالي بادوليو والذي يقضي بملاحقة كافة جيوب المقاومة وبسط النفوذ قوات على كافة البلاد.
التحق المجاهد ملكني بحركة الجهاد في مناطق الجبل الأخضر بقيادة عمر المختار وذلك في سنة 1927. وبعد رجوعه إلى تازر (الكفرة) بأربعة سنوات شرع غرستياني في الهجوم على الكفرة وأسند للواء وتكيتي مهمة التجهيز وإعداد الناقلات التي ستتوجه إلى الصحراء لتوفير وسائل نقل الشاحنات والإبل والوقود والذخائر ومواد الأخرى.
كانت قوة الحملة تتكون من654 إيطالياً ما بين ضباط وضباط صف وجنود، ومن 3321 عسكرياً تحملها 328 آليه شاحنة وسرية من السيارات المصفحة، وسبعة آلاف جمل، وثلاثة مدافع، وسبعين رشاشاً، حسب الوثائق التي أوردتها الكتب التاريخية. أما عتاد المجاهدين من جميع القبائل القاطنة في الكفرة فقد كان بسيطاً، حيث كانوا مزودين ببنادق وكان جلّهم من المشاة، وعندما وصلت القوات الايطالية إلى منطقة الهواري بقيادة ماليتي يوم 18 يناير سنة 1931 لم تكن تعرف شيئاً عن الوضع في الكفرة وقد أتمت رحلتها في هدوء، حتى وصلت رسالة لاسلكية من الجنرال غرايستياني مفادها “عليكم بالحذر الشديد وإلى الإمام مهما كان الثمن”.
انطلقت الرصاصات الأولى في الهواري واشتعلت معركة الهوارية على الفور حيث واجهت المستعمرين مقاومة عنيفة بالرغم من البون الشاسع في العدة والعتاد بين المجاهدين والمستعمرين. وكانت معارك الدفاع عن الكفرة من أشهر المعارك في تاريخ المقاومة الليبية للاحتلال الايطالي. وهي مدوّنة في أغلب الكتب التاريخية التي تعرضت لأحداث الجنوب.
وبعد هذه المعركة الضارية قام القائد مليتي بمحاصرة محلة المجاهدين إلا أن كانوا يتخذون تكتيكهم الخاص، وخاصة بعد سماعهم بقدوم القوات الثانوية التي انضمت إلى القوات في المعركة وهي ما تسمي عند الجيش الايطالي باسم الفريق الصحراوي المكون من الايطاليين والأرتريين، واستعانت القوات الايطالية بسلاح الطيران فاستشهد عدد الكبير من المجاهدين وعلى رأسهم قائد المعركة بومطاري. وهنا تراجع المجاهدون صوب الجوف والتاج بعد أخذهم ما تحصلوا عليه من غنائم في المعركة، وحملوا أسلحة المجاهدين ومن بينها بندقية بومطاري التي أخذها ملكني بنفسه وأوصلها إلى أهله. ثم لحقت القوات الايطالية وقامت باحتلال واحتي التاج والجوف بتاريخ 20 فبراير 1931. وحينها أعلن غرايستياني كلمته المشهورة “هذه الكفرة يا سادة”، وانقسمت القوات الايطالية إلى ثلاث محاور لمطاردة المجاهدين. وكان المحور الأول نحو الحدود المصرية، والمحور الثاني نحو تبستي، والمحور الثالث نحو المناطق الداخلية، وهنا تشتت المجاهدون إلى عدة جهات، وكان لمحمد ملكني الدور الأبرز في إنقاذ كثير من المطاردين والأسر النازحة في الكفرة من الأطفال والشيوخ والنساء، لكونه كان خبيراً بالصحراء، حيث قادهم إلى “تهيدا” الواقعة جنوب غرب الكفرة والتي تبعد عنها بمسافة يوم كامل على الإبل أي حوالي (70ك م) ومكثوا هناك حيث قال محمد ملكني باللغة التباوية: “ايا بيدو تصوا ُاُودا اغاي تشدي” أي كلما مكثنا هنا يوماً كلما خسرنا واحداً لاسيما الأطفال منهم، وكان بينهم ابنه أحمد، وذلك لنقص الماء والقوت لديهم، ولهذا قادهم إلى محافظة “قرو” الواقعة في إقليم تبيستي شمال تشاد حيث رحّب أهالي التبو القاطنين في تلك المحافظة بالمطاردين وذلك لقوة الترابط الإسلامي والاجتماعي بين أهالي الواحتين.
لقد قُتل الكثير من أهالي الكفرة من الذين اتجهوا غرباً بسبب استخدام القوات الايطالية لسلاح الطيران لانجاز عمليات المطاردة، فقضت على الكثير من أهالي الواحة والمطاردين على الحدود، وخاصة صوب الحدود التشادية، واستمر قصف المحور الثاني حتى دخول المجاهدين إلى الأراضي التشادية، وكان سقوط الكفرة وقتل أهالي واحة تازر والتنكيل بهم قد أثار سخط الأمة الإسلامية كافة ونشرته عدة جرائد آنذاك ومن بينها جريدة الأهرام المصرية التي كتبت تقريراً بعنوان “شهداء العقيدة”.
هذه حصيلة مبسطة لتاريخ أبناء تازر (الكفرة) المجاهدة، ومنهم من يعرفه القراء بعد أن ذكر دوره بشكل مبسط في فيلم عمر المختار، أما طمس دور المجاهد محمد ملكني التباوي فقد كان متعمداً إذ لم يذكر إلا في مسلسل “الهجيج” الذي أداه الممثلين الوطنين، فقاموا بقدر إمكانهم وذلك بتجسيد بعض أخباره، ولكن لم تكن أدوارهم كافية لتجسيد دوره البطولي الكبير، نظراً لوجود قيود من النظام البائد لطمس تاريخ كثير من أبناء الكفرة من التبو والسنوسيين وغيرهم من المجاهدين تطبيقاً لمقولة مكيافيلي: “اقطع الشعب عن تاريخه تسيطر عليه”.
دوره في قيادة الرّحالة
التقى ملكني بالرحالة الانجليزية روزيتا فوربس التي جاءت إلى ليبيا عام 1920. وكذلك الرحالة المصري أحمد حسنين باشا الذي قدم إلى تازر (الكفرة) عام 1923 عبر مروره من واحة الجغبوب وأوجله وجالو.
ذكر حسنين في كتابه “في صحراء ليبيا” أنه أول من اكتشف الواحتين المجهولتين (ويعني واحة “اركنو” وهي بالتباوية اسم لنوع من الشجر، كما تعني صرخة عند البدو، وواحة العوينات) وهما واحتان تقعان جنوب شرق واحة تازر (الكفرة). وذكر في كتابه بأن قافلته كانت مؤلفة من27 جملاً و19 شخصاً ومن بينهم محمد ملكني وأخوه أرامي اللذان رافقا الرحّالة من واحة الكفرة.
كان محمد ملكني دليلاً في هذه الرحلة، وكان معهم أيضاً السيد الزروالي الذي رافق الرحالة من واحة جالو وبوكارة وابوحليقة وحامد، وأيضاً الشيخ هري الملقب بملك العوينات والذي انظم للقافلة في العوينات، وقال الرحالة بأن أهالي التبو القاطنين في العوينات كانوا مضيافين اذ يقدمون لكل زائر أو مسافر عند حلّه في الواحة “عبرة” وهي أكلة تباوية مصنوعة من الحنظل والتمر واللبن.
وقد أضطر محمد ملكني وأخوه أرامي والشيخ هري عند وصولهم إلى أردي شمال شرق تشاد إلى الرجوع لأنهم حسب قولهم لا يجسرون على التوغل جنوباً أكثر من ذلك، وكان آخر ما قال الرحالة عن محمد ملكني في كتابه “في صحراء ليبيا” أنه يتسم بخصلتي الاعتماد على نفس والرضا بالأقدار، وهما شيئان يميزان سكان الصحراء. كما قال بأن آخر ما سمعه من محمد ملكني دعاءه لباقي رفاقه في الرحلة “اسأل الله أن يرعاكم ويهبكم القوة”، ثم رجع إلى موطنه بالكفرة عام 1925.
لقد عاش المجاهد البطل والدليل الفذ محمد ملكني حياته إلى أن وافته المنية عام 1981 بمنزله الكائن في قارة التبو عن عمر يناهز 89 سنة تاركاً لنا سيرة عطرة وحياة حافلة بالتضحية والفداء ونكران الذات.
والده المجاهد علي أزامي، من قبيلة ماضنا، وقد جاهد ضد الاستعمار الفرنسي إبان احتلاله لتشاد في معارك العلالي وعين كلاكة وأم العظام، وكان معه من المجاهدين على سبيل الذكر عمر المختار وأحمد الشريف وعبد القادر آدم التباوي وعبدالله الطوير.
والدته ألوة آدم اسماي، من قبيلة هوكتيا.
من أبنائه من زوجته الأولى هيادة: الشيخ أحمد وهو من حملة كتاب الله، وقد نشأ في بيئة صحراوية نهل منها الفضائل والمكارم، وكان إمامأ لجامع فاطمة الزهراء في واحة تازر (الكفرة)، وحاج لبن الذي عمل ضابطاً في سلك الشرطة في عهد الملك إدريس السنوسي وكذلك في العهد السابق، وقد عمل سابقاً مديراً لمركز شرطة غريان والكفرة واجدابيا ومركز الصابري ببنغازي، وكان همه الوحيد مثل غيره من الوطنيين وحدة تراب الوطن والدفاع عنه، فضلاً عن دوره الوطني حتى بعد إحالته من الخدمة، وهو من شيوخ التبو في الكفرة الذين لعبوا دوراً جلياً في رأب الصدع ونبذ ما تفشّى من نزاعات قبلية في الصحراء.
زوجته الثانية هي حواء، وقد أنجبت له مادية والحاج حسن الذي اتسم بالكثير من صفات أبيه كالشجاعة ونكران الذات ولباقة الحديث، ومن أحفاده الشهيد البطل فتحي لبن الذي أعتقل من قبل النظام البائد وذلك عقب خروجه من صلاة الفجر في مسجد الأنصار بحي “السويدية” سنة 1988، وكان متطوعاً في لتعليم الأطفال في حيين هما الشورى والسويدية، فعلّمهم قواعد اللغة والإملاء وأصول الدين والإرشاد، وقد سبق وأن هُدّد من قبل النظام البائد مرات عديدة للحد من ممارسته للشعائر الدينية وإرغامه بطريقة أو بأخرى على التخلي عن دوره الإرشادي، إلا انه أبى وواصل دعوته، فأودع سجن أبوسليم مع إخوانه في الدين والوطن حتى مقتلهم المشهود سنة 1996، زقد باتت هذه الجريمة النكراء معروفة دولياً باسم (مجزرة بوسليم). وعلى دربه سار إخوانه وأصدقاؤه فشكّلوا كتيبة باسمه هي “كتيبة الشهيد فتحي لبن” إبان الثورة الوطنية للإطاحة بالنظام البائد الذي أهلك الوطن والأمة والشعب.
ومن أخوته أرامي، والد الشهيد البطل حسن الذي استشهد في معركة قمينس ضد الاستعمار الايطالي سنة 1924، وقد تم تكريم أهله من قبل مركز الجهاد الليبي.
ومن أصدقائه المجاهد الكبير قجة عبد الله التشادي قائد معركة بير بلال، الذي ينتمي لقبيلة “البديات” وهي من تبو الدزا، وكان برفقته 50 مجاهداً من أفراد تبو تشاد وزغاوة، وقد آواه مِلْكِني هو ورفاقه في منزله بواحة تازر (الكفرة) عند قدومه إلي الواحة، وكان من ضمن الحاضرين الشيخ أردية أوشا، ولودة يسكي، وأزقي، وكان قجة عبدا لله يمازح ملكني باحثاً عن حقيقة كنية محمد (ملكني باللغة التباوية)، وكانت إجابة محمد أن اللقب للدلالة على اللون وصغر السن، ولكن هذه الإجابة لم تكن كافية لديه، فكان مُصراً على تفسيره باللغة العربية تارة بملك النيل، وتارة بذي الحكمة والعقل الذي لا تهزه النوازل والنوائب، والذي يعدّ بيته مقصدا لكل زائر.
التقي ملكني أيضاً بالمجاهد قجة عبدالله في منطقة قمينس عند عقد الاجتماع في تلك المنطقة، ومن أصدقائه المجاهدين من أبناء قبيلته المجاهد هرنجي دلمي والمجاهد سلمي شدة والمجاهد صالح اردموني وطاهر إبراهيم، وكانت تربطه علاقات حميمة مع قادة الجهاد في مناطق برقة كالجبل الأخضر وبرقة الوسطي والغربية، ومنهم المجاهد الكبير عمر المختار المنفي وإدريس السنوسي الذي تم تنصيبه أميراً على الأقاليم سنة 1922 في المؤتمر الذي عقد بسرت، وكان صالح الأطيوش المغربي رئيساً لوفد المنطقة الشرقية، وفي أواخر ديسمبر 1922 ذهب السيد إدريس إلى مصر وعيّن أخاه محمد الرضا السنوسي خلفاً له والشيخ المجاهد عمر المختار قائداً لمنطقة الجبل الأخضر، وعيّن صالح الأطيوش قائداً وزعيماً لمنطقة برقة الغربية، والمجاهد قجة عبدالله قائداً لمنطقة برقة الوسطي. وقد أرسل المجاهد محمد ملكني رسالة شكر للمجاهد صالح الأطيوش وبقية المجاهدين أعرب فيها عن شكره للدور الذي قاموا به من أجل توحيد صفوف المجاهدين واعتذاره عن عدم حضوره مؤتمر سرت.
كذلك تربطه علاقة متميزة بأفراد قبيلة المغاربة ومنهم صالح الكيلاني الأطيوش، وقبيلة المجابرة ومنهم الشاعر بوكارة المجبري، وأيضاً بالعائلة السنوسية في تازر وخاصة مع الوكيل عابد السنوسي ابن عم إدريس السنوسي وكذلك السيد الزروالي، وكذلك المجاهد بومطاري الزوي، حيث منح المجاهد محمد ملكني نظير شجاعته وإخلاصه وبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن أعلى الأوسمة وأرفعها منزلة خلال عهد المملكة وأيضاً شهادة تقدير من مركز الجهاد الليبي.
دوره في الجهاد
ما أن سيطرت القوات الإيطالية على مناطق الوسط والجنوب والغرب. إضافة إلى وجود الايطاليين في مناطق بنغازي وما حولها، حتى بدأت بالاستعداد العسكري لاحتلال منطقة الكفرة. وكانت السيطرة على هذه الواحات تمثل أهمية خاصة في الإستراتجية الحربية الاستعمارية الايطالية حينذاك، خاصة بعد أن تحول إليها القسم الباقي من المجاهدين عقب احتلال منطقة الخليج والمناطق الصحراوية المجاورة، كما تعتبر واحة الكفرة مركزاً اقتصادياً مهماً حيث كانت تمر بها القوافل الداعمة للمجاهدين في مناطق الجبل الأخضر، مع التخطيط الايطالي الحربي الذي أكد عليه الوالي بادوليو والذي يقضي بملاحقة كافة جيوب المقاومة وبسط النفوذ قوات على كافة البلاد.
التحق المجاهد ملكني بحركة الجهاد في مناطق الجبل الأخضر بقيادة عمر المختار وذلك في سنة 1927. وبعد رجوعه إلى تازر (الكفرة) بأربعة سنوات شرع غرستياني في الهجوم على الكفرة وأسند للواء وتكيتي مهمة التجهيز وإعداد الناقلات التي ستتوجه إلى الصحراء لتوفير وسائل نقل الشاحنات والإبل والوقود والذخائر ومواد الأخرى.
كانت قوة الحملة تتكون من654 إيطالياً ما بين ضباط وضباط صف وجنود، ومن 3321 عسكرياً تحملها 328 آليه شاحنة وسرية من السيارات المصفحة، وسبعة آلاف جمل، وثلاثة مدافع، وسبعين رشاشاً، حسب الوثائق التي أوردتها الكتب التاريخية. أما عتاد المجاهدين من جميع القبائل القاطنة في الكفرة فقد كان بسيطاً، حيث كانوا مزودين ببنادق وكان جلّهم من المشاة، وعندما وصلت القوات الايطالية إلى منطقة الهواري بقيادة ماليتي يوم 18 يناير سنة 1931 لم تكن تعرف شيئاً عن الوضع في الكفرة وقد أتمت رحلتها في هدوء، حتى وصلت رسالة لاسلكية من الجنرال غرايستياني مفادها “عليكم بالحذر الشديد وإلى الإمام مهما كان الثمن”.
انطلقت الرصاصات الأولى في الهواري واشتعلت معركة الهوارية على الفور حيث واجهت المستعمرين مقاومة عنيفة بالرغم من البون الشاسع في العدة والعتاد بين المجاهدين والمستعمرين. وكانت معارك الدفاع عن الكفرة من أشهر المعارك في تاريخ المقاومة الليبية للاحتلال الايطالي. وهي مدوّنة في أغلب الكتب التاريخية التي تعرضت لأحداث الجنوب.
وبعد هذه المعركة الضارية قام القائد مليتي بمحاصرة محلة المجاهدين إلا أن كانوا يتخذون تكتيكهم الخاص، وخاصة بعد سماعهم بقدوم القوات الثانوية التي انضمت إلى القوات في المعركة وهي ما تسمي عند الجيش الايطالي باسم الفريق الصحراوي المكون من الايطاليين والأرتريين، واستعانت القوات الايطالية بسلاح الطيران فاستشهد عدد الكبير من المجاهدين وعلى رأسهم قائد المعركة بومطاري. وهنا تراجع المجاهدون صوب الجوف والتاج بعد أخذهم ما تحصلوا عليه من غنائم في المعركة، وحملوا أسلحة المجاهدين ومن بينها بندقية بومطاري التي أخذها ملكني بنفسه وأوصلها إلى أهله. ثم لحقت القوات الايطالية وقامت باحتلال واحتي التاج والجوف بتاريخ 20 فبراير 1931. وحينها أعلن غرايستياني كلمته المشهورة “هذه الكفرة يا سادة”، وانقسمت القوات الايطالية إلى ثلاث محاور لمطاردة المجاهدين. وكان المحور الأول نحو الحدود المصرية، والمحور الثاني نحو تبستي، والمحور الثالث نحو المناطق الداخلية، وهنا تشتت المجاهدون إلى عدة جهات، وكان لمحمد ملكني الدور الأبرز في إنقاذ كثير من المطاردين والأسر النازحة في الكفرة من الأطفال والشيوخ والنساء، لكونه كان خبيراً بالصحراء، حيث قادهم إلى “تهيدا” الواقعة جنوب غرب الكفرة والتي تبعد عنها بمسافة يوم كامل على الإبل أي حوالي (70ك م) ومكثوا هناك حيث قال محمد ملكني باللغة التباوية: “ايا بيدو تصوا ُاُودا اغاي تشدي” أي كلما مكثنا هنا يوماً كلما خسرنا واحداً لاسيما الأطفال منهم، وكان بينهم ابنه أحمد، وذلك لنقص الماء والقوت لديهم، ولهذا قادهم إلى محافظة “قرو” الواقعة في إقليم تبيستي شمال تشاد حيث رحّب أهالي التبو القاطنين في تلك المحافظة بالمطاردين وذلك لقوة الترابط الإسلامي والاجتماعي بين أهالي الواحتين.
لقد قُتل الكثير من أهالي الكفرة من الذين اتجهوا غرباً بسبب استخدام القوات الايطالية لسلاح الطيران لانجاز عمليات المطاردة، فقضت على الكثير من أهالي الواحة والمطاردين على الحدود، وخاصة صوب الحدود التشادية، واستمر قصف المحور الثاني حتى دخول المجاهدين إلى الأراضي التشادية، وكان سقوط الكفرة وقتل أهالي واحة تازر والتنكيل بهم قد أثار سخط الأمة الإسلامية كافة ونشرته عدة جرائد آنذاك ومن بينها جريدة الأهرام المصرية التي كتبت تقريراً بعنوان “شهداء العقيدة”.
هذه حصيلة مبسطة لتاريخ أبناء تازر (الكفرة) المجاهدة، ومنهم من يعرفه القراء بعد أن ذكر دوره بشكل مبسط في فيلم عمر المختار، أما طمس دور المجاهد محمد ملكني التباوي فقد كان متعمداً إذ لم يذكر إلا في مسلسل “الهجيج” الذي أداه الممثلين الوطنين، فقاموا بقدر إمكانهم وذلك بتجسيد بعض أخباره، ولكن لم تكن أدوارهم كافية لتجسيد دوره البطولي الكبير، نظراً لوجود قيود من النظام البائد لطمس تاريخ كثير من أبناء الكفرة من التبو والسنوسيين وغيرهم من المجاهدين تطبيقاً لمقولة مكيافيلي: “اقطع الشعب عن تاريخه تسيطر عليه”.
دوره في قيادة الرّحالة
التقى ملكني بالرحالة الانجليزية روزيتا فوربس التي جاءت إلى ليبيا عام 1920. وكذلك الرحالة المصري أحمد حسنين باشا الذي قدم إلى تازر (الكفرة) عام 1923 عبر مروره من واحة الجغبوب وأوجله وجالو.
ذكر حسنين في كتابه “في صحراء ليبيا” أنه أول من اكتشف الواحتين المجهولتين (ويعني واحة “اركنو” وهي بالتباوية اسم لنوع من الشجر، كما تعني صرخة عند البدو، وواحة العوينات) وهما واحتان تقعان جنوب شرق واحة تازر (الكفرة). وذكر في كتابه بأن قافلته كانت مؤلفة من27 جملاً و19 شخصاً ومن بينهم محمد ملكني وأخوه أرامي اللذان رافقا الرحّالة من واحة الكفرة.
كان محمد ملكني دليلاً في هذه الرحلة، وكان معهم أيضاً السيد الزروالي الذي رافق الرحالة من واحة جالو وبوكارة وابوحليقة وحامد، وأيضاً الشيخ هري الملقب بملك العوينات والذي انظم للقافلة في العوينات، وقال الرحالة بأن أهالي التبو القاطنين في العوينات كانوا مضيافين اذ يقدمون لكل زائر أو مسافر عند حلّه في الواحة “عبرة” وهي أكلة تباوية مصنوعة من الحنظل والتمر واللبن.
وقد أضطر محمد ملكني وأخوه أرامي والشيخ هري عند وصولهم إلى أردي شمال شرق تشاد إلى الرجوع لأنهم حسب قولهم لا يجسرون على التوغل جنوباً أكثر من ذلك، وكان آخر ما قال الرحالة عن محمد ملكني في كتابه “في صحراء ليبيا” أنه يتسم بخصلتي الاعتماد على نفس والرضا بالأقدار، وهما شيئان يميزان سكان الصحراء. كما قال بأن آخر ما سمعه من محمد ملكني دعاءه لباقي رفاقه في الرحلة “اسأل الله أن يرعاكم ويهبكم القوة”، ثم رجع إلى موطنه بالكفرة عام 1925.
لقد عاش المجاهد البطل والدليل الفذ محمد ملكني حياته إلى أن وافته المنية عام 1981 بمنزله الكائن في قارة التبو عن عمر يناهز 89 سنة تاركاً لنا سيرة عطرة وحياة حافلة بالتضحية والفداء ونكران الذات.
-----------
نقلا عن : مركز الدراسات التباوية (تدا) بادارة الأستاذ عبدالله لبن .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق