الأربعاء، 13 فبراير 2013

ابن المنمر الطرابلسي...د.حمزة أبوفارس

أبو الحسن علي بن محمد بن المنمر الطرابلسي وكتابه الكافي

عرفنا في بلدتنا – مسلاته – سيدي المنير، الشاطيء الجميل الذي نسب إليه بمنطقة غنيمة والذي دفن بجواره أما هو فكل ما عرفناه عنه أنه من أولياء الله الصالحين وها أنا اليوم أنقل هذا المقال، الذي كتبه فضيلة الدكتور المحقق حمزة أبوفارس، معذرةً إلى هذا العالم الجليل ابن المنمر (الإسم الصحيح) الذي دفن هناك ومخطوطه الوحيد من كتابه الكافي يقبع هنا في مكتبة تشستر بيتي* في دبلن عاصمة أيرلندا. ولست أعجب أن تطالعنا هذه السبائك الذهبية من تراثنا المدفون والذي بدأت أقلام ليبية جادة بنبشه واستخراج الدرر الكامنة فيه لتصحح مفهوما شاع ردحاً من الزمن أن هذا البلد لم يكن سواء صحراء قاحلة خلت من العلماء والشعراء والأدباء.
إن التعريف بكتاب من تراثنا المخطوط الذي لم ير النور بعد وهو كتاب الكافي في الفرائض لعالم من علماء بلادنا – ليبيا ولد في طرابلس وعاش بها ومات فيها أيضاً وكان له الأثر الكبير في الأحداث التي مرت بها البلاد في زمنه على جانب كبير من الأهمية.
وما كنت أريد أن إلا كتابة أسطر قليلة في التعريف بالمؤلف، لكني عندما قرأت ما كتب عن حياة هذا الرجل آثرت أن يكون لكتابتي عن حياته النصيب الأكبر وذلكة لأسباب:

أولها : أنه على الرغم من أن الأستاذ علي مصطفى المصراتي قد كتب حوالي عشر صفحات عن هذا العالم فيها متعة أدبية تتخللها ترجمة لهذا الرجل شبه كاملة إلا أنه قد سبقه قلمه في ثلاثة مواضع بعضها أطال فيها النفس ورتب عليها أموراً لا صلة لابن المنمر بها حسب ما وصلت إليه في بحثي هذا، فأردت التنبيه إلى هذه المواضع.
وثانيها : أن هذا العالم يعرف بابن المنمر وبابن المنتصر فظن بعضهم أنهما عالمان.
وثالثها : أن في دوره السياسي والديني خلافاً وارتباكاً مصدرهما ما ذكرته في السبب السابق وغير ذلك مما سأتناوله أثناء الكلام عن دوره السياسي وتااريخ وفاته، ولم أقصد من كتابتي هذه إلا الإسهام حسب جهدي في نشر العلم والتنبيه على أهمية التعريف بعلماء هذا البلد الذين هضمت حقوقهم كتب التراجم، وضرورة البحث عن مؤلفاتهم داخل ليبيا وخارجها لنشرها محققةً وحينئذ نكون قد أسهمنا في كشف اللثام عن أجزاء من حياتنا الثقافية في العصور المختلفة.

مولده ونشأته :

ولد ابن المنمر بمدينة طرابلس سنة 348 هـ. ولا نعرف شيئاً عن أسرته ولا عن سكنه إلا ما ذكره التجاني من أن بيته يقع في وسط البلد بمقربة من الجامع الأعظم بقرب بيت أبي إسحاق الإجدابي، وهو مزاحم لمسجد أبي فرج الذي سمي باسم الفقيه ابي مسلم مؤمن بن فرج الهواري الطرابلسي لأنه كان يقريء به. ولا ندري إن كان هذا المنزل الذي كان يسكنه أبواه من قبل أم انتقل إليه أبو الحسن بعد أن بلغ أشده.

تعليمه وشيوخه :

حفظ أبو الحسن بن المنمر القرآن في صغره في طرابلس ثم اتجه ينهل من معين العلوم الشرعية واللغوية.

شيوخه في طرابلس :

لم تذكر لنا المصادر التي بين أيدينا من أسماء العلماء الطرابلسيين الذين أخذ عنهم ابن المنمر إلا واحداً وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب الطرابلسي، المعروف بابن زكرون. سمع من الجيزي وابن الجارود وأبي العرب. انتفع به أهل طرابلس، وعليه تفقه ابن المنمر. تآليفه كثيرة في الفقه والفرائض والشروط كان فقيهاً صالحاً زاهداً. توفي سنة 370 هـ.

رحلاته وشيوخه خارج طرابلس :

ثم ذهب ابن المنمر إلى القيروان، ولا نعرف بالتحديد تاريخ رحلته إلى القيروان ولكنه كان قبل سنة 385 هـ. إذ قد ذهب إلى مصر وأخذ عن الجوهري المتوفى سنة 385 هـ كما سنعرف فيما بعد، كما أنه لايمكن أن يكون ذهابه إلى القيروان بعد سنة 386 هـ لأنه أخذ عن ابن أبي زيد القيرواني وهذا توفي سنة 386 هـ، إذاً من المرجح أنه سافر إلى القيروان بعد أن توفي شيخه ابن زكرون سنة 370هـ.

شيوخه في القيروان :

وفي القيروان أخذ عن شيخين من ائمة المالكية هما :
1- أبو محمد عبدالله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني النفراوي، أشهر فقهاء المالكية في المائة الرابعة، كان واسع العلم كثير الحفظ والرواية. تفقه بفقهاء بلده، وسمع من شيوخها، سمع منه خلق كثير. تآليفه كثيرة مشهورة منها: الرسالة، والنوادر والمختصر. توفي سنة 386 هـ.
2- أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري المعروف بالقابسي. كان واسع الرواية عالماً بالحديث. سمع منه ابن المنمر. تآليفه كثيرة منها: الممهد، والمنقد من شبه التأويل والمنبه، وكتاب المعلمين. توفي بالقيروان سنة 403 هـ.

شيوخه في مصر :

ثم ذهب ابن المنمر إلى مصر –لعله في طريقه إلى الحج– فسمع –فيما نقل إلينا- من شيخين هما:
1- أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله الجوهري. فقيه مالكي كثير الحديث، من شيوخ الفسطاط. ألف كتاب مسند الموطأ، ومسند ما ليس في الموطأ. توفي سنة 385 أو 381 هـ.
2- محمد بن أحمد بن عبيد بن محمد بن عبدالله بن موسى، أبوعبدالله الوشاء المصري الفقيه المالكي، توفي سنة 397 هـ.

شيوخه في مكة المكرمة :

ثم سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وكان ذلك سنة 389 هـ. ولقي بمكة أحد العلماء المحدثين فأخذ عنه وسمع منه وهو:
أبو الحسن أحمد بن عبدالله بن حميد بن رزيق البغدادي. كان من الثقات الأثبات. روى عن المحاملي ومحمد بن مخلد. وسمع منه ابن المنمر بمكة. توفي سنة 391 هـ.

هذا هو الصواب في اسم هذا الشيخ (رزيق) براء ثم زاي معجمة كما وردت في ترتيب المدارك وقد تصحفت إلى زريق بزاي معجمة ثم راء مهملة في رحلة التجاني المطبوعة، ولابد أن التصحيف من نفس المخطوطة؛ لأن الذين نقلوا عم التجاني نقلوا الإسم مصحفاً، وهذا الذي حدث في المنهل العذب وأعلام ليبيا ونفحات النسرين، لكنهم لم يزيدوا عن قولهم: لقي أحمد بن زريق البغدادي، أما الأستاذ علي مصطفى المصراتي في كتابه أعلام من طرابلس فقد فهم من هذه العبارة أن ابن المنمر أخذ في مكة عن الشاعر الأديب ابن زريق البغدادي، وانطلق الأستاذ المصراتي يصف جلسات بن المنمر أمام أستاذه الشاعر الأديب ابن زريق في ظلال الكعبة صاغياً منصتاً راوياً لشعره ولقصيدته المشهورة، وينقل الأستاذ المصراتي بعض أبياتها متخيلاً أن ابن المنمر ينطبق عليه ما ينطبق على على ابن زريق إلخ كلامه.

ويجعل الأستاذ المصراتي ابن المنمر قد استكمل الظرف قياساً على ما قيل قديماً: “ومن تختم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف ” والحقيقة أن أن ابن المنمر قد استكمل الظرف، لا بتختمه بالعقيق ولا بحفظه قصيدة ابن زريق، وإنما بتعلمه وتطبيقه لها علماً وعملاً، ولم يجلس في ظلال الكعبة ليسمع بعض الشعراء يتغنى بأشعاره ليعود لبلاده ظريفاً يلتف حوله بعض الشباب يستمتعون بما يردده، وإنما جلس بجانب الكعبة في حلقة درس في الحديث والفقه رجع على إثره إلى طرابلس يحرك الناس ضد الباطل بدروسه قولاً وتطبيقاً كما سنعرف فيما بعد في كلامنا عن الحالة السياسية في عهده وموقفه منها.
لكن هذه الأوصاف جاءت من تصحيف كلمة رزيق إلى زريق كما عرفنا في بداية كلامنا.
وقد تبع الدكتور أحمد مختار عمر الأستاذ المصراتي فجعل ابن المنمر تلميذاً لابن زريق الشاعر، وقال إن ابن المنمر زج بنفسه في حلقات أهل الفكر والأدب ورواة الشعر. وقد علمنا مصدر الخطأ في هذا كله.

تلاميذه :

رجع ابن المنمر إلى بلده طرابلس فجلس يبث علمه، وجاء الطلبة من كل صوب يسمعون منه، ناهيك عن طلبة طرابلس، ومن هؤلاء:
1- أبو القاسم عبد الرحمن بن محرز القيرواني. له تعليق على المدونة، وكتاب القصد والإيجاز. توفي حوالي سنة 450هـ.
2- أبو يعقوب يوسف بن عبد الرحمن بن عبدالله بن حماد المجريطي، وهو ثقة خير فاضل، سمع الناس منه. توفي بمجريط سنة 473 هـ. وكان مولده سنة 395 هـ.

الحالة السياسية والفكرية في طرابلس في عهد ابن المنمر وموقفه منها

ولد ابن المنمر كما عرفنا سنة 348 هـ أي في عهد الدولة الفاطمية، وشب فوجد بلاده محكومةً من قبل المعز بن المنصور الفاطمي:
ولما رحل المعز إلى مصر سنة 362 هـ ولى عبدالله بن يخلف على طرابلس وبرقة، وكان مقره في طرابلس.

فلما مات المعز في مصر سنة 365 هـ، تولى بعده العزيز بالله، فطلب منه بلكين بن زيري الصنهاجي أن يضيف ولاية طرابلس إلى أعماله ففعل، وحينئذ تولى طرابلس يحي بن خليفة الملياني، ولم تطل ولايته، فتولاها من بعده عوصلة بن بكار الصنهاجي.
وفي سنة 373 هـ توفي يوسف بن بلكين زيري، فتولى بعده ابنه المنصور، ثم توفي المنصور سنة 385 هـ فتولى بعده ابنه باديس. ثم تولى الحاكم بأمر الله، فعقد ليانس الصقلي على طرابلس سنة 390هـ، ثم استولى فلفول بن سعيد بن خزرون على طرابلس، وبعث بالطاعة إلى الحاكم بأمر الله سنة 391هـ. واستبد فلفول بطرابلس، وحدثت فتنة كبيرة بينه وبين باديس، واستغاث الأول بمصر، فلم يصله شيء، فبعث بطاعته إلى المهدي محمد بن عبد الجبار بقرطبة، واستغاثه أيضاً فأغاثه، ولكن فلفول مات قبل وصول المدد سنة 400 هـ فاجتمعت زناته فولت أخاه ورو بن خزرون، وزحف باديس إلى طرابلس واستولى عليها، وتركها ورو، ثم طلب هذا الأخير الأمان من باديس، فأمنه على أن يخرج من طرابلس.

وولى باديس محمد بن الحسن على طرابلس، وما لبث ورو أن عاد للهجوم عليها من جديد بمن معه من زناته، ودارت حرب بين الفريقين، فبعث باديس إلى خزرونبن سعيد وغيره من الأمراء ليحاربوا ورو، ووقعت بين الفريقين معركة لحق أثناءها أصحاب خزرون بأخيه ورو، وكثرت الفتن بطرابلس، واشتد فساد باديس فانتقم ممن عنده من زناته بسبب مساعدتهم عدوه.

وفي سنة 405 هـ بعث ورو بطاعته إلى باديس لكنه ( أي ورو ) ما لبث أن هلك وانقسم قومه على ابنه خليفة وأخيه خزرون، وأفلح محمد بن الحسن، عامل طرابلس، في الوقيعة بينهم. ثم اجتمعت كلمة أكثرهم على خليفة، فحارب خزرون وغلبه، وبعث بطاعته إلى باديس، ولحق خزرون بن سعيد بمصر.

وفي السنة نفسها توفي باديس، وتولى بعده أمر إفريقيا إبنه المعز، وقلده الحاكم بأمر الله. واستبدل المعز بمحمد بن الحسن عامل طرابلس أخاه عبدالله بن الحسن. وتوفي الحاكم بأمر الله سنة 411 هـ وقبل وفاته توالى هجوم خليفة بن ورو على طرابلس من سنة 406 هـ إلى سنة 414 هـ حين قتل محمد بن الحسن، فنقض أخوه عبدالله، عامل طرابلس، عهده مع المعز، وأمكن خليفة بن ورو وقومه من طرابلس فقتلوا الصنهاجيين واستولوا عليها، وخاطب خليفة هذا الظاهر بن الحاكم بأن يحفظ عهده على طرابلس فأجابه إلى ذلك.

ثم قدم سعيد بن خزرون من مصر إثر وقوع الفتنة بين الترك والمغاربة في مصر. وقدم معه أخوه المنتصر إلى طرابلس، فأقاما بنواحيها، ثم تولى سعيد حكم طرابلس بمساعدة من الزناتيين، وفر ابن عمه خليفة بن ورو، وظل سعيد حاكماً لها حتى قتل فتولى ولايتها خزرون بن خليفة، ولم يمكث هذا الأخير إلا قليلاً حتى زحف عليه المنتصر بن خزرون وافتكها منه وأوقع بمن ساعد خزرون من العلماء والأهالي الأذى الكثير.
أما فيما يتعلق بالناحية الفكرية في عصر ابن المنمر فإننا نعرف أنه فبل أن يستولي الشيعة على الحكم في المنطقة كان غالبية سكانها على مذهب أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب مالك، رضي الله عنه‘ ويكفي أن نعلم أن علي بن زياد الذي سمع من مالك موطأه، وككان له فضل إدخاله إلى هذه المنطقة قد ولد بطرابلس. واستمر الأمر كذلك إلى أن استولى الفاطميون على الحكم.
وبما أن الحالة الثقافية لايمكن فصلها عن الحالة السياسية على الدوام، فما أن تمكن العبيديون الروافض من الحكم في طرابلس حتى تحركوا بقوة للتمكين لمذهبهم، ونشر مبادئهم، فهل استطاعوا ذلك بسهولة.

أجبر بنو عبيد أهل طرابلس، كغيرهم من مناطق نفوذهم، على قطع صلاة الضحى وتراويح رمضان وإضافة ” حي على خير العمل ” في الأذان، مع ذلك فإن قلوبهم مطمئنة بالإيمان بمذهب أهل السنة والجماعة يطبقون مذهبهم إمامهم مالك في خاصتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

وكان ابن المنمر امتداداً لسلسة العلماء في طرابلس الذين كان آخرهم، قبل ابن المنمر، شيخه ابن (زكرون) وهؤلاء العلماء يمثلون الفكر والثقافة في هذا البلد.
كان أبو الحسن بن المنمر من أهل السنة، وفقيهاً مالكياً، وقد أتيحت لهذا الرجل كما عرفنا رحلات علمية إلى القيروان، ثم إلى مصر ومكة، وعاد إلى طرابلس وقد جمع بين العلم والعمل، والعمل هو الذي ميزه وحفظ اسمه في التاريخ من بين علماء وقته، فإن العلماء في كل وقت كثيرون، وقليل منهم هم العاملون، وكان ابن المنمر من هذه القلة، فقد جلس في أحد مجالس طرابلس يلقي الدروس في شتى العلوم، وكان إلى جانب ذلك آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر عاملاً بالسنن مزيلاً للبدع، فجرته هذه الصفات إلى أمرين:
الأول : أن ابن المنمر كان له أثر كبير في تسيير الحياة الثقافية والسياسية في بلده، وذلك بما اكتسبه من حب واحترام وطاعة من أهل بلده، فعلى الرغم من هيمنة الفاطميين وأتباعهم من الناحية السياسية وما بذلوه من جهد لتغيير ثقافة البلد إلا أن صمود ابن المنمر في وجه هذا التغيير جعلهم يفشلون فشلاً ذريعاً، وحافظ المجتمع على ثقافته.
والذي يوضح أن ابن المنمر كان بهذه المكانة من التأثير في الحالة السياسية أنه لما أمر الأهالي أن يفتحوا المدينة لخزرون ابن خليفة بعد مقتل سعيد فعلوا ذلك ولما ظفر به المنتصر بن خزرون سلبه ونفاه، لكنه لم يجرؤ على قتله ؛ لأنه قدر أن قتله سيثير عليه الناس.
الثاني : هو أن امتلاء العبيديين وأشياعهم على ابن المنمر غيضاً جعلهم يتربصون به. بسبب ما كان يدعو إليه من التشبت بمذهب أهل السنة وتطبيق فروع المالكية متى أمكنه ذلك.

محنته ووفاته :

قال التجاني متحدثاً عن محنة ابن المنمر: “فلم يزل بها (أي طرابلس) إلى سنة ثلاثين وأربعمائة، فخرج منها لمحنة جرت عليه، فتوجه إلى موضع يعرف بغنيمة، قرية من قرى مسلاته فسكن بها إلى أن توفي هناك سنة اثنين وثلاثين ( وأربعمائة )، وقبره الان على الطريق بها. وكان سبب محنة الفقيه أبي الحسن أن سعيد بن خزرون لما قتلته زغبة سنة تسع وعشرين وأربعمائة، فتح أبوالحسن بن المنمرمدينة طرابلس لخزرون بن خليفة، فدخلها وأقام بها شهراً، ثم لما تم شهر ربيع الأول من سنة ثلاثين وصل المنتصر بن خزرون، وكانت معه عساكر زناته، ففر خزرون بن خليفة من طرابلس مختفياً وترك له البلد، فدخله المنتصر، وأوقع بأبي الحسن مكروهاً عظيماً ونفاه من البلد، واستباح جميع أملاكه، وعذب كثيراً من أقاربه بسببه.

مؤلفاته :

توفي ابن المنمر لكنه أبقى ذكره حياً وذلك بما تركه من مؤلفات تدرس بعده وتتناقلها الأجيال بالسند إلى المؤلف، فما هي المؤلفات التي خلفها مترجمنا.
يذكر مترجموه أنه صنف كتباً في الحساب والأزمنة والفرائض، لكنهم لم يسموا تلك المؤلفات باستثاء كتابه في الفرائض فإنه يعرف بالكافي. ويفهم من كلام المترجمين أن الكافي هو أهم كتبه؛ لأن العلماء الذين كانوا يمرون بطرابلس يحرصون على قراءة هذا الكتاب على مؤلفه في حياته ثم على تلاميذه أو تلاميذ تلاميذه بعد مماته.

كتاب الكافي

موضوعه : ألف ابن المنمر كتاب الكافي في علم الفرائض، وهو يشتمل على علم المواريث الثلاثة: الفقه، الحساب، العمل.

أهميته :

هذا الكتاب مهم في بابه لأنه :
أولاً : اشتمل على ما يقارب المائة والخمسين ورقة أي حوالي ثلاثمائة صفحة، ولذا فهو يعتبر كتاباً ضخماً.
ثانياً : مصدر قديم لهذا العلم؛ إذ لانعرف مصدراً أقدم منه فيما وصل إلينا من مؤلفات خصوصاً في المذهب المالكي.
ثالثاً : كان عمدةً في بابه حتى في حياة المؤلف، فقد كان الناس-كما قلنا- يحرصون على سماعه. وتتضح أهميته بما وصفه به مترجموا ابن المنمر، ولنسمع ما يقوله عياض: “وكان فقيهاً فرضياً، له في الفرائض كتاب مشهور، سماه الكافي” وكفى بهذه الشهادة من إمام من أئمة المالكية.
ومما يدل على شهرة الرجل وكتابه الكافي مجيء بعض التلاميذ ومكوثهم زمناً يأخذون عن الشيخ أبي الحسن العلم، وخصوصاً الفرائض.
وقد بقي الكتاب مشهوراً معروفاً حتى بعد وفاة مؤلفه، ويقرأه المشايخ في مجالس العلم

نسخه :

كنت قبل سنوات أظن أن الكتاب مفقود كبقية كتب ابن المنمر، لكني علمت فيما بوجودنسخة منه في مكتبة تشستربيتي في أيرلندا، لعل الله ييسر لي تحقيقها ونشرها قريباً.
وهذه النسخة هي الوحيدة فيما أعلم، تحتوي على مائة وأربعين ورقةً عدد أسطر كل صفحة 18. مقاسها12.7 X17.8. بها نقص قليل من أولهاوأول الموجود منها:
” إنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يارسول الله كيف نصلي عليك؟..”، ثم تكلم المؤلف في فضل المدينة فعقد لذلك باباً في أول الكتاب فقال :” باب ما جاء في فضل المدينة وعالمها..”
ثم تحدث عن المواريث : “باب الوجوه التي يجب فيها الميراث…”
وينتهي الكتاب بباب الخنثى المشكل وآخره: “والله تعالى الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه تسليماً كثيراً. آخر الكتاب”.
وهذه النسخة بخط النسخ كتبها محمدبن عيسى المغربي، وقد فرغ منها في 14 من رجب سنة 901هـ. وفي آخرها مقابلة على أصل صحيح.
وكتاب الكافي، حسب هذه النسخة،مقسم إلى كتب، وكلما تم كتاب ختم وبديء بالكتاب الذي بعده.

وقد جاء اسم المؤلف مصرحاً بهفي نهاية الكتاب الثاني، فقد جاء في الورقة 55:
“تم الكتاب الثاني من كتاب الكافي في الفرائض والحساب على مذهب مالك بن أنس رحمه الله.. مجموع من الموطأ.. مما عني بجمعه وتأليفه أبو الحسن علي بن محمد الطرابلسي. فيه أصول الفرائض، والعمل في العول ووجوه الاختصار في الحساب والعمل في المناسخة”.

مصادره :

اعتمد ابن المنمر في كتابه الكافي كما صرح به في بعض المواضع على أمهات الفقه المالكي كالموطأ والمدونة والعتبية وغيرها من كتب أصحاب مالك. وهذا يزيد أهمية الكتاب ويميزه عن غيره من الكتب، ويجعله جديراً بالتحقيق والنشر.
____________________________
* نشرت هذه الدراسة في مجلة العلوم الإنسانية الصادرة عن كلية الآداب والتربية بجامعة ناصر بزليتن. العدد الثاني 1991 م.
* يعمل الدكتور حمزة أبوفارس على تحقيقه في هذه الفترة على أمل طبعه قريباً.
* أنظر مقال ابن المنمر في دبلن المنشور في صحيفة ليبيا اليوم، في شؤؤن تاريخية.
____________________________
المصادر والمراجع
1- أعلام من طرابلس : علي مصطفى المصراتي – الدار الجماهيرية للنشر والتزيع والإعلان.
2- أعلام ليبيا: الطاهر أحمد الزاوي – مكتبة الفرجاني – طرابلس – ليبيا – الطبعة الثانية 1971 م
3- تاريخ ابن خلدون: عبدالرحمن بن خلدون (الجزء السابع) مؤسسة جمال للطباعة والنشر – بيروت 1970م
4- تاريخ ليبيا الإسلامي: الدكتور عبد اللطيف البرغوثي – منشورات الجامعة الليبية 1973 م.
5- تاريخ الفتح العربي في ليبيا : الطاهر أحمد الزاوي – دار الفتح بيروت ودار الثرات – ليبيا الطبعة الثالثة 6- ترتيب المدارك: القاضي عياض اليحصبي (الجزء السابع) تحقيق سعيد أحمد أعراب – طبعة وزارة الأوقاف المغربية 1982 م.
7- الديباج المذهب : إبراهيم بن فرحون – دار الكتب العلمية – بيروت – تصوير بالأوفست لطبعة القاهرة 1353 هـ
8- رحلة التجاني : عبدالله بن محمد التجاني – تحقيق حسن حسني عبد الوهاب – الدار العربية للكتاب – ليبيا – تونس – 1981 م.
9- شجرة النور الزكية : محمد بن محمد مخلوف – دار الكتاب العربي – بيروت تصوير بالأوفست للطبعة السلفية.
10- شذرات الذهب : ابن العماد الحنبلي – دار الأفاق الجديدة – بيروت.
11- المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب : أحمد النائب الأنصاري – مكتبة الفرجاني – طرابلس – ليبيا.
12- مجلة كلية الآداب والتربية: بنغازي – المجلد الأول 1958 م.
13- نزهة الأنظار (الرحلة الوثيلانية) الحسين بن محمد الورثيلاني – دار الكتاب العربي – بيروت.
14- نفحات النسرين : أحمد النائب الأنصاري – تحقيق : علي مصطفى المصراتي – المكتب التجاري – بيروت – الطبعة الأولى 1963م.
15- النشاط الثقافي في ليبيا : الدكتور أحمد مختار عمر – منشورات الجامعة الليبية طرابلس 1971م.
16- ولاة طرابلس : الطاهر أحمد الزاوي – دار الفتح للطباعة والنشر- بيروت – والسيد أحمد الرماح بوشنة – ليبيا – الطبعة الأولى 1970 م.

الاثنين، 11 فبراير 2013

نجاة طرخان ... عطاء مستمر...بقلم مراد الهونى



نجاة جملى طرخان هى من النساء القلائل اللائى وهبن حياتهن للعمل الاهلى فى ليبيا بانخراطها مبكرآ فى حركة الكشاف بليبيا كاحدى المؤسسات لحلقة المرشدات فى العام 1960م الى جانب عضويتها و مشاركتها فى عديد من الانشطة الاجتماعية ذات الطابع الاهلى و فى مقدمتها جمعية النهضة النسائية ( التى أسستها فى عام 1954م الرائدة حميدة طرخان ) و التى كانت فيها من العناصر ال...شابة الفاعلة و المؤثرة فى نشاطاتها الخيرية فامست بحضورها المميز و مثابرتها تلك آحدى اولئك الرائدات اللاتى يشار اليهن بالبنان عندما يتطرق بنا الحديث عن نشاطات المرأة الليبية فى هذا الشأن فالمربية الفاضلة " نجاة طرخان " اصيلة مدينة بنغازى , مثلت بعطائها المتواصل و تصميمها و عزيمتها التى لم تئن يومآ صورة صادقة , و مثيرة للاهتمام لما يمكن ان تكون عليه المرأة الليبية بادائها و حضورها المشرق و المشرف سواء داخل ليبيا او خارجها بتمثيلها لوطنها خير تمثيل فى المؤتمرات و المحافل الدولية وهو ما عزز هذه الصورة و عمقها فى ذاكرة هذا الوطن الذى ستسجل ذاكرته هذا الدور العظيم و الذى برهنت فيه على قدرتها الفائقة و ايمانها بالعمل الانسانى الخلاق فكانت بحق آحد الوجوه المشرقة الليبية التى كرست حياتها عبر عقود من الزمن لهذه الغاية الانسانية النبيلة بارادة وعزم متفانية فى عملها هذا لتصبح نموذجآ و مثالآ لنسائنا الليبيات .

و سيرة المربية الفاضلة " نجاة طرخان " اصيلة مدينة بنغازى و المولودة بها فى 17 من شهر سبتمبر فى العام 1942م حافلة بالمهام و الوظائف التى تقلدتها فى حياتها المهنية و العملية منذ تخرجها و حصولها على دبلوم المعلمات و دبلوم الخدمة الاجتماعية و حتى تقاعدها الاختيارى فى مايو من عام 1991م , فكانت من الرائدات فى مجال التعليم كمعلمة و امينة مكتبة و سكرتيرة لمراقبة تعليم البنات بوزارة التربية و التعليم من عام 1960 الى عام 1964م و باحثة اجتماعية لشئون المهاجرين بوزارة العمل و الشئون الاجتماعية حتى تكليفها بوظيفة المساعدة لمديرة المركز الاجتماعى للاسرة و الطفولة الى جانب مهامها كرئيسة لمكتب التدريب بالمركز من عام 1964 الى عام 1968 م و هو العام الذى انتدبت فيه للعمل بوزارة الاعلام و الثقافة بطرابلس كمحررة بمجلة المرأة و مقدمة لبرنامج عالم الاطفال بالتلفزيون الليبى الى عام 1972 م لتنتقل بعدها للعمل كموظفة بمصرف الصحارى الرئيسى بطرابلس حتى عام 1975 م لتعود بعدها من جديد لتمارس دورها التربوى بامانة التعليم وقتها كاخصائية اجتماعية بالمدارس الاعدادية بطرابلس و بنغازى و موجهة للتربية الاجتماعية و انشئت كذلك و ترأست قسم التربية الاجتماعية بنفس الامانة من عام 1975 الى تقاعدها الاختيارى فى العام 1991 م و تفرغها كلية لنشاطها الكشفى كقائدة لحلقة قدامى المرشدات بمفوضية كشاف بنغازى و قد عملت بكد و جد على أن تشرك المرشدات القدامى فى نشاطات كشاف ليبيا من واقع خبرتهن و رغبتهن الصادقة فى البذل و العطاء و تأكيدآ على مقولة .. كشاف مرة كشاف للابد


الجمعة، 8 فبراير 2013

ملامح العمارة في طرابلس الإسلامية...د. جمعة قاجة


شهدت مدينة طرابلس حقبة إسلامية خالصة لمدة تسعة قرون, هي الفترة ما بين 23 ــ 916 هجري/643 ــ 1510 ميلادي.. وحفلت بعصور تاريخية إسلامية هي العصر الأموي والعباسي والاغلبي والموحدي والفاطمي وغيرهم.

وعلى مستوى العمارة فإنه من دواعي الاسف ان الكثير من المنشآت والمباني قد زال بسبب عوامل عديدة, صحيح ان منها ضعف المواد المستعملة في البناء, ولكن اهمها هو عوامل الصراع والتطاحن بين الامارات التي تعاقبت السيادة على هذه المدينة.. واخطر هذه الآثار المدمرة هو ما ارتكبه المحتل الاسباني الذي عمد إلى تدمير الكثير من الاوابد والمنجزات المعمارية الإسلامية بدواع دينية وعدوانية. 

 بل ان الاسبان وفرسان مالطة عملوا على تهجير سكان المدينة الاصليين منها.. لمحو وطمس شخصية المدينة العربية الإسلامية. لذلك فان اغلب ما نستطيع التعرف عليه الآن من طرز العمارة الإسلامية في طرابلس وجوارها هو عبر ما وضعه الرحالة والمؤرخون والجغرافيون.

بداية لابد من الاشارة إلى ان المسلمين اعطوا الاهتمام الكبير في شمال إفريقيا لمدينة القيروان اولاً التي انشئت في النصف الثاني من القرن الاول الهجري, حيث شهدت هذه المدينة تطوراً كبيراً في مختلف المناحي.. وكانت طرابلس حينذاك احدى المدن التابعة لها إدارياً..

ويعتبر ما قدمه التيجاني من وصف لمدينة طرابلس, واحوالها, ومبانيها.. ابرز ما كتب في هذا المجال, حيث تغطي كتابات التيجاني فترات مبكرة من تاريخ المدينة الإسلامي, اذ ان التيجاني اقام في مدينة طرابلس فترة تجاوزت السنة فيما بين 706 ــ 708 هجري/ 1307 ــ 1308 ميلادي.. وكتب محاولاً ان يعطي صورة تقارب حقيقة ما كان في المدينة حينذاك.. ولكن التيجاني اخذ أسلوب التسجيل والتأريخ اكثر من الغوص في وصف مفردات البناء والطراز المعماري.

مسجد عمرو بن العاص: بنى عمرو بن العاص هذا المسجد في مدينة طرابلس عند فتحه للمدينة, واختار موقعه على مشارف المدينة على نحو يواجه القلعة من ربوة.. وربما يكون هذا الموقع قد استخدم كمعسكر وكمسجد من قبل عمرو, وامتاز هذا المسجد كباقي المساجد الاسلامية الأولى بالبساطة المستقاة من نظام بيت ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم.. فكان هذا المسجد كما هي العادة حينذاك من مساحة ممهدة محاطة بأسوار متواضعة تسقف من جهة القبلة, ويترك فناء صحن المسجد وتضاف ظلة خلفية لهذا الصحن.

وبتحديد أكثر يقال ان الموقع الذي اختاره عمرو لهذا المسجد يقع على مشارف المدينة, وفي طريق مدخلها الرئيسي في الجهة الجنوبية الشرقية, ويشرف على القلعة التي تتحكم في هذا المدخل, وبالتالي فإن هذا الموقع هو المكان الذي عسكر فيه جيش عمرو بن العاص عند فتح المدينة.. وبعد الفتح تم تشييد هذا المسجد..

مسجد العشرة/ مسجد الناقة: ويعرف بأعتق مساجد المدينة, وكانت مساحته تبلغ حوالي 900 متر مربع.. ويعتبر جامع الناقة من الجوامع المتوارث عنها القدم, واشتهر بأنه جامع فاطمي الطراز وارتبط هذا الجامع بقصة الناقة المحملة التي وهبت من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي أو قائده جوهر الصقلي لاهل المدينة لبناء هذا المسجد.
ويقال ان هذا المسجد تمت اعادة بنائه سنة 1019 هجري/1610 ميلادي.. على يد صفرداي, وذلك ما جاء في لوحة رخامية وجدت به تشير إلى تشييده بحيث يربط بين هذا الجامع والجامع الاعظم.. لكن هذه الروايات التاريخية تفتقد الكثيرمن الدقة..

ويدفع البعض برأي مخالف لا ينكر حقيقة ان جامع الناقة هو من اقدم واعتق المساجد وانه كان يسمى بمسجد العشرة, وقد وجد في فترة مبكرة من عمر الإسلام اي ما هو قبل العصر العبيدي الفاطمي.. وكذلك لا يوجد ما يؤيد انتماء هذا المسجد للمرحلة الفاطمية من ناحية مميزات الطرز المعمارية الفاطمية.

بل ان ما يوجد فيه هو بروز صحنه وهذا الامر معروف في المساجد الاسلامية الاولى كمسجد القيروان والجامع الاموي وقرطبة وسامراء ومسجد ابن طولون.. علماً بأن هذا الصحن يتصف وضع غريب حيث انه يقع على جانب المسجد, ولم يكن فيه صحن خلفي يلي بيت الصلاة, وقد كان عنصر الصحن من العناصر الاساسية بالمساجد العتيقة, يلي بيت الصلاة في أهميته, حيث يعتبر امتداداً له.

وقد تغير نظام الصحن في العهد السلجوقي باضافة الايوان لظلات الصحن (أروقة الصحن) اما مئذنة جامع الناقة الحالية المغربية الطراز فهي من نوع المآذن المقتبسة من مئذنة القيروان المشيدة في اوائل القرن الثاني عشر الهجري (حوالي 110 هجرى) اما قصة الناقة فهي قصة شعبية ينقصها السند التاريخي.. وربما ذات علاقة بجذور خيالية.. اكثر من واقعية.. وظهرت هذه التسمية في العهد العثماني الأول على اثر طرد الاسبان..

الجامع الاعظم الفاطمي: بناه بنو عبيد سنة 300 هجري.. وهو جامع متسع على اعمدة مرتفعة وسقفه حديث التجديد, وبه منار متسع مرتفع قائم من الارض على اعمدة مستديرة حتى نصفها ثم مسدسة الشكل.
واستمر هذا الجامع كأعظم جامع في المدينة ولعله الجامع الوحيد (جامع الجمعة) وفق ماكان سائداً من حيث وجود مسجد جامع واحد.. ولم تتعدد الجوامع الجامعة الا في فترات لاحقة عندما كبرت المدن وضاق الجامع بالمصلين.

ومن العناصر المعمارية في هذا الجامع الاعظم ما يعتبر من اول عناصر المساجد حيث يتضح ان في هذا الجامع قبة, والقباب من العناصر المعمارية الإسلامية المغربية التي ادخلت إلى المساجد في اوائل القرن الثالث هجري, فقبة القيروان ترجع الى سنة 221 هجري/836 ميلادي.. اما المنارة فكانت منفصلة عن الجامع الاعظم وذات شكل دائري اسطواني في الاسفل, ومضلع سداسي في الاعلى.. وهذا يختلف عن شكل الصوامع (المآذن) المغربية التي تأخذ الشكل المربع ابتداء من الارض حتى الأعلى..

ويتحدث المؤرخون عن مصير الجامع الاعظم الفاطمي بأنه أزيل واحرق على يد الاحتلال الاسباني, ويختلفون في تحديد الموقع الاصلي لهذا الجامع, اذ يميلون إلى ان مكانه كان في الموقع الذي يقوم فيه جامع درغوت أو قريباً منه.

اذن كما يعبر المسجد عن الجانب الروحي والديني للمدينة, فهو في اطار ما يمثله من مجموعة عمرانية, يعطي صورة عن الجوانب المعمارية, سواء في اتقان البناء أو نظام العمارة وطرزها وكذلك في أسلوب الزخرفة والتزيين الجميل.. والمسجد يتقدم غيره من المباني, اذ يأخذ دائماً احسن عناصر ومنشآت المدينة, ويحظى بالاهتمام الاكبر من جوانب العمارة, ونستطيع ان ندرس نظام تخطيط المسجد وتطوره ومحتواه واقسامه, فندرس بذلك تطور وطبيعة فن العمارة الإسلامية, وكل ما يتعلق به في المرحلة التاريخية التي شهدت بناءه..

بالاستخلاص نجد كيف ارتبطت مدينة طرابلس كاحدى المدن الاستراتيجية المهمة والمطلة على الشاطىء الجنوبي لحوض البحر المتوسط, والموجودة في هذا الموقع منذ عشرات القرون, وكانت هدف جميع الامبراطوريات التي سادت البحر منذ الفينيقيين والرومان..

وبحكم موقعها, وواقع مواجهتها للبلد المسيحية الأوروبية يمكن تحديد وظيفة هذه المدينة, باعتبارها كمركز للإدارة, ومقر للحكم, وعاصمة للبلاد, وكموقع استراتيجي عسكري, وحصن منيع لرد الهجمات الأوروبية المسيحية عن البلاد المسلمة, وكمركز مهم للنشاط التجاري, والصناعي, والتسويقي.. وكمركز ديني تعليمي..
وارتباطاً بهذه الوظائف, شهدت المدينة أنظمة ومدارس وطرزاً من الفنون المعمارية الإسلامية.. فكان فيها القلاع, والحصون, والاسوار, والقصور, والمساجد, والمدارس, والاسواق, والحوانيت, والفنادق.. فقلعة طرابلس تكوّن جزءاً مهماً من تاريخ المدينة, وعمارتها, وتمثل مظهراً أساسياً من معالمها, وارتبطت بالمدينة ارتباطاً عضوياً في جميع عصورها, حيث مثلت الحصن العسكري وقصبة المدينة وقلعتها وحاميتها ومقر اميرها أو واليها أو حاكمها.. وكان مظهر القلعة المعماري يعطي هذا الانطباع بكونها مقر للسلطة.

وقد ادخل عليها العديد من التعديلات مثل ايجاد نفق فيها واضافة النافورات والعناصر الشرقية.. التي منحتها الطابع الإسلامي, كشجر النخيل, والبيوت العربية, بما فيها من نقوش وكتابات, وزخرفة شرقية, وعقود ومشربيات عربية إسلامية..

أما الفندق فهو من أكثر معالم طرابلس المعمارية تميزاً.. وكان عبارة عن مبنى كبير به مجموعة من الحجرات تحيط وتشرف على فناء رئيسي يتوسط المبنى, ويتكون معظم الفنادق من دورين ولها مدخل واحد بباب ضخم يسمح بدخول الدواب التي يتم بواسطتها نقل السلع من وإلى الفندق.. ولقد استخدمت الفنادق كنزل للاقامة وكثكنة وكذلك تمثل منشأة تجارية أو صناعية أو سوقاً متخصصة.

أما بصدد الأسواق فنلاحظ انهاجاءت لتلبية حركة المدينة المعاشية وكانت الأسواق تخصصية, حيث كل سوق يختص بنشاط محدد تجاري أو مهني أو صناعي.. وتتكامل هذه الأسواق فيما بينها لتغطي مجمل الأنشطة.. ان ملاحظة النظم المعمارية في طرابلس تؤكد التأثر بالمدرستين الأندلسية والعثمانية في العمارة.

ولكن مدينة طرابلس اخذت طابعها المميز والذي لفت نظر الدارسين, ففي العمارة الإسلامية في ليبيا يوجد نظام التسقيف بالمساجد, وسمي هذا النسق بالمسجد ذي القبيبات أو المسجد المتعدد القباب المتساوية, وهو طراز نشأ من ملاءمة هذا التصميم للبيئة ومادة البناء المحلية, ولافتقار المنطقة لمواد بناء كالأخشاب أو الحجارة الجيدة التي تتحمل عمل اسقف متسعة أو قباب كبيرة..

وأضفت هذه الأمور طابعاً معمارياً خاصاً لمدينة طرابلس يتمثل بهذه القباب (أو القبيبات) بالذات في منطقة الأسواق.. كما تميزت تلك المساجد اضافة إلى ذلك بوجود مآذن بارزة ومرتفعة تظهر للمشاهد من خارج أسوار المدينة..

واشتهرت شوارع المدينة بمظهر الاقواس او العقود السائدة والممتدة على معظم الشوارع والأزقة.. كذلك استعمل تغطية الأزقة بالسباطات وهو مظهر وحركة معمارية جيدة قلّدت في العديد من التصاميم المعمارية للمناطق الصحراوية الحارة..

وهذه الاقواس والعقود اعطت شكلاً وطابعاً معمارياً خاصاً بالمدينة. وإلى جانب هذه الاقواس والعقود الساندة كانت هناك الحوائط المائلة وعمل الاكتاف الساندة أو الركابات.. لمنع انهيار الحوائط المبنية أساساً بمواد ضعيفة أو الحوائط الرفيعة او التي تحمل الابواب.. واضافة إلى هذه المميزات اخذت شوارع المدينة صفة الاستقامة واتساعها النسبي قياساً إلى طرق المدن العتيقة الأخرى..

لقد كوّنت هذه المجموعة من المظاهر والتشكيلات والممارسات المعمارية المؤدية لوظيفتها, والمنبثقة من البيئة المحلية, والمتأثرة بطرز العمارة المجاورة.. طابعاً معمارياً مميزاً لمدينة طرابلس.

الأربعاء، 6 فبراير 2013

البحث الآثاري في صحراء ليبيا الجنوبية ...رودولف كوبر


البحث الآثاري في صحراء ليبيا الجنوبية
عرض موجز وبعض الاستنتاجات من مشروع استكشاف الصحراء الغربية


ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

مقدمة
بما أنه قد طُلب مني تقديم مسح للإنجازات في علم آثار صحراء السودان الغربية، بما يتماشى ومحاور هذا المؤتمر "النوبة بعد ثلاثين سنة" فإن عنوان هذه الورقة يمكن أن يكون ببساطة، "مشروع استكشاف الصحراء الغربية بعد عشر سنوات"، مجرد تلخيص آخر لبحثنا في هذه المنطقة. مع ذلك، بدلاً عن تكرار ما تمت كتابته في مكان آخر أنوي هنا مناقشة بعض الاستنتاجات الأولية والتركيز على بعض الصلات البين - ثقافية (cross cultural relations)، بخاصة بين وادي النيل والغرب منه. تجرى هذه المحاولة بالرغم من أن جزءاً صغيراً من المادة التى تم تنقيبها قد اكتمل تحليلها وبالتالي ستكون المحاولة بمثابة وجهة نظر انطباعية لبعض شقوف الفخار، والتي يمكن إخضاعها في إطار سلسلة كافية من التواريخ الراديوكاربونية.

عندما بدأنا أعمال مشروع استكشاف الصحراء الغربية في عام 1980Kuper 1981; 1989 فإنه لم يكن قد تم أي بحث منتظم في ما قبل تاريخ الغرب البعيد لمصر والسودان، لكن سجل عدد من اللقي والملاحظات من جانب المستكشفين المبكرين بما يلقي الضوء على مخزون المنطقة الآثاري الكامن. عرض شامل لتلك الملاحظات قدمه فردريك هنكل في المجلد الثاني من كتابه "خارطة السودان الآثارية" Hinkel 1979 مغطياً معها "منطقة صحراء ليبيا الجنوبية"* التى هي بالتحديد مدى اهتمامنا، وبالتالي جاء نشر مجلده وقت قدم لنا فيه مساعدة معتبرة. بالإضافة إلى كاتلوج هنكل جدير بنا الإشارة إلى العمل الميداني الذى نفذته جامعة الخرطوم في وادي هور الأعلى Mohammed-Ali 1984 ورحلة المسح التى قامت بها بعثة ما قبل التاريخ المشتركة (CPE) في 1982Close 1987، والتي تم الكشف أثناءها عن مواقع هولوسين إلى الغرب من نُخيلة (مرقه)Close 1992: 160. أخيراً شُملت ملاحظات آثارية أيضاً في حالات متقطعة في التقارير الميدانية للمعمل الجيومورفولوجي لجامعة برلين الحرة (مثل)Kröpelin 1993a: 118، والتي وفر عملها طويل الأمد في المنطقة معطيات قيمة فيما يتعلق بالخلفية البيئية للإقامة الإنسانية في الهولوسين Pachur 1987; Pachur et al. 1990.

فوق ذلك فإننا ندين بمعرفتنا بايكولوجيا الصحراء الليبية القديمة في الأساس لـ فانس هاينز وزملائه Haynes 1987 وللتحليل الشاق لعينات الفحم التى جمعتها البعثة والذي نفذته كاثرينا نيومان، والتي نجحت في التدليل على انتقال النباتات الساحلية بين 7000 و 6500 سنة مضت إلى ما لايقل عن 500 كيلو متر إلى الشمال حتى حدود مصر الجنوبية (شكل 1)، وتحرك آخر أقل مدى في حوالي 5700 سنة مضت Neumann 1989a;b. على الرغم من أن بعض محاجاتها قد تمت مراجعتها من جانبها هي نفسها مؤخراً Neumann 1994: 59ff فإن الخط العام لإعادة التركيب تظل تقدم إطاراً قيماً لفهم الصلات الثقافية المحتملة وكذلك بالنسبة للكوابح والفرص لتكيف الإنسان الاقتصادي مع بيئة ما كانت أبداً مريحة.

لسوء الطالع، نتيجة الظروف غير الملائمة لحفظ البقايا النباتية والحيوانية – بخاصة من الفترات المبكرة – تبقى معرفتنا بإستراتيجيات الإعاشة لأهل ما قبل التاريخ محدودة. ولذلك يصعب في معظم الحالات تسمية موقع بـ "نيوليتي" بالمعنى الاقتصادي للمصطلح، رغم حقيقة أن بعثة ما قبل التاريخ المشتركة قد ثبتت الإطار الكرونولوجى بالنسبة لمنطقة نبتا / كُسيبة في مصر وقسمته لـ مبكر، ووسيط، ومتأخر Wendorf-Schild 1984: 7ff وكمعيار للقياس الزمني يمكن تطبيق هذا التقسيم على جزء كبير من الصحراء الليبية.

كان فرد وندورف نفسه هو الذى أرسى معلماً للوضع المربك عندما خلق، لدى تركيبه لحملة الإنقاذ النوبية، مصطلح "عصر الفخار" الذى يتبع العصر النوبي الحجري الختامي Wendorf 1968: 1042, fig. 1. ليس هذا هو المكان الذى نخوض فيه في مناقشة حول (عدم) صلاحية مصطلح "نيوليتي" بالنسبة لشمال أفريقياKlees 1993 وللقارة الأفريقية ككل، لكن بصورة عامة يبدو أكثر عملية أن نحدد المراحل وفق مدى زمني آثاري لمنطقة محددة على أساس ظواهر آثارية أولية (مثل الحجر، والفخار، والبرنز، والحديد) بدلاً عن البينة الاقتصادية الثانوية المشتقة، والتي نادراً ما تتوفر وتكون عادة عرضة للشك. طالما أن الإثباتات على وجود فخار مبكر أكثر انتشاراً من تلك الخاصة بالرعاوة الهولوسينية المبكرة وبالتالي أيضاً أكثر ملائمة لتثبيت كرونولوجية مقارنة أوسع مدىً – فلماذا لا نستخدم المصطلح "فخار" تحديداً "الفخاري keramikum" كما اقترحه ريتشارد بيتيوني بالنسبة لوضع محدد في أفريقيا والشرق الأدنى منذ أكثر من 40(55 الآن -المترجم) سنة مضت Pittioni 1950 ؟ ضمَّن بيتيوني حينها ثقافة "الخرطوم المبكرة" في مفهومه، بحيث أن هذه المجموعة أيضاً يستحسن عدم تسميتها بمصطلح "ميزوليتي"، والذي صُمم بصفة خاصة للتكيف الثقافي والبيئي مع ظروف الهولوسين المبكر في شمال أوربا.

بمثل هذا الجهاز المصطلحاتي يمكن الوصول إلى جدول لتقسيمات فرعية، تُعلم أكثر من 500 تاريخ راديوكاربونى من شمال شرق أفريقيا، يتوافق إلى حد كبير مع كرونولوجيا بعثة ما قبل التاريخ المشتركة. مرتبة جغرافياً من الشمال إلى الجنوب تقدم تلك التواريخ صورة ذات دلالة بالنسبة لتراجع جنوبي وشرقي بعد بداية مجددة للجفاف حوالي 6000 سنة مضت (حوالي 5000 ق.م.). يُعلّم هذا الانطباع بعدم وجود معطيات فيما قبل هذا الوقت في كل من وادي النيل المصري وصحراء ليبيا الجنوبية كما سنبين لاحقاً. لملمة تلك التواريخ وفق محتواها الآثاري تضع قاعدة لجدول آثاري مبسط والذي مع ذلك لا بدَّ وأن يكون مساعداً في توضيح بعض الصلات البين - ثقافية التى ستناقش أدناه (شكل 2).

مناطق بحث بعثة ما قبل التاريخ المشتركة
بصورة عامة صُمم مشروع بعثة ما قبل التاريخ المشتركة بقطاع عرضي من البحر الأبيض المتوسط نزولاً إلى منطقة الساحل (شكل 1)، رابطاً منطقة الأمطار الشتوية بمنطقة الأمطار الاستوائية الصيفية موفراً بالتالي إمكانية المقارنة بين طرق مختلفة للتكيف الإنساني مع بيئات محلية متغيرة Kuper 1981; 1989. نشرت أنجيلا كلوز مؤخراً موجزاً للإقامة الهولوسينية في الصحراء الشرقية، والذي وضعت فيه بعض النتائج الأساسية للمشروع في محتواها الأوسع Close 1992. في السودان تركز البحث في ثلاث مناطق رئيسة : سهل سليمة الرملي، ومنطقة اللاقية، ووادي هور.

المظهر العام لسهل سليمة يؤلف سهلاً رملياً مسطحاً بلا أية ظواهر، تخترقه فقط بعض قيزان رمال متحركة وبعض الصخور الناتئة. ويمتد لحوالي 300 كيلو متر عرضاً ليشكل الحدود بين مصر والسودان، كما أنه يمثل حداً فعلياً بين الأمطار الشتوية والصيفية. يؤلف هذا السهل الجزء الأكثر جفافاً في كل الصحراء. تطرح الأدلة على وجود الإنسان - مثل النقوش الصخرية في برج الطيور - والتي وصفها في وقت سابق الرحالة المبكرون Newbold-Shaw 1928;Rhotert 1952 من جانب، والغياب الواضح لمواقع أثرية Gabriel 1986 من جانب ثانٍ، السؤال عما إذا كان هذا السهل منطقة عازلة أو منطقة مائدة مستديرة للصلات الثقافية البين - إقليمية في الصحراء الشرقية Kuper 1986b. تم جذب اهتمام علماء الآثار بالمنطقة نتيجة اكتشاف ما يسمى بأنظمة الرادار النهرية McCauley et al. 1986؛ مع ذلك فإن دور تلك الأنظمة بالنسبة للإقامة ما قبل التاريخية ظل مستعصياً على الحل. في عام 1985 أثناء أعمال مسح واسعة المدى نفذها مشروع استكشاف الصحراء الغربية غطت مساحة 55X30 كيلو متر في منطقة برج الطيور، تم تسجيل 285 موقع أثري، تتفاوت أحجامها من مجرد تجمُع أدوات قليلة إلى مناطق مواقع تبلغ 100.000متر مربع Schuck 1993. وفرت بعض أعمال المجسات بينة دالة على نشاطات إقامة مكثفة على الأقل بالنسبة لمرحلة الفخار الوسيط والمتأخر.

الحدود الجنوبية لسهل سليمة الرملي معلمة بظواهر طبوغرافية بارزة، لا توجد في الخرائط المتوفرة وظلت غير معروفة إلى حين أن أصبحت صور الأقمار الصناعية بين أيدينا : الجرف المرتفع إلى الشمال من بئر لاقية الأربعين Kuper 1986a: Fig. 2والقليل من المنخفضات التكتونية الشبيهة بالوديان أبعد إلى الغرب والتي سماها فانس هاينز وادي شو ووادي ساحل Schuck 1988: Abb. 1. يظهر وادي شو في جزئه الجنوبي توسعاً أشبه بحوض، هناك حيث عثر و.ب.ك. شو في عام 1935 على موقع أثري ممتد بالقرب من معسكره 49Shaw 1936: 193. أصبحت هذه المنطقة مركزاً لنشاطتنا المسحية والتنقيبية خلال السنتين 1982 و 1983 والتي سمحت بإعادة تركيب تواتر الإقامة على مدى أكثر من 5000 سنة حتى أزمان المملكة الوسطى في مصر Schuck 1988; 1989 في تواز مع هذا البحث أعطت استقصاءات جيومورفولوجية مكثفة بينة دالة على انتشار ترسبات بحيرات تراكمت في طورين بين 6000 و 8000 سنة مضت، موضحة بالتالي الخلفية الايكولوجية لتلك الفترة Gabriel 1986; Gabriel-Kröpelin 1984.

توجد مسافة أكثر من 300 كيلو متر إلى الجزء الجنوبي الأقصى لمنطقة البحث، وادي هور. سبق أن سجلت بعثة فروبينوس في عام 1933 المخزون الآثاري الهائل الكامن للمنطقة وجمعت بعض عينات فخاريةRhotert 1952;Hölscher 1937 . كانت تلك العينات فيما بعد الدافع للمحاجة بأن أصل المجموعة النوبية الثالثة يرجع إلى هذه المنطقة.  Bietak 1968: 143 الإجابة عن السؤال المفتوح على مدى فترة طويلة، عما إذا كان وادي هور ينتهي بالفعل عند جبل رحيب، كما هو مبين في الخرائط، أو عما إذا وجدت صلة له بالنيل، قد تم استنتاجها من صور الأقمار الصناعية Meissner-Schmitz 1983 وتم التأكيد عليها عن طريق بعثة استكشاف الصحراء الغربية، التى تتبعت وادي هور من النيل في الضفة الغربية المواجهة لـ دنقلا العجوز "جنوباً" لمسافة 400 كيلو متر حتى آبار رحيب. من حينها أشارت بينة الاستقصاء الجيومورفولوجي المكثف Pachur-Kropelin 1987; Kropelin 1993a إلى أنه وخلال الهولوسين المبكر والأوسط تألف وادي هور من سلسلة دائمة للوديان والبرك الدائمة. بعد الأمطار المحلية تعرضت تلك الوديان والبرك إلى فيضان أدى إلى نشاط نهري وفيضانات متقطعة. في حوالي 4000 سنة مضت وجدت مياه بحيرات عميقة عذبة كافية لإعالة 17 نوع من الأسماك Van Neer 1989: 63 مقدمة تفسيراً لثراء المنطقة آثارياً حتى في هذا التاريخ المتأخر.

الخلفية المصرية
قبل أن نحاول رسم بعض خطوط تطور الفخار في شمال السودان علينا أن نلقي لمحة قصيرة على الوضع في مصر، طالما أن الأمور تصبح في حالات أشد وضوحاً عندما ينظر إليها من الأطراف. فيما يتعلق بالصلات المتداخلة التى سنناقشها أدناه، خاصة لشح المعطيات المتوفرة من الصحراء الليبية الجنوبية من تلك الفترة ، فإن الطور المبكر للهولوسين يمكن عرضه بإيجاز. بصفة عامة يصبح التقسيم الجغرافي لتطور الهولوسين في غرب مصر إلى منطقتين مختلفتين والذي كان واضحاً حينها : هناك في العموم مجاميع "ايبي باليوليتية" تضم أشكال هندسية، وشفرات مدببة ومناقش؛ حتى ذلك الحين لا دليل على وجود تقنية فخار في الشمال ("عين دالا"، و "مسارا") والتواتر "النيوليتى المبكر" من "الـ ادام" حتى "الـ نبتا" مع وجود الأبقار والفخار في الجنوب.

في طور الفخار الوسيط اللاحق في الألفيتين السابعة والسادسة ق.م. نجد مباشرة بعد بداية هذه الفترة بعد 7800 سنة مضت فخاراً جيد الصنع من النوع الشبيه بفخار ثقافة الخرطوم بعيداً إلى الشمال حتى ابو بلاس في ارتباط في مودبانس 85/56 ببقايا حيوانية ونباتية تشير إلى بيئة ساحلية مماثلة Kuper 1993. سوياً مع هذا النوع وجدت بعض الشقوف غير المزخرفة ذات الحافة الفوقية المنقوشة (شكل 4-2.1)، غير المعروفة في مجاميع ثقافة الخرطوم "الكلاسيكية" لكنها تمثلت بصورة جيدة في الوقت نفسه حوالي 7700 سنة مضت في آنية من وادي الأخضر 80/7-1 في الجلف الكبير Kuper 1981: 236, Abb. 13. يوجد الفخار الفاقد للزخرف، أو بزخرف نادر، حصراً في الحافة الفوقية، أبعد إلى الشمال في معسكر ويلمان (منطقة الزجاج 81/61) سوياً مع زخرف من نوع الخرطوم، مع أن تواتره الكرونولوجى غير موثوق. يبدو أن هذا الفخار غير المزخرف مميز لمنطقة بحر الرمال العظيم وما وراءها، حيث يوجد، على سبيل المثال، الفخار بالحافة ذات الثلم (شكل 3، 8) في موقع لوبو (أبومنقر81/55؛ Klees 1989) في محتوى مع صناعة حجرية ذات وجهين، والتي تمثل عنصراً مميزاً في الصحراء الغربية والواحات علىالأقل منذ 7500 سنة مضت (McDonald 1991 وتواريخ راديوكاربونية غير منشورة من البحث الجاري في دجارا في سهل ابو مُحاريك Abu Muharik). في ذات الوقت تميز النصف الثاني من طور الفخار الوسيط في جنوب غرب مصر بالصناعات الميكروليتية، والتي ترتبط على كل، على سبيل المثال في وادي بخت 82/81 في الجلف الكبير، بفخار جيد الصنع يتألف زخرفه من نقوش على الحافة الفوقية (شكل 4- 4.3). وجود ظاهرة الزخرف هذه في موقع جبل كامل 85/58 في الجزء المصري من سهل سليمة الرملي (شكل 4- 5. 6) يربط الموقع بطور الفخار المتأخر المماثل في شمال السودان.

يبدو أن الظروف البيئية في الصحراء الليبية الشمالية والوسطى خلال تلك الفترة قد حصرت الحياة الإنسانية أساساً في مناطق ملائمة مثل سهل الجلف الكبير. هنا في وادي الأخضر Schön 1994 ووادي بخت يوجد فخار متميز نحيف الجدران مصنوع بمهارة، يظهر طيفاً محدوداً لكنه مُشخص من الزخارف. من بين تلك المصنوعات الفخارية يبدو أن الأكثر شيوعاً آنية ذات شكل مخروطي بزخرف مضغوط عن طريق مشط من عظم سمك الرنكة تحت الحافة الفوقية Kuper 1988: Abb. 3. يظل أصله، مثله مثل عناصر أخرى في مجموعة الفخار المتأخر في الجلف الكبير، موضوعاً يحتاج لمزيد من الدراسة**.

الصحراء الليبية الجنوبية
طور الفخار المبكر وطور الفخار الوسيط
(قبل 5000 ق.م. =6000 سنة مضت)

على عكس الجزء المصري من الصحراء يُظهر الجدول الكرونولوجى ندرة واضحة للمعطيات الخاصة بالهولوسين المبكر في الصحراء الليبية الجنوبية. مع ذلك، توجد بينة قليلة من مدفنين في منطقة اللاقية، لكنها جلية واضحة دالة على وجود الإنسان، واحد من المدفنين مؤرخ بـ 9820±550 سنة مضت (KN 4029)؛ والثاني بـ8810  ±450 سنة مضت (KN 3353). وطالما أن الإقامة المكثفة من نوع ثقافة الخرطوم التى وجدت في جنوب مصر كانت تعتمد على التحول الشمالي للحزام النباتي السوداني، فإن غياب المعلومات يجوز تفسيره عن طريق أعمال المسح غير الكافية التى نقوم بها، والتي لا شك في أنها جد محدودة، كما ويحتمل أن تكون في غير موضعها بالنسبة لحالة ظروف الحفظ في بعض المناطق، واحتمالاً السلوك غير المتوقع لإنسان ما قبل التاريخ.

يتغير الوضع خلال أزمان الفخار الوسيط بعد 7000 سنة مضت عندما يوجد فخار من نوع ثقافة الخرطوم في العديد من المواقع في وادي هور مروراً بسهل سليمة الرملي حتى ابو بلاس. في سهل سليم الرملي يمكن الكشف عن نشاطات إقامة منتشرة Schuck 1993 والتي تدلل على أن هذا الجزء القاحل من الصحراء اليوم لم يستخدم فحسب كمنطقة عبور. تُظهر مواقع ممتدة مثل برج الطيور 85/78 و 79Idris 1994a أن أماكن ملائمة مثل البرك القائمة لفترات طويلة جذبت زيارات موسمية متكررة احتمالاً إقامة مستمرة في بعض الحالات. تؤكد على ذلك المؤشرات الدالة على عالم نباتي يتسم بالثراء بما يكفي لإعالة وحيد القرن والثور الضخم في 85/80وستندVan Neer-Uerpmann 1989: 329 وباقيا. مخلفات الحيوانات المدجنة الوحيدة الباقية : عظام خراف/ماعز من حفرة في برج الطيور 85/73 مؤرخة بـ 6300 ± 160 (KN 4033)، والمؤشر الأول في هذه المنطقة لـ "النيوليتى" فخار وسيط.

طور الفخار المتأخر
(5000-3000 ق.م. = 6000- 4300 سنة مضت)

يبدو أن بداية هذه الفترة في منطقة اللاقية وسهل سليمة الرملي تُعلّم بوجود مصنوعات فخارية قوية ونحيفة الجدران إلى حد ما وجيدة الحرق أو حتى مصقولة. يتطابق مستواها التقني مع نوعية الفخار المتأخر من الجلف الكبير الذى تمثل في بعض الشقوف ذات الزخرف المعمول بمشط من عظم السمك (شكل 5-4). عموماً انحصر الزخرف بصورة أساسية في الحافة الفوقية المنقوشة بمهارة (شكل 4- 11؛ 5- 7.5.3.1)، ظاهرة توازي مواقع في جنوب مصر كما ذكرنا آنفاً ومؤرخة ببعض مئات السنوات الأسبق. من جانب ثانٍ فإن هذا الزخرف يمكن مناظرته ببعض الشقوف من عبكة (على سبيل المثال Nordström 1972: Pl. 141, 1-2)، وهى وجهة نظر تؤكد عليها عناصر من صناعة الحجر.

وفقاً للتواريخ الراديوكاربونية القليلة من وادي هور، في الوقت نفسه أبعد إلى الجنوب ظل قيد الاستخدام الفخار المزخرف بخط متموج***. البينة الاستراتيجرافية لذلك تأتي من واحد من التلال المتحركة إلى الشرق من جبل رحيب Gabriel et al. 1985; Kröpelin 1993a: 85ff، حيث يؤرخ هذا النوع من الفخار في التل المخروطي 84/24 بحوالي 5800 سنة مضت. تبعه في إطار هذا التواتر بحوالي 5000 سنة مضت نمط متشابك الخطوط الذى صار يعرف أبعد إلى الشمال بنوع لاقية Kuper 1986a: Fig.4; Schuck 1989: Fig 2, 7-12، لكنه يظهر أيضاً في مواقع عديدة في وادي هور Richter 1989. بنية هذا النمط وعناصر الزخرف فيه تذكرنا بوضوح تقاليد ثقافة الخرطوم، لكن مظهره العام يضعه أقرب للمجاميع الأخرى المشتقة من الخرطوم مثل 80/73 رحيبKuper 1981: Abb. 35; 1986: Fig. 2. التشابه القوي بين شقوف لاقية من وادي شو ومن وادي هور قد تشير احتمالاً إلى نوع من التناغم بين المنطقتين، نموذج، قد يكون متوافقاً مع فرضية باشور حول انفصال إقليمين نباتيين Pachur-Kröper 1984 وكذلك مع حقيقة أن تواريخ وادي شو مشتقة في الأساس من المواقد Gabriel 1986: 16، لكن بالطبع نحتاج هنا للمزيد من البينة.

لحن لاقية الفاصل في وادي شو يمكن أن يكون دام احتمالاً فقط لفترة قصيرة، حيث أنه بعد 5000 سنة مضت اتبع كل من وادي هور ولاقية مساراته المختلفة الخاصة. ففي حين بدأ في الجنوب تطور ليترباند المتجه أكثر شرق - غرب، والمؤرخ في قمة ستراتيجرافية تل الرمال المتحرك 84/24 بـ 4600 سنة مضت (Keding 1993 وفي هذا المؤتمر)، شغل وادي شو ووادي ساحل أناس بفخار جد مختلف، والذين استقروا جزئياً في قمم التلال واقتنوا أبقاراً ذات قرون Van Neer-Ueprmann 1989: 331. تتألف المادة الفخارية من مصنوعات سوداء الفم، وشقوف ذات سطح مصقول أو متموج، وأشكال ملونة نادرة، ونمط الختم المهزوز، المعمول بأسلوب الضغط بملعقة أو مشط وفي حالات مصقول فيما بعد. تناظرات لكل هذه السمات توجد وسط مادة المجموعة النوبية الأولى. لكن بالنظر في اتجاهات أخرى يمكن كذلك الكشف عن العديد من تلك العناصر. الزخرف الرائع بتنوعاته والمعمول عن طريق استخدام مشط من عظم سمك الرنكة يمكن تتبعه إلى الجلف الكبير، حيث تظهر تلك الزخارف قبل قرابة 1000 سنة سابقة. رافقها في طريقها عبر سهل سليمة الرملي سلسلة مواد صنعية، مثل حجر الطحن المميز من نوع الجلف Kuper 1993 والذى كان مستخدماً بلا شك في منطقة لاقية فيما بعد أيضاً، وفوق ذلك أكدته دراسة مقارنة لتقنيات تكسير الحجر بين وادي الأخضر ووادي شو الموقع 83/120

بدايات العصر الأسري
(بعد 3000 ق.م. =4300 سنة مضت)

في وقت متزامن مع بداية الفترة الأسرية في مصر يبدو أن وادي هور شهد هو الآخر نقلة ثقافية. بالقرب من معسكر شو 49 يشير أكثر من 30 تبعثر لأدوات إلى معالم نمط إقامة مساكن أو مركبات مجمعة بصورة مفككة متعاصرة، معتمدة في الغالب على بئر مشتركة Francke 1986; Schuck 1988; 1989. كذلك تم حفر عدد من المدافن، عادة خالية من مرفقات جنائزية باستثناء أعداد كبيرة من خرز من صدف بيض نعام. يقدم الفخار المكتشف بحالة جيدة في الإقامة طيف واسع من الأشكال والزخارف. العديد منها يجد تناظرات مباشرة في مصنوعات ثقافة كرمة، وبعضها في ثقافة المجموعة النوبية الثالثة. لكن هناك مركب معتبر من الشقوف المتميزة التى تدمج أنماطاً تقنية وزخرفية معروفة من مواقع صحراوية أخرى. بالتالي فإن مجاميع المعسكر 49 يبدو أنها تألفت من تقاليد خزفية مختلفة والتي لا يمكن في الوقت الراهن تمييزها بتفصيل. تأثر وادي شو بالصلات بعيدة المدى يمكن التدليل عليه عن طريق شظية ما يسمى بـ وعاء ميدوم المشخص بانتمائه للمملكة القديمة في وادي النيل وأيضاً لموقع عين عاسل بالقرب من داخلة Ballet 1987. الوضع الكرونولوجى يتوافق مع أربعة تواريخ راديوكاربونية من محتواها المباشر في موقع وادي شو 82/52، الذى تجمع حوالي 2500 ق.م. توجد في وادي هور بينة شحيحة فقط دالة على صلات مع وادي شو خلال تلك الفترة، باستثناء بعض فؤوس من نوع فأس دار فور Kuper 1986a: Fig 3، والتي انتشر توزعها في الجنوب. بنهاية تطور مواقع ليترباند الفخارية، رغم أنها ظلت ثرية، فإنها تبدو قد تمركزت في أماكن محددة ملائمة ايكولوجياً Richter 1989. المجموعات متغايرة الخواص، المؤلفة إلى حد بعيد من فخار ملطف بالنسيج وزخارف هندسية، لم تتم بعد دراستها بتفصيل ولازالت التواريخ الراديوكاربونية مفتقدة. مع ذلك هناك بينة لدور مستمر لوادي هور طريقاً للاتصال بين حوض تشاد والنيل حتى الأزمان القروسطية. الشهاد الأخيرة وفرها الكشف في عام 1984 عن قلعة واسعة تبعد 100 كيلو متر إلى الغرب من النيل. تبلغ مساحتها 220X120 متراً ولازالت جدرانها تقف على ارتفاع 4 أمتار، مزودة بأبراج وسلالم Kuper 1988: Abb. 3,7. يحتمل أن يرجع أصلها إلى العصر المرَّوي الذى تمثل في عدد من اللقي السطحية، في حين تشهد بعض العناصر البنائية للجدران على أنها كانت مستخدمة في عهد مملكة المقرة المسيحية.

الختام
تلخيصاً لهذا العرض الموجز على الواحد أن يشدد مجدداً على الضعف العام في قاعدة معلوماتنا. بالطبع يتوقع أن يقود التحليل اللاحق للمادة المتوفرة سوياً مع بينات جديدة من العمل الميداني الجاري، الذى قد يوفر وحدات آثارية كاملة غير معروفة، إلى مراجعة السيناريو الآتي.

مع بداية أمطار الهولوسين بعد 10.000 سنة مضت أعاد سكان قادمون من الخارج الحياة في الصحراء الشرقية، والتي كانت قد شهدت في الألفية السابقة درجة عالية من الجفاف أشد مما هي عليه اليوم. جلبوا معهم إلى الصحراء الليبية الجنوبية في الغالب فخاراً جيد الصنع، مزخرف بأسلوب ثقافة الخرطوم المبكرة واحتمالاً – حصراً في مناطق محددة – أيضاً أبقار. بالتحرك إلى الشمال مع الجبهة الرطبة خلال طور الفخار الوسيط يحتمل أن يكون تقليد الخرطوم قد تطور بثلاث طرق بديلة : (أ) الالتقاء والتأثر احتمالاً بتقليد الفخار غير المزخرف (غض النظر عن مكان أصول هذا)؛ (ب) ولّد من داخله سحنة أنتجت نمط الزخرف؛ أو (ج) تحفيز الناس الذين كانوا حتى حينها بلا فخار لتبني تقنية الخزف، والذين فضلوا، على أية حال، عدم زخرفة جرارهم. السؤال الحاسم للبحث المستقبلي ينحصر في أي من هذه الاحتمالات سيكون الأكثر أساسية – بخاصة فيما يتعلق بعملية "نولتة" المنطقة. طور الفخار الوسيط كما أوضحنا تميز بظهور فخار غير مزخرف قد يكون مدموغ بتدفق من الشرق الأدنى حاملاً معه تقليد خزفي جديد سوياً مع الخراف والماعز لممثلين "نيوليتيين" – وإذ لم تكن موجودة أصلاً منذ أكثر من 2000 سنة – الأبقار.

تطابقاً مع تراجع البيئة السودانية من غرب مصر حوالي 6000 سنة مضت مد الفخار غير المزخرف مدى انتشاره إلى الجنوب (شكل 2). في بداية طور الفخار المتأخر ظهر الفخار غير المزخرف مع السمات التقنية القوية لهذا الطور جنوباً حتى وادي شو. هناك قرابة مؤكدة مع الثقافة العبكية يمكن ملاحظتها، لكن اتجاه التأثير يظل مسألة خاضعة للتكهن. بامتداد النيل تبدو هذه المجموعة معاصرة إلى حد بعيد مع نوع ثقافة الخرطوم، في حين أن فخار الخرطوم المبكرة ظل قيد الاستخدام في وادي هور. في تواز مع المجموعات المختلفة المشتقة من ثقافة الخرطوم على امتداد النيل، يمكن حتى الآن وصف فرعين في الصحراء : مجموعة الرحيب ومجموعة اللاقية. في حوالي 5000 سنة مضت يبدو أن الأخيرة كانت الممثل الأخير لتقليد ثقافة الخرطوم في منطقة اللاقية.

فيما بعد شهدت منطقة وادي هور ولاقية تطوراً مختلفاً : في وادي شو ووادي ساحل أصبح شائعاً فخار من نوع فخار المجموعة الأولى، مؤلفاًعناصر قد تشير على الأقل إلى أن بعض جذوره في منطقة الجلف الكبير. في الوقت نفسه – طبقاً للنتائج المتحصل عليها من موقع جبرونة - بدأ في وادي هور ازدهار تواتر ليترباند، الذى تطور فيما يبدو من مجموعات الخرطوم النيوليتية من نوع الجيلى. وفي حين يشير غياب معطيات من السودان الأوسط بعد 5000 سنة مضت إلى فجوة مستمرة هناك، فإن تطور فخار وادي هور كان مستمراً. واضح أن "النهر الأصفر" كان قادراً بصورة مستمرة على جذب الإقامة الإنسانية وأن يبقى طريقاً بين أفريقيا الداخل ووادي النيل حتى الأزمان المسيحية. على عكس ذلك فإن الحياة في الإقامة في المعسكر شبه الواحة 49 بمنطقة اللاقية انتهى في الألفية الثانية ق.م. موفراً مع ذلك بعلاقاته في بداية العصر الأسري تدليلاً حياً لتقارير الفراعنة عن سكان الصحراء. قطعاً لم يسافر حرخوف إلى عالم غير معروف.

هوامش
* الإشارة إلى التسمية التقليدية للوحدة الجغرافية الكبرى بـ "الصحراء الليبية" تبدو اليوم أكثر مناسبة بدلاً عن مصطلحات "السودان الغربي"، "النوبة الغربية" أو "الصحراء الغربية"، والتي تكون ملائمة من الناحية السياسية، لكنها أقل ملائمة من الناحية العلمية لتوصيف المنطقة كمركب لمنظر عام أشمل – بما قي ذلك أجزاء من مصر وليبيا – والتي وفرت إطاراً بيئياً للتطور الإنساني.
** يوضح ذلك إلى أي مدى تعكس صناعات الجلف تطورات ثقافية محلية أكثر منها تطورات عامة. على ضوء الحالة الفعلية لمعرفتنا لا يمكن بحال عدها نقطة يمكن منها تقييم مجمل النيوليتى المتأخر لشمال شرق أفريقيا أو حتى تقسيمه إلى فروع إقليمية، بخاصة إذا كانت القاعدة لذلك فقط عناصر منفردة هي فوق ذلك تتميز ليس فحسب باختلافات تقنية وثقافية ومنعزلة جغرافياً، وإنما أيضاً غير متعاصرة (Schön 1994: 143)!
*** يبدو أن هناك عدم موثوقية فيما يتعلق بالتواريخ من وادي هور والتي تأتي بصورة أساسية من العظام. في العديد من المواقع الأخرى، حيث اؤرخت العظام سوياً مع فحم أو لحاء بيض نعام من المحتوى نفسه، فإنها – أيضاً إذا تم تصحيحها بالكربون13 – ثبت رجوعها إلى حوالي 300 سنة أصغر. يحتمل ضرورة أخذ هذا العامل في الحسبان أيضاً بالنسبة لتواريخ وادي هور. 

المراجع

BALLET, P. 1987, ‘Essai de classification des coupes type Maidum-Bowl du sondage de ‘Ayn-Asil (oasis de Dakhla), Typologie et evolution’, Cahiers de la Cerarnique E,gyptienne 1, 1-16.
BIETAK, M. 1968, Sludien zur Chronologie der Nubischen C-Cruppe, Wien.
CLOSE, A.E. 1987, Preface, in A.E. Close, ed., 1987, XI-VI.
CLOSE, A.E.1992, ‘Holocene Occupation of the Eastern Sahara’, in F. Klees, - R. Kuper, eds., 1992, 155-183.
CLOSE, A.E. (ed.) 1987, North Africa, Essays in Honor of Fred Wendorf Dallas.Prehistory of Arid
CZIESLA, E. 1986, ‘Excavations at Wadi Sahal’, in M. Krause, Hrsg., 143-149.
FRANCKE, U. 1986. ‘Camp 49 re-examined’, in M. Krause, Hrsg., 137-142.
GABRIEL, B. 1986, Die ostliche Libysche ILusle im Jurcgquarliir, Berliner geographische Sludien 19, Berlin.
GABRIEL, B. - KROPELIN, St. 1984, ‘Holocene lake deposits in NW-Sudan’, Palaeoecology of Africa 16, 295-299.
GABRIEL, B. - KROPELIN, St. - RICHTER, J. - CZIESLA, E. 1985, ‘Parabeldiinen am Wadi Howar’, Ceowissenschaften in unserer 7.eil 3, 105-112.
GEUS, F. 1992, ‘The Neolithic in Lower Nubia’, in F. Klees - R. Kuper, eds., 219-237.
HAHN, J. 1993,  ‘Neolithic settlement patterns in the Gebel Kamil area Southwestern Egypt, I’, L. Krzy-zaniak et al., eds., 225-236.
HASSAN, F.A. 1986, ‘Chronology of the Khartoum « Mesolithic, and a Neolithic, and related sites in the Sudan: statistical anal­ysis and comparisons with Egypt’, The African Archaeological Reuieeu 4, 83-103.
HAYNES, CX. 1987,       Eastern Sahara’, in A.E. Close, ed., 69-84. ‘Holocene Migration Rates of the Sudano-Sahelian Wetting Front, Arba’in Desert.
HAYNES, CX. - EYLES, C.H. - PAVLISH, L.A. - RI’FCHIE, J.C. - RYBAK.M. 1989, ‘Holocene palaeoecology of the Eastern Sahara: Selima Oasis’, Quaternary Scie»cr Rezieies 8, 109-136.
HINKEI, F.W. 1979,        Sudan. Pasc. II: The Area of the South Libyan Desert. Berlin. The Archaeological Map of the
HOLSCHER, W. 1937,      Libyer und .Agyper, Gliickstadt.
IDRIS, G. 1994a, ‘A Neolithic Settlement in the Selima-Sandshect, Northern Sudan’, in Ch. Bonnet, ed., Eludes 1Vubiennes Vol. II. Genev•e, 101-108.
IDRIS, G. 1994b,Die Altsteinzeit im Sudan, Areh¢ologische Berichte 4, Bonn.
KEDING, B. 1993, ‘Leiterband sites in the Wadi Howar, North Sudan’, in L. Krzvzaniak et al., eds., 371-380. in prep. Djabarona 84i13, Africa Prachisloric         
KLEES, F. 1989, SandSea and the Egyptian oases’, in L. Krzyzaniak - ?`i. Kobusiewicz, eds., 223-231.‘Lobo: a contribution to the prehistory of the eastern
KLEES, F.1993,  ‘Zur Verwendung des Begriffs “Neolithikum” im Bereich der holozanen Kulturen Nordafrikas’, archkologische Infornzationen 16. 39-46.
KLEES, F. - R. KUPER (eds.) 1992, New Light on the Northeast African Past, Africa Praehistorica 5, Koln.
KRAUSE, M. Hrsg. 1986, ATubische Studien.Mainz.
KROPELIN, St.1990,  Lower yVadi Howar, Berliner geowissz-nschaffliche Ab/tandlungen (A) 120, 223-234, 256-259.
KROPELIN, St.1993a, Zur Rekonstruklion der sfiotquarlaren Umzcelt am L’ntercn I1 Qdi Horuar (Suddstliche Sahara/NIl’-Sudan), Berliner ge­o,grnpiatsclre Ablrandlungen 5-}, Berlin.
KROPELIN, St.1993b, ‘The Gilf Kebir and Lower Wadi Howar : contrasting Early and Mid-Holocene environments in the Eastern Sahara‘, in L. Krzyzaniak cl al., eds., 249-258.
KRZYZANLAK, L. - KOBUSIEWICZ, AM. (eds) 1989,   Late Prehistary nf the NileBasin and the Sahara, Poznan.
KRZYZANIAK, L. - KOBUSIEWICZ, M. - ALEXANDER, J. (eds. 1993,   Environmental change and human culture in the NileBasin and .’Vorthern Africa until the second millennium B. C. , Poznan.
KUPER, R. 1981,   Untersuchungen zur Besiedlungsgeschichte der ostlichen Sahara. Vorbericht uber die Expedition 1980, Beilrage zur Allgemeinen und Verg/eichenden Arch6ologie 3, 215-275.
KUPER, R. 1986a, Wadi Howar and Laqiya - recent field studies into the early settlement of northern Sudan, in M. Krause, Hrsg., 129-136.
KUPER, R. 1986b, The Selima Sandsheet : buffer or turntable in the Eastern Sahara? in The Longest Record: The Human Career in Africa. A Conference in Honour of J. Destnond Clark, Berkeley, 53-54.
KUPER, R. 1988, Neuere Forschungen zur Besiedlungsgeschiehte der Ost-Sahara, Arch6ologisches Korrespondenzblatt 18, 127-142.
KUPER, R. 1989,The Eastern Sahara from North to South : Data and dates from the B.O.S.-Project, in L. Krzyzaniak - M. Kobusiev+’icz, eds., 197-203.
KUPER, R. 1993,Sahel in Egypt : environmental change and cultural development in the Abu Ballas area, Libyan Desert, in L. Krzyzaniak cl al., eds., 213-223. 
KUPER, R., Hrsg. 1989,Forschungen zur C-tnzcehgeschichle der Ostsahara, Africa Prachistorica 2, Koln.
McCAULEY, J.F. - BREED, C.S. - SCHABER, G.G. - \1cHUGH, yV.P. - ISSAWI, B. - HAY1iES, C.V. - GROLIER, M.J. - EL KILANI, A. 1986,   Paleodrainages of the Eastern Sahara - The Radar Rivers Revisited (SIR-A/B Implications for a Mid­Tertiary Trans-African Drainage System), IEEE Transact. Geosc. Rezn. Sens. GE-24, 624-648.
McDONALD, M.M.A. 1991,   ‘Origins of the Neolithic in the Nile Valley as seen from Dakhleh Oasis in the Egyptian Western Desert’, Sahara 4, 41-52.
McDONALD, M.M.A. 1993,Dakhleh Oasis, Egypt, in the Early to Mid-Holocene’, in L. Krzyzaniak et al., eds., 199-209.   ‘Cultural adaptations in
MEISSNER, B. - SCHMITZ, H. J. 1983,   Zur Kartierung alter Entwasserungssysteme in der Sahara mit Hilfe von Fernerkundungs-Date n - Am Beispiel des Nordv,-est-Sudan, Berliner geou,,issenschaftliche Abhandlungen (A) 47, 87-93.
MOHAMMED-ALI, Abbas S. 1982,   The Neolithic Period in the Sudan, c. 6000-2500 B.C., BAR International Series 139, Oxford.
NEUMANN, K. 1989a, Zur Vegetationsgeschichte der Ostsahara im HolozanHolzkohlen aus prahistorischen Fundstellen, in R. Kuper, Hrsg., 13-181.
NEUMANN, K. 1989b, ‘Holocene vegetation of the Eastern Sahara: charcoal from prehistoric sites’, The African Archaeological Review 7, 97-116.
NEUMANN, K. 1994,Koln, 47-65.   4Virtschaftsweisen im Neolithikum der Ostsahara und ihr Einflui3 auf die Vegetation, in M. Bollig - F. Klees, Hrsg., Uberlebensstrategien in Afrika, Colloquium Africanum 1,
NEWBOLD, D. 1924,   A Desert Odyssey of a Thousand Miles, Sudan Notes and Records 7, 43-92.
NEWBOLD, D. - SHAW, W.B.K. 1928,   An Expedition in the South Libyan Desert, Sudan Notes and Records 11, 103-194.
NORDSTROM, H.-A. 1972,   Neolithic and A-Group Sites. The Scandinavian Joint Expedition to Sudanese Nubia, 3, Uppsala.
PACHUR, H. J. 1987,   Vergessene Flusse und Seen der Ostsahara, Geowissenschaften in unserer Zeit 5, 55-64.
PACHUR, H.J. 1987,Southeastern Sahara’, Science 237, 298-300.  ’Wadi Howar : Paleoelimatic Evidence from an Extinct River System in the
PACHUR, H.-J. - KROPER, H.-P.1984,   The Libyan (Western) Desert and northern Sudan during the late Pleistocene and Holocene, Berliner geowis­senscha/tliche Abhandlungen (A) 50, 249-284.
PACHUR, H. J. - KROPELIN, St. - HOELZNLANN, P. - GOSCHIN, M. - ALTMANN, N. 1990,   Late Quaternary fluvio-lacustrine environments of Western Nubia, Berliner geozcissenschaftliche Abhandlungen (A) 120, 203-260.
PI1′TIONI, R. 1950, Beilrage zur Geschichte des Keramikums in Afrika und im Nahen Osten, Prdhtstorische Forschungers 2.
RHOTERT, H. 1952, Libysche Felsbilder, Darmstadt.
RICHTER, ,J. 1989, ‘Neolithic sites in the Wadi Howar (Western Sudan)’, in L. Krzyzaniak - M. Isobusiewicz, eds., 431-442. SHAW, W.B.K.
RICHTER, J. 1936,Southern Libyan Desert’, Geographical journal 87, 193-221.    ‘An Expedition in the
SHAW, W.B.K. 1936, ‘An Expedition in the Southern Libyan Desert’. Geographical Journal 87: 193-221.
SCHON, V. 1994,   ‘The I_ate Neolithic of Wadi el Akhdar (Gilf Kebir) and the Eastern Sahara’, Archeologie du Nil Aloyen 6, 131-175.
SCHUCK. W. 1988, ‘Wadi Shaw - eine Siedlungskammer im Nord-Sudan’, Archaologisches Korrespondenzblatt 18, 143-153.
SCHUCK, W. 1989,    ‘From lake to well: 5 000 years of settlement in Wadi Shaw (Northern Sudan)’, in L. Krzyzaniak - VI. Kobusiewicz, eds., 421-429.
SCHUCK, W. 1993,Sandsheet, Sudan‘, in L. Krzyzaniak et al., eds., 237-248.   ‘An archaeological survey of the Selima
SINCLAIR, Y.J.J. - SHAW, Th. - ANDAH, B. 1993,   ‘Introduction’, in Th. Shaw - P. Sinclair - B. Andah - A. Okpoko, eds., The Archaeology of Africa - Food; rnetals and towns, London/New-York, 1-31.
VAN NEER, W.1989, Holocene fish remains from the Sahara, Sahara 2, 61-68.
VAN NEER, W. - UERPMANN, H.-P. 1989,   ‘Palaeoecological Significance of the Holocene Faunal Remains of the B.O.S.-Missions’, in R. Kuper, Hrsg.. 307-341.
WENDORF, F.1968,     Summary of Nubian Prehistory, in F. fVendorf, ed., 1041-1059.
WENDORF, F., ed.1968Dallas.,     The Prehistory of.\’ubia, 2 vols,
WENDORF, F. - SCHILD, R. 1976,   Prehistory of the A"ile Valley, New York.
WENDORF, F.- SCHIKD, R. 1984,     ‘Introduction’, in F. Wendorf et al., eds., 1-8.
WENDORF, F. - SCHILD, R. - CLOSE, A.E., (eds) 1984,  Cattle-Keepers of the Eastern Sahara: The Neolithic of Bir Kiseiba, Dallas.
WENDORF, F. - SCHILD, R. - CLOSE, A.E., (eds) 1989,  The Prehistory of Ihadi
Kubbaniya, 2 and 3, Dallas.

عن مجلة آركمانى السودانية