‏إظهار الرسائل ذات التسميات مدن ومواقع آثرية ليبية ، مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مدن ومواقع آثرية ليبية ، مقالات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 8 يناير 2017

مدرسة عثمان باشا المالكيَّة ....تركي محمد النصر*



طرابلس الغرب هي عاصمة ليبيا، وأكثر مدنها سكانًا، تقع في شمال غرب البلاد على البحر الأبيض المتوسط في سهل ساحلي منبسط مقابل الرأس الجنوبي لجزيرة صقلية، تكثر فيها البساتين، لاسيما بساتين البرتقال والليمون وحقول الزيتون، وتشتهر بعمارتها الحديثة، وشوارعها الفسيحة وجنائنها الرائعة. 

فتح المسلمون طرابلس الغرب في آخر خلافة عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  سنة 23هـ، الموافق 644م ودخلت تحت الحكم الإسلامي ثم تعاقبت على حكمها عدَّة ممالك كالنورمانية، والصقلية والإسبانية، وفرسان القديس يوحنا، وبقيت كذلك حتى استعادها العثمانيون منهم سنة 1551م.

تعتبر طرابلس الغرب التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة مركزًا تجاريًّا وصناعيًّا مهمًّا وتشهد فيه الصناعة تطورًا ملحوظًا على صعيد صناعة تكرير النفط، ومن أبرز معالمها مرفأها التجاري، وقلعتها الأثرية أو ما يعرف بالسراي الحمراء، ومدينة الأندلس التي تعدُّ من أهم المشروعات السياحية في ضواحي طرابلس الغرب، وبرج الساعة الكبير، ومسجد أحمد باشا الذي أقيم على أنقاض المسجد القديم الذي بناه عمرو بن العاص عندما فتح المدينة، ومدرسة عثمان باشا الساقزلي.

ولفظة طرابلس روميَّة إغريقيَّة، وهي تعني المدن الثلاث، وقد تحدث عنها أصحاب السير، فقالوا إنها في آخر أرض برقة، بناها أشباروس قيصر، وكان لها سور صخري جليل البنيان وبها أسواق حافلة، وكان فيها مسجد في العهد الإسلامي يعرف بمسجد الشعاب، وكان حولها بربر وأنباط، فتحها عمرو بن العاص سنة 23هـ بعد حصار استمر شهرين فانتزعها من يد الرومان.

وينسب إلى طرابلس الغرب عدد كبير من أهل العلم والصَّلاح، ومن أبرزهم العلامة الشيخ علي بن زياد العبسي الطرابلسي، ولد بطرابلس، وسمع من الإمام مالك الموطأ وأخذ عنه أقواله, ثم جلس للتدريس في القيروان، حيث كثر تلاميذه واشتهر أمره، وكاد أن يمتحن بالقضاء ولكنه امتنع وسافر علي إثر ذلك إلى تونس، واجتمع عليه الناس، وكان ملاذهم بل كانت الأسئلة تأتيه من القيروان، واشتهر من تلاميذه ثلة منهم سحنون بن سعيد التنوخي، والبهلول بن راشد، وأسد بن الفرات.

وابن زيادـ رحمه الله ـ هو أول من أدخل الموطأ إلي إفريقيا، وهو أول من فسَّر للمغاربة قول مالك، ولم يكونوا يعرفونه، وهو معلم سحنون الفقة، توفي- رحمه الله- سنة 183هـ.

تأسيس المدرسة وسبب تسميتها

أسست المدرسة سنة 1064هـ الموافق 1654م، وتقع بزنقة درغوت باشا، بحي باب البحر في المدينة القديمة، بالعاصمة الليبية طرابلس، وسميت باسم مؤسسها عثمان باشا الساقزلي، وهو والي طرابلس الغرب آنذاك أثناء فترة الخلافة العثمانية، حيث كانت ليبيا منضوية تحتها.

ويعتبر تأسيس هذه المدرسة في العهد العثماني الأول تجديدًا واستمرارًا لتدريس العلوم الإسلامية في طرابلس بعد تدمير الإسبان وفرسان القديس يوحنا لكل المرافق الحيوية للمدينة، بما في ذلك المدارس الشرعية العتيقة مثل المدرسة المستنصرية التي أسسها ابن أبي الدنيا، والتي كانت بدورها استمرارًا لتدريس العلوم الإسلامية منذ أدخل علي بن زياد الطرابلسي تلميذ الإمام مالك كتاب الموطأ إلى المغرب الإسلامي.

وصفها

الداخل إلى مدرسة عثمان باشا من بابها الرئيس سيقابله صحن المدرسة، وهو ساحة مربَّعة الشكل تفتح عليها أبواب أربع عشرة حجرة، كل منها تزدان بعمودين من الرخام الزاهي اللون، ويعلوهما قوس نصف دائري، كما يحيط بالساحة رواق منتظم محمول على أعمدة رخامية متعددة المصادر تعلوها تيجان بديعة، وتعلو المدرسة قبتان عثمانيتان مميزتا الشَّكل، وتفتح الساحة على منطقة منفصلة بها مرافق المدرسة وميضأة تحمل نقوشًا عثمانية بديعة، كما تفتح الساحة من الناحية المقابلة على مقبرة قديمة حُوِّلَت إلى حديقة زهور.

أهميتها

تظهر أهمية مدرسة عثمان باشا من خلال محافظتهاـ حتى وقت قريبـ على التعليم الديني وفق نظام الحلقات في مختلف العلوم الإسلامية بشكل منتظم، كما أن المدرسين الذين تعاقبوا على التدريس فيها كانوا من أهم علماء ليبيا الذين تخرجوا على الرعيل الأول، مما أضفى عليها طابع العراقة، وعلى الرغم من صغر المدرسة إلا أنها استطاعت أن تحافظ على الموروث العلمي والثقافي الإسلامي لطرابلس، وأن تنقله عبر الأجيال على الطريقة المغاربية الطرابلسية بكل ما يعنيه ذلك من أصالة تاريخ المدينة وعلو قدر علمائها.

منهجها

يتلخَّصُ منهج المدرسة في تدريس علوم الشريعة الإسلامية، العقيدة والفقه والحديث واللغة العربية، وآداب البحث والمناظرة، والآداب الإسلامية العامة، ويجمع منهج المدرسة بين علمَي الرواية والدراية بتدريس الحديث النبوي والفقه المالكي الأصيل.
ولا يزال تدريس هذه العلوم يعتمد على طريقة التلقين وتحمل العلم الشرعي بالسند المتصل، الأمر الذي ميَّز هذه المدرسة العريقة عن غيرها من الدينية الأخرى.

أسانيدها وأبرز أعلامها

ومما زاد في أهميَّة هذه المدرسة وعراقتها العلميَّة والتاريخيَّة أنَّها تجمع أسانيد الأمَّة الإسلاميَّة قاطبة، أسانيد شاميَّة، ومصريَّة، وتونسيَّة، ومغربيَّة، وشنقيطيَّة، ويمنيَّة، وحجازيَّة، وهنديَّة، وتركيَّة، حيث اعتنى علماء طرابلس بالرواية منذ القِدم، وأقرب هذه الأسانيد- مثلًا- الأسانيد التي اجتمعت من خلال العلامة مجدد المدرسة في العصر الحديث الشيخ محمد كامل بن مصطفى (ت 1314هـ) مفتي طرابلس الغرب والذي قام بتدريس العلوم الشرعية مطلع القرن العشرين بمرويَّاته عن أكابر علماء الأمة في عصره ومنهم الشيخ أحمد عبدالرحيم الطهطاوي، والشيخ محمد عليش، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ حسن العدوي، والشيخ محمد المهدي بن سودة، والشيخ إبراهيم السقا، والشيخ عبدالهادي الإبياري، والشيخ عبدالقادر الريماوي المقدسي الحنفي، والشيخ إبراهيم بن محمد السياني التونسي التوزري، والشيخ مختار شويخ، والشيخ محمد الطاهر الغدامسي، والشيخ أبوالقاسم العيساوي.

كما جمعت المدرسة بين أسانيد المناطق الليبية المحيطة بطرابلس مثل أسانيد الشيخ محمد الأمين العالم من شط الهنشير، وأسانيد الشيخ علي الغرياني من تاجوراء، وأسانيد الشيخ أحمد أبوطبل من بني وليد، وأسانيد الشيخ محمد ظافر المدني من مصراتة التي تتصل بأسانيد الشيخ أحمد زروق.

وقد تسلسل العلم الشرعي المعنعن في المدرسة من خلال تلاميذ الشيخ محمد كامل بن مصطفى من أمثال العلماء إبراهيم مصطفى باكير مفتي طرابلس، وأحمد البكباك، وأحمد الشارف، وأحمد شقرون، وأحمد بن عبدالسلام، وأحمد بن عبد العال وغيرهم.
ولا تزال المدرسة تفخر بتدريس شتى العلوم الإسلامية التخصصية من خلال نخبة من أجلِّ أعلامها، و نذكر منهم:

1- العلامة الفقيه الشيخ عبدالسلام البزنطي الذي تخرج في العلوم الشرعية على أيدي علماء كبار من أساتذة جامعة محمد بن علي السنوسي بالبيضاء، وكلية أحمد باشا بطرابلس، ويواصل الشيخ البزنطي مسيرة تدريس الفقه المالكي التي بدأها الإمام علي بن زياد الطرابلسي تلميذ الإمام مالك وذلك بتدريسه الكتب المعتمدة على المذهب المالكي مثل كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني بشروحها وحواشيها الأزهرية.

2- شيخ القراءات العلامة الأمين محمد قنيوة الذي يتصل سنده بأعلى الأسانيد العثمانية في القراءات والتجويد، وهو حجَّة على مستوى العالم الإسلامي في مجال القراءات والتجويد، ترأس لجان الإشراف على عدة مسابقات قرآنية دولية، وله تسجيلات إذاعية محلية ودولية، ومساهمات مهمة في إخراج مصحف الجماهيرية على رواية قالون عن نافع، وتخرج على يديه عديد من أفضل قرَّاء البلاد الليبية.

3- اللغوي الدكتور محمد منصف القماطي الذي درس علوم العربية والعلوم الشرعيَّة دراسة جامعيَّة وعلى علماء طرابلس، وحصل على شهادة الدكتوراه في اللغويات، ويُدَرِّس- بالإضافة إلى تدريسه بمدرسة عثمان باشا- في جامعة الفاتح بطرابلس.

مكتبتها

أَوقَفَ عثمان باشا الساقزليـ رحمه اللهـ كتبًا كثيرة وقيِّمة على مدرسته منذ تأسيسها، وحافظ الليبيون على هذه النَّفائس، ومنها كثير من المخطوطات النَّادرة، وعندما أسَّست وزارة الأوقاف الليبية مكتبتها العامة في طرابلس عام 1316هـ قامت بنقل أغلب هذه الكتب إليها، كما تم تجديد مكتبة المدرسة وتزويدها بمراجع ومصادر مهمة في العلوم الإسلامية، وخاصة كتب الفقه المالكي وأصوله.

دورها في التَّاريخ العلمي لطرابلس

كانت المدرسة تقوم بدور دار الإفتاء في طرابلس، أو ما يُعرف في العهد العثماني بمَقَر المفتي، ويعتبر الشَّيخ محمد كامل بن مصطفى الذي كان مفتيًا لطرابلس الغرب من أهم علماء المدرسة في العصر الحديث، إذ تخرج على يديه في هذه المدرسة أهم علماء ليبيا ممن سبق ذكرهم.

ومن أبرز الأعراف الدينية في طرابلس ما يُعرف بالحزب القرآني الذي أسسه العلامة الشيخ محمد المصراتي في المدرسة، ويُقرأ الحزب كل يوم عقب صلاة المغرب، ويعتبر من النشاطات المميزة ذات الطابع العريق للمدرسة التي لم تنقطع منذ أكثر من نصف قرن.

 


إمام وخطيب في وزارة الأوقاف الكويتية

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

تسعون عاما على اكتشاف مسرح صبراتة ..



تمر هذا العام الذكرى التسعون لاكتشاف مسرح صبراتة الأثري، الذي أسهم طيلة عقود طويلة في استقطاب اهتمام شريحة واسعة من المسافرين الثقافيين حول العالم، وتصدر صفحات الكتب والمجلات والأدلة السياحية، وأفسحت له صفحات التقارير العلمية.

كما حظي المسرح بتغطية إعلامية واسعة بمختلف وسائل الإعلام، في حين تحصل على عديد التصنيفات، من المؤسسات المهتمة بالتراث الثقافي، كان اخرها اختياره ضمن أشهر 10 مسارح على مستوى العالم ، من بين 230 مسرح روماني وإغريقي، حسب تصنيف موقع Touropia المتخصص في إصدار وتصنيف أفضل المعالم والمواقع الأثرية، والمناظر الطبيعية، والجزر، والحياة البرية في العالم.

اختفى مسرح صبراتة عن خريطة العالم القديم، وانطوى تحت أطنان الرمال، التي أحالته إلى قائمة المواقع المفقودة، عقب تعرضه لانهيار كارثي، وحريق هائل أسفر عن دماره، خلال القرن الرابع للميلاد، وظل الهدوء يخيم بشكل نهائي على الموقع، بعد هجرة سكان المدينة، إلى حين اكتشاف العلماء الإيطاليين جزءاً ، لا يتعدى ثلث الطابق الأول عام 1926، والعثور على بعض عناصره المعمارية، التي كانت كافية لإعادة اعماره بشكل كامل، وإخضاعه لعمليات ترميم، شملت إعادة بنائه على شكله الحالي، وتم تدشينه بتقديم عرض مسرحية الملك أوديب، بحضور (موسيليني) عام 1937.

المسرح اليوم بطوابقه الثلاثة، وواجهته الخشبية المزينة بالمنحوتات البارزة ، وقاعات الاستماع المهيبة ، أحد الأمثلة الرائعة عن معمار المسارح الرومانية، وأكثرها تعبيراً عن توظيفها في التسلية والترويح عن سكان المدينة، عبر تقديم العروض المسرحية التي تعالج مواضيع الحياة اليومية بشكل كوميدي أو درامي أو عرض مسرحي مصحوب بالرقص أو بالحركات والإشارات والايحاء، مرفقا بعزف فرق موسيقية وكورس صوتي.

بني المسرح الواقع على مسافة 230 متر عن شاطئ البحر، على الأرجح خلال الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي، حسب الخبير الأثري (وورد بيركينز)، فيما يذهب عالم الآثار الإيطالي (جياكومو كابوتو) إلى تاريخ أبعد وتحديداً سنة 204 ميلادي.

وبعيداً عن الجدل حول تاريخ البناء، يعد مسرح صبراتة من أكمل وأجمل الأمثلة للمسارح الرومانية، وأحد أكبر المتاحف الرومانية في إفريقيا، حيث يصل قطره 93 متراً، وكان يتسع لـ 5 آلاف متفرج ، ويتألف من المنصة الخشبية زينت واجهتها الأمامية بنقوش رخامية بارزة وأعمدة، وكانت الواجهة الأمامية على شكل سلسلة متناوبة من الفجوات ثلاث منها دائرية وأربعة مستطيلة تنتهي بنقوش لدلافين على الجانبين، وتزين واجهة الخشبة سلسلة من الزخارف النافرة يمثل أحدها فيلسوفان يتجادلان، وإلى جانبهما ساعة شمسية، وحزمة مخطوطات، وفي النقش الثاني (ميوزيز) ربات الفنون التسع، ويصور النحت الثالث مشاهد مسرحية، يبرز فيها عبداً متلبس بالسرقة، محاطاً بقطع أثاث، وفي المحراب الرابع، شخصيات من روما وصبراتة متشابكو الأيدي، بحضور جنود ومحاطون بشخصيات عند المذبح إلى اليسار وثور كقرابين إلى اليمين، وفي الجوانب نحن آخر اللاهوت الذي يمثل صبراتة.

أما المحراب الخامس فيبرز نقش مشهد تراجيدي على جانبيه أقنعة هزلية ومأساوية، وفي المحراب السادس ما قبل الأخير، من يمين الواقف أمام المنصة، يظهر النقش (ساتير)، مخلوق أسطوري في شكل بشرى لها ذيول، وأذان ماعز وقرون صغيرة ، وهي من أتباع (ديونيسوس) وترمز للأخصاب، إلى جانب نقش آلهات الحسن الثلاث، وحكم (باريس)، ونقش (أفروديت، واثينا، وهيرا)، والمؤلهة باريس مرتدية سروال فيرجي، والمؤله (هيرميس)، ومشهد من تمثليه إيمائية.

وتتألف خلفية المنصة من ثلاثة طوابق محمولة على أعمدة كورنثية تشكل أروقة، وكانت أعمدة الطوابق من الرخام باسطوانات محززة رأسياً ولولبياً، ماعدا أعمدة الأروقة في الطوابق فكانت غير محززة، يبلغ عددها 108 عمود موزعة وفق متوالية، مرتبطة بتوزيع الأصوات وهندسة الصوت، حيث تعمل الفراغات بين الأعمدة كمكبرات للصوت.

وكان للمنصة مجموعة من الأبواب تتصل بممرات تؤدي إلى غرف على الجدار الخلفي، وعلى جانبي المنصة مداخل تؤدي إلى غرفتين، الغربية مبلطة بالرخام وعلى جدرانها أماكن لوضع الكتب.

وتواجه المنصة قاعة الاستماع التي تتكون من ثلاث طوابق شبه مستديرة كانت تنتهي بأقواس بقي منها قوسان في الجهة الغربية وقوس في الجهة الشرقية، وللقاعة ست وعشرون مدخل مقوس، كانت المداخل الجانبية تؤدي إلى مكان فرقة العزف عبر ممر منحدر، وأما المداخل الأخرى تفضي إلى دهاليز مقوسة، أما بقية المداخل الباقية تؤدي إلى غرف ربما كانت مخازن.

وتفصل المنصة وقاعة الاستماع ستارة منخفضة من الرخام لها مدخل في الوسط كانت تفصل القاعة عن الفرقة العازفة (قاعة جوقة الموسيقى) البالغ طول قطرها 21 متراً، وكان حول موضع الفرقة العازفة أربع درجات من الرخام كانت توضع عليها كراسي المشاهدين المرموقين.

الاثنين، 23 مارس 2015

ما يجب ان تعرفه عن آثار قصر ليبيا ...د.خالد الهدار

 قد لا يعرف الكثير من المارين بقرية قصر ليبيا انها تحوي على اثار رائعة و فسيفساء حيرت مشاهدها الدارسين لها ، هذه القرية التي تقع في احضان الجبل الاخضر غرب مدينة البيضاء بمسافة 50 كم تقريبا ، وهذه المقالة توضح اقل ما يمكن ان يعرف عن هذه المنطقة الاثرية المهمة التي تقع شمال الطريق الساحلي بمسافة كيلومترين تقريبا. 

  و تجدر الاشارة ان تلك المنطقة الاثرية لم يعِرها الاثريون اهتمامهم الا بعد عام 1957 عندما كان احد الفلاحين يقوم بالحفر و العمل في ارض زراعية في منطقة مرتفعة قرب القلعة التركية الايطالية ، حيث ادى معوله الى الكشف عن جزء من ارضية فسيفسائية كانت مردومة بالتراب منذ امد بعيد ، و سريعا ما وصل خبر الاكتشاف الى الاستاذ ريتشارد جودتشايلد مراقب اثار المنطقة الشرقية آنذاك الذي سريعا ما زار مكان الاكتشاف و اتضح له اهمية ذلك الموقع مما جعله يصدر الاوامر بالبدء في اعمال الحفريات التي نفذها فريق التنقيب بمراقبة آثار شحات باشرافه خلال عامي
1957 -1958 ، والتي اسفرت عن الكشف عما اصبح يعرف فيما بعد بالكنيسة الشرقية بارضياتها الفسيفسائية الرائعة ، و بعد هذا الاكتشاف اهتم الاثريون بهذه المنطقة و آثارها ، وبحثوا عن التسمية القديمة لهذا الموقع فربط جودتشايلد بين التسمية الحديثة أي قصر ليبيا و بين اسم قرية او مركز اسقفية ذكرها الاسقف سينسيوس في بداية القرن الخامس الميلادي في الرسالة رقم 76 باسم اولبيا (Olbia) و كأن التسمية الحديثة تحريفا لاسم اولبيا القديم ، الا ان التسمية الي عرفت بها هذه المنطقة في عصر الامبراطور جستنيان (527-565 م)هي ثيودورياس (Theodorias) نسبة الى الامبراطورة ثيودورا (527-548م) زوجة جستنيان التي كانت مستقرة في الاقليم محضية لحاكمه قبل زواجها من جستنيان ، ويبدو ان المدينة جددت و اعيد بناؤها في ذلك العصر في موقع قديم ربما كان مستعملا بواسطة الاغريق منذ القرن الرابع ق.م. ، وقد شغله فيما بعد حصن او كنيسة محصنة صليبية الشكل (الكنيسة الغربية) التي نقب عنها ما بين 1965-1969، ثم اضيفت بجانبها الكنيسة الشرقية برعاية الامبراطور جستنيان او زوجته ثيودورا على الرغم انه لا يوجد ما يؤكد اسهامه في بناء الكنيسة وتزيين ارضياتها ، الا انه يرجح ان بعض التجهيزات مثل الرخام و العمال قد تكون منحة امبراطورية او انها استوردت على نفقة المحسنين الذين انفقوا على بناء الكنيسة وتزيينها بالفسيفساء ، ويعد الاسقف مكاريوس المشرف الرئيسي على هذه الاعمال حيث اشرف على تزيين فسيفساء صحن الكنيسة في ما بين 538-539 م ، و بعد وفاته عهد الامر الى الاسقف الجديد ثيودوروس الذي كان شماس الكنيسة و اسهم في الاشراف على تزيين الحجرة الشمالية الشرقية وعلى فسيفساء الساحة المقدسة التي بنيت بعدها ، هذا ما استنتج من النقوش التذكارية التي زينت الفسيفساء و يمكن مشاهدتها معروضة في المتحف الصغير الموجود هناك ، اضافة الى الكنيسة يبدو انه اضيفت بعض المباني الاخرى التي لم يكشف عنها حتى الان ،و يمكن تأكيد اهمية الموقع من الناحية العسكرية اذ اتخذ نقطة مراقبة بعد تحصين الموقع ، الا ان هذا الموقع قد سلبت احجاره عند بناء الحصن التركي – الايطالي فيما بعد ، ومن ثم اختفت الكثير من معالمه القديمة .
 ومما تقدم فان ابرز ما يشاهد في هذا الموقع الاثري هي الكنيسة الشرقية بفسيفسائها الرائعة ، والكنيسة الغربية بطرازها الفريد ، واساسات مباني اخرى . وقد ظلت تلك الفسيفساء في مكانها ردحا من الزمن مما عرضّها للرطوبة والاملاح التي هددت بتلفها و بعد استشارة متخصصين من اليونسكو تقرر ان تنقل لوحاتها الخمسون من مكانها لتعرض في متحف صغير اقيم لهذا الغرض بجوار الكنيسة الغربية ، افتتح رسميا في 18/4/1972 م .
 وقد شملت معروضاته الاتي : 
  1- خمسون لوحة فسيفسائية ابعادها 65×65 التي كانت جزء من فسيفساء صحن الكنيسة الشرقية و هي تحمل مشاهد حيوانية وآدمية واسطورية وعمرانية ونباتية و بحرية الى جانب بعضها كتابات اغريقية ، وقد حيرت هذه المشاهد الدارسين لها عندما حاولوا ايجاد تفسير منطقي مترابط بين اللوحات و الكنيسة التي وجدت بها مختلفين بين التفسير الكهنوتي و التفسير الناسوتي ، ويبدو ان هناك اتفاق على ان بعض اللوحات قد تعبر عن اعادة بناء هذه المدينة من جديد تحت اسم ثيودورياس في القرن السادس الميلادي ، واجمالا تعد هذه الفسيفساء اروع ما عثر عليه من فسيفساء في ليبيا في العصر البيزنطي من حيث موضوعاتها الزخرفية وتنوع مشاهدها ، و تجدر الاشارة الى احدى اللوحات النادرة التي تصور جزء من منارة الاسكندرية ـ احدى عجائب الدنيا السبع القديمة ـ التي بنيت في عهد بطليموس الثاني (285-246 ق.م.) ودمرت في زلزال عام 1302 م ، ولم يبق الا هذه اللوحة لتوضح شكلها.
 
2- ارضية فسيفسائية عثر عليها في الحجرة الشمالية الشرقية من الكنيسة الشرقية عرضت في ارضية المتحف حملت مشاهد متنوعة اغلبها لحيوانات وطيور و زخارف هندسية وكتابة تشير الى انها نفذت في عصر الاسقف ثيودوروس ، هذا الاسقف الذي تولى بعد الاسقف مكاريوس الذي نفذت في عهده فسيفساء الصحن المشار اليها اعلاه.

كما ينبغي الاشارة الى ارضية فسيفسائية اخرى كانت تزين الساحة المقدسة في الكنيسة الشرقية عرضت حاليا في الكنيسة الغربية التي حولت الى قلعة تركية ثم استعملت اثناء الاحتلال الايطالي ، وقد زخرفت تلك الارضية بعدة صلبان يحيط بها وعول برية وحيوانات اخرى ، وتوجد بها زخارف هندسية متنوعة.

ومما تقدم يؤكد اهمية آثار قصر ليبيا التي ينبغي زيارتها و التمتع بالمشاهد التي تحملها اللوحات الفسيفسائية المعروضة في متحفها المتواضع الذي ينبغي تطويره.

 نقلا عن مدونة الآثار الليبية للدكتور خالد الهدار ، عضو هيئة تدريس بقسم الآثار بجامعة بنغازى 

السبت، 7 فبراير 2015

السراي الحمراء بطرابلس ...د.خالد الهدار

لعل ابرز ما يميز مدينة طرابلس القديمة قلعتها المطلة على البحر في جنوب شرقي المدينة ، و المجاورة حاليا للساحة الخضراء ، هذه القلعة التي يجاوز عمرها اكثر من 500 عام ظلت تقاوم الزمن لتروي فصول مهمة من التاريخ الحديث و المعاصر لمدينة طرابلس ، وقد اشتهرت القلعة بانها كانت مقرا للحكام الاتراك وانها بنيت باحجار حمراء اللون او ان جدرانها كانت تطلى باللون الاحمر ومن ثم فقد استحقت تسميتها السراي الحمراء .

ومدينة طرابلس التي كانت تعرف باسم اويا او اويات اسست بواسطة الفينقيين في القرن الخامس ق.م. ثم تمكن الرومان من الاستيلاء عليها في نهاية القرن الاول ق.م.اعقبهم البيزنطيين في القرن الرابع الميلادي ثم الوندال عام 455م ثم اعاد البيزنطيين الاستيلاء عليها في 534 م واخيرا فتحها العرب المسلمون عام 643م وظلت عربية اسلامية الى عصرنا الحاضر ، وعلى الرغم من الشعوب القديمة التي تتابعت على استيطانها الا ان المعالم الاثرية التي ترجع اليهم تعد قليلة بسبب تواصل الاستيطان بها الى الوقت الحاضر ، ومن ناحية اخرى يرجح ان المكان الذي بنيت عليه قلعة طرابلس (السراي) كان مشغولا باحد المباني الرومانية (ربما حمامات عامة) ، كما يبدو ان البيزنطيين بعد ان طردوا الوندال من طرابلس عام 534 م اقاموا قلعة او حصن لحماية المدينة ، الذي كان يمثل جزء من تحصيناتها ، وهي ذات التحصينات التي وجدها المسلمون واضافوا اليها ، و استمرت مستعملة في العصور الاسلامية المختلفة حيث كانت مركزاً لحكام طرابلس من اغالبة وموحدين و حفصيين والاخيرين اهتموا بتحصينات طرابلس و تدعيمها قد يكون من بينها القلعة على الرغم من ان الرحالة التيجاني الذي زارها ما بين 1307-1308 م يشير الى تردي حالتها ، ويبدو ان هذا كان دافعا للاسبان الذين احتلوا طرابلس في 25 /7/ 1510 بقيادة الكونت بيترو دي نافارو لاعادة بنائها لتكون حصناً يحميهم من الطرابلسيين و التواجير الذين قاوموا ذلك الاحتلال ، ويرجع الشكل الحالي العام للقلعة او السراي الى الاعمال التي قام بها الاسبان حيث بنوا او جددوا الحصن او البرج الجنوبي الذي اسموه حصن القديس جورج الذي يقابل حاليا شارع امحمد المقريف والذي يشبه في شكله مقدمة السفينة ، كما بنوا الحصن الغربي الذي اسموه حصن القديس يعقوب و الذي يقع حاليا قرب برج الساعة ، وهذين الحصنين او البرجين يواجهان المدينة حيث يسكن الاهالي المقاومين لهم ، وهناك جدار ضخم يمتد بين الحصنين و يشكل الجانب الجنوبي الغربي للقلعة و يمتد هذا الجانب مسافة 130 مترا ، و يتوسطه المدخل الرئيسي للقلعة ، وهناك جدار اخر يشكل الجانب الجنوبي الشرقي يمتد مسافة 140 مترا و الذي ينتهي ببرج اطلق عليه فرسان مالطا الذين بنوه اسم القديس جاكمو ، ويجاور هذا الجدار ساحة اطلق عليها الاسبان ساحة القديسة باربرة التي يطل عليها مسكن الوالي و مخزن الذخيرة ، كما يوجد جدارا على الجانب الشمالي الشرقي يمتد لمسافة 115 مترا ، اضافة الى الجدار الشمالي الغربي الممتد مسافة 90 مترا الذي يتوسطه من الداخل كنيسة بناها فرسان مالطا عرفت باسم كنيسة ليوناردو ، وبهذا فان السراي تتكون من اربعة اضلاع وتشغل مساحة 13 الف متر مربع تقريبا ، استقرت بها الحامية الاسبانية المعتدية الذين شيدوا اغلب مبانيها من حجارة سور مدينة طرابلس و بعض مباني طرابلس الاخرى، وعندما زار الحسن الوزان (ليو الافريقي ) طرابلس و صف السراي بانها ذات اسوار ضخمة ومزودة بمدفعية ، وعلى الرغم من هذا فان السراي او القلعة ذكرت في تقرير في شهر اكتوبر عام 1524 بانها تحتاج الى صيانة وترميم اسوارها وانها لن تصمد امام المدفعية القوية .


وقد سلم الاسبان طرابلس الى ما يعرف باسم فرسان مالطا منذ عام 1530 الذين استقروا بها حتى عام 1551 ، وقد اتخذ هولاء السراي حصنا لهم و لذا فقد اهتموا بها حيث قاموا ببعض الاصلاحات واضافوا بعض الاضافات التي تعزز مقاومتها لخطر اهالي طرابلس من البر ، و الاسطول العثماني ـ الذي يجوب البحر المتوسط ـ بحرا ، و الذي افلح في 14 /8/1551 من طرد فرسان مالطا واعادة هذه السراي الى وجهها الاسلامي بعد ان حاول الاسبان و فرسان مالطا ان يجعلوها مسيحية ، فقد حولت الكنيسة الى مسجد في عهد مراد آغا عرف باسم مسجد القلعة او مسجد الجند ، ولقد اهتم العثمانيون بهذه السراي و ادخلوا عليها الكثير من الاصلاحات واستقر بها الحكام الاتراك والحامية التركية خلال العهد العثماني الاول 1551-1711 ، وكانت تحوي الكثير من المنشأت و المباني لاقامة الولاة الاتراك و حاشيتهم و جنودهم الذي يعززون سيطرة الدولة العثمانية على هذا الجزء من الشمال الافريقي ، وينطلقون منها لجمع الضرائب من الاهالي الذين برزحون تحت سيطرة الاتراك اخوانهم في الدين . وقد كانت السراي محصنة بطريقة جيدة اضافة الى اسوارها وابراجها التي كانت تعلوها عشرات المدافع زد على ذلك خندق مائي يحيط بها من ثلاث جهات اضافة الى البحر من الناحية الشرقية .


وخلال سيطرة القرمانليين على سدة الحكم في طرابلس ما بين 1711-1835 استقر بالسراي باشاواتهم الذين كان من اشهرهم احمد باشا وعلي باشا و يوسف باشا و قد شهدت السراي عدة اضافات في عهدهم حيث اصبح للباشا منزل خاص به و لاسرته ، وهناك ما يعرف باسم الردهة القرمانلية المتكونة من طابقين و يطل عليها سكن الباشا ومرافق اخرى ، وقد شهدت السراي في هذا العهد احداث جسام منها الصراع الامريكي الليبي الذي نتج عنها اسر البارجة الحربية فيلادلفيا و طاقمها في عهد يوسف باشا و تحديدا في اكتوبر عام 1803، كما ان ما قام به الاسطول الليبي من اسر للسفن الاوربية ادى الى مهاجمة الفرنسيين و الانجليز على هذه السراي ودكت جدرانها و مبانيها في الكثير من المرات ، وقد شهدت حجرات السراي و اروقتها المؤمرات التي حاكها الباشاوات القرمانليين وابنائهم من اجل كرسي الباشوية و لاسيما يوسف باشا الذي قتل اخيه حسن بك في السراي يوم 20 /7/1790م ،كما صدرت من هذه الكثير من الاوامر للفتك بالخارجين عن سلطة القرمانليين من ليبيين وغيرهم في اماكن شتى من ليبيا و لاسيما الانشقاقات التي يقوم بها افراد الاسرة القرمانليين و غيرهم في بنغازي و درنة و فزان مثل ثورة ابوقيلة ، و ثورة احمد ناصر حاكم فزان والاخير بعد ان قبض عليه باعه احمد باشا في حفلة غريبة في السراي لابنه محمد بفلسين ثم اعاده الى منصبه ، هذه الانتصارات التي يتبعها اطلاق مدفعية السراي 24 طلقة ابتهاجا بتلك الانتصارات ، كما شهدت السراي المذابح و الاغتيالات التي يقوم بها الباشاوات لبعض شيوخ القبائل بعد ان يستدرجونهم للسراي من اجل منحهم البرنوص عنوانا على رضا الباشا عليهم ، هذا البرنوص الذي كان يسعى اليه الكثيرين ، منهم من يتحصل عليه و يخرج سالما من السراي و منهم من يتحصل عليه ويصبح البرنوص كفنه بعد ان يطاح برأسه ، وقد شهدت السراي تدخلات القناصل الاجانب لاسيما الفرنسيين و الانجليز الذين كثيرا ما تدخلوا في شؤون الحكم و املوا شروطهم تساندهم سفنهم الحربية الرابضة قريبا من طرابلس مهددين الباشا بانزال علم بلادهم من سارية القنصلية وهذا اعلانا للحرب على الباشا ، ومن ثم ايقاف المعاهدات التي يجني منها الباشا الاموال الطائلة ، وهذا ما كان يهمهم ، يذكر من هولاء القناصل القنصل الانجليزي وارنجتون (1814-1846) و القنصل الفرنسي روسو. ومن ناحية اخرى رافق القناصل الرحالة الاجانب لتقديمهم للباشا و حصولهم على الفرمانات و رسائل التوصية التي تؤكد دعم الباشا و حمايته لهم في تجوالهم في ليبيا يذكر منهم وليام سميث (1816) و الاخوان بيتشي (1821 ) ، و ريتشي و ليون (1818-1819) وهناك اودني و كلابرتون ونهام (1824) اضافة الى الكسندر لاينج صهر وارنجتون الذي قتل اثناء عودته من تمبكتو كما زار السراي الرحالة الاسباني باديا لبلك المشهور باسم علي بك العباسي (1805-1806) ، كما ان الانجليزية المس تولي التي مكثت عشر سنوات بطربلس (1783-1793) ترددت على السراي و لاسيما مكان الحريم و سجلت بقلمها الكثير من الحوادث والعادات التي كانت شاهدة عيان عليها .


و لم يتغير حال السراي في العهد العثماني الثاني 1835-1912 ، فقد ظلت مكان للولاة الاتراك الذين ترسلهم الاستانة ، كما ظلت مكان يرهبه اهالي طرابلس خوفا من المصير الذي سيلاقوه اذا ما القوا في سجونها و دهاليزها عندما يخالفون اولئك الحكام و لا يذعنون لمطالبهم ، وقد شهدت هذه المرحلة تزايد الثورات المحلية من الزعماء الليبين للخروج عن سلطة الاتراك لعل اشهرها ثورة عبدالجليل في الجنوب و المنطقة الوسطى الذي قتل عام 1842 وجز رأسه وحمل الى السراي ، وهو ذات المصير الذي لاقه رأس الثائر الجبلي غومة المحمودي عام 1858م الذي احتفل بالانتصار عليه و من معه من قبائل الجبل الغربي في السراي الحمراء ، كما شهدت السراي بعض الولاة الذين اهتموا بشؤون الولاية وقاموا ببعض الانجازات المهمة اغلبها ذات طابع عسكري و منها ذو طابع مدني مثل الاعمال التي اقامها المشير علي رضا باشا (1867-1870 ، 1872-1874)، ومن اعماله ترميم مسجد القلعة او السراي .


وعندما احتل الايطاليون طرابلس اصبحت السراي مقرا عسكريا ومقرا للحاكم الايطالي الذي يدير البلاد عسكريا و اداريا و تشهد حجراتها واروقتها عما فعله اولئك الحكام من جرائم في حق الليبيين من خلال الاوامر التي كانوا يصدرونها من تلك السراي امثال بادليو و بالبو، وقد احدث الايطاليون الكثير من الاصلاحات داخلها و شيدوا بها عدة مبانٍ لعل اهمها ما بنوه داخل حصن القديس جورج الذي استغل جزءا منه متحفا عام 1930 الذي اسسه رئيس الآثار جياكومو قويدي و يتكون من 14 قاعة ، وللأسف فقد اتخذ الحاكم الإيطالي بالبو هذا المتحف مقرا لإدارته في عام 1935 و بقت المعروضات في مكانها الى عام 1937 وقد شهدت هذه السراي ما قام به بعض الجنود الايطاليين الذين يملئهم الحقد عند احتلال السراي بالعبث بالوثائق العثمانية التي رمي جزء كبير منها في البحر وعبث بها باشكال متعددة ، ولكي يغطي الايطاليون عما فعله بعضهم اسسوا دار المحفوظات التاريخية التي جمعت فيها الكثير من الوثائق التاريخية التي تهم تاريخ ليبيا و التي ظلت في مكانها تحت اشرافهم ثم تحت اشراف مصلحة الاثار التي صنفتها اخيرا بوسائل تقنية حديثة وذلك قبل ان تنقل الوثائق الى مركز جهاد الليبيين .


كما استغلت السراي الحمراء مقرا لإدارة الخدمات الأثرية في ليبيا التابعة لوزارة المستعمرات منذ عام 1913 وكان أول رئيس لها لوتشيو مارياني (Mariani) و جياكومو بوني (Boni) ، و قد نظمت هذه الإدارة بحيث يكون لها مكتب في طرابلس يشرف على آثار المنطقة الغربية ترأسه سلفاتوري أوريجيما(Aurigemma) ( 1913-1919) ثم بيترو رومانللي (Romanelli)(1920-1923) ثم بارتوتشيني (1923-1928) ثم جياكومو قويدي (1928-1936) ثم جياكومو كابوتو(Caputo) و بيسك (Pesce) ،(1936-1942) وهم الذين اشرفوا على التنقيب في المواقع الاثرية في لبدة وصبراتة وطرابلس وغيرها وكانوا ينقلون الكثير من الاثار التي يعثرون عليها الى السراي الحمراء لتخزينها ، كما عرض بعضها في المتحف الاثري هناك .


و استخدمت السراي في عهد الادارة البريطانية (1943-1951) لاغراض عسكرية و ادارية ومخازن ، و تواصل استخدامها لادارة مصلحة الاثار التي ترأسها هويلير و جودتشايلد وهاينز وغيرهم ، وبعد ذلك ظلت مقرا لمصلحة الاثار الليبية التي تراسها الايطالي ارنستو كافاريللي (1954-1961) الى جانب مجموعة من الخبراء الايطاليين و بعض الموظفين الليبيين و العرب ، و اثناء ادارة كافاريللي وبعده اصبحت السراي بالكامل تحت سيطرة مصلحة الاثار طبقا لقانون الاثار الصادر عام 1953 ، ومنها تم الاشراف على الحفريات في الجزء الغربي من ليبيا ، واعيد تنظيم متحف السراي ما بين 1954-1958 حيث حولت اجزاء كبيرة من قاعات السراي الى متحف عرف باسم متحف السراي الحمراء ، وقد شمل المتحف الكلاسيكي ، ومتحف ما قبل التاريخ (1952) ، ومتحف الأزياء والعاديات (1953) ومتحف التاريخ الطبيعي(1936) ، ومتحف النقوش الكتابية (1952) ، وفي عهد ثورة الفاتح اضيف متحف الجهاد الوطني (1970) ثم اعيد تطوير المتاحف السابقة،و لاسيما عندما ترأس مصلحة الاثار الشهيد عوض السعداوية ثم د. صلاح الدين السوري ، الا ان تلك المتاحف اغلقت ابوابها في الثمانينات عندما شرع في بناء متحف جديد داخل السراي خلال فترة ترأس د. عبدالله شيبوب مصلحة الاثار ، وقد بني المتحف في شارع استحدثه الإيطاليون داخل السراي في الجانب الشمالي الشرقي منها، وقد أشرفت على بنائه منظمة اليونسكو وتجهيزه من الناحية الفنية و المتحفية ، و قد افتتح رسميا للجمهور في 10/9/1988م باسم المتحف الجماهيري ، و تبلغ المساحة الإجمالية للمتحف حوالي عشرة آلاف متر مربع ، ويتكون المتحف من أربعة طوابق متناسبة مع ارتفاع جدران مبنى السراي ، ومنذ سنوات صارت تسميته مجمع متاحف السراي الحمراء ، و قد عرضت به الى جانب معروضات المتاحف السابقة مجموعة من اللقى والآثار من أغلب المدن والمواقع الأثرية في ليبيا التي تعبر عن التاريخ الحضاري للشعب الليبي ، لتحقيق الهدف الذي أنشىء من أجله هذا المتحف ليكون شاهدا على حضارة الإنسان الليبي عبر العصور حتى العصر الحديث و المعاصر.


هذه حكاية السراي الحمراء التي عكست جزء من التاريخ السياسي لهذه المدينة من خلال الحكام الذين احتموا بالسراي لحكم اهالي طرابلس و ليبيا بصورة عامة ثم اصبحت مشعلا للحضارة الليبية عبر التاريخ بما تحتويه متاحفها من آثار و دار محفوظاتها من وثائق . 

 -----------------------------
- نشرت في صحيفة ليبيا اليوم بتاريخ 14/2/2009 نقلا عن مدونة الآثار الليبية للدكتور خالد الهدار.