تمر هذا العام الذكرى التسعون لاكتشاف مسرح صبراتة الأثري، الذي أسهم
طيلة عقود طويلة في استقطاب اهتمام شريحة واسعة من المسافرين الثقافيين حول
العالم، وتصدر صفحات الكتب والمجلات والأدلة السياحية، وأفسحت له صفحات التقارير
العلمية.
كما حظي المسرح بتغطية إعلامية واسعة بمختلف وسائل الإعلام، في حين
تحصل على عديد التصنيفات، من المؤسسات المهتمة بالتراث الثقافي، كان اخرها اختياره
ضمن أشهر 10 مسارح على مستوى العالم ، من بين 230 مسرح روماني وإغريقي، حسب تصنيف
موقع Touropia المتخصص في إصدار وتصنيف أفضل المعالم والمواقع الأثرية، والمناظر
الطبيعية، والجزر، والحياة البرية في العالم.
اختفى مسرح صبراتة عن خريطة العالم القديم، وانطوى تحت أطنان الرمال،
التي أحالته إلى قائمة المواقع المفقودة، عقب تعرضه لانهيار كارثي، وحريق هائل
أسفر عن دماره، خلال القرن الرابع للميلاد، وظل الهدوء يخيم بشكل نهائي على
الموقع، بعد هجرة سكان المدينة، إلى حين اكتشاف العلماء الإيطاليين جزءاً ، لا
يتعدى ثلث الطابق الأول عام 1926، والعثور على بعض عناصره المعمارية، التي كانت
كافية لإعادة اعماره بشكل كامل، وإخضاعه لعمليات ترميم، شملت إعادة بنائه على شكله
الحالي، وتم تدشينه بتقديم عرض مسرحية الملك أوديب، بحضور (موسيليني) عام 1937.
المسرح اليوم بطوابقه الثلاثة، وواجهته الخشبية المزينة بالمنحوتات
البارزة ، وقاعات الاستماع المهيبة ، أحد الأمثلة الرائعة عن معمار المسارح
الرومانية، وأكثرها تعبيراً عن توظيفها في التسلية والترويح عن سكان المدينة، عبر
تقديم العروض المسرحية التي تعالج مواضيع الحياة اليومية بشكل كوميدي أو درامي أو
عرض مسرحي مصحوب بالرقص أو بالحركات والإشارات والايحاء، مرفقا بعزف فرق موسيقية
وكورس صوتي.
بني المسرح الواقع على مسافة 230 متر عن شاطئ البحر، على الأرجح خلال
الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي، حسب الخبير الأثري (وورد بيركينز)، فيما
يذهب عالم الآثار الإيطالي (جياكومو كابوتو) إلى تاريخ أبعد وتحديداً سنة 204
ميلادي.
وبعيداً عن الجدل حول تاريخ البناء، يعد مسرح صبراتة من أكمل وأجمل
الأمثلة للمسارح الرومانية، وأحد أكبر المتاحف الرومانية في إفريقيا، حيث يصل قطره
93 متراً، وكان يتسع لـ 5 آلاف متفرج ، ويتألف من المنصة الخشبية زينت واجهتها
الأمامية بنقوش رخامية بارزة وأعمدة، وكانت الواجهة الأمامية على شكل سلسلة
متناوبة من الفجوات ثلاث منها دائرية وأربعة مستطيلة تنتهي بنقوش لدلافين على
الجانبين، وتزين واجهة الخشبة سلسلة من الزخارف النافرة يمثل أحدها فيلسوفان
يتجادلان، وإلى جانبهما ساعة شمسية، وحزمة مخطوطات، وفي النقش الثاني (ميوزيز)
ربات الفنون التسع، ويصور النحت الثالث مشاهد مسرحية، يبرز فيها عبداً متلبس
بالسرقة، محاطاً بقطع أثاث، وفي المحراب الرابع، شخصيات من روما وصبراتة متشابكو
الأيدي، بحضور جنود ومحاطون بشخصيات عند المذبح إلى اليسار وثور كقرابين إلى
اليمين، وفي الجوانب نحن آخر اللاهوت الذي يمثل صبراتة.
أما المحراب الخامس فيبرز نقش مشهد تراجيدي على جانبيه أقنعة هزلية
ومأساوية، وفي المحراب السادس ما قبل الأخير، من يمين الواقف أمام المنصة، يظهر
النقش (ساتير)، مخلوق أسطوري في شكل بشرى لها ذيول، وأذان ماعز وقرون صغيرة ، وهي
من أتباع (ديونيسوس) وترمز للأخصاب، إلى جانب نقش آلهات الحسن الثلاث، وحكم
(باريس)، ونقش (أفروديت، واثينا، وهيرا)، والمؤلهة باريس مرتدية سروال فيرجي،
والمؤله (هيرميس)، ومشهد من تمثليه إيمائية.
وتتألف خلفية المنصة من ثلاثة طوابق محمولة على أعمدة كورنثية تشكل
أروقة، وكانت أعمدة الطوابق من الرخام باسطوانات محززة رأسياً ولولبياً، ماعدا
أعمدة الأروقة في الطوابق فكانت غير محززة، يبلغ عددها 108 عمود موزعة وفق
متوالية، مرتبطة بتوزيع الأصوات وهندسة الصوت، حيث تعمل الفراغات بين الأعمدة
كمكبرات للصوت.
وكان للمنصة مجموعة من الأبواب تتصل بممرات تؤدي إلى غرف على الجدار
الخلفي، وعلى جانبي المنصة مداخل تؤدي إلى غرفتين، الغربية مبلطة بالرخام وعلى
جدرانها أماكن لوضع الكتب.
وتواجه المنصة قاعة الاستماع التي تتكون من ثلاث طوابق شبه مستديرة
كانت تنتهي بأقواس بقي منها قوسان في الجهة الغربية وقوس في الجهة الشرقية،
وللقاعة ست وعشرون مدخل مقوس، كانت المداخل الجانبية تؤدي إلى مكان فرقة العزف عبر
ممر منحدر، وأما المداخل الأخرى تفضي إلى دهاليز مقوسة، أما بقية المداخل الباقية
تؤدي إلى غرف ربما كانت مخازن.
وتفصل المنصة وقاعة الاستماع ستارة منخفضة من الرخام لها مدخل في
الوسط كانت تفصل القاعة عن الفرقة العازفة (قاعة جوقة الموسيقى) البالغ طول قطرها
21 متراً، وكان حول موضع الفرقة العازفة أربع درجات من الرخام كانت توضع عليها
كراسي المشاهدين المرموقين.

جميلة ♥️
ردحذفجميلة
ردحذف