الجمعة، 25 يناير 2013

رثائيات كاليماخوس القورينى فوق شواهد القبور..محمد العنيزى


 

نظم كاليماخوس القوريني العديد من الأشعار في مختلف الأوزان السائدة في عصره، وخلف العديد من الأعمال الخالدة التي ظلت حاضرة في التراث الإنساني. وقد تلقى تعليمه في موطنه الأصلي ومسقط رأسه قورينا مثل باقي أبناء الأسر المرموقة، ومارس إنتاجه الأدبي في قورينا ليرحل بعدها إلى بلاد اليونان طلبا للعلم واستزادة من بحر الثقافة الأغريقية في أثينا حيث مركز الحضارة والعلم وملتقى العلماء والفلاسفة.

وإضافة لكونه شاعرا كان كاليماخوس عالما في الأساطير و الإجتماع والجغرافيا والتاريخ وتميز بأنه فقيه لغوي. كانت الإسكندرية آنذاك مركزا ثقافيا هاما حيث أسس فيها البطالمة المكتبة والموسيون الذي يشبه الأكاديميات الحديثة، فاجتذبت إليها العلماء والأدباء الذين توفرت لهم مصادر الإطلاع والبحثو اهتم البطالمة بفنون الشعر والعلوم الطبيعية والفلكية والطبية وفقه اللغة والجغرافيا دون الفنون الأخرى كالمسرح والفلسفة.
ولذلك سافر كاليماخوس إلى الإسكندرية وأقام هناك حيث أتاحت مكتبة الإسكندرية والموسيون الفرصة للمواهب الشابة من أمثاله وكفلت لهم عيشا مطمئنا.

مارس كاليماخوس مهنة التعليم في الأسكندرية حيث عمل مدرسا للغة لينضم بعد ذلك إلى شعراء مكتبة البلاط وتذيع شهرته كأحد أهم أعمدة الشعر السكندري في الفترة التي أطلق عليها المؤرخون اسم العصر الهيلينستي والذي ابتدأ بمجيء البطالمة للحكم بعد موت الإسكندر الأكبر.

في ذلك العصر أصبح شعراء الإسكندرية يكتبون لفئة المثقفين فقط وهذا ما بات يعرف بالشعر السكندري الذي يخاطب الصفوة. وهو الشعر الذي يبتعد عن الملاحم الطويلة، ويفضل شعر المراثي والشعر الغنائي والإبجراماتا. ولا يعتمد على السرد القصصي كما كان شائعا في الملاحم القديمة.

وكان شعراء الإسكندرية يقيمون ما يسمى بأدب الصالونات، وذلك باجتماعهم حول مجالس الشراب، حيث يقوم أحدهم بإلقاء بيت أو بيتين من الشعر، فيلتقط شاعر آخر نهاية ما قاله سابقه، ويكمل المعنى ببيت أو بيتين من الشعر، فتزداد حدة المنافسة. ولذلك كانوا جميعهم حريصين أشد الحرص على انتقاء المفردات وجمال الأسلوب. وكان الجيد من هذه الأشعار ينشد مع أنغام الموسيقى.

وقد استحدث شعراء الإسكندرية أوزانا جديدة، وأضاف كاليماخوس الوزن الخوليامبي، الذي ابتكره هو. كما برع في شعر الإبجراماتا EPIGRAMMATA وهو يعني الأشعار القصيرة المنقوشة حول شواهد القبور. وكان الشاعر ينظم مثل هذه الأشعار مقابل أجر يتقاضاه من أهل الميت. وقد امتازت إبجراماتا كاليماخوس بلمساتها الإنسانية التي تخاطب المشاعر وتهتز لها القلوب، لما فيها من مضمون إنساني. كما أن كاليماخوس استطاع أن يجدد في هذا الفن بحيث أصبح شكلا من أشكال التعبير عن أغراض مختلفة، بعد أن كان مجرد نقش على شواهد القبور.

ونورد فيما يلي بعضا من نصوص الإبجراماتا التي نقلها إلينا الأستاذ عبدالله حسن المسلمي في كتابه (كاليماخوس القوريني شاعر الإسكندرية):

* الإبجراما الثامنة :
وبينما كان الشاب يضع إكليلا من الزهور حول شاهد قبر زوجة أبيه ..
وكان حجرا قصيرا ..
إذ كان يظن أن طبيعتها قد تغيرت بتغير حياتها ..
وانتقالها للدار الأخرى ..
ولكن ما أن انحنى الشاب حتى هوى الحجر فوق أم رأسه وقتله ..
آه يا أبناء الأزواج ..
فلتبتعدوا عن قبر زوجة الأب ..

* الإبجراما الحادية عشرة :

هنا يغفو ساؤن بن أكانثوس في نومه القدسي ..
لا تقل أن الأبرار يموتون ..

* الإ بجراما الثانية عشرة :

إذا كنت تبحث عن تيمارخوس ..
في العالم السفلي كي تعلم شيئا عن الروح ..
أو لتعرف كيف سيكون حالك في الدار الأخرى ..
ففتش عن ابن باوسانياس من القبيلة البطلمية ..
ولسوف تجده في عليين ..

* الإبجراما الخامسة عشرة :

أيرقد خاريداس تحت ترابك ( إذا كنت تقصد أريماس القوريني فهو تحتي ) ..
وماذا ياخاريداس عن العالم السفلي ؟ ( ظلام دامس ) ..
وماذا عن الدنيا ؟ ( أكذوبة ) ..
وبلوتو ؟ ( أسطورة ) ..
يا للنكبة ..
هذه هي الحقيقة أسوقها لك ..
أما إذا أردت قولا معسولا ..
فالثور الضخم لا يزيد ثمنه على قطعة من العملة البرونزية في العالم السفلي ..

* الإبجراما السادسة عشرة :

من ذا الذي يعرف ما يخبئه له الغد حق المعرفة ؟..
فها أنت أيضا يا خارميس يا من كنا نراه بالأمس رؤية العين ..
نواريه في يومنا التالي التراب ودموعنا تغرقنا ..
فما قاسى والدك ديوفون حزنا يفوق هذا قسوة ..

* الإبجراما السابعة عشرة :

( تيموني ) .. من تكونين يا ترى ؟..
وحق الآلهة ما كنت لأعرفك ..
لو لم يكن شاهد قبرك يحمل اسم أبيك تيموثيوس ..
واسم مدينتك ميثومنا ..
إني متأكد أن مصاب يوثومنوس زوجك المترمل جلل ..

* الإبجراما التاسعة عشرة :

ألا ليتها ما كانت ..
تلك السفينة السريعة ..
فما كنا قد بكينا سوبوليس بن ديوكليدس ..
ولكنه الآن جثة تطفو في مكان ما من البحر ..
وبدلا منه نمر على اسمه وقبره الخالي ..

* الإبجراما العشرون :

لم يقض لوكوس الناكسوسي نحبه في البر بل في البحر ..
فبينما كان يمخر العباب من إيجينا متاجرا ..
رأى الهلاك يأتي على حياته وسفينته ..
إنه جثة في البحر الرطب ..
بينما أنا القبر أحمل اسمه فقط ..
وأني لأعلن رسالة تنطق بكل الحق :
( تجنب صحبة البحر .. أيها البحار .. حينما تغيب كواكب الجدي ).

* الإبجراما الواحدة والعشرون :

هنا أودع الأب ولده ذا الإثنتى عشر عاما ..
هنا أودع فيليبوس أمله الكبير ..
نيكوتيلس ..

* الإبجراما الثانية والعشرون :

وفي الصباح وارينا ميلانبوس التراب ..
وعند غروب الشمس قضت الفتاة باسيلو نحبها بيدها ..
فما استطاعت أن تحتمل أن تسلم أخيها لنيران الجنازة ثم تبقى على قيد الحياة ..
وهكذا كال الحزن لمنزل أبيهما أرسطيفوس من المآسي صاعين ..
وأحنت كل قوريني رأسها وهي ترى منزل النجلين السعيدين قاعا صفصفا ..

* الإبجراما الثالثة والأربعون :

لو كان الأمر باختياري ..
يا أرخينوس ..
لأمضيت الوقت أعزف قيثارتي تحت نافذتك ..
وإن لمتني عشرة آلاف مرة ..
لكن إذا كبحت جماح رغبتي ..
فليغرب عني التهور ..
قهرني الخمر والحب ..
فبينما يشدني أحدهما ..
يمنعني الآخر من التخلي عن التهور ..
ولما أتيتك ما تفوهت باسمك أو اسم والدك ..
وإنما قبلت قائم بابك ..
فإن كان هذا خطأ ..
فإنما أكون قد اقترفت إثما ..
وإلى جانب أشعار الإبجراماتا كتب كاليماخوس الأناشيد التي ابتكر فيها أسلوبا جديدا يختلف عن سابقيه من حيث الأوزان والمضمون وابتكاراته اللفظية الجديدة.
سلاما يا ربتي ..
ولتحفظي هذا الشعب في وئام ورخاء ..
ولتفيئي على حقولنا بما يجلب السرور علينا جميعا ..
ولتهبي أبقارنا قوتها ..
ولتفيضي علينا بالقطعان ..
ولتجلبي لنا سنابل القمح ..
ولتهبي لنا وفرة من محاصيلنا ..
ولتحفظي لنا السلام ..
حنى يحصد كل من يزرع ..
أكرمينا يا مليكة الربات ..
يا من نصلي لها صلوات ثلاث ..

وترك لنا كاليماخوس ضمن ما كتبه من أشعار (ديوان الأسباب)، الذي اشتمل على أربعة كتب ضمت مجموعة مقطوعات أهمها كانت مقطوعة (خصلة برنيكي) الشهيرة.

كما كتب الأشعار الغنائية التي اتسمت بالبساطة والتجديد في أوزانها، وتناول الموضوعات الجديدة، وألف العديد من الملاحم القصيرة.

كان كاليماخوس القوريني أشهر شعراء الإسكندرية على الإطلاق، وقد تتلمذ على يديه الكثيرون الذين أطلق عليهم لقب الكاليماخيين. وتعتبر أشعاره نقطة تحول في الأدب الإغريقي خاصة، والأدب بصفة عامة. فقد ترك بصماته الخاصة في أشعاره ليتأثر به ليس الشعراء الأغريق فحسب، بل وحتى الشعراء الرومان الذين جاءت قصائدهم محاكاة لأشعاره، فكانوا بذلك كاليماخيين حتى النخاع، حيث اتجهوا لكتابة الأشعار والأناشيد والملاحم القصيرة.

وفي رده على الذين اتهموه بعدم قدرته على كتابة قصيدة طويلة يقول:

- إني مقل في سطوري حقا. ولكن قد تتفوق ديمترا على شجرة البلوط الباسقة. ولقد نصحني أبوللو بالقربان الدسم والشعر الرقيق، وقال لي: “لا تقد عربتك إلا في المسالك التي لم يطرقها أحد قبلك، حتى ولوكان طريقك عسيرا. إننا ننشد لمن يحبون صوت الناي الرقيق لا نهيق الحمير”. 

الثلاثاء، 22 يناير 2013

الجامع العتيق بمدينة درنة...إيناس المنصورى

اشتهرت مدينة درنة بموقعها الجميل وبنخلها الباسقات وأشجار فواكهها اليانعة وأزهارها الشذية الفواحة تسقى بمياه عذبة تتدفق إليها عبر قنوات الساقية من نبعين غزيرين، أحدهما يعرف بإسم عين البلاد، والثاني بإسم عين بومنصور، وهذا تنحدر مياهه من ربوة عالية إلى مسيل الوادي يسمى الشلال أوشلال بومنصور.

ولقد تغنى شعراء الفصحى وغير الفصحى بجمال درنة وبخضرتها النامية وظلالها الوارفة وبمائها العذب وهوائها العليل، كما أشادوا بكرم أهلها ورقة طباعهم، وتحدّث كتّاب وسياح عرب وأجانب عن جمالها حيث عرفت بجوهرة البحر المتوسط
 
المسجد العتيق، ويسمى (المسجد الكبير) لأنه من أكبر المساجد في مدينة درنة، أو (جامع البلاد) لوقوعه في حي البلاد.
 بناه محمد باي (بي) سنة 1663م 1081هـ الذي حكم مدينة درنة في الفترة العثمانية الأولى (1551- 1711) وهو ابن المرحوم محمد باي قرمنللي، ينتمي إلى الأسرة القرمانلية التي قدمت إلى طرابلس الغرب من بلاد الأناضول بتركيا في العهد العثماني الأول. وكان لهذه الأسرة نشاط معروف ونال أبناؤها الحظوة لدى ولاة طرابلس في ذلك العهد، وأسندت إلى جماعة منهم وظائف إدارية وعسكرية حتى استطاع احمد باشا أن يستقل بحكم الولاية عن الدولة العثمانية ويؤسس لأسرته حكماً استمر قرناً وربع قرن من الزمان.

هذا وقد عين محمد باي والياً على درنة والجبل الأخضر حلفاً لوالده الحاج محمود باي الذي عينه عثمان باشا الساقزلي حاكماً على بنغازي والجبل الأخضر ودرنة في الثلث الأخير من القرن حادي عشر للهجرة، أي النصف الثاني من القرن السابع عشر للميلاد، أي في العهد العثماني الأول. واستمرت ولاية محمد باي إلى سنة (1110 هـ، 1698 م)، ويسميه سكان درنة سيدي امحمد بَيْ.

وقد ازداد نمو مدينة درنة على يده، حيث يذكره أهل درنة بالتقدير والاحترام وهو ليس حاكماً مصلحاً فحسب، أو كأحد (الدايات) التي احتفظ بمنصبها مدة زائدة، وإنما هو رجل ثري نشأ في أسيا الصغرى، واستقر به المقام في مدينة درنة، وإليه تنسب إصلاحات وأعمال هامة حيث عاشت مدينة درنة أثناء حكم محمد باي فترة انتعاش، فإليه يرجع الفضل في مد قنوات الساقية وأعمال خيرة منها بناء الجامع العتيق.
ذكر الجامع العتيق عند الكثير من الرحالة والكتاب من بينهم فارلونج، والرحالة ليون سميث، وبرتشر، والرحالة هايمان، فرانشيسكو كور.

ويعد الجامع العتيق من أبرز الآثار الإسلامية في مدينة درنة وهو نواة المدينة القديمة حيث يزخر بمئذنته الشامخة وقبابه وأعمدته الرخامية، حيث تجلت فيه متانة البنيان، ودقة الهندسة وجمال فن المعمار الإسلامي، وتقول الرواية المحلية أن المرحوم سيدي امحمد بي، قد استعان في تشييد هذا المسجد باثنين من المهندسين جاءا إلى مدينة درنة من اسطنبول، وأن أحداهما توفي في مدينة درنة، ودفن في الحجرة (الخلوة) الملاصقة بالمئذنة، هذا ومن محتويات هذا المسجد، ساعة حائطية كبيرة،من مآثر الحاج رشيد باشا الذي كان واليا على بنغازي ودرنة أثناء العهد العثماني الثاني، ولكنها تعطلت أخيراً، وتوجد به شعرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي محفوظة في زجاجة داخل صندوق صغير وبقيت الشعرة في المسجد مئات السنين حيث يحتفل سكان المدينة وضواحيها يوم المولد النبوي وقد ظل سكن المدينة يتبركون بزيارتها في الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف من كل عام، إلى أن سرقت في بداية التسعينات وأغلق ملف القضية لعدم معرفة الجاني الحقيقي.

أما بالنسبة للتخطيط الداخلي للجامع فهو عبارة عن مساحة مستطيلة مقسمة داخلياً إلى بلاطات موازية لجدار القبلة وكل بلاطة تتكون من بانكتين وكل بنكة مكونة من ستة عقود على هيأة نصف دائرية محمولة على أعمدة رخامية مجلوبة من معبد إغريقي أو كنيسة في قرية كرسة المجاورة، لها قاعدة بدن وتاج وتيجانها بعضها كورنثية والبعض الآخر ناقوسية وثالثة دورية ورابعة أيونية، ويسقف كل بلاطة ست قباب ضحلة محمولة على أربعة عقود محمولة على الأكتاف والأعمدة لتكون مناطق مربعة تتحول الى دائرة عن طريق منطقة الانتقال من خلال هيأة حنية ركنية مشطوفة لتكون من ذلك 42 قبة ذات أقواس هندسية، تحملها 30 عمودا من المرمر المصقول تحيط بها أركانه الأربعة، تسقف كامل مساحة المسجد، ويحتوي الجامع على مئذنة تقع في الركن الشمالي من الواجهة الشمالية القريبة للجامع وهي تتكون من بدن إسطواني ينتهي في قمته بقربوش على هيأة سن قلم رصاص ثم صار من البرونز يعلوه هلال.

نصب به (منبر من خشب السناج) نقشت حواشيه وجوانبه بنقوش بديعة، كما شيدت بجانبه مئذنة مثمنة الشكل، يبلغ ارتفاعها نحو 20م وألحقت به حجرتان وركن للمواضئ، ويبلغ طول المسجد نحو 29م وعرضه نحو 23م وله أربعة أبواب اثنان في الجانب الغربي والثالث في الجانب الجنوبي والرابع في الجانب الشمالي وهو يتسع لنحو 2000 مصلي، خضع الجامع العتيق لعمليات ترميم استغرقت فترة طويلة، لم يراعي فيها الطراز المعماري المميز للجامع.
-------------------------------------------------

نقلا عن دراسة للأستاذ فتح الله بوعزة، عضو هيأة التدريس بقسم الآثار بكلية الآداب / جامعة عمر المختار فرع درنة. منشورة فى جريدة الشلال، وموقع ويكبيديا. وكتاب الأستاذ مصطفى الطرابلسي (درنة الزاهرة)، منشورات جامعة درنة.