الخميس، 26 فبراير 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (2) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

في أقصى الجنوب في فزان والتي اعتبرها القدافي أكثر من أي حاكم آخر سبقه لحكم ليبيا بأنها الجسر الصحراوي لإمكانية القيام بأمبراوطورية في إفريقيا السوداء، كان يقطن الجرمنتيون وهم أكثر القبائل البربرية غموضا وأشدهم مكيدة، والذين مكننوا الحرب الصحراوية بإستعمال العربات الحربية، وسيطروا حوالي 1000عام ق.م، على مملكة صحراوية ذات سطوة تقع على الممرالتجاري بين غرب السودان وساحل البحر الأبيض المتوسط . وبقيت مبادئهم الهندسية التي نقشت بحروف التفناغ ولا زال يستعملها الطوارق القاطنين وسط غرب الصحراء، وتمثل بصورة عملية آثارهم التي لا زالت على قيد الحياة، بجانب ما خطه هيرودوت. ومن عاصمهتم جرمة فرضوا سيطرتهم على ممرات القوافل الصحراوية الممتدة من غدامس إلى نهر النيجر، وإلى الشرق بإتجاه مصر، وإلى الغرب بإتجاه ما يسمى اليوم بموريتانيا. إنه نفس الطريق الذي إستعمله القدافي عام 1975م، لتدفق السلاح على حركة بوليساريو التي تقاتل الجيش الملكي المغربي في الصحراء الغربية .

لقد جلب اباطرة الرومان معهم مزيج روما من التمدن الحضاري، والقسوة المتوحشة. فقد تعرض الكثير إلي جانب المسيحيين إلى التعذيب والقتل علي يد سبتيموس سفيروس ألإمبراطور البربري لروما وزوجته (دومنا جوليا) التي كانت ترأس الطائفة الوثنية الرسمية . وجاء بعد ذلك قسطنطين الأكبر ذو الشهرة التاريخية الواسعة بإعتناقه وميوله للدين المسيحي، والذي ظهرت صورته علي قطع النقد في صبراته. والذي جعل من نشر المسيحية في شمال أفريقيا هدفا إستراتيجيا إستطاع به الكنيسة أن تصبح مصدر القوة في روما .

لقد حدث أن أصيبت قبضة المعتقد المسيحي في ليبيا بالوهن، وساعد علي أزدياد ضعفها إنسلاخ المسيحية عن اليهودية علي نحو قاطع. لقد إستقر يهود فلسطين في شمال أفريقيا خلال فترة الإضطهاد الروماني الذي تعرض له اليهود في فلسطين (أثناء الفترة ما بين63 ق.م و135 ميلادية) وفي خلال 115-117 ميلادي، قاد لوق الملك المسيحي بقورينا ( شحات ) ، إنتفاضة يهودية إمتدت إلى الشرق نحو مصر. ثم ظهرت إنتفاضة اليهودي المسياني شيمون باركوكبا في وجه الإمبراطور الروماني هادريان. ويبدو أن المسيحيين بشمال أفريقيا لم يؤيدوا الإنتفاضة اليهودية. وبالتدريج بدأ التباعد بين المسيحيين واليهود بعضهم عن بعض، وتوقف ربيو اليهود البارزين في شمال أفريقيا عن الإعتراف بالنص السبعوني وهي النسخة اليونانية للكتاب المقدس، التي تتداولها الكنيسة المسيحية بدلا من العودة إلى النص العبري. أما في فلسطين وبابل فقد أوجدت المدارس اليهودية التي أسست في القرنين الثاني والثالث تعاليم تلمودية نقلت الى شمال أفريقيا.

سرعان ما تفشت في الكنيسة المسيحية للدولة الهرطقات الشرقية التي تحدت تعاليم العقيدة المسيحية الرسمية وأوهنتها ليطيح بها الإسلام في شمال أفريقيا . وفي برقة قاد الجدل والصراع الدموي القائم حول طبيعة المسيح هل هي بشرية أم مقدسةالى تقويض أسس المسيحية في المنطقة. وعندما إنشطرت الإمبراطورية إلى شقين شرقي وغربي في عام395م، مر الخط الفاصل بينها عبر صحراء سرت جاعلا برقة اليونانية وطرابلس الرومانية أكثر إنفصالا من أي وقت مضى. وبعد فترة قصيرة من حكم البرابرة الوندال القادمين من أوروبا والامبراطورية البزنطية،غزا العرب شمال أفريقيا تحت راية الإسلام. وبحلول عام700م، تحولت المدن الساحلية إلى العقيدة والنظام الإجتماعي الجديدين. ووجد الإسلام قبولا من البربر الذين سأموا الآلهة الأغريقية، وضاقوا ذرعا بالإغريق والرومان وما يمت إليهم من عبادات ومذاهب مشوشة. إن الإسلام اليوم أصبح يجذب الأفارقة، ويشق طريقه بقوة نحو أفريقيا السوداء كعقيدة تبشيرية لها مبرراتها الكثيرة تكمن في بساطتها إذ لا تتبع نظام هيئات هرمي أونظام كهنوتي. وتقوم على الإتصال المباشر مع الله ، الأمر الذي لا وجود له في المسيحية أو اليهودية .

إن الفتح العربي، والحروب التي إشتعلت بين الأسر العربية الحاكمة والتي نشبت في الصحراء جنوب المغرب وما يعرف بالجزائر حاليا قد أخر الوحدة الوطنية الليبية حتي فترة المد القومي الواسع في القرنين التاسع عشر، والعشرين . لقد لاحظ أدريان بيلت المفوض السامي للأمم المتحدة الذي أشرف على ولادة الملكة الليبية ،مبكرا ومنذ الخمسينات ، أن أربعة عشر إحتلالا أجنبيا لليبيا عبر فترات إمتدت إلى ثلاثمائة سنة لم تستطع أن تحدث تأثيرا مستمرا على البنية الليبية. عدى الحكم العثماني والذي بدأ بإحتلال برقة فى1517م، والإستيلاء على طرابلس وتحريرها من قبضة فرسان القديس يوحنا في 1551م. غيرأن الإحتلال الإيطالي الذي تلاه في 1911م، قد تمكن أيضا أن يحدث أثرا ظاهرا في البنية الثقافية والإجتماعية الليبية المعربة .

كانت أسرة (هبسبيرج) تسيطر علي إسبانيا في الوقت الذي كانت البحرية التركية تفرض هيمنتها في البحرالأبيض المتوسط. ولقد تمكن الجنرالات والأدميرالات الأتراك من الإستيلاء علي طرابلس ومدنا ساحلية أخرى لصالح سلاطينهم العثمانيين، غير أنهم لم يقوموا بحملات ضد بدو الدواخل العرب إلا في مناسبات قليلة. كان سلطان القسطنطينية في ذلك الوقت يدير الحكم في هذه المناطق عن طريق (باشا) الذي يعتمد بصورة رئيسية على قوات من الإنكشارية ،وهي جماعات تتميز بشدة الولاء، وتعني في اللغة التركية الجندي الجديد - وهم من الفلاحين الآتراك الذين كرسوا حياتهم للخدمة العسكرية. وإذا كان ثمة دماء تركية جديرة بالإهتمام تجري في عروق الليبيين الذين عاشوا بالساحل، فإنها ترجع إلى الولوع المتنامي لرجال الجيش التركي لإقامة علاقات غرامية وزيجات مع النساء العربيات، وكان النسل الناتج عن ذلك، يطلق عليه إسم ( الكولوغلي) وقد حدث أن صعد هؤلاء ألى أرقى طبقات ذلك المجتمع. كان أحد الكولوغلية ضابط في سلاح الفرسان يدعي أحمد القره مانلي، والذي أصبح قائدا محليا بارزا. وفي عهد حكمه خلال الفترة ما بين (45-1711م) نشأ حكم ملكي وراثي جديد إتسم بصورة رئيسية بالطابع العربي واستطاع أن يبسط بعض النفوذ على برقة وطرابلس. غير ان ورثة أحمد القاره مالي جابهوا عجزا في الداخل من جراء الضرائب،والقروض،والأتاوات، التي تقدم إلى الخارج وكانوا أقل نجاحا من سلفهم .

تلى ذلك فترة حكم عثماني مباشر من القسطنطينية، إمتد من (1773 إلى 1795م) ، وعاصرت الثورة الأمريكية،تبعتها فترة حكم قادها أحد القادة الأقوياء ، والذين فرضوا أنفسهم بالقوة علي بلادهم وعلي الأقطار المحيطة بها. إنه يوسف القره مالي ، ديكتاتور تركي-عربي تحالف مع باى تونس، ونابليون بونابرت أثناء غزوه لمصر عام1799م. وأثناء فترة حكم يوسف القاره مالي الممتدة من 1795 إلى 1832م، حدثت أول مجابهة مريرة بين الولايات المتحدة وبين العالم العربي. وقد شاركت هذه المجابهة في رسم النمط المقولب للصورة الكاريكاتورية القبيحة المشوهة للعربي والمسلم، والتي لا زالت باقية إلى يومنا هذا في أجهزة إعلامنا - كالتلفيزيون والصحافة والصور المتحركة والروايات الشعبية الساخرة مثل رواية القرصان لهارولد روبنز .

أولى الأزمات في العلاقات بين أمريكا وليبيا وبين أمريكا والعرب، برزت أصولها في فترة ازدهار طرابلس وبعض مدن الدول الأخرى في شمال أفريقيا. فقد كانت تجارة الشمال الأفريقي مع أوروبا تمر بفترة إنتعاش كبير ، وكانت أحجار لبتس ماجنا ( لبدة ) تستعمل في فرنسا القرن الثامن عشر لبناء قصر فرساي وساحة سان جرمان دي بريي. وكان ما تحققه سفن القرصنة في نفس الوقت يمثل مصدرا رئيسيا لهذه الدويلات البربرية. كانت السفن البحرية تعمل بالتجارةوفق نظام منضبط وبالقرصنة أيضا ، وكان هذا إمتدادا لإستراجية البحرية التركية في البحر الأبيض المتوسط. لأن القراصنة غالبا ما يتلقون الدعم من الحكام المحليين من أمثال يوسف القره مالي في طرابلس. كما أن الخزائن الخاصة والعامة للحاكم (الغير مميز بعضها عن بعض) كانت تنتفخ وتتضخم جراء الإستيلاء على السفن التجارية التابعة لاوروبا وأمريكا. وبدأت إدارة الرئيس جون آدمز سنة 1799م، تدفع أتاوات سنوية إلى الحكام المحليين في شمال أفريقيا لسلامة سفن الولايات المتحدة، وكان نصيب يوسف من هذه الأتاوات ثمانية عشرة ألف دولار سنويا .

وفي سبتمبر عام 1800م، أرسل الرئيس آدمز الفرقاطة البحرية "جورج واشنطن" إلى الجزائر لتحمل قسطا من الأتاوة لتدفع لداى الجزائر والممثل للسلطان العثماني في تلك المدينة. ولكن الداى أصدر أوامره إلى القبطان "وليام بينبردج" قائد الفرقاطة "جورج واشنطن" بأن يحمل سفيرا مصحوبا بهدايا ضخمة إلى سلطان القسطنطينية. وعندما رفض "بينبريدج" ذلك لفت الداى نظره ، إنك تدفع لي الأتاوة ومن ثمة فأنت تصبح بذلك عبدا لي ، إذا أنا أملك الحق في إصدار الأوامر إليك فيما أري أنني محق فيه . محاطا ببنادق الجزائريين أجبر بينبردج على رفع العلم الجزائري وقبوله المهمة. خلال الشهور الأولى من عام 1801م، رفع يوسف القره مالي حصته من الأتاوة السنوية إلى 250:000 ألف دولارا سنويا، والتي أعتبرت مبلغا ضخما لإحتياطي الخزينة الإتحادية للولايات المتحدة الحديثة التكوين .

إعترض الرئيس توماس جيفرسون على سياسة المهادنة التي كانت تبديها إدارة الرئيس آدمز نحو الباشوات والقراصنة. وفي عام1804م، أرسل جيفرسون أسطولا بحريا كبيرا لمعاقبتهم، وكانت البحرية الأمريكية في ذلك الوقت تمر بفترة نقاهة صعبة من آثار الثورة الأهلية، وما تواجهه من تهديدات القوي الأوروبية في نفس الوقت ، غير أنها مازالت تقف على قدميها وتملك القدرة على التحرك فى أماكن قصية. أثبت حصار هذا الأسطول لطرابلس والسواحل الليبية المجاورة أنه ليس بالمهمة السهلة. فقد إصطدمت الفرقاطة فيلاديلفيا خارج ميناء طرابلس بلسان رملي في مياه ضحلة ، وتم الإستيلاء عليها واستسلم بحارتها. وقد إستطاع الملازم ستيفان ديكاتر أن يتسلل الى ميناء طرابلس ، في أولى أنجح عمليات قوات البحرية الأمريكية (والتي أوحت بكلمات"شواطئ طرابلس" في نشيد البحرية الأمريكية) وتمكن من تفجير الفرقاطة "فيلاديلفيا"، منهيا بذلك إمكانية إستعمالها من قبل الطرابلسيين كسفينة قيادة حربية .

صبت قطع الإسطول الأمريكي القذائف والحمم علي طرابلس وتحصن يوسف القره مالي خلف الجدران السميكة والتي كان قد تم تحصينها من قبل العثمانيين وفرسان القديس يوحنا. ولكنه استمر في المقاومة. كما أنه أجبر طاقم بحارة الفرقاطة "فيلاديفيا" على الإنهماك في مهمات شاقة واستعملهم في إقامة التحصينات، واستخدم القبطان ومساعده ليقودا الأعمال التنظيمية وشؤون الملاحة، وفي تدريس دورات لغة للضباط ذوي الرتب الصغيرة .

عرف الرئيس جيفرسون برجل المهمات الصعبة، ولذلك توصل إلى أن الأمر قد تجاوز حدوده، فقام بتعيين السفير السابق بتونس "سيروس إيتون" ليتولى خطة من شأنها الإطاحة بيوسف القاره مالي وإستبداله بأخيه الأكبر أحمد. وفي وقت مبكر من عام1805م، قام إيتون وأحمد ومجموعة متعددة من المغامرين والمرتزقة بالزحف من الإسكندرية بإتجاه الغرب عبر الصحراء لمسافة ستمائة ميل. وبدعم عسكري من البحرية الأمريكية المرابطة في البحر الأبيض احتلوا ميناء درنة . بينما شرع "توبياس لير" المبعوث الخاص للرئيس جيفرسون في مفاوضات مع يوسف القره مالي والذي تنازل عن الأتاوة الدورية،واكتفي بمبلغ 60.000 دولار كفدية لطقم بحارة "فيلاديلفيا"،وهو نصف ما كان يطالب به في الأصل - إلا أنه مبلغ كبير ومرض في ذلك الوقت – وفي مقابل ذلك تخلت الولايات المتحدة عن دعم أحمد ومطالبته بالعرش. وقوبلت الإتفاقية بردود فعل متعددة في الولايات المتحدة بإعتبارها أمرا يقل عن النصر الكامل. غير أن المشاعر الودية بدأت تعم ومن ثمة قبول الإتفاقية. ومع ذلك فإن العمليات البحرية ضد سفن القرصنة إستمرت لغلية1815م، وحتى عام 1970م عندما أخرج العقيد القدافي القوة الجوية الأمريكية من قاعدة "ويليس". لم يحدث أي إحتكاك عدى إتصال طبيعي وبصورة عادية بين الليبيين والأمريكيين .

مشاهـد من تأسيس الدولة الليبية 1941 -1961 ...د.محمد محمد المفتى



هنـا ليـبـــيا
من مفارقات القدر أن ماركوني العالم الإيطالي الشهير ومخترع الراديو والإذاعة، كان قد زار بنغازي مصحوبا بأجهزة الإرسال والإستقبال، على الأرجح لتجريبها في تحقيق اتصالات بين القوات الإيطالية عبر الصحاري الليبية. وكان ماركوني قد اخترع أجهزة الاتصال بالتلغراف اللاسلكي ثم بالراديو، بقصد استعمالها لاتصال السفن في أواسط البحار.

إذاعة طرابلس العربية

عرفت ليبيا الإذاعة في أواخر العهد الإيطالي باسم إذاعة طرابلس العربية. كان فيها من بين المترجمين أحمد بن زيتون ومصطفى السراج، وكان فيها أحمد الحصائري  وأحمد قنابة مذيعين.. وبشير الغويل مراجعا. أما المدير فكان إيطاليا.

كانت إذاعة طرابلس العربية تبث على الهواء مباشرة.. وكان فيها موسيقيين منهم على الحداد وبشير افحيمة وسالم صابون.. وآخرين. بينما كلف بعض المشايخ بإلقاء محاضرات ومواعظ، ومن بينهم الشيخ أحمد الشارف والشيخ أبو الربيع الباروني.

أيام الحرب كانت الإذاعة تقدم برنامج ’’فليخرج الإنجليز من البحر المتوسط‘‘.. دعاية سياسية يحضرها مكتب التعبئة.. وكان يقدمه محمد السوكني.  كما كان فيه برنامج أطفال .


إذاعــة بـــاري

إبان الحرب العالمية الثانية كانت هناك إذاعات بالعربية وهي إذاعة باري الإيطالية  وبرلين العربية من ألمانيا النازية، وفي الأخيرة تألق المذبع يونس بحري الشهير بمبالغاته وسخريته. ولتشغيل إذاعة باري استدعت ايطاليا عددا من موظفيها الليبيين إلى روما، منهم سليمان الجربي وكان يعمل في القنصلية الإيطالية في السلوم. 
ومصطفي الشركسي من قنصلية الاسكندرية ووهبي البوري من قنصلية طنجة. ومن طرابلس جاء راسم كدري وابراهيم البكباك.. وآخرين.

ولكن امتلاك الراديو كان أمرا نادرا. وأخبرني ذات مرة، المرحوم حسين مازق، أنه والمرحوم الأستاذ محمد السعداوية، كان لديهما مذياع، يخبئانه في أحد كهوف شحات، ويتسللان بين الحين والحين للاستماع لإذاعة الشرق الأدني  تسَـقــّطا لأخبار الحلفاء أعداء ايطاليا وألمانيا. وبعد الحرب فتحت إذاعة لندن.
 حقبـة المـذيـــاع


مع بداية الخمسينيات، أمسى المذياع، هذا الجهاز العجيب  في متناول المواطن الميسور والمتعلم، وتوفرت أجهزة قادرة على التقاط محطة القاهرة. ومن تملك مذياعا كان حريصا على ألا يستخدمه في حضور النساء، واتخاذ كل الاحتياطات لمنعهن من إدارة أقراصه في غياب رب الأسرة، بما في ذلك إيداع الراديو في دولاب مقفل بمفتاح أو في المربوعة.. وقاية من أغاني فريد الأطرش وليلى مراد.. الخ.

مع انتصاف عقد الخمسينيات، اخترقت التقنية كل الأعراف والتحوطات، حين وصل راديو الترانزسور الشغال بالبطارية والصغير الحجم والزهيد الثمن. وهكذا أمست الخمسينات حقبة الراديو.. وهي الحقبة التي استثمرها الإعلام المصري ليخلق تيارا قوميا عربيا هادرًا، قادرًا على تحريك الحشود والجماهير.


هـنا بنــغازي

في بداية الخمسينيات كانت في بنغازي إذاعة للجيش البريطاني ذات مدي محدود، لخدمة قواته في المدينة. وكان مقرها بمعسكر الريمي بالبركة، ولم يزد الاستوديو عن غرفة واحدة مبطنة بالبطانيات العسكرية… وكانت هوائياتها بمقر المستشفى العسكري براس اعبيده. ثم خصص مكتب الاستعلامات البريطاني بالمدينة، حوالي نصف ساعة للبث العربي.
 ويتذكر الأستاذ فرج الشريف أحد المذيعين الرواد

"كانت تذيع على الهواء مباشرة.. وكان الشيخ محمود ادهيميش أول مقرئ ليبي تسمعه بنغازي على الراديو.. أما أول مذيع ليبي فهو الأستاذ المحامي محمود مخلوف.. ثم خلفه الصحفي المرحوم محمد بن صويد .. وكان المشرف على التشغيل التقني، المرحوم محمد التاجوري.. وكانت الإذاعة تعلن عن نفسها: هنا بنغازي للإذاعة اللاسلكية.. وتدريجيا توسعت ساعات الإرسال وزاد عدد المذيعين .. فانضم .. ابراهيم الطوير وعبد الله عبد المولى وبلقاسم بن دادو وخديجة الجهمي وعبد اللطيف عيد وسعد اسماعيل وخالد محمود وأحمد البيرة والبروك الورفلي وعيسى بالخير ورجب الشيخي" .

"كان المفتاح طبعا في يد مكتب الاستعلامات البريطاني، لكن إدارة مطبوعات برقة كانت تساهم في الإشراف، وكان يرأسها المرحوم الأستاذ توفيق البرقاوي.. وأذكر أنه منع إذاعة أوبريت بساط الريح لفريد الأطرش.. وكان تبريره لقراره.. كيف يطير فريد من مصر الى تونس ومراكش.. من فوق ليبيا.. ولا يذكرها بكلمة واحدة.. هذي إهانة .!!" .  


ما كان يـُقــَدم؟.. الأخبار المحلية والعالمية وأقوال الصحف.. وكان هناك برنامج الرياضة يقدمه المرحوم مفتاح الدراجي وكان موظفًا في مكتب الاستعلامات البريطاني.. وبرنامج الطلبة الذي يقدمه الأستاذ المربي المرحوم فرج الشويهدي.. وطبعا برنامج ما يطلبه المستمعون " .

".. مضت الأمور على هذا المنوال، الى أن وقعت حرب السويس.. أو الإعتداء الثلاثي على مصر في آخر اكتوبر 1956. وقام بلقاسم بن دادو  بإذاعة أخبار تندد بالعدوان.. بينما رفض آخرون قراءة أخبار تحمل وجهة نظر بريطاني. ونشأت أزمة.. وعموما فكرت الحكومة  في تأسيس إذاعة مستقلة".

ليــبي من لـنــدن

وحدثني المذيع المخضرم الأستاذ سعد اسماعيل التاجورى: ’’أذكر أنني كطفل.. كنت أجلس على عتبة حوش صديقي بشارع بالة، قرب زرايب العبيد وكنت شغوفا بسرد قصة القط الأسود ابن زعيم الجان المكلف بحماية بنغازي من طوفان البحر.. في الخمسينات، حين كنت طالبا في المدرسة الثانوية.. شدتني هواية الكتابة والتمثيليات. واشتركت في مسرحية "بلال".. وكنت سعيداً بدوري البسيط فيها وهو دور "معيط". لكن دور بلال أسند إلى عبد الله عبد المولى. وعبد الله نفسه هو سبب دخولي الإذاعة المحلية. فقد سبقني هو للعمل بها وشجعني… فيما بعد شاركت في تمثيليات إذاعية: الصقر وشرارة والصبي والبندقية. قدمنا بعضها باللهجة البدوية القحة.

وكان مجيء المرحومة الأخت خديجة الجهمي إلى الإذاعة بداية لمرحلة مميزة من نمو هذه المؤسسة. كانت إنسانة ذات خيال وملكة خلاقة لا تنضب. زاولت الشعر الشعبي وكتابة التمثيليات الإجتماعية الناقدة للعادات والتقاليد السلبية القديمة. كما كتبت العديد من الأغاني العاطفية الناجحة وساهمت في العديد من الأعمال التي خدمت قضية المرأة والطفل بروح متطلعة للتغيير لا تكل .

بعد ذلك عملت في إذاعة لندن لمدة أربع سنوات كمذيع ومخرج للبرامج الغنائية. ومن وراء مكرفون إذاعة لندن كنت دوماً سعيداً بالتواصل مع الناس في بنغازي الودود الدافئة . وكنت أحيانا أفاجئ المستمعين بعبارات لا يفهمها إلا أهلنا، مثل ’’ نحنا هلِكْ يا برقة، أو أهدي أغنية "إلى مطاري، تحت بيت الشعر الأسمر، القريب من شجرات البطوم، المشرفة على وادي الكوف".  وربما قلت في سياق الإهداء "مبروك عرسك يا سعد وعزيزة. وعندما تمران بشارع إقزير سلّما على الصبية أم شناف، وقولا لها إني عائد إلى نفس المربوعة. . قبل العيد الكبير".  ومرة ختمت إحدى الحلقات: "وختاماً، تحياتي إلى جميع الأطفال المتناثرين بمنتزه البوسكو، وأقول لعشاق فن السيد بومدين، ها هو لحنه الذي لا ينسى، أهديه لكم من قلب لندن، من قلب يحن إلى ربوعكم.. ثم ينساب صوته.. عيونك كبار وسود من مولاهن"  


هنـا ليـبـــيا

في منتصف عام 1957 ولدت أول إذاعة ليبية.. في بنغازي وطرابلس.. وقامت وزارة المواصلات بذلك، بجهود وكيلها آنذاك الأستاذ فؤاد الكعبازي.. بينما آل الإشراف على الأخبار الى إدارة المطبوعات الإتحادية التي كان يديرها الصحفي المرحوم على المسلاتي. وبرز في تلك الفترة مقدمي برامج، من غير المذيعين.. ومن بينهم الأستاذ فرج الشويهدي والسيدات خديجة الجهمي وحميدة بن عامر وفاطمة العلاقي وأمينة الوداني.


التربية عبر الأثير

أذكر الأستاذ فرج الشويهدي: وديعا أنيقا، واثقا جادا، بقدر ما كان خجولا.. نذر جهوده لموضوع التربية.
وكما قال لي صهره الصحفي المخضرم المرحوم فاروق النعاس: "كان الأستاذ فرج يطبـّق ما يعظ به.. كانت النصيحة، العبرة، القدوة حاضرة حتى في دردشاته ومداعباته لصغار العائلة.. الذين كانوا أكثر تعلقا به من تعلقهم بوالديهم.. كما كانوا يلجأون اليه طلبا للمشورة.. وقد كان منظما دقيقا في حياته اليومية ".

كان الأستاذ فرج يستعين بالتلاميذ لتقديم برنامج مع الطلبة لإلقاء بعض الكلمات وقراءة القصص وآداء التمثيليات. وكنا نلتقي في بيته بالبركة، قبل أن نتوجه على الأقدام إلى استوديو الإذاعة بالريمي. كان البث على الهواء مباشرة، فلم يكن المسجل الشريطي قد أخترع.. لكننا كنا نفرح بما يقوله أهلنا الذين سمعوا البرنامج. وفي بيته كنا نجلس حوالي منضدة في المربوعة، حيث مكتبته المذهلة آنذاك بأدراجها الخشبية البسيطة وكتبها المنسقة، والتي كانت تعد بضع مئات.


في أواخر عام 1960، انتقلت إذاعة بنغازي الى مقرها الحالي في شارع آدريان بلت أو عبد المنعم رياض حاليا. ومن الأسماء التي تألقت بمساهماتها، الفكرية أو الشعرية والأحاديث الأدبية .. طالب الرويعي ومحمد زغبية ومفتاح السيد الشريف وحبريل الحاسي.. ومن الشعراء عبد ربه الغناي وخالد زغبية وحسن صالح ومحمد المطماطي .. كما وجد الشعراء الشعبيون والشعر الشعبي قناة لإيصال صوتهم وإبداعاتهم لأول مرة الى كل الناس، ولعل من أهم أشعارهم تلك التي كانت ذات دلالة اجتماعية عميقة، وتمجيدهم لثورة الجزائر وخاصة البطلة جميلة بوحيرد، ثم مأساة زلزال المرج سنة 1961، وفي ما بعد معركة الشعراء حول خروج المرأة سافرة الوجه وارتدائها الملابس الأوروبية.

وبالطبع أتاحت الإذاعة فرصة للمطربين الليبيين.. ومنهم على الشعالية، والسيد بومدين (شادي الجبل) وحسن عريبي والموسيقار صبري الشريف وعازف العود مصطفي المستيري .. وفيما بعد اشتهر محمد صدقي (العوامي).. ونوري كمال (الفرجاني). وكانت خيرية المبروك أول مغنية ليبية تذاع أغانيها. وتألق محمد مرشان بأغانيه مثل "بعت المحبة إهناش من يشريها"، التي ضمّن محمد عبد الوهاب لحنها في إحدى أغانيه لأم كلثوم. وسلام قدري بأغانيه ذات الألحان المجددة مثل سافر مازال عيني تريده، وأغنية "الجوبة بعيدة" التي ألفتها خديجة الجهمي.


كانت الرابطة قوية بين الإذاعة والصحافة.. فمن بين محرري الأخبار الأوائل: الأستاذ أحمد يونس نجم الذي تولي رئاسة تحرير جريدة برقة الجديدة .. والمرحوم محمد بشير الهوني الذي أسس جريدة الحقيقة.. والكاتب المرحوم عبد الله القويري.. وعمل بالترجمة المرحومين أحمد يوسف بورحيل ومحمد عبد الرازق مناع .  وكان رشاد الهوني في شبابه من بين طبّاعي الأخبار على الآلة الكاتبة !، ليتألق فيما بعد كصحفي ريادي كبير، حين أدار جريدة الحقيقة بسعة أفق وحرص على المواهب الشابة فدشـّن حقبة رائعة في تاريخ الصحافة الليبية .
———————————————————————–
لقاء شخصي، أبريل 2005 . والأستاذ سعد اسماعيل يعمل الآن مديرًا لمعهد أطلس لتعليم اللغة الإنجليزية، بحي السكابلي، سيدي حسين، بنغازي .

 من كتاب فـصـول من كتاب ع الكورنيش ، تأليـف د. محمد محمد المـفــتي