الخميس، 25 أبريل 2013

المدرسة الليبية التاريخية والعقيدة البحثية ...أ.الحبيب الامين


أّنصبت اهتمامات العلماء والباحثين الأجانب منذُ زمن بدراسة آثار وتاريخ ليبيا في العصور اليونانية والرومانية وركزت جُل أعمال الكشف والبحث الأثري بمغالاة في ذلك, ومرد ذلك عدة أسباب ونزعات غنية عن التعريف – متى شوهدت وقرأت في سياقها الزمني وبالنظر لغرضية القيام بها- وإن كان الباحثين الأثريين والمؤرخين المتخصصين يدركونها اليوم ويتلمسون نتائجها فإن الكثيرين غيرهم يجهلونها.
لقد أدى ذلك إلى إهمال واضح ومتعمد أحياناً لدراسة ما هو سابق عن هذين العصرين وخاصة تلك الفترات والشواهد والمعالم الأثرية التي لم يشتم فيها الدارسين الأجانب على وجه التحديد عطر الخلود للحضارات التي وصفت بأنها كلاسيكية (يونانية ، رومانية ، بيزنطية) ، تلك الشواهد والآثار التي تتعلق بهوية حضارية ليبية لهذه الأرض وأهلها.

لقد تجاوزها الكثيرون وعزلت عن دائرة الاهتمام، وفي أفضل الأحوال نجد أن من تعرض لها قد حاول طمسها بإضفاء مسحة كلاسيكية عليها أو بأضعاف مدلولاتها وتفسريها على نحو خاط لتدعيم ما يرونه في غيرها لإثبات فرضياتهم. أننا نفاجأ حين يعرض أحد العلماء الأجلاء لأثر أو شاهد يحمل دلالات ومعلومات ليبية صرفة بمحاولة تحجيم وتبهيت إن لم نقل تسفيه لتراث ليبي خالص مما يحمل القارئ الباحث على الشك والحيرة فيما يطالع بين يديه من دراسات ومعلومات. كما أن هذا التراجع القيمي لتناول التاريخ كمتحف تحترمه كل الشعوب يكتنز ملامح ومعالم ذاتها المبدعة ومآثرها المجيدة عبر الزمن يلخص جهود وإسهامات أبنائها وملاحمهم يكشف عن خلل خطير في الذهنية البحثية الليبية ويطرح التساؤل تلو الاستغراب بغائية دراسة التاريخ وتعليمه عبر مناهج التربية الوطنية التي تلاشت من مفردات ووحدات التعليم الأساسي بقدرة قادر أو بفعل جاهل لا منتمي.
إن هذا لا يعد تجاهلاً أو تشكيكاً في كتابات ومؤلفات سابقة بأسرها، ولكن البعض منها لا يحتمل إلا ذلك، ولا يحفل بالتصفيق والتهليل إلا من محدودي الرؤيا وعديمي الاستقراء , كما أن قدرا لا بأس به من هذه الدراسات يجوز الطعن فيه وحذف ما فيه من تزييف وتزوير من قراءات ومدونات العقل الجمعي لمؤرخي البلاد ومن مناهج التعليم ، والأمثلة على ذلك جد كثيرة، ومرجع ذلك أن هذا لا يقبل المهادنة ولا المسايرة لأنه يمس بالدرجة الأولى الكيان الحضاري والهوية الوطنية من زاوية التأطير والتنظير للتاريخ الوطني العام وتمحيص وتفحص مصادره وأدواته ونزعات كتابه، وبالتالي التراث الإنساني ، كما أنه يسفه المنهجية العلمية ويجردها من أي نزاهة أو موضوعية ، ولعمري أن ذلك يحتاج إلى جهود مخلصة ومؤمنة بقيم وتراث وآثار أهل هذه الأرض عبر عصور متعددة حري بالباحثين الليبيين قبل غيرهم إثباتها والكشف عنها ودراستها وصولاً إلى نتائج مهمة تتعلق بتصحيح ما هو خاطئ منها وإعادة كتابة وتاريخ آثارنا الليبية، وهذا لا يعني أننا لا نؤمن بكلية التراث الإنساني وترابط الثقافات وتلاقي حضارات وتأثر بعضها البعض.

* المدرسة الليبية التاريخية أين هي ؟ انعدام العقيدة البحثية أس مفقود ؟!

نظرة فاحصة ناحية الشرق والغرب على ضفاف الثقافة الليبية الموغلة في الاستقبال والتعاطي مع أحمال المعارف والعلوم الوافدة من مصر وتونس تكشف للباحث المنصف القادر على القبول بحقيقة الفشل التي ستصدمه, والتي ستقول له ما هو الشاغل والهم البحثي المحرك وما هي المسائل التاريخية التي انصبت عليها عيون المحققين والباحثين واستنزفت أقلام دارسي التاريخ ومعاول باحثي الأثار في ليبيا والى أي مصير وهدف تتطلع ……. النتيجة ستكون كالتالي:

مجمل الدراسات البحثية المؤسسة لدراسة التاريخ الليبي والأثار قام بها أجانب منذ القرن التاسع عشر ,كما إن صياغات الحقائق وتكريسها تم بفعل وصدى وتكرارنا الببغائي لتلك الحقائق التي طالها التزييف والتضخيم وصارت الآن تتكسر صنميتها أمام ضربات الدراسات الرصينة على قلتها بفضل نسق جديد لم يتحول بعد إلى تيار بحثي ينشد عقد مراجعات فكرية وحلقات بحثية لجمع وغربلة ولملمة وصياغة مفهوم موحد وشامل تجاه كل القضايا والمسائل العالقة والمستعصية على التناول والقبول . مفردة العقيدة تقترب من القول بفلسفة أو غائية أو أساسيات وجذور النظرة الذاتية للتاريخ وتعريفنا الخاص لقيمة التاريخ مع إدراك مسبق لجدوى مفاعيله القديمة على الحاضر المتصل بالزمن فعلا واستشرافا.

على سبيل المثال هناك المدرسة الشمسية في الدراسات التاريخية والتي كان من رواده عالم المصريات اليوت سميث وفلاندرز بتري والتي تسربت رؤاها حتى إلى مجال الثقافة المصرية وأقطابها التي استساغت طوباوية فكرة الفرعونية كمكون أساس للذات المصرية ومنهل لا ينضب لعكس التاريخ في مرآة الحاضر النهوضي للمجتمع المصري المعاصر. هنا تحول الحالة التاريخية في عقول مريديها إلى اشتغال بتعريف الذات ورسم لملامح الهوية وكأنها رافد معنوي ثقافي يتصل بإيمانية واعتقاد راسخ بجدوى ولوج الزمن وتفحص أقداس الذات فيه. وهذا أيضا ما نراه في اهتمامات وشواغل المدرسة الرافدية ( ميزوبوتاميا) بزعامة العالم بريد وود التي خلصت إلى القول بأهمية وأثر المنطقة في التاريخ الإقليمي والكوني وهي الأخرى تلقى قبول واسع من علماء ومؤرخين انشغلوا بموروثها الحضاري. يمكن القول بان نظرية البعث والتفسير الحضاري التي طرحها منذ القرن الماضي ارنولد توينبي تحمل قدرا كبيرا من المعقولية في صياغة مشروع حياة حضارية متى تحول التاريخ أو بالأصح صناعته إلى تحدي طبيعي بيئي تعقبه استجابة بشرية خلاقة. عند تصغير دائرة المقارنة والعودة إلى المدرسة التاريخية المصرية الحديثة والتي انطلقت من قاعدة ثابتة ورؤيا عميقة للإقليم المصري والإنسان المصري والإبداع الحضاري المصري ,نجدها قد نجحت في رسم معالم الهوية الحضارية المصرية بتركيزها القصدي واهتمامها العمدي بكل ما هو متصل بمصر كمركز حضارة كونية عريقة وبالمصري كانسان أنتج حضارة لها شواهد ومعالم لا زالت قائمة تحكي تاريخه وتستحثه على النهوض من جديد. في تونس هناك توسع وتعمق بحثي عبر عديد المعاهد والبحاث ناحية الفترة الفينيقية والفترات العربية الإسلامية , حيث نجحت هذه الدراسات في التعريف والتوصيف للحالة الحضارية وفي سرد تعاقب زمني وطني مكتنز بالحقائق والشخوص والإبداعات الذاتية. بمعنى مختصر تونسة التاريخ وتقريبه من عقل المعاصر وتحويله إلى مركب مقروء وملهم عريق للأحياء والحياة المعاصرة يجتذب المطلع ويحتفي بالوطن .

تلييب التاريخ واستخلاصه من فكاك الضياع والتشتت والتداخل مع مناطق وأقاليم حضارية أخرى يبدو عملا ملحا وعملية عصرية نحتاج أن نخوضها . نحن في ليبيا لم ننجح في بعث قيمة الحياة والاحتفاء بالتاريخ الوطني إلا عبر توظيفات انتقائية مبتذلة ومارسنا الكثير من الاجتزاء للفترات والأشخاص والرموز والمعالم , وأتخمنا فكرتنا عن التاريخ بالمناطقية والجهوية الهدامة وفي أحيان كثيرة مزجنا بصلف وتعسف مخرجات التعاطي السياسي اللاثابتة بحقائق مصطنعة وقراءات مزيفة للعديد من الأحداث والفترات, وأيضا انشغلت المؤسسة الفكرية المسيسة بلفلفة العديد من الصفحات وخبأتها في دهاليز بعيدة , مرسلة فكرة التخوف والرهاب من إخراج هذه المواد التاريخية وإعمال البحث فيها ونشرها في مكتبات النور, وهي ودون أن تدري كانت تمارس تجهيلا فوقيا وتحتضن في أعماق الباطن الجمعي المغيب أطنانا من المواد المتفجرة والتي وان غيبت مؤقتا , فأنها قد تحدث المفاجأة المربكة لو انفجرت في غير وقتها. كان ينبغي أن تتم المصالحات التوافقية التاريخية مع التاريخ والمواطنة منذ زمن لنعبر إلى آفاق أرحب ونستشرف مستقبلنا الواعد برؤية ورؤى موحدة نحو كل ماضينا وحاضرنا دون غبن أو إقصاء أو تسفيه واجتزاء. ناهيك عن متاريس التحريم والطمس التي نصبت أمام الكثير من الصفحات فظلت ترزح في خزانة النسيان فخافها كثر ودس رأيه فيها في رفوف العتمة. إن قبولنا بالكثير من الآراء المسبقة المقدسة رسميا والمرفوضة ثقافيا والمخالفة لفقه البحث وأدبيات الموضوعية قد أضاف إلى أوزرانا المنهجية الكثير ,كما أن تأخرنا عن صياغة وبناء المدرسة التاريخية البحثية أسهم في تغليفنا بالأساطير والأباطيل مما غيب العقل الجمعي الثقافي عن النهوض بدوره في تعريف الهوية على أساس من الحقائق والدروس وحتى الشخوص والرموز الوطنية التي كان ينبغي لها أن تبني هيكلية المواطنة في وطن يعيش فيه أبنائه حياة معنوية موازية قائمة على طهارة الانتماء وشفافية في الولاء.

سبق النشر بموقع جيل الليبى عام 2008

الثلاثاء، 23 أبريل 2013

من ينقب عن الآثار في ليبيا ؟ أ. خالد محمد الهدار



 إن ما يشاهده الزائر للمدن الأثرية في ليبيا مثل شحات وطلميثة ولبدة وصبراتة قد لا يخطر على باله إن معالم تلك المدن الماثلة للعيان لم تكن تبدو كذلك قبل الحفريات التي أجريت بعد الاحتلال الايطالي لليبيا عام 1911 والتي صاحبها أعمال ترميم أبرزت المعالم الكلاسيكية و لاسيما الرومانية منها لأهداف سياسية وترسيخ فكرة الرومنة والربط بين سيطرة الرومان على ليبيا قديما بالاستعمار الايطالي الحديث، وانطلاقا من هذا فإن الفضل في التنقيب عن الآثار في ليبيا يرجع إلى الايطاليين ، فهم من وضع الأساس لمصلحة الآثار وتنظيم الإشراف على العمل الأثري في المواقع الأثرية وإقامة المتاحف ، لكن ما فعله الايطاليون في هذا المجال كانت له إرهاصات أولى تمثلت فيما قام به القناصل الأجانب والرحالة من أعمال ساعدت على التعرف على المدن الأثرية التي كانت مجهولة، وفي هذا المقام يشار إلى القنصل الفرنسي لو مير الذي يعد أول أوربي يزور شحات عام 1705-1706 وزار قبلها لبدة، وهناك القنصل البريطاني وارنجتون الذي أرسل أول بعثة للتنقيب في شحات عام 1826 ، كما إن جهود الرحالة ديلا شيلا عام 1817 والأخوين بيتشي ما بين 1821-1822 و باشو مابين عام 1824-1825 كانت لها أصداء كبيرة ودفعت الكثير إلى استهداف زيارة المواقع الأثرية الليبية للحفر بها مثلما فعل القنصل الفرنسي دو بورفيّل عام 1847 ثم سميث و بورتشر ما بين 1860-1861 ثم جورج دينس ما بين 1864-1868، وقد نتج عن الأعمال الأخيرة استخراج كميات كبيرة من المقتنيات الأثري ونقلها إلى متاحف أوروبة ، والكشف عن أساسات الكثير من المباني بطريقة اقل ما توصف إنها غير علمية. وهكذا كان الحال حتى عام 1910 الذي يمثل وصول أول بعثة علمية أمريكية برئاسة نورتون للتنقيب في شحات،وأثناء الاحتلال الايطالي لم يسمح الايطاليون لغيرهم بالتنقيب عن الآثار بل هم كانوا سادة الموقف ونظموا شؤون الآثار حتى عام 1943 ، ثم أديرت المصلحة بالانجليز والايطاليين في فترة الإدارة العسكرية البريطانية. وبعد استقلال ليبيا استعين بالأجانب أيضا في إدارة شؤون الآثار وخير مثال على ذلك الايطالي كافاريللي في المنطقة الغربية ما بين 1952-1961 و جودتشايلد ما بين 1953-1967.

و قد لاحظ جوتشايلد ضخامة العمل الذي يجب أن يجرى في آثار المنطقة الشرقية وكانت إدارته غير قادرة على ذلك فاستعان بالبعثات الأجنبية للتنقيب في ليبيا وفعل كافاريللي الشيء ذاته في المنطقة الغربية ، وفي المنطقة الاخيرة بدأت كينون حفرياتها في صبراتة عام 1948 ، إضافة الى ماكبرني ومسوحه وحفرياته في آثار ما قبل التاريخ في ليبيا، وهناك البعثة الفرنسية التي بدأت منذ عام 1953 و الايطالية منذ عام 1957 ومنذئذ احتكرت البعثات التنقيب عن الآثار، حيث تعددت البعثات الايطالية في تخصصات مختلفة من ما قبل التاريخ إلى الآثار الإسلامية ، وعملت البعثة الفرنسية منذ عام 1976 ما بين سوسة ولاثرون ولبدة وسرت الإسلامية ومشروع وديان المنطقة الوسطى،وهناك البعثة الأمريكية في شحات منذ عام 1969، والبولندية في طلميثة ، واليابانية في توكرة ، وعدة بعثات ألمانية في لبدة وطلميثة وفي الصحراء ، وجمعية الدراسات الليبية في لندن وعملها في يوسبريدس وبيرنيكي وطلميثة والمرج ومشروع مسح الأودية الليبية ، وهوا افطيح ، وفي فزان ثم في غدامس. ومن هنا فان البعثات الأجنبية هي من تنقب عن الآثار ولها اليد الطولى في هذا المجال وتنافست فيما بينها للاستحواذ على اكبر قدر من المواقع الأثرية ، ولعل مرد هذا أن مصلحة الآثار لم تنظم أعمال التنقيب بل سارت على خطى السابقين في تمكين البعثات من العمل الأثري في ليبيا وكأن المصلحة ألقت بعبء التنقيب عن كاهلها لتسلمه لتلك البعثات ، ولكن هذا لا يعني إن باحثي المصلحة وخبرائها لم يسهموا في الكشف عن الآثار حيث جلهم قد شارك مع البعثات في حفرياتها، كما أنهم قادوا أعمال الكشف لاسيما في المقابر التي تظهر بالمصادفة، وما يعاب عن غالبية تلك الأعمال إنها لم تستكمل بعمل دراسات عنها ثم نشرها ، وغالبا ما أنتجه أولئك المنقبون يذهب لقمة سائغة لأعضاء البعثات الأجنبية لدراسته ونشره بلغاتهم (مقابر لبدة وسوسة مثلا)، والواقع كنا نتمنى أن لا يحدث هذا وأن يستكمل المنقبين أعمالهم بدراسة اكتشافاتهم وجلهم قادرين على ذلك. وغالبية أولئك الباحثين هم نتاج أقسام الآثار بالجامعات الليبية التي تعلموا فيها التنقيب عن طريق الحفريات التدريبية التي بدأها قسم الآثار بالجامعة الليبية منذ عام 1971 في مدينة توكرة والتي لا تزال مستمرة ، وقد نجحت تلك الحفريات بمشرفيها في تدريب الطلاب على التنقيب. وخلاصة القول نحن في حاجة إلى خطة علمية مدروسة من اجل تكوين فرق علمية ليبية للتنقيب عن الآثار وتشجيع العنصر الوطني مع الاستفادة من العناصر الأجنبية ولكن تحت مظلة ليبية، فلماذا لا يتم تكوين بعثات تنقيب ليبية يستعان فيها ببعض الخبراء الأجانب وليس خلاف ذلك.
-----------------------
نقلا عن مدونة الآثار الليبية / للاستاذ خالد الهدار استاذ الآثار الكلاسيكية بقسم الآثار بجامعة بنغازى 

السبت، 20 أبريل 2013

المباني والمدن التاريخية في ليبيا، إشكالية المحافظة والتبعية ..أحمد عيسي فرج


المباني والمدن التاريخية في تشريع الآثار الليبي:      يُعَرف قانون الآثار الليبي المباني والمدن التاريخية :" هي الكيان المعماري المتجانس أو المتمايز المستقل أو المتكامل ضمن حدود متعارف عليها أو أسوار تحيطها، وتشمل المساكن والمدارس والمساجد والأسواق والشوارع والحدائق وكافة المعالم والشواهد والآثار داخل الاحياء والمدن القديمة مما مضى عليها مائه عام فاكثر، أو التي شهدت حدثا تاريخياً هاما ولو لم تمض عليها هذة المدة"، هذا التعريف يضع المدن القديمة المتكاملة في المقام الاول, ويغفل المباني التي تقع خارج المدن, هذا من جهة, ومن جهة اخري هذا التعريف يترك بشكل مباشر تقرير تصنيف البناء إن كان أثراً ام لا, لجهات الاختصاص، ويحسب لهذا التعريف أنه لم يعط لمسائلة عمر الآثر وحدها الحق في تقرير إن كان اثرا ام لا, وأوجد عناصر أخرى لاتقل أهمية.

     بما أن هذا التعريف القانوني يترك لجهات الاختصاص, دورا اكبر من الاشراف, فهي شريك أساسي قانوني, لذا وجب علينا الإحاطة بالجهات المشرفة علي المباني والمدن التاريخية في ليبيا، وهذا يعنى أن هذا الجهاز(جهاز ادارة المدن التاريخية) في الحقيقة غير قادر على ادارة المبانى والمدن التاريخية, المنتشرة في كل ارض ليبيا, لانه فى الاساس يهتم بهذة المدن الثلاث: طرابلس, غدامس, بنغازي ,او انه اسس من اجلها، وهذا الجهاز كما يبدو من اسمه يعنى بالمدن, أى أن لا يهتم بالمبانى والمنشات خارج المدن وعلى الرغم من ان قرار تاسيسة يشملها.
    أما مصلحة الاثار الليبية فهى تقف بعيدة عن هذا النوع من الاثار, تاركة المسؤلية علي الجهات الاخري ,كما سبق الاشارة جهاز وادارة المدن التاريخية وربما الهيئة العامة للاوقاف, ومركز جهاد الليبين .
وهكذا يمكن القول ان وضع المباني والمدن التاريخية في ليبيا ,من الناحية الادارية, لم يكن جيدا فبعد سنوات الاحتلال وقعت تحت ادارة لم تغط كل ارض الليبية. 

      وإذا ما أمعنا النظر في وضع المباني والمدن التاريخية على أرض الواقع, لوجدنا إهمالاً كبيراً, ونقصاً أكبر في المعلومات والوثائق,  فضلا عن الكثير من العبث والإتلاف مقصوداً كان أو غير مقصود, كل ذلك يمكن ملاحظته بالنظرة الاولي, فمن خلال مدينة قوريني (شحات) وحداها، نرى مثلا أن شركة باشراف رجل الأعمال( حسن طاطنكي) قامت بازالة الملاط القديم (في مباني السوق القديم ) وللأسف الشديد أن تلك الجهة لم تعيد إكساء تلك المباني مما جعلها عرضه أكثر للتلف, كما أننا لاحظنا أن بعض المباني, يُعاد استخدمها ويحور في تصميها, وكل ذلك يحدث بحرية مطلقة, لان هذة المباني لاتتبع جهة بعينها، وكذلك الحال في مدينة سوسة القديمة التى بلغ التحوير فيها اعلي الدرجات، والأمر ينسحب علي طلميثة, والمرج, ودرنة, وطبرق, وغيرها، وفي الحقيقة أن أزدياد الإقبال على استخدام للمباني القديمة, اصبح كبيراً في كل الآرضي الليبية, منها من اجل السكن او الايجار خاصة للعمالة الاجنبية, اوتستخدم كورش حرفية, وأحيانا حظائر للحيوانات. 
    أما من الناحية الدولية فالاتفاقيات الدولية, والمنظمات أعطت للدول الحق في تقرير تراثها, وتعمل هذة المنظمات من أجل توحيد جهود الدول اعضائها في تبادل الخبرات, والخطط، ولعل اهم هذه المنظمات وأشهرها هى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو) والتي حددت معنى الممتلكات الثقافية في عام 1970:" … كل ماتقررة كل دولة ,لاعتبارات دينية او علمانية من متاحف ,وابنية ,ونصب تذكارية ….."، واكثر مايوضحه هذا التعريف هو حرية كل دولة في تقرير تراثها واثاراها, ويجب عليا في ليبيا الاهتمام بهذة النقطة بشكل خاص، وكذلك المجلس الدولي للاثار والمواقع (ايكوموس) الذي انشئ عام 1965م، ومقرة باريس, والذى يعنى بتقديم المشورات التى تساعد على صون المواقع الاثارية.

      كما هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية, التى دعت الى وجوب حماية الاثار والتراث, من اشهرها اتفاقية لاهاي 1954م, واتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي, المنعقد بباريس 1972م، وغيرها من الاتفاقيات التى اهتمت بالتراث والاثار, كلها دعت الى المحافظة علي الاثار, ولكن نحن نعلم ان هذا المنظمات, والاتفاقيات لا ترق لتكون قوانين ملزم, بل هي جهود, وربما تخلق اعرفا دولية ليس الا، وهذا يعنى ان الناحية الدولية, من منظمات, واتفاقيات تؤكد على وجوب حماية التراث, وانها تعطى للدول الحق في تقرير تراثها.

      مقترح بإنشاء قسم أو فرع ضمن أدارة مصلحة الآثار الليبية يشرف بشكل مباشر على المباني والمدن التاريخية، ومصلحة الآثار الليبية هي الجهة الأقدار في ليبيا على الإشراف على المباني والمدن التاريخية وذلك لعدة أسباب:

- مصلحة الآثار بخبرتها التي تجاوزت 90 عاما, في أدارة الآثار, تكون هي الأقدر دون شك.
- ترتبط مصلحة الآثار الليبية بعلاقات علمية وأكاديمية مع جامعات ومؤسسات دولية .
- تحظى مصلحة الآثار الليبية, بسمعه طيبة لدى المنظمات الدولية التي تعنى بشؤون التراث والآثار .
- تملك مصلحة الآثار كادر فني يعد هو الأكثر خبرة وتجربة في ليبيا في مجال الآثار, وهو الأقدر على توثيق وتسجيل المباني والمدن التاريخية
- توزع مراقبات أو فروع الآثار على ارض الليبية, بشكل يضمن إلى حد ما وصول خدماته ألي كل ارض الدولة الليبية.
- تشغل مصلحة الآثار مباني تاريخية ,ضمن إدارتها ,وفروعها.
- تملك مصلحة الآثار أرشيفات صور رائعة, يمكن من خلالها تتبع تاريخ المباني.
-------------------------
نقلا عن مدونة الامير مرى بن دد/يونس الشلوى

الخميس، 18 أبريل 2013

اليوم العالمى للمواقع الآثرية وبداية شهر التراث ..

 تحتفل ليبيا اليوم مع مختلف دول العالم بيوم التراث العالمي الذي حدده المجلس الدولي للمباني والمواقع الأثرية (الايكوموس) للاحتفاء به بتاريخ 18 ابريل من كل عام، حيث عُقد اجتماع للايكوموس بالحمامات فى تونس عام 1982 وجرى مناقشة الفكرة و الموافقة عليها من قبل الدول الاعضاء بالمجلس الدولى للمبانى و المواقع الأثرية (الايكوموس) و الإعداد للاحتفال بهذه المناسبة.
و قد تبنت منظمة اليونسكو منذ العام 1983 الفكرة بمفهومها العام فى المؤتمر العام للمنظمة فى شهر نوفمبر من عام 1983، هذا و يجدر بالذكر أن الايكوموس تنتهز هذه المناسبة بتوجيه رسالة معينة في كل عام و تكون هي العنوان الذي تعمل عليه الدول خلال عام كامل حيث تتوزع الأنشطة على مدار العام متمثلا بمختلف الفعاليات التي تبرز أهمية هذا اليوم و تختلف مظاهر الاحتفال من دولة إلى أخرى. المنظمة اختارت لعام 2013 موضوع؛ تراث التربية و التعليم (المدارس و الجامعات و المكتبات، و الأكاديميات، و غيرها) في تعبيراته في سياقات جغرافية و ثقافية مختلفة.
و تمثل المواقع الأثرية و المبانى و المدن التاريخية جزء أساسي و رئيسي من هوية البلاد و إرثها الانساني، من خلال ما تكشفه من إسهامات البلد فى الحضارة الانسانية. و يعكس الحفاظ على هذا الإرث مستوى الوعى و التقدم فى البلد و لدى ابناء شعبه. و فى ليبيا تقع مسئولية حماية الآثار و المحافظة علي المباني و المدن الأثرية و التاريخية على عاتق مصلحة الآثار الليبية، التى انُشئت فى الحقبة الاستعمارية الايطالية و تطورت و توسعت فروع مراقبات الآثار فى الوقت الحالي على أيدي الخبرات المحلية من ابناء البلد ممن تعلموا و تدربوا على أيدي علماء الآثار الطليان و الانجليز إثناء الادارات الأجنبية قبل ان تصبح إدارة المصلحة بأيدى أبناءها الليبيين منذ سنوات الستينيات من القرن الماضي.
 و تتمتع ليبيا بوجود متنوع و غنى لمواقع و لمدن أثرية و تاريخية ترجع لمختلف الحقب و الفترات الحضارية التى يعود بعضها لما قبل التاريخ، تنتشر على مساحات كبيرة من أرض الوطن. فقد اسهمت ليبيا فى تطور و ازدهار الحضارة الانسانية، و من المواقع الأثرية فى ليبيا الموجودة على قائمة التراث الإنساني العالمي توجد خمسة مواقع و هى: لبدة (لبكى الكبرى)، صبراته، قورينى، الاكاكوس و غدامس.