أّنصبت
اهتمامات العلماء والباحثين الأجانب منذُ زمن بدراسة آثار وتاريخ ليبيا في العصور اليونانية
والرومانية وركزت جُل أعمال الكشف والبحث الأثري بمغالاة في ذلك, ومرد ذلك عدة أسباب
ونزعات غنية عن التعريف – متى شوهدت وقرأت في سياقها الزمني وبالنظر لغرضية القيام
بها- وإن كان الباحثين الأثريين والمؤرخين المتخصصين يدركونها اليوم ويتلمسون نتائجها
فإن الكثيرين غيرهم يجهلونها.
لقد
أدى ذلك إلى إهمال واضح ومتعمد أحياناً لدراسة ما هو سابق عن هذين العصرين وخاصة تلك
الفترات والشواهد والمعالم الأثرية التي لم يشتم فيها الدارسين الأجانب على وجه التحديد
عطر الخلود للحضارات التي وصفت بأنها كلاسيكية (يونانية ، رومانية ، بيزنطية) ، تلك
الشواهد والآثار التي تتعلق بهوية حضارية ليبية لهذه الأرض وأهلها.
لقد
تجاوزها الكثيرون وعزلت عن دائرة الاهتمام، وفي أفضل الأحوال نجد أن من تعرض لها قد
حاول طمسها بإضفاء مسحة كلاسيكية عليها أو بأضعاف مدلولاتها وتفسريها على نحو خاط لتدعيم
ما يرونه في غيرها لإثبات فرضياتهم. أننا نفاجأ حين يعرض أحد العلماء الأجلاء لأثر
أو شاهد يحمل دلالات ومعلومات ليبية صرفة بمحاولة تحجيم وتبهيت إن لم نقل تسفيه لتراث
ليبي خالص مما يحمل القارئ الباحث على الشك والحيرة
فيما يطالع بين يديه من دراسات ومعلومات. كما أن هذا التراجع القيمي لتناول التاريخ
كمتحف تحترمه كل الشعوب يكتنز ملامح ومعالم ذاتها المبدعة ومآثرها المجيدة عبر الزمن
يلخص جهود وإسهامات أبنائها وملاحمهم يكشف عن خلل خطير في الذهنية البحثية الليبية
ويطرح التساؤل تلو الاستغراب بغائية دراسة التاريخ وتعليمه عبر مناهج التربية الوطنية
التي تلاشت من مفردات ووحدات التعليم الأساسي بقدرة قادر أو بفعل جاهل لا منتمي.
إن هذا
لا يعد تجاهلاً أو تشكيكاً في كتابات ومؤلفات سابقة بأسرها، ولكن البعض منها لا يحتمل
إلا ذلك، ولا يحفل بالتصفيق والتهليل إلا من محدودي الرؤيا وعديمي الاستقراء , كما
أن قدرا لا بأس به من هذه الدراسات يجوز الطعن فيه وحذف ما فيه من تزييف وتزوير من
قراءات ومدونات العقل الجمعي لمؤرخي البلاد ومن مناهج التعليم ، والأمثلة على ذلك جد
كثيرة، ومرجع ذلك أن هذا لا يقبل المهادنة ولا المسايرة لأنه يمس بالدرجة الأولى الكيان
الحضاري والهوية الوطنية من زاوية التأطير والتنظير للتاريخ الوطني العام وتمحيص وتفحص
مصادره وأدواته ونزعات كتابه، وبالتالي التراث الإنساني ، كما أنه يسفه المنهجية العلمية
ويجردها من أي نزاهة أو موضوعية ، ولعمري أن ذلك يحتاج إلى جهود مخلصة ومؤمنة بقيم
وتراث وآثار أهل هذه الأرض عبر عصور متعددة حري بالباحثين الليبيين قبل غيرهم إثباتها
والكشف عنها ودراستها وصولاً إلى نتائج مهمة تتعلق بتصحيح ما هو خاطئ منها وإعادة كتابة
وتاريخ آثارنا الليبية، وهذا لا يعني أننا لا نؤمن بكلية التراث الإنساني وترابط الثقافات
وتلاقي حضارات وتأثر بعضها البعض.
* المدرسة
الليبية التاريخية أين هي ؟ انعدام العقيدة البحثية أس مفقود ؟!
نظرة
فاحصة ناحية الشرق والغرب على ضفاف الثقافة الليبية الموغلة في الاستقبال والتعاطي
مع أحمال المعارف والعلوم الوافدة من مصر وتونس تكشف للباحث المنصف القادر على القبول
بحقيقة الفشل التي ستصدمه, والتي ستقول له ما هو الشاغل والهم البحثي المحرك وما هي
المسائل التاريخية التي انصبت عليها عيون المحققين والباحثين واستنزفت أقلام دارسي
التاريخ ومعاول باحثي الأثار في ليبيا والى أي مصير وهدف تتطلع ……. النتيجة ستكون كالتالي:
مجمل
الدراسات البحثية المؤسسة لدراسة التاريخ الليبي والأثار قام بها أجانب منذ القرن التاسع
عشر ,كما إن صياغات الحقائق وتكريسها تم بفعل وصدى وتكرارنا الببغائي لتلك الحقائق
التي طالها التزييف والتضخيم وصارت الآن تتكسر صنميتها أمام ضربات الدراسات الرصينة
على قلتها بفضل نسق جديد لم يتحول بعد إلى تيار بحثي ينشد عقد مراجعات فكرية وحلقات
بحثية لجمع وغربلة ولملمة وصياغة مفهوم موحد وشامل تجاه كل القضايا والمسائل العالقة
والمستعصية على التناول والقبول . مفردة العقيدة تقترب من القول بفلسفة أو غائية أو
أساسيات وجذور النظرة الذاتية للتاريخ وتعريفنا الخاص لقيمة التاريخ مع إدراك مسبق
لجدوى مفاعيله القديمة على الحاضر المتصل بالزمن فعلا واستشرافا.
على
سبيل المثال هناك المدرسة الشمسية في الدراسات التاريخية والتي كان من رواده عالم المصريات
اليوت سميث وفلاندرز بتري والتي تسربت رؤاها حتى إلى مجال الثقافة المصرية وأقطابها
التي استساغت طوباوية فكرة الفرعونية كمكون أساس للذات المصرية ومنهل لا ينضب لعكس
التاريخ في مرآة الحاضر النهوضي للمجتمع المصري المعاصر. هنا تحول الحالة التاريخية
في عقول مريديها إلى اشتغال بتعريف الذات ورسم لملامح الهوية وكأنها رافد معنوي ثقافي
يتصل بإيمانية واعتقاد راسخ بجدوى ولوج الزمن وتفحص أقداس الذات فيه. وهذا أيضا ما
نراه في اهتمامات وشواغل المدرسة الرافدية ( ميزوبوتاميا) بزعامة العالم بريد وود التي
خلصت إلى القول بأهمية وأثر المنطقة في التاريخ الإقليمي والكوني وهي الأخرى تلقى قبول
واسع من علماء ومؤرخين انشغلوا بموروثها الحضاري. يمكن القول بان نظرية البعث والتفسير
الحضاري التي طرحها منذ القرن الماضي ارنولد توينبي تحمل قدرا كبيرا من المعقولية في
صياغة مشروع حياة حضارية متى تحول التاريخ أو بالأصح صناعته إلى تحدي طبيعي بيئي تعقبه
استجابة بشرية خلاقة. عند تصغير دائرة المقارنة والعودة إلى المدرسة التاريخية المصرية
الحديثة والتي انطلقت من قاعدة ثابتة ورؤيا عميقة للإقليم المصري والإنسان المصري والإبداع
الحضاري المصري ,نجدها قد نجحت في رسم معالم الهوية الحضارية المصرية بتركيزها القصدي
واهتمامها العمدي بكل ما هو متصل بمصر كمركز حضارة كونية عريقة وبالمصري كانسان أنتج
حضارة لها شواهد ومعالم لا زالت قائمة تحكي تاريخه وتستحثه على النهوض من جديد. في
تونس هناك توسع وتعمق بحثي عبر عديد المعاهد والبحاث ناحية الفترة الفينيقية والفترات
العربية الإسلامية , حيث نجحت هذه الدراسات في التعريف والتوصيف للحالة الحضارية وفي
سرد تعاقب زمني وطني مكتنز بالحقائق والشخوص والإبداعات الذاتية. بمعنى مختصر تونسة
التاريخ وتقريبه من عقل المعاصر وتحويله إلى مركب مقروء وملهم عريق للأحياء والحياة
المعاصرة يجتذب المطلع ويحتفي بالوطن .
تلييب
التاريخ واستخلاصه من فكاك الضياع والتشتت والتداخل مع مناطق وأقاليم حضارية أخرى يبدو
عملا ملحا وعملية عصرية نحتاج أن نخوضها . نحن في ليبيا لم ننجح في بعث قيمة الحياة
والاحتفاء بالتاريخ الوطني إلا عبر توظيفات انتقائية مبتذلة ومارسنا الكثير من الاجتزاء
للفترات والأشخاص والرموز والمعالم , وأتخمنا فكرتنا عن التاريخ بالمناطقية والجهوية
الهدامة وفي أحيان كثيرة مزجنا بصلف وتعسف مخرجات التعاطي السياسي اللاثابتة بحقائق
مصطنعة وقراءات مزيفة للعديد من الأحداث والفترات, وأيضا انشغلت المؤسسة الفكرية المسيسة
بلفلفة العديد من الصفحات وخبأتها في دهاليز بعيدة , مرسلة فكرة التخوف والرهاب من
إخراج هذه المواد التاريخية وإعمال البحث فيها ونشرها في مكتبات النور, وهي ودون أن
تدري كانت تمارس تجهيلا فوقيا وتحتضن في أعماق الباطن الجمعي المغيب أطنانا من المواد
المتفجرة والتي وان غيبت مؤقتا , فأنها قد تحدث المفاجأة المربكة لو انفجرت في غير
وقتها. كان ينبغي أن تتم المصالحات التوافقية التاريخية مع التاريخ والمواطنة منذ زمن
لنعبر إلى آفاق أرحب ونستشرف مستقبلنا الواعد برؤية ورؤى موحدة نحو كل ماضينا وحاضرنا
دون غبن أو إقصاء أو تسفيه واجتزاء. ناهيك عن متاريس التحريم والطمس التي نصبت أمام
الكثير من الصفحات فظلت ترزح في خزانة النسيان فخافها كثر ودس رأيه فيها في رفوف العتمة.
إن قبولنا بالكثير من الآراء المسبقة المقدسة رسميا والمرفوضة ثقافيا والمخالفة لفقه
البحث وأدبيات الموضوعية قد أضاف إلى أوزرانا المنهجية الكثير ,كما أن تأخرنا عن صياغة
وبناء المدرسة التاريخية البحثية أسهم في تغليفنا بالأساطير والأباطيل مما غيب العقل
الجمعي الثقافي عن النهوض بدوره في تعريف الهوية على أساس من الحقائق والدروس وحتى
الشخوص والرموز الوطنية التي كان ينبغي لها أن تبني هيكلية المواطنة في وطن يعيش فيه
أبنائه حياة معنوية موازية قائمة على طهارة الانتماء وشفافية في الولاء.
سبق النشر بموقع جيل الليبى عام 2008

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق