‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فى ماقبل التاريخ فى ليبيا وشمال افريقيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فى ماقبل التاريخ فى ليبيا وشمال افريقيا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 13 مايو 2015

نقد لكتاب حضارات ما قبل التاريخ بقلم محمد المختار العرباوي ..

التوجّه المشبوه والتهويش في التاريخ

ألّف الأستاذان عبد الرزاق قراقب وعلي مطيمط كتاباً صغيراً في حضارات ما قبل التاريخ(1) في المنطقة, وبدل أن يتمحّضا فيه للمعرفة العلمية الخالصة من الشوائب, فإنّهما سلكا في تأليفه مسلكاً كشف عن تأثّرهما بذلك التوجّه الذي روّجت لـه المدرسة التاريخية الاستعمارية في عهد الاحتلال, عن طريق أطروحاتها المختلفة بشأن أصل السكان, وما يتّصل بتاريخهم وثقافتهم ومعتقداتهم. ولم يكن هذا التوجّه صريحاً في معظم ما جاء في الكتاب, إلاّ في الفقرة الخامسة. أمّا في ما عداها, فقد كان متخفيّاً يمكن رصده في مواطن عديدة. والهدف الأساس لهذا التوجّه بأشكاله القديمة والجديدة, هو فصل البربر عن العرب, لغرس التفتيت والانقسام داخل السكان. والأستاذان, من خلال عملهما الثقافي لم يخرجا على هذا المسار. فقد أعلنا في نظريتهما "الإنثروبولوجية" أنّ البربر منحدرون من سلالات ما قبل التاريخ في المنطقة, أي أنهم من تربة غير التربة التي نبت فيها العرب. وهذا ما يريده الفرنكوفونيون وأصحاب النزعات البربرية في توجّهاتهم الطائفية الجديدة, وهو أمر سيقع الإلمام به والتوسّع في جوانبه في الفصل المتعلق بأصل البربر.‏ 

أمّا الآن فإنّ الاهتمام سينصبّ على جوانب معيّنة سواء أكانت لها صلة مباشرة بذلك التوجّه أم لا. وقبل هذا, أسوق الملاحظات التالية لأهمّيتها:‏ 

الأولى: تتعلّق بمنهجية الكتاب وأسلوب تأليفه. فقد تحدّث الأستاذان عمّا قبل التاريخ" في البلدان المغاربية ص 31" وعمّا!! قبل التاريخ "بالبلاد التونسية ص 45" وانجرّ عن هذه الطريقة تكرار الحديث عن الموضوع الواحد والاختصار فيه من ناحية والتطويل فيه من ناحية أخرى, وغير ذلك من النقائص والسلبيات. فالحضارة الوهرانية مثلاً لم تعطّ عنها الصورة الكافية في الجزائر والمغرب الأقصى, مع أن, المعلومات فيهما عنها أوفر وأهمّ, سواء من حيث عدد المواقع المكتشفة, أم من حيث المقابر أو من حيث النماذج البشرية, في حين أن تونس الأقلّ شأناً في هذا, حظيت فيها هذه الحضارة بعناية واضحةهذا الخلل كان في الإمكان تفاديه لو وقع التخلّي عن فكرة تجزئة الموضوع الواحد. وإذا كان من الممكن الحديث عن موقع أو عدة مواقع لدور من الأدوار الحضارية في ما قبل التاريخ بشكل منفرد, فإنّه بالنسبة للدور كلّه يتعيّن أن يكون الحديث عنه لا من خلال التقسيمات القطرية الحالية, وإنّما حسب امتداده في المكان وعلى مستوى المنطقة بكاملها. 

فالإبراهيمي الذي تأثّر به الأستاذان تناول الأدوار الحضارية في إطار موحّد من دون تجزئة, بالرغم من عنوان كتابه:‏  
 
تمهيد حول ما قبل التاريخ في الجزائر.‏ 

وعيبه أنّه أقصى ليبيا من دون مسوغ علميّ, أو سبب معقول.‏ 

الثانية: تتعلّق بما يمكن تسميته "بالنزعة الإثباتية" لدى المؤلّفين فقد أكثرا بصورة تسترعي النظر, من استعمال هذه الصيغ: وقد أثبتت, وأثبتت, وقد ثبت, وثبت, وتثبت…‏
وممّا يدلّ على هذا الإفراط, أنّ تكرار هذه الصيغ وقع في الفقرتين 4, 5 من الكتاب 21 مرة وإذا كان بعضها مقبولاً في مواطن معينة, فإنّ بعضها الآخر لا يمكن أن يكون مقبولاً, لكون ما عبّر عنه من الموضوعات التي لا يقين فيها, فالقول بأنّ "إنسان مشتى العربي" من عرق مغاربي أو أنّ العنصر البربري يحمل "بعض علامات مستمدّة" منه ليس ثابتاً ولا من الأمور اليقينية أبداً.‏ 

هذه الإثباتية, في كثير من مظاهرها ما هي إلاّ نزعة ذاتية في العمق غريبة عن العلم ومعادية له.‏ 

الثالثة: استعمال الأستاذان تسمية "الحضارة القبصية"(2) بدل "الحضارة القفصية" معلَّليْن ذلك بكونها مشتقّة من اسم مدينة قفصة القديم "قبصة" وهو تعليل غير مقنع, لأننا في هذه الحالة نكون مطالبين بتبديل اسم أيّ كان بالاسم الذي كان لـه في القديم كلّما كشفت الحفريات فيه أو حوله عن شيء من مخلفات الماضي السحيق وتياراته الثقافية. ثمّ ما الداعي إلى تفضيل الاسم القديم والحال أنّه سقط من ذاكرة التاريخ ولا تعرفه إلاّ القلّة من المتعلّمين؟ فضلاً على أن اسم قفصة" هو أيضاً اسم قديم وأهم من السابق بما لا يقاس, لـه شأنه في مدونتنا التاريخية والثقافية, وهو أمر لا يمكن شطبه إرضاء لهذه الميولات الغربية, ونزعات الرّومنة المشبوهة. وممّا يؤكّد وقوع الأستاذان تحت تأثيرها, هو أنّ الأستاذ "قراقب" في المطبوعات التي أعدّها لشعبة التاريخ والجغرافيا (مرحلة ثانية) في السداسي: أكتوبر 87 فيفري 1988 لم يستعمل هذه التسمية, وسار على سجيته في استعمال كلمة "قفصة" في مختلف السياقات. يضاف إلى هذه كلمة "قبصي" أو قبصة (Capsa, Capsien) أدّت إلى محظور آخر, فكثيراً ما جاءت الترجمة هكذا: قابسي, قابس. وهذا تحريف لـه محاذيره الخطيرة قد يجعل ذهن الكثير من القراء ينصرف إلى اسم مدينة "قابس".‏ 

وهذا أيضاً شكل آخر من أشكال النزعة الذاتية وتدخلّها في المسائل الموضوعية والعلمية.‏
الرابعة: تتمثّل في تخلّي الأستاذين عن توثيق المعلومات الواردة في الكتاب وعدم ذكر أيّ مرجع لها. وكان عليهما ألاّ يتخلّيا عن ذلك بالكامل, على الأقلّ, في تلك الحالات التي يتوخيّان فيها أسلوب القطع, ويستعملان في شأنها مثل تلك الصيغ السابقة: أثبتت الحفريات, أثبتت الدراسات, حتّى تكون للكلام مصداقيته وهيبته, ويكون في وسع الراغب في الإطلاع عليها التأكّد من ذلك.‏ 

ومن الواضح أن تحرّر الأستاذين من هذا الالتزام هو الذي ضخّم عندهما "النزعة الإثباتية" وجعلهما يفرطان في ذلك, ويحوّلان الفرضيات إلى قناعات ويقين.‏
ما يتعلَّق بحضارات ما قبل التاريخ بصفة عامّة‏ 

كانت الفقرة 1 و2 من الكتاب مدخلاً مناسباً يزود القارئ بفكرة عامّة بشأن علم ما قبل التاريخ, وبشأن أبرز الحضارات الحجرية التي خلّفها الكائن البشري منذ أن ثبت على الأرض. ولكن هذا المدخل تنقصه معلومات أخرى ذات أهمية في إعطاء تلك الفكرة العامة عن تحوّلات عصور ما قبل التاريخ وأبرز مناطقها.‏ 

هذا النقص يتمثّل في النقاط التالية:‏ 

أ ـ إهمال ما لإفريقيا الشرقية من أهمية خاصة, متميّزة بها في ما قبل التاريخ عن جميع بقاع الدنيا, حيث أصبحت تعدّ منذ بضعة عقود مهد الإنسانية, إذ هي الوحيدة التي كشفت فيها الحفريات حتّى الآن عن الكائن البشري الأوّل, والذي صار عبر مراحل تاريخيّة معينة يمشي منتصباً (ذا استقامة عمودية), قلنا إنّ هذه المنطقة تمتاز عن غيرها بما وفّرته أحفوراتها من تسلسل لأنموذج الكائن البشري عبر مراحل تطورّه البيولوجي: البشريات, قرد الجنوب, الإنسان القرد, الإنسان العاقل.‏ 

فهذه الأهمية لأفريقيا الشرقية, لم يحرص الأستاذان على إبرازها, ولذا جاء عملهما منقوصاً في هذه الناحية.‏ 

ب ـ الفكرة المعطاة عن السلالات البشرية لم تكن كافية. إذ وقع الاقتصار على سلالات العصور الحجرية: قرد الجنوب (البشر القردة), الإنسان القرد (الإنسان المنتصب) إنسان نياندرتال, الإنسان العاقل, من دون توسّع في المعلومات المتوفرة بشأنها. أمّا ما قبل هذه السلالات فلم يرد لـه ذكر, مع أن الحفريات والأبحاث المسترسلة وفّرتا عنه معلومات متنوعة ومهمّة, استطاع العلماء من خلالها إعطاء فكرة عن بدايات نشأة النوع الإنساني التي أطلقوا عليها اسم: "المقدمات البشرية" وتحدّثوا عن المراحل البيولوجية التي مهّدت لها والتي تلتها, وما أدّت إليه من ظهور أجناس بشرية مختلفة وصولاً إلى أرقاها: الإنسان العاقل وهو النوع الذي ننتمي إليه.‏ 

موضوع السلالات البشرية ما يزال بعيداً عن الاهتمام, فلم يحظ بعد بالعناية المطلوبة في برامج التعليم وغيرها, نظراً لأهميته الكبيرة في مجال تثقيف الناس وتطوير وعيهم. ولا يوجد سبب وجيه في إهمال الأستاذين له. وبما أنه موضوع متعب وطويل فإنه يتعذر الخوض فيه لضيق المجال.‏ 

ت ـ عند الحديث عن حضارات ما قبل التاريخ في الفقرة 2 لتحديد أدوارها وتزويد القارئ بفكرة إجمالية عنها. اكتفى الأستاذان في ما يخص العصر الحجري الحديث بإبراز أهميته, إذ هو "يمثّل ثورة في حياة الإنسان(3), ويتميّز باعتماد الإنسان فيه "على إنتاج القوت (Production): الفلاحة وتدجين الحيوانات"(4) وأن هذه الثورة نجم عنها ظهور أنماط جديدة من الأدوات, كالحجارة المصقولةوالأواني الفخارية"(5) كما نجم عنها أيضاً "ظهور نوع جديد من العلاقات الاجتماعية, يعتمد على الاستقرار في قرى فلاحية شكّلت أولى المظاهر العمرانية في تاريخ المجتمعات البشرية(6).‏ 

هذه التحوّلات النوعية الشاملة التي نبعت من ثورة العصر الحجري الحديث. في أيّ منطقة ظهرت؟ وأين حدثت للمرة الأولى؟ هذا ما صمت عنه الأستاذان على خلاف عادتهما, في مواطن أخرى. نجدهما مثلاً عند الحديث على سلالة "إنسان نياندرتال", يذكر أنّ أوّل نمط لـه عثر عليه في ألمانيا, وحمل اسم المنطقة التي وجد بها: 

"نياندرتال", وكذلك عند الحديث عن سلالة "الإنسان العاقل" يذكران أنّه اكتشف في فرنسا في منطقة "كرومانيون Cro-Magnon, فحمل هو الآخر اسم هذه المنطقة وصار يعرف به: جنس الكرومانيين.‏ 

هذا الحرص على ذكر المناطق ذات القيمة التاريخية, لا نجده لدى الأستاذين عند الحديث عن العصر الحجري الحديث, ولذا عزفا تماماً عن ذكر المنطقة التي حدثت بها ثورته, ولم يشيرا إليها لا من قريب ولا من بعيد. وليس هذا بسبب الغفلة كما قد يتصوّر بعضهم, وإنّما هو نتيجة لذلك الموقف الذي يرفض التنويه بشيء فيه فضل للمنطقة العربية والذي نجده في أحيان كثيرة يعمل متعمداً بأساليب مختلفة على تغييب كلمة "عرب" أو "عربية" من المدونّات, حتّى لا يكون لها شأن في الوعي الثقافي العامّ. هذا المسلك هو الذي سلكه الأستاذان, لأنّ الأمر في هذا الموضوع يتعلق فعلاً بالمنطقة العربية.‏ 

فأقدم عصر حجري حديث وأكمله, عرف في منطقة الشرق الأدنى عموماً. وإنّ أوسع منطقة حدثت فيها ثورته هي المنطقة العربية. ففي شمال العراق حدثت في الألف الثامن قبل الميلاد. وتحدثت وسائل الإعلام منذ سنوات على أنّ التقنيات في "ملفعات" (شمال العراق) كشف عن قرية زراعية أثرية تعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد. وفي أريحا في فلسطين حدثت في الألف السابع قبل الميلاد. أمّا في سورية فقد اكتشفت في "تل مريبط" أقدم مستوطنة سكنية يعود تاريخها إلى الألف التاسع قبل الميلاد. كما أنّ مظاهر الاستيطان في شمال الجزيرة العربية في "كلوه" في جبل الطبيق تعود إلى الألف الثامن قبل الميلاد.‏ 

بهذا كانت المنطقة العربية أوسع مسرح معروف حتّى الآن لثورة العصر الحجري الحديث وتحوّلاته الواسعة. وإذا كانت إفريقيا الشرقية تنبع أهميتها على صعيد المعمورة قاطبة من أنها ـ بحكم المعلومات المتوافرة ـ مهد الإنسان الأوّل, فإن المنطقة العربية الشرقية على الصعيد نفسه تنبع أهميتها من حدوث ثورة العصر الحجري الحديث بربوعها, والتي يعود إليها الفضل في إخراج الإنسان من بدائيته القديمة, وبوضعه للمرة الأولى في بداية سلّم التحضّر والمدنية, فالتحوّلات الاقتصادية الخطيرة أفضت إلى تحوّلات اجتماعية وثقافية, وأدّت في تفاعلاتها إلى فتح باب الإبداع والترقّي. فكان التعدين وأولى الحضارات الزراعية, وكانت الكتابة ونشوء الدول والإمبراطوريات (أنشأ سرجون الأكّدي أوّل إمبراطورية في التاريخ 2334, 254 ق.م أو 2371, 230 ق.م) وظهور التشريعات والملاحم الثقافية, وغير ذلك من الإنجازات التي شعّت على مناطق واسعة من العالم, منها أوروبا بالذات. فليس من العلم ولا من الموضوعية في شيء أن يتحاشى الأستاذان ذكر منطقة بهذه الأهمية, تحت تأثير الدوافع الذاتية والتوجّهات اللاّعلمية.‏ 

البلدان المغربية‏ 

I ـ إقصاء ليبيا:‏ 

تناول الأستاذان في الفقرة 3 من كتابهما "حضارات ما قبل التاريخ في البلدان المغاربية", إلاّ أنهما ركّزا على تونس والجزائر والمغرب, أمّا ليبيا فإن ما ذكر من مواقعها كان عرضاً ومجرد إشارة عابرة لا غير, مع أنّها ذات أهميّة كبيرة في ما قبل التاريخ, بقطع النظر عن كونها قطراً مغربياً. فلها من المعلومات والمواقع الأثرية ما يجعلها متميّزة عن سائر البلدان المغربية الأخرى, نذكرها في ما يلي:‏ 

1 ـ إنّ ليبيا تملك أهمّ موقع أثري في ما قبل التاريخ, وهو كهف "هوا فطيح" الكائن غرب "درنة" على مقربة من الشاطئ والذي يعدّ اكبر كهف لا في البلدان المغربية وحدها بل حول البحر المتوسط بكامله, يشكّل نصف دائرة, قطرها 80 متراً, بلغ الحفر فيه 14 متراً من دون الوصول بعد إلى قعره ونهاية ترسباته.‏ 

تظهر أهمية هذا الكهف في أنّ ترسّباته تضمّ سلسلة متكاملة من وثائق ما قبل التاريخ, من العصر الحجري القديم الأسفل إلى العصر الحجري الحديث الذي تضم ترسباته آثار الحيوانات المدجّنة.‏ 

هذا الكهف لا يناظره في الأهمية على مستوى المنطقة العربية كلها إلا كهف "شانيدر" في شمال العراق. فكهف "هوافطيح" من كهوف ما قبل التاريخ المعتبرة على صعيد إفريقيا والقارات الأخرى.‏ 

2 ـ فبحكم ما وفّره كهف "هوافطيح" وكهف "حكفت الطيرة" (جنوب مدينة بنغازي) من الوثائق والشواهد الأثرية, تميّزت ليبيا في منطقتها الشرقية بتكامل صناعتها الحجرية. فقد أعطت الترسبات المنتظمة معلومات قيمة عمّا جدّ من تحوّلات في الصناعات والحياة الحيوانية (خصوصاً في كهف هوافطيح).‏ 

3 ـ وجود صناعة حجرة "نموذجية" كما سمّاها بعضهم, تنتمي إلى العصر الحجري القديم الأعلى, أطلق عليها مكتشفها "ماكبريني" الحضارة الضبعانية(7) . انتشرت في برقة واتجهت غرباً إلى الجنوب الشرقي من الجزائر وتونس, في منطقة سادت فيها من قبل الحضارة الوهرانية(8).‏ 

4 ـ لليبيا أهمّية خاصة, في فترة العصر الحجري الحديث بالنسبة للبلدان المغربية, إذ هي وحدها التي توفر لنا حتّى الآن الوثائق الدالة على بداية دخول الحضارة الرّعوية إلى المنطقة المتمثلة في:‏ 

أ. عظام الحيوانات المدجّنة التي عثر عليها في الحفريات.‏ 

ب. الرسوم والنقوش التي خلفها الفنانون في الكهوف وفوق الصخور.‏ 

فقد عثر "ماكبريني C.B.M MC Burny" أثناء تنقيباته في كهف "هوافطيح" على عظام الحيوانات المدجّنة في ركام الطبقات الفوقية التابعة للعصر الحجري الحديث. كما أنّ دراسة "فابرتيشيو موري" للرسوم والنقوش في هضبة "أكاكوس" في إقليم "فزّان" قدّمت معلومات واضحة عن ظهور الرعي في ليبيا الذي حدده "موري" بالدور الثالث من الأدوار التاريخية الخمسة التي تمثلها تلك الرسوم والنقوش في نظره. وحسب التحليلات المعملية لأعمال الباحثين, فإنّ ظهور الرعي في ليبيا كان بداية الألف الخامس قبل الميلاد. كما سنرى ذلك بالتفصيل في الفقرة المتعلقة بالرعي.‏ 

5 ـ للمكتشفات الأثريّة في ما قبل التاريخ في ليبيا أهمية كبيرة, في معرفة أوجه التشابه في بعض الأدوار الحضارية والصناعات الحجرية بين ليبيا ومنطقة غربي آسيا (منطقة الشرق العربي) نذكر بعضها في ما يلي:‏ 

ـ الصناعات الحجرية الصوانية التابعة للعصر الحجري الأوسط التي عثر عليها في كهف "هوافطيح" مطابقة ـ كما يقول "ماكبرني" لآثار "في السودان ومصر وآسيا الغربية"(9).‏ 

ويذكر رشيد الناضوري في هذا السياق, أنّ الصناعة الحجرية الصوانية في موقع وادي "درنة" تتشابه "مع صناعة الحضارة اللفلوازية ـ الموستيرية الفلسطينية"(10).‏ 

ـ الحضارة الضبعانية المكتشفة في "كهف الضبعة" في الجبل الأخضر. يقول "ماكبري" في صناعتها الحجرية, إنّها مشابهة جدّاً للصناعة الحجرية, في كلّ من لبنان والأردن وفلسطين المسماة بالعمرونية أو إميرية Emiron. وأصحاب هذه الحضارة في نظره "قد يكون أصلهم أساساً في الجزيرة العربية والأردن أو العراق"(11).‏ 

ويقول في موطن آخر إن أصل هذه الحضارة "في جنوب غربي آسيا"(12) (المنافسة), وليس بين النصّين أيّ اختلاف, فغربي آسيا هو المنطقة العربية بعينها.‏ 

وكل هذا يؤكّد قدم الأصول الحضارية المشتركة بين المشرق والمغرب العربيين التي تعمّقت أكثر خلال تحولات العصر الحجري الحديث بوصول الجماعات الرعوية الأولى (البربر) التي أدخلت شمال إفريقيا في بوتقة جديدة هي بوتقة الحضارة الشرقية.‏ 

ومن هنا نفهم لماذا أقصى الأستاذان "ليبيا", وصمتا تماماً عن نتائج أبحاث ما قبل التاريخ فيها. فليس من المعقول أن يتفوّها بكلمة واحدة تشير إلى ذلك التشابه بين الصناعات الحجرية في كل من ليبيا والمشرق العربي, وليس من المعقول أيضاً أن يتحدثا عن ظهور الرعي في ليبيا, وما يؤدّي إليه من تحويل للأنظار نحو الشرق, لكونه موطن الرعي الأساس, وهو ما يجعل الأذهان تخامرها فكرة أن الرعي في ليبيا وفي شمال الصحراء في ما بعد ما هو إلاّ موجة أو موجات قدمت من ذلك الموطن. وهذا ما لا يريد الأستاذان المساعدة حتّى على الاقتراب منه, أو إيصال بعضه إلى القراء. فالحديث عن الصلات مع أوروبا أو مع الصحراء أمر ممكن, ولا مانع منه, وقد وقع بالفعل, أمّا في المشرق فهو مرفوض مسبقاً, والأبواب موصدة دونه. وهذا هو موقف المدرسة التاريخية الاستعمارية, خصوصاً الفرنسية. "فبالو" في دراسته: "إفريقيا الشمالية في ما قبل التاريخ" الواردة في الجزء الأول من "تاريخ إفريقيا العام" لم يتعرض لليبيا, وكذلك "ك. إبراهيمي في كتابه: تمهيد حول ما قبل التاريخ في الجزائر". فالموقف من ليبيا وأثريتها محكوم إذن بذلك التوجّه ونواه المغرضة.‏ 

II ـ حضارات ما قبل التاريخ في البلدان المغربية:‏ 

تناول الأستاذان هذه الحضارات بطريقتهما المعتادة, من حيث توجّههما, ونزعتهما الذاتية في التعامل مع المعلومات, وهو ما سنراه جلياً في الفقرات التالية:‏ 

الحضارة الموستيرية(1):‏ 

تنتمي هذه الحضارة إلى العصر الحجري القديم الأوسط, عرفت صناعتها في كامل البلدان المغربية, وتحدث عنها الباحثون ما عدا الأستاذين, فقد أسقطاها من حسابهما, وصمتا عن ذكرها, ولم يشيرا إليها إلا أثناء الحديث عن حضارات ما قبل التاريخ في البلاد التونسية, حيث جاء ما يلي: "توجد في البلاد التونسية عدة مواقع تنتمي إلى حضارة العصر الحجري القديم الأوسط, أو ما سمّي بالحضارة الموستيرية"(13). من دون إضافة أيّ شيء آخر لـه علاقة بصناعتها وحقيقة وضعها من خلال المعلومات الأثرية المتوفّرة عنها. ولسائل أن يسأل لماذا هذا الموقف من الأستاذين؟ ولماذا تعمّدا طمس هذا التيار الحضاري؟ الإجابة عن ذلك تكمن في التعرّف على هذا التيار نفسه.‏
وبإيجاز, فالحضارة الموستيرية, بحكم ظروفها وملابساتها أثارت نقاشاً بين الباحثين, ومن هؤلاء "بالو" الذي قال في شأنها: "فمن المؤكّد أنّه كانت توجد في بلدان المغرب مناجم موستيرية, ولكنها كانت واقعة في ظروف جغرافية لا تصدق, ومخالفة لكلّ المفاهيم المتعلقة بعرقية ما قبل التاريخ"(14) وممّا يعنيه هذا أنّ هناك اتّجاهات فنية في الصناعة الموستيرية المغربية, تجعلها متميّزة في نمطها العام عن نظيرتها في الموستيرية الأوروبية. ولعل هذا هو الذي حدا "ببالو" أن يعلن بحزم وبشكل غير متوقع "أن الموستيري المغربي لم يأت إلاّ من الشرق"(15). هذا رأي غاية في الأهمية وقع تغييبه من المختصّين من أبناء المنطقة, لـه ما يؤيده في أكثر من ناحية. فالتواريخ المسندة للفترة الموستيرية في ليبيا مثلاً (60.000 ـ 40.000 سنة). أقدم من تواريخ المرحلة الموستيرية في تونس والجزائر والمغرب (40.000 ـ 25.000 سنة). وهي تواريخ غير مؤكّدة ومن قبيل الافتراض ثمّ إن "بالوا" يلتقي في رأيه هذا مع رأي "ماكبرني" السابق الذكر والذي تحدث فيه عن تشابه الصناعة الحجرية اللفلوازية الموستيرية في ليبيا بنظيرتها في السودان ومصر وغربي آسيا بما فيها فلسطين. ونجد هذا الرأي أيضاً عند رشيد الناضوري عند تناوله الموضع نفسه في ليبيا فقال: "ونلاحظ تشابه هذه الصناعة مع صناعة الحضارة اللفلوازية ـ الموستيرية الفلسطينية, ولا يقتصر وجه الشبه على الإنتاج الصناعي بل أيضاً انتماء كلتا الحضارتين لفترة زمنية واحدة(16).‏ 

وما نستخلصه من كل ما تقدم, هو أن انتشار الحضارة الموستيرية الجغرافي كان من الشرق إلى الغرب. هذه الحقيقة يكرهها أصحاب التوجّهات الفرنكوفونية في المجال العلمي والثقافي. وهي التي تجعلنا نفهم أيضاً السبب الحقيقي في موقف الأستاذين من الحضارة الموستيرية ومن تجاهلهما لها.‏ 

الحضارة العاترية(2):‏ 

وهي صناعة حجرية تنفرد بها البلاد المغربية على ما يبدو, وتمتاز عن الصناعات الأخرى بالمستوى التقني الرفيع في صناعة التشظية. وبالرغم من هذه الأهمية, فإن الأستاذين تطرقا إليها في فقرتين قصيرتين أثناء الحديث عن العصر الحجري الأوسط في البلدان المغربية وتونس. وصمتا عن علاقتهما بالحضارة الموستيرية التي عاصرتها في الحجري القديم الأوسط, وإنْ امتدت العاترية إلى بداية العصر الحجري القديم الأعلى. ونظراً لهذا الإطار الزمني ووجود الحضارتين في مواقع عديدة مشتركة, فقد وقع التساؤل عن علاقتهما ببعضهما, فهل العاترية حضارة مستقلة بذاتها؟ أم هي حضارة متطوّرة عن الموستيرية؟ وبعبارة أخرى, أن الموستيرية طرأ عليها تغيّر في صناعتها الحجرية فتحوّلت إلى ما سمّي بالعاترية, بحيث صارت هذه الأخيرة مظهراً من مظاهرها لا غير.هذه قضية أساسية طمسها الأستاذان.‏ 

لاحظ الباحثون ما بين صناعتي الحضارتين من ارتباط كبير, تحدث عنه إبراهيمي بقوله: ترتبط الأدوات العاترية والموستيرية بقربى كبيرة"(17). فقد استعملت التقنية اللفلوازية في الصناعتين, فكان التشابه في الشظايا وصناعة الشفرات والمكاشط والمخارز. وممّا يؤكد فكرة الارتباط والقربى هذه, العثور على الصناعتين في مواقع مشتركة عديدة. وهذا من شأنه أن يعزّز فكرة أن الحضارة العاترية ما هي إلاّ تطوّر مباشر للموستيري, الأمر الذي جعل "بالو" يقولولكن ما يثير الانتباه في شأن الموستيري هو أنه سريعاً ما طرأ عليه تطوّر فريد, فلقد تحوّل المكان عينه إلى عاتري"(18) ويضيف "أرى أن الموستيري المغربي قد طرأ عليه تحول مغاير لتطور كل أنواع الموستيري"‏ : "(19) وهو يقصد بالتحول الطارئ ما تفرّدت به الصناعة العاترية من إضافة مقابض (ذُنَيْبات) إلى أدواتها الحجرية. وهذا ما دعا بعضهم إلى أن يتحدث عن "موستيري فيه أدوات ذات ساق"(20). الأمر الذي يجعل من لفظة "العاتري" لا مدلول لها, وأنها كما قال أحدهم: "اسم من دون مسمّى"(21) ويبدو أن النتيجة النهائية التي انتهى إليها "بالو" هي أن العاتري "يعتبر تطوراً سابقاً لأوانه. قد طرأ على الموستيري ودام مدة طويلة جداً, وانتشر في المغرب والصحراء شمالاً وجنوباً"(22).‏ 

وبما أن وجود الحضارة الموستيرية في ليبيا أسبق تاريخاً من وجودها في بقية الأقطار المغربية الأخرى. الشيء الذي جعل الناضوري يقول: "هناك اتّجاه إلى الاعتقاد بأن الحضارة العاترية نتجت إثر اتّصال بين الحضارة الأشولية المتأخّرة وحضارة لفلوازية ـ ليبية"(23), وسبق لنا أن رأينا ما قاله "بالو" من أن المستيري المغربي لم يأت إلاّ من الشرق. والشيء المهمّ الآخر في هذا الموضع هو أن الحضارة العاترية, بالرغم من سعة انتشارها, وكثرة مواقعها, لم يعثر لها حتّى الآن على أيّ بقايا عظمية بشرية. وهذا أيضاً سكت عنه الأستاذان. ومن دواعي ذلك نظريتهما الأنثروبولوجية الواردة في آخر الكتاب كما سنرى.‏ 

الحضارة الوهرانية(3):‏ 

وهي من حضارات العصر الحجري القديم الأعلى ـ تناولها الأستاذان من عدة جوانب. ويهمنا من ذلك أمران:‏ 

الأول: يتعلق بانتشارها. وهي في نظرهما "تمتد من السواحل الشمالة للبلاد الليبية إلى السواحل الأطلسية في المغرب الأقصى, مع بعض التوغّلات القارية"(24). وهذا يعني أنها لا توجد خارج هذا الإطار الجغرافي المغربي, مع أن المعلومات المتوفّرة تشير إلى أن الحضارة الوهرانية توجد أيضاً في مصر. فالباحث فرنان دي بونو" المختص في ما قبل التاريخ في مصر, ذكر أثناء حديثه عن تيارات حجرية في جنوب مصر "أنّ القبور بيضوية الشكل الموجودة داخل المنازل وخارجها مغطاة بالبلاطات. وقد كشفت عن جنس بشري قريب جداً من جنس الكرومانيين في المغرب (في حدود ـ 12.000 إلى 5000)"(25). كما ذكر أيضاً عند تحليله الطبقات الثلاث في منطقة "سلسلة" قرب "كوم أمبو" بأنّ الطبقة الأولى: كانت توجد فيها صناعات وبقايا بشرية. وقال عن هذه الأخيرة ما يلي: "أمّا البقايا البشرية فهي تشير إلى جنس شبيه بالكرمانيين (في حدود ـ 13000)"(26) والمقصود بالكرومانيين في النصين الإنسان الذي يشبه إنسان مشتى العربي.‏ 

والربط بين الحضارة الوهرانية ومصر نجده أيضاً عند "ماكبرني" الذي اكتشف هذه الحضارة في ليبيا في كهف "هوافطيح", في الطبقة الرابعة من ترسباته المحددة في الفترة: (14.500 ـ 10.000), وكان يسميها "الوهرانية الشرقية". ويرى أن أصلها من الشرق, قد يكون نابعاً من فرع للضبعانيين في مصر(27).‏ 

والخلاصة أن هذه المعلومات تنفي الصفة المغربية لهذه الحضارة وتنفي أيضاً الإطار الجغرافي المزعوم الذي حدّده لها الأستاذان.‏ 

الثاني: وهو يتعلق بأصل صانع هذه الحضارة المعبر عنه "بإنسان مشتى العربي". والرأي السائد منذ مدة طويلة أنه هجرة قدمت من شرق البحر المتوسط, لكن الأستاذين يؤكدان خلاف ذلك, ويريان أنه من أصل محلي, فيقولان: "وأثبتت الدراسات أن إنسان "مشتى العربي" هو من أصل عرقي مغاربي"(28).‏ 

وبما أنني سأتعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في الفقرة المتعلقة بأصل البربر, أكتفي هنا بتقديم هذه الملاحظات:‏ 

1. الأستاذان لم يذكرا هذه الدراسات, ولم يشيرا ولو إلى واحدة منها, ولم يقدّما لا القليل ولا الكثير مما جاءت به, ووجهة نظر, هذا حالها, في موضوع لـه خطورته, لا يمكن أن تصدق أو يحفل بها.‏ 

2. وجود الحضارة الوهرانية في ليبيا وفي مصر, خارج الإطار الجغرافي المحدد لها, يشكّك على الفور في وجهة نظر الأستاذين.‏ 

3. الصناعة الحجرية الوهرانية, كما يقول "بالو" لا تعتمد على جذور محلية"(29), أي لا وجود لرابطة ولو لوجه شبه بينها وبين الصناعات الحجرية السابقة لها من العاترية والموستيرية. وهذا أيضاً يشكّك وينسف وجهة نظر الأستاذين من الأساس, على الأقل في هذه المرحلة التي لم تتوفّر فيها معلومات جديدة.‏ 

كل هذا وغيره ممّا سأذكره لاحقاً, يجعل من كلام الأستاذين عن أصل إنسان "مشتى العربي" من قبيل الادّعاء والمزاعم لا غير.‏ 

ثمّ إن عملية إخفاء المعلومات المتوفّرة عن الحضارة الوهرانية, والآراء المتعددة التي قيلت فيها وحصر الإطار الجغرافي لها في البلاد المغربية, وجعْل صانعها من أصل محلّي. يدل على أن الأستاذين قصدا من وراء هذا التضليل التمهيد لنظريتهما الأنثروبولوجية في أصل البربر وهو أسلوب مألوف في المدرسة التاريخية الاستعمارية, ولدى أصحاب التوجّهات الطائفية والانقسامية.‏ 

الحضارة القفصية(4):‏ 

هي أيضاً من حضارات العصر الحجري القديم الأعلى. تناولها الأستاذان في المناسبتين اللتين تناولا فيهما الحضارة الوهرانية, وتعليقاً على آرائهما اقتصر ـ كما في السابق ـ على إيراد هاتين النقطتين:‏ 

الأولى: تتعلق بالإطار الجغرافي الذي انتشرت فيه الحضارة القفصية. وهو حسب زعم الأستاذين لا يتعدّى تونس والجزائر في مناطق معينة من أرضيهما ويقولان عن الجهة الجنوبية" "إنها لم تتجاوز التخوم الشمالية للصحراء"(30). وخلافاً لهذا الزعم, هناك معلومات أخرى, تتحدّث عن وجودها خارج هذا الإطار, من ذلك ما توصّل إليه "ماكبرني" في كهف "هوافطيح" الذي عثر فيه على الآثار القفصية في الطبقة الخامسة من ترسباته المحددة بالمدة: "10.000 ـ 7.000 سنة من الآن"(31) وهذا أيضاً ينفي الإطار الجغرافي المحدد لهذه الحضارة.‏ 

الثانية: تتصل بالإنسان القفصي الذي ينتمي هو الآخر إلى سلالة "الإنسان العاقل". والأستاذان على خلاف العادة, أحجما هذه المرة عن التطرّق إلى أصله, واكتفيا بإعادة وجهة نظر قديمة لا يزال بعضهم يردّدها, تصنّف الإنسان القفصي ضمن سلالة أطلق عليها اسم: "ما قبل المتوسطي Proto-mediterraneen", وبقطع النظر عن هذا التصنيف الذي لا قيمة لـه من الناحية العلمية لكون مقولة "ما قبل المتوسطي" من المقولات الفضفاضة, فإن عدم خوض الأستاذين في علاقة الإنسان القفصي بما قبله من السلالات البشرية يثير التساؤل, خاصة أن موقفهما هنا اختلف عن موقفهما من إنسان مشتى العربي الذي ربطاه ـ كما رأينا ـ على المستوى الأنثروبولوجي, بالإنسان العاتري فالموستيري.‏ 

هذا التوجّه قادها إلى تجاهل معلومات مهمة, توصل إليها "ماكبرني", تؤكد أن القفصيين مجموعة مهاجرة, كما تدل على ذلك آثارها المكتشفة في طبقة فوق الطبقة التي اكتشفت فيها الآثار الوهرانية. وهذا ما جعل "ماكبرني" يقول إنه خلال الفترة: "10.000 ـ 7.000 سنة من الآن, حدث تحوّل عرقيّ آخر, نستطيع استنتاجه من التحول الراديكالي الذي حدث في الحضارة المادية". ويضيف: "في تلك الفترة يسجّل مجيء شكل ليبي للحضارة القفصية"(32).‏ 

وإذا كان الأمر هكذا, فمن أين أتت هذه المجموعة؟‏ 

"ماكبرني" في تحديده مصدر هذه الهجرة يقدم احتمالين (إمكانيتين):‏ 

1. أنها أتت من إيطاليا وصقلية وجزيرة "لوفنصو Levanzo"(33) حيث توجد حضارة "الإبي قرافيتيّان ـ Epi Gravettian". فمن المحتمل في رأيه أن يكون القفصيون الأوائل قدموا من هناك إلى تونس, ومنها في فترة لاحقة نزح بعضهم إلى "قورينة" حيث أنشؤوا ما سماه "ماكبرني" الحضارة "الليبية ـ القفصية". والداعي إلى هذا الاحتمال حسب تقديره وجود تشابه في الناحية الفنية والرسوم الهندسية بين التيارين: القفصي والإبي قرافيتيان. وممّا حمل "ماكبرني" أيضاً على هذا التصور, هو أن القفصية الليبية, في تقديره, ظهرت متأخرة عن شقيقتها في تونس.‏

لكن هذا الاحتمال مستبعد لما أكده الكثيرون من انعدام الصلة بين شمال البحر المتوسط وجنوبه قبل العصر الحجري الحديث.‏ 

2. أنها أتت من آسيا الغربية, أي من المنطقة العربية حيث يقول: "والإمكانية الأخرى هي أن الحضارة القفصية متفرعة عن آسيا الغربية حيث توجد نماذج أولية, نعتقد أنها توجد في حضارات مثل الكبران والسكفتيان Skiftian, Kebran"(34).‏ 

هذا الاحتمال الثاني (الإمكانية) واقعي وممكن, خصوصاً أن الإنسان القفصي فرع حديث متميز على المستوى الأنثروبولوجي والبنية الهيكلية, لا جذور محلية لهومما يؤكد أنه جنس طارئ وعنصر مهاجر, دفعت به إلى المنطقة عوامل بيئية ومناخية, كتلك التي بدأت تشهدها منطقة غربي آسيا التي عرفت الجفاف في مرحلة مبكرة, وحسب بعض التقديرات, هناك فترة عصيبة تمتد من 20 ألف أو 18 ألف سنة قبل الميلاد إلى 12 ألف سنة قبل الميلاد(35) شملت إفريقيا والجزيرة العربية, وبالرغم من كميات الأمطار وأثرها الإيجابي, فإن الجفاف في هذه الفترة صار ظاهرة واضحة نابعة من طبيعة التحول المناخي الكبير أي الانتقال من الدورة الجليدية الكبرى (ورم: Wurm) إلى الدورة الدافئة الحالية (منذ 15.000 أو 10.000 سنة ق.م) فالقفصيون من حيث تاريخ ظهورهم, لـه علاقة بهذه الوضعية المناخية وتبدّلاتها.‏ 

وهكذا تتضافر المؤيّدات على أن القفصيين هجرة شرقية, كما تتضح من خلال المعلومات المغيّبة الخلفية الفكرية للأستاذين التي جعلتهما يتوخيّان أسلوباً انتقائياً معيناً طامساً للحقيقة ومشوّهاً لها.‏ 

الفلاحة وتربية الحيوانات‏:

عند الحديث عن العصر الحجري الحديث للبلدان المغربية, لم يذكر الأستاذان شيئاً عن الفلاحة والرعي. وكان هذا أمراً طبيعياً منهما تمشياً مع ما كانت عليه المنطقة في تلك المرحلة. لكن عند الحديث عن البلاد التونسية تغيّر الموقف. وذكر الأستاذان أن ساكنيها تعاطوا الفلاحة خلال هذا العصر. فقالا عن العصر الحجري الحديث القفصي: إن "أواني من الفخار تحمل بعض الزخارف وقطعاً مصقولة تستعمل لطحن الحبوب, مما يدل على أن المجموعة البشرية التي تنتمي إلى تلك الفترة بدأت تتعاطى الزراعة"(36). وقالا أيضاً أثناء حديثهما عن العصر الحجري الحديث المتوسطي في موقع "كاف العقاب" حيث عثر على مجموعة مهمة من العظام تنتمي إلى أصناف عديدة من الحيوانات(37) في تلك الفترة". كما أن سكان هذا الكهف حسب زعمهما كانوا "يتعاطون شكلاً بدائياً من الفلاحة"(38).‏ 

وكما هو واضح من كلام الأستاذين, فإن ممارسة العمل الفلاحي وتربية الحيوانات, قد وقع الاهتداء إليها في البلاد التونسية بصورة مستقلّة, فلم تكن وافدة أو متأثرة بعوامل خارجية. وبقطع النظر عن النوازع الذاتية للأستاذين فلا بد من مناقشة رأيهما في ضوء ما توفّر من معلومات حتّى الآن.‏ 

فالقول بأن سكان شمال إفريقيا تعاطوا الفلاحة ودجّنوا الحيوانات ليس جديداً. فقد قال قزال Gsell" سابقاً: "لم ينتظر أهالي هذا القطر (يقصد البلاد المغربية) قدوم الملاحين السوريين ليتعلموا تدجين المواشي والزراعة"(39). وتبعه آخرون, منهم على سبيل المثال "جيان ديزانج = J. Desanges" الذي قال: "إن البربر الليبيين لم يعرفوا الزراعة عن طريق الفينيقيين"(40). وأنّهم مارسوها منذ نهاية العصور الحجرية الحديثة. والقول إن الكنعانيين جلبوا الزراعة إلى إفريقيا الصغرى خلال الألف الثاني قبل الميلاد هو افتراض جزافي غير متروٍ"(41).‏ 

ويعتمد أصحاب هذا الاتّجاه بصفة عامة على ما وقع الكشف عنه من مخلفات أثرية كالفخار والمناجل الحجرية والعظمية, وكالمطاحن المنسوبة للعصر الحجري الحديث, وكذلك المدافن, وما تدل عليه من استقرار, وحياة اجتماعية معينة, فضلاً أيضاً على تأويلات لبعض الرسوم والنقوش المنتشرة على نطاق واسع في الصحراء في تاسيلي في جنوب الجزائر, وفي مرتفعات "تادرارت وأكاكوس" في فزان في ليبيا حيث اعتبرت بعض تلك الرسوم والنقوش تعبيراً دالاً على تعاطي الفلاحة والرعي.‏ 

ويقابل هذا الاتجاه, اتجاه آخر, يذهب إلى العكس من ذلك, وينفي تماماً أن تكون الجماعات المنتقلة من العصر الحجري القديم الأعلى إلى العصر الحجري الحديث قد عرفت الفلاحة وتربية الحيوانات. فعلى سبيل المثال:‏ 

ـ يقول "بالو": "فلا المناجل الموجودة بكلومناطة, ولا الكرات الحجرية المثقوبة, ولا المدقّات. ولا أدوات الحصاد تصلح أن تكون حجة تثبت وجود الفلاحة(42).‏
ـ ويقول إبراهيمي: "إذا كانت وسائل الطحن بما فيها من عدد وأنواع كالمطاحن والمهارس والرحى, في كل من (ن.أ.ق) و(ن.أ.س) لا تبرهن على وجود زراعة, فإن ذلك يشير بالتأكيد إلى الغذاء النباتي كان آنذاك أكثر انتشاراً منه في الحجري المتأخر"(43). [ن. أ.ق = نيولوتي ذو أصول قفصية ـ ن.أ.س = بيولوتي ذو أصول سودانية].‏ 

ويقول "هـ. ج. هوغو" عن سكان الصحراء: "إن تعاطيهم لصنع القدومات وأدوات العزق والهرس والدرس وغيرها لا يثبت بتاتاً أنهم أتقنوا عملاً معيناً من أعمال الفلاحة"(44).‏ 

ويقول في موطن آخر "لا وجود لدليل على الفلاحة عندما يستند فقط إلى وجود أشياء أو أدوات معروفة بأنها فلاحية"(45).‏ 

وهذا ما قاله باحثون آخرون, في مناطق أخرى من القارة الإفريقية, فالجميع يؤكّدون أن المناجل والمطاحن وأدوات العزق لا تدل في كل الظروف وبشكل قاطع على تعاطي العمل الفلاحي, إذ من الممكن أن تكون لأغراض أخرى, كقطع أنواع من الأعشاب, أو لطحن حبوب بريّة, أو موادّ تلوين, أو لاستخراج الطين. ولذلك يقول "ج.أ.غ سموتن "أثناء حديثه عن إفريقيا الشرقية في ما قبل التاريخ عن تلك الأدوات: "كل ذلك لا يكفي كدليل على وجود اقتصاد في ميداني الزراعة والرعي"(46).‏ 

أمّا في ما يتعلّق بتأويل بعض الرّسوم أو النقوش في جهة "تاسيلي" و"فزان" من كونها تعبيراً دالاً على تعاطي الفلاحة, فهو في تقديري تأويل متعسف قام على تخمين أجوف, وأكتفي هنا بإيراد ما قاله أحد المختصيّن الكبار في دراسة رسوم الصحراء ونقوشها. وأعني به "فابريتشيو موري Fabrizio Mori": إنّ الأجسام الملونة بهذا اللون قد تشير إلى أهمية الحياة الزراعية, ولكننا لا نملك من الأدلة ما يؤيد هذه النظرية"(47).‏ 

فهؤلاء الباحثون يجمعون على رفض الفرضيات والتقديرات الخاطئة, إذ هم يرون أن تعاطي الفلاحة في ذلك العصر لا يستدل عليه بتلك الأدوات الحجرية, وإنما أساساً بالاعتماد على أدلة أخرى, لها قيمتها العلمية, لا يشك فيها وذلك مثل:‏ 

ـ تحليل رواسب العصر الحجري الحديث على نطاق واسع, للحصول على أدلّة بلينولوجية صالحة إحصائياً, وهي برغم أهميتها, لم تطبق في شمال إفريقيا إلاّ في الصحراء وعلى نطاق ضيّق.‏ 

ـ وجود حبوب برية تثبت أصالتها في المنطقة, وهو ما يجعل الاهتداء إليها أمر ممكن.‏
ـ الحصول على نباتات أحفورية أي أن الحفريات تؤدي إلى العثور على نباتات معروفة, كما هو الحال بالنسبة للتين, فإن حفر الآبار والخنادق ساعد في كثير من المناطق على بروز شجرة التين من جديد.‏ 

أمّا الفخار, فهو عند الأثريين ليس دليلاً قاطعاً على تعاطي العمل الفلاحي. فكما يكون للفلاحة يكون أيضاً لأغراض أخرى, كجمع القوت, وحفظ بعض المدّخرات, وهو وإن كان من منتوجات العصر الحجري الحديث, فلا يعني ذلك أنه لم يوجد في ذلك الطور الأخير من العصر الحجري القديم الأعلى, أو في العصر الحجري الوسيط في بعض المناطق.‏

والمهمّ في هذه الناحية هو أنّ شمال إفريقيا لم تظهر فيه حتّى الآن أدلّة تثبت وجود نبات القمح والشعير في حالتها, البرية, وبالطبع فإن انتفاء مثل هذا النبات من شأنه أن يؤخر ظهور الفلاحة, ويجعلنا نفهم من بعض تلك المظاهر المحدودة في الجنوب التونسي, والأطلس الصحراوي, وغيرهما, الدالة على تعاطي العمل الفلاحي, والتي يمكن أن تكون معاصرة للعهد الفينيقي الأول أو متقدمة عليه. هي من عمل الجماعات الوافدة الحاملة معها مكتسبات الشرق الفلاحية والرعوية, ولا علاقة لها بتلك الجماعات الضعيفة ثقافياً والمنحدرة من الوهرانيين والقفصيين, في العصر الحجري الحديث.‏ 

والأمر في هذه الناحية لا يتعلق بالفلاحة وحدها, وإنما أيضاً بالرعي. فالمنطقة لم يتم فيها تدجين الحيوانات, وهو شيء طبيعي وأن الأغنام لا توجد فيها أصلاً, ولم يكن ضمن حيواناتها المتوحّشة, فالرعي دخيل بكل تأكيد, وسابق للفلاحة, وعن طريقه انتقلت المنطقة إلى الحضارة الرعوية. وكان ذلك من أقدم البدايات المكينة ـ قبل وصول الفينيقيين ـ في ربط منطقة شمال إفريقيا بالحضارة الشرقية, و"بحلول الحضارة الرعوية في سائر أنحاء المنطقة, لمع اسم "الشاويه" كتعبير أصيل عن هذه الحضارة منذ أطوارها الأولى كدليل لغوي وثقافي على انتمائها الشرقي الأصيل"(48).‏ 

وإذا كانت المرحلة الرعوية بهذه الأهمية التاريخية في علاقتها بمستقبل المنطقة, ورسم ملامحها, وتحديد توجهها العام. فإنه من المهم أيضاً معرفة بداية ظهور هذه المرحلة. والمنطقة الوحيدة في بلدان المغرب العربي التي توفّر لنا هذه المعرفة هي ليبيا, إذ هي بحكم موقعها الجغرافي كانت مدخلاً للتأثيرات البشرية والحضارية القادمة من الشرق. والمعلومات المقدمة في هذا الغرض وقع الاعتماد فيها على أبرز الدراسات وأعمال الحفر والتنقيب التي جرت في ليبيا.‏ 

ومن الباحثين المرموقين "موري" الإيطالي الذي قاد سبع بعثات, ضمن فريق من الأخصائيين إلى مرتفعات تادرارت أكاكوس" في منطقة فزان, على امتداد الفترة من 1955 إلى 1964 حيث درس الرسوم والنقوش المنتشرة على نطاق واسع, وقام بحفريات في عدة مخابئ, وفحص ترسباتها بالطرائق العلمية وتوصّل إلى تحديد خمسة أدوار للفن الصخري بهذه المرتفعات هي(49):‏ 

1. دور الحيوانات الكبيرة المتوحّشة أو الجاموس الإفريقي المنقرض "Bibalus antiques".
2. دور الرؤوس المستديرة "Round-Heads".
3. الدور الرعوي "Pastoral" الممثل بحيوانات أهلية في مراحله الثلاث: القديمة والمتوسطة والحديثة.‏
4. دور الحصان أو العربة "Horse or Chariod".
5. دور الجمل.‏ 

ويهمنا من هذه الأدوار, الدور الثالث المتعلق بالرعي الذي درسه "موري" في عدة مواقع, ووجده حتّى على مستوى مادّة التلوين يختلف عن الأدوار السابقة واللاحقة. فكانت "مادّة ملوّنة أقلّ ثخناً, غير شفافة في الغالب"(50). وبالنظر إلى أساليب الرسم والنقش قد وقع تمييز ثلاثة أدوار داخل الدور الرعوي:‏ 

ـ الرعوي القديم, يمثله (أسلوب وان إميل).‏
ـ الرعوي المتوسط, يمثله (أسلوب وان طابو).‏
ـ الرعوي الحديث, يمثله (أسلوب بين عنيوين).‏
و(انْ إميل, وان طابو, بين عنيوين) مناطق ذات أساليب فنية مختلفة.‏ 

وسعياً لضبط الإطار الزمن لأدوار الفن الصخري, قام "موري" بالحفر في عدة مخابئ في كهوف ذات رسوم ونقوش. وتمّ فحص العينات المترسبّة بطريقة راديوكربونية. وفي ما يلي المواقع والتواريخ المتحصل عليها:‏ 

ففي: وان موهجاج ـ عثر على بقايا ماشية مستأنسة في الطبقات الوسطى والسفلى, أخذ منها هذين التاريخين 5500 ـ 4000 ق.م(51) وهناك تواريخ أخرى اقل زمناً أسندت إلى عينات من هذا الموقع(52).‏ 

وفي: فوزيجارن ـ في دوره الأسفل "أقدم ترسّب اكتشف في الأكاكوس إلى اليوم"(53), وحدّد تاريخ الرواسب السفلى والعليا بما فيها من موادّ فحمية 6000 ق.م [7900 تقريباً ـ 8072 (+ـ100) قبل الآن](54).‏ 

وفي: وان تلوكات (وادي إمها) ـ عثر على موادّ مختلفة في ترسباته حدّد تاريخها: 6754 (+-175) قبل الآن = 4800 ق.م(55).‏ 

ومن خلال فحص البقايا العظمية المعثور عليها في موقع (وان تلوكات), تبيّن لموري "وجود عناصر تتماثل مع المستودع الرعوي بوان موهجاج ـ الأخدود أ ـ 1960"(56) ويؤكّد "موري" على أهمية تاريخ "وان تلوكات" وعلى وجوب ربطه "بالحلقة الرعوية التي تنتمي إلى تحديدات زمنية أخرى. وأقدم هذه التحديدات في حدود منتصف الألف VI ق.م"(57) [أي الألف السادس], وهذا التاريخ يمكن أن يكون "بداية ثقافة تربية الماشية في هذا الجزء من الصحراء الكبرى"(58). والألف السادس في نظره فاصلة بين عهدين: عهد الرؤوس المستديرة وعهد الرعي, مفترضاً "أن الانقطاع في التسلسل بين فترة رؤوس المستديرة والفترة الرعوية لم تكن قصيرة ولم تكن ثقافياً خارج المجال"(59).‏ 

وفي شمال ليبيا في إقليم برقة توصّل "ماكبرني" إلى النتائج نفسها من خلال حفرياته في كهف "هوافطيح". ففي الطبقة السادسة من ترسبّات هذا الكهف. انطلاقاً من الأسفل. وقع العثور على أدوات العصر الحجري الحديث وعلى أثار تدجين الحيوانات.‏ 

أرّخت هذه الرواسب بـ 5000 سنة ق.م وقال "ماكبرني" بعد الفحص المعملي, وتثبيت النتائج: "في حدود 7000 من الآن, وقع تحول عميق أكبر, أثر في حياة الليبيين القدامى"(60), و"نستطيع اكتشافه في "هوافطيح" وفي مجموعة من الكهوف, درست من قبل ف.موري في فزان. ففي كلتا الجهتين ظهرت أول حيوانات أهلية وأصبح الناس رعاة لا صيادين(61).‏ 

ونوّه "ماكبرني" بأعمال موري فقال: "ساهم موري مساهمة فعالة بتحديده تاريخ سلسلة من الأساليب الفنية في كهف طباقي (Stratifi) وَانْ موهجاج, قرب غات. ففي هذه السلسلة, نستطيع أن نتعرف على الرعاة الأوائل بوضوح, ونستطيع أن نتبين أنهم قدموا في حدود 5000 قبل الميلاد"(62).‏ 

واعتماداً على المعلومات المتقدمة, فإن العمل الرعوي لم يكن ظاهرة محلية نابعة من الداخل, لعدم وجود الحيوانات المدجّنة في المنطقة. وهذا ما أكّده "ماكبرني" في قوله: "على كل حال فلا الأغنام ولا البقر يمكن أن تتكوّن وتتطوّر من الحيوانات المتوحّشة في إفريقيا الشمالية"(63).‏ 

والأمر في الحقيقة يبدو أنه شامل لإفريقيا كلها, إذ هي, في نظر الباحثين, مدينة في ما عرف بها من رعي للعالم الخارجي. وهو ما ذكره الباحثان رولان بورتير وجاك بارو: "فيبدو جلياً أنّها كانت مدينة لـه في ما يخصّ حيواناتها الأهلية"(64) ويردفان "أن تربية الحيوانات لم تتطور مستقلّة في جنوب الصحراء التي لم يكن فيها للحيوانات أيّ سلف ممكن للبقر والماعز والغنم المؤهلة, فهذه الحيوانات قدمت…"(65).‏ 

وبعد هذه الشواهد والآراء المتنوعة, هل من المعقول أن نصدق ما قاله الأستاذان عن تعاطي الفلاحة وتدجين الحيوانات في البلاد التونسية في العصر الحجري الحديث. هكذا!! في البلاد التونسية وحدها؟ إنّه لشيء مثير للحيرة.‏ 

وبما أنهما لم يقدما ما يثبت هذا الادّعاء, فلا مندوحة من وصف قولهما بأنه من قبيل المزاعم والنزعة الإقليمية المزيفة. وحتى لو سلمنا بأنه وقع العثور فعلاً في "كاف العقاب" على عظام خروف, فإنه في هذه الحالة ليس دليلاً على التدجين المحلّي, وإنّما على وصول الجماعات الرعوية القادمة من الجنوب إلى تلك الجهة. فالجفاف وضغط التّصحّر المتزايد دفعا ـ من غير شكّ ـ بالرعاة إلى النزوح إلى الشمال.‏ 

ونجد الأستاذ قراقب يوسّع من دائرة عمله الثقافي, فيشيع هذه المعلومة في الحقل المدرسي. فقد جاء في كراس التاريخ الخاص بالأساتذة (90 ـ 1991) في فقرة العصر الحجري الحديث في البلاد التونسية قوله: "وقد عرف الإنسان في هذه الفترة تحوّلاً اجتماعياً مهمّاً, إذ أصبح يتعاطى الزراعة ويربّي الحيوانات الأليفة"(66). والأمر هنا لا يتعلق بإشاعة معلومة مزعومة فحسب, وإنّما بمغالطة الأساتذة والتلامذة, وجعلهم يعتقدون أن تعاطي الفلاحة وتربية الحيوانات تمّ التوصّل إليهما, في المنطقة, بمبادرة محلية, ومن خلال التطور الثقافي الداخلي, وهو شيء لا يمكن أن يكون مقبولاً وتتحمّل مسؤوليته أطراف عديدة.‏ 

ولنا أن نتساءل بهذه المناسبة, عن الزمن الذي تحقق فيه للأستاذين إنجازهما العلمي! فالمعلومات المتوفّرة هي كما يلي:‏ 

ـ المذكرات المقدمة لطلبة شعبة التاريخ والجغرافيا, تحدّث فيها قراقب عن العصر الحجري الحديث في الشمال الإفريقي (ص 131, 132, 133) وفي البلاد التونسية (ص 144, 145), ولم يذكر شيئاً عن موضوع الفلاحة والرعي. وهذه المذكرات تحمل هذا التاريخ: أكتوبر 87 ـ فيفري 1988.‏ 

ـ كراس التاريخ(67) المشار إليه أعلاه الذي فيه الحديث عن الفلاحة والرعي يحمل تاريخ: 1990 ـ 1991.‏ 

ـ الكتاب الذي أعدت بسببه هذه الدراسة, والذي تحدّث فيه صاحباه عن الفلاحة والرعي(68) وهو بتاريخ (1989).‏ 

ومن هذه التواريخ يتبين لنا أن الأستاذين لم يتوصّلا إلى اكتشافهما قبل فيفري 1988, وأنّهما توفّقا إلى ذلك بعد هذا التاريخ, وعلى وجه التحديد بين سنة 1988 و1990.‏
وفي كل الأحوال. فهو اكتشاف حديث, كان من المفروض أن يعلن للناس لأهميته التاريخية, لكن شيئاً من هذا لم يحدث, بل إن بعض الباحثين في "المعهد الوطني للتراث" لم يكن لديهم أيّ علم بهذا الموضوع, عندما سئلوا عنه, والحال أنهم زملاء الأستاذين, ويعملون جميعاً في مؤسّسة واحدة. وهذا من شأنه نزع المصداقية عن تلك المعلومة, وإثارة الشكوك, بصفة عامة, في أبحاث كثيرة تبدو متلفّعة بالعلمية والموضوعية المكذوبتين.‏ 

وهكذا نصل في النهاية إلى أن شمال إفريقيا لم يعرف الرعي والفلاحة في فترة العصر الحجري الحديث, وأن هذين الإنجازين تمّ إدخالهما إليه عن طريق الجماعات الوافدة من الشرق.‏ 

وبما أن الرعي سابق للفلاحة, فإن تاريخ دخوله إلى شمال إفريقيا كان في بداية الألف الخامسة قبل الميلاد في ليبيا, ومنها اتّجه شمالاً إلى كامل المنطقة.‏ 

وتاريخ ظهور الرعي هو في الوقت نفسه تاريخ وصول الجماعات البربرية الأولى الذي شكّل تحوّلاً فريداً من نوعه, أدّى إلى ربط المنطقة بالحضارة الشرقية, وجعلها منيعة لا تؤثر فيها ثقافات وافدة قوية, من أمثال اللاتينية التي دامت قروناً طويلة (ما يزيد على سبعة قرون ونصف القرن: العهد الروماني والوندالي والبيزنطي).‏ 

(1) سميت بذلك نسبة إلى مكان في فرنسا, يدعى: موستيري Moustiers.
 

(2) نسبة إلى العاتر الواقع في جنوب تبسّة في الجزائر, أين وقع العثور عليها للمرة الأولى. تميزت بإضافة مقبض (ذنب) إلى أدواتها الحجرية.‏ 


(3) سمّيت بالوهرانية نسبة إلى "وهران" اكتشفها أول مرة "ب. بالاري P.Pallary وهو معلم بسيط, وذلك سنة 1909 راجع البربر عرب قدامى, للمؤلف ـ طبعة ثانية 2000 ص 150.‏
 

(4) سميت بذلك نسبة إلى مدينة "قفصة" الواقعة في الجنوب الغربي للقطر التونسي. اكتشفها الطبيب والمؤرخ "فوبير Dr. Gobert" راجع البربر عرب قدامى ـ للمؤلّف. تونس 2000.‏