الأحد، 10 أغسطس 2014

بدوى فى ليبيا (1)....سالم الكبتى

بعد اعلان استقلال ليبيا باْسبوع نشر د.عبدالرحمن بدوى مقالا فى صحيفة اللواء الجديد الصادره يوم الاثنين 31 ديسمبر 1951 عنونه باْسم (ليبيا وليدة المناورات الاستعماريه) اْكد فيه اْن الدوله الليبيه الناشئه ولدت مشوهة الاستقلال مقضيا عليها منذ البدايه وانها ستكون تحت الاحتلال البريطانى والامريكى والفرنسى وناشد فى نهاية كلامه رجال الجامعة العربيه القابعون فى القاهره قريبا منه وهو الاستاذ بجامعتها عدم قبول ليبيا عضوا فى تلك الجامعه حتى لاتزيد للنفوذ البريطانى ممثلا جديدا فى رحابها!!
وماكان يدرى د. بدوى انه سيصير بعد ستة عشر عاما من ذلك الكلام.. استاذا مرموقا فى الجامعة الليبيه فى بنغازى الى غاية ابريل 1973 اذ رمته الاقدار خارج بلاده وعاش فترة فى باريس مدرسا فى السربون بفعل ظروف مر بها التعليم العالى فى مصر عقب يوليو 1952 كما ذكر فى سيرة حياته.

فى قرية شرباص بمديرية الدقهليه الواقعة على الكيلو 196 عند النيل ولد عبدالرحمن بدوى بدوى محمود فجر اليوم الرابع من فبراير 1917 فى اْسرة ثرية تمتلك الاطيان والفدادين الزراعيه.. وكان ثامن اخوته واخواته لاْمه والخامس عشر بين ابناء والده ليصبح مجموع تلك الاسره واحد وعشرين ولدا. حصل على ليسانس الاداب من قسم الفلسفه بالجامعه المصريه عام 1938 وعين معيدا بها ثم حصل على الماجستير من الكلية نفسها فى نوفمبر 1941 عن رسالته (مشكلة الموت فى الفلسفه المعاصره) بتقدير ممتاز وكانت لجنة المناقشه مكونة من الشيخ مصطفى عبدالرازق والدكتور طه حسين ودكتور ابراهيم مذكور.. ودارت مناقشتها باللغتين العربيه والفرنسيه.. ثم نال درجة الدكتوراه فى شهر مايو 1944 فى القاهره عن رسالته (الزمان الوجودى) وناقشه ايضا فيها اضافة الى مصطفى عبدالرازق وطه حسين الاستاذ باول كراوس. عمل فى التدريس بالكليه وراْس قسم الفلسفه فى جامعة عين شمس واختير بعد حركة الجيش فى مصر عام 1952 عضوا فى لجان وضع الدستور الجديد وعين ملحقا ثقافيا لمصر فى سويسرا وانتدب للتدريس فى السربون عام 1967.. ووضع اكثر من ثمانين مؤلفا مابين تحقيق وترجمة وكتابة معظمها فى الفلسفه.

وصل د.بدوى الى بنغازى فى سبتمبر 1967. كانت تداعيات حرب يونيو لم تزل ساخنة فى بلاده ومنطقة الشرق الاوسط.. وفى ليبيا ايضا التى كانت تمور بالمشاعر القوميه اعجابا بعبد الناصر رغم الهزيمه.. وصدمة البعض او خيبة الامل المريره التى حصلت اثر الحرب فيما اْودع مجموعة من الشباب (الثائر) وعددهم مائه وسته السجن ومثلوا امام المحكمه بتهمة تكوين تنظيم سرى ومحاولة قلب نظام الحكم وكان المتهم الاول فى القضيه من خارج ليبيا الدكتور جورج حبش واخرون من فلسطين ولبنان. كانت الجامعه الليبيه.. ملتقى رائعا للحوار والافكار والحريه الاكاديميه والاساتذه الكبار من المنطقه الذين اْبعدتهم اْوطانهم فلجاْوا اليها وعاشوا فى رحابها.

استهل د. بدوى نشاطه العلمى فى كلية الاداب اضافة الى التدريس بالطبع بمحاضرة قيمه عن الحضارة العربيه مساء الاربعاء 15 نوفمبر 1967.. ضمن الموسم الثقافى للكليه الذى حافظت على اقامته كل يوم اربعاء منذ تاْسيسها. كان ذلك الموسم (بانوراما) رائعه يشارك فيها الاساتذه القارون والزائرون وطلبتها اْيضا ويتنوع مابين محاضرات وندوات واْمسيات ثقافيه. كان يوم الاربعاء من كل اسبوع يوما مشهودا للفكر والعلم والثقافه ينتظره فى بنغازى جميع المهتمين بالشاْن العلمى والفكرى. كان يقام فى مدرج رفيق الذى يكتظ الى حافته بالحاضرين والمشاركين والمتذوقين. كانت تلك الاْسابيع من السنوات فترة خصبه تلتهب باْنواع الفكر والعطاء والحوار.. ولم يكن الامر اْيضا يقتصر على كلية الاداب وحدها.. فثمة اْنشطه مصاحبة مثلها فى كلية التجاره والحقوق والاْنديه الرياضيه والمركز الثقافى الليبى والمصرى والاْمريكى.. وغيرها. كانت بنغازى.. وكانت الجامعه!

كانت الجامعه الليبية منذ نشاْتها منارا علميا للوطن كله وكانت احدى الثوابت التى اْكدت فى واقع الاْمر اْسس الهوية والوحدة الوطنيه.. مثلها مثل الجيش الليبى والحركة الكشفيه.. لاجهويه ولاقبليه ولاتعصب ولا امراض اخرى.

محاضرة د. بدوى كانت اْولى نشاطاته واسهاماته فى الموسم الثقافى واْول لقاء عام جمعه بالمهتمين والدارسين وضيوف الجامعه وقد اْسهم تباعا بجهوده العلميه فى تطوير مكتبة الجامعه والنهوض بمستواها وتكليفه باصدار مجلة كلية الاداب بعد توقف دام عشر سنوات والتى واصلت الصدور باشرافه فى عددها الثانى عام 1968.. والواقع ان من كان وراء هذه الجهود والتشجيع واخذ المبادره بل والتعاقد معه ودعوته الى ليبيا مدير الجامعه الليبيه الاستاذ عبدالمولى دغمان الذى شهدت كلية الاداب عندما كان عميدها ثم الجامعه عندما اضحى مديرها تطورا ونموا رائعين حيث اتاح الفرص العلميه للدراسة بالخارج وكانت موقوفه لفترة من السنوات من قبل المدير السابق الاستاذ مصطفى بعيو.. وابتعاث المعيدين والتعاقد مع مزيد من الاساتذه الاكفاء من ربوع العالم فى كليات الجامعه فى بنغازى وطرابلس وتشجيع المواهب الطلابيه ثم الشروع فى تنفيذ وانجاز مخطط بناء المدينه الجامعيه فى ضواحى بنغازى التى اكتمل بناؤها عام 1973 وافتتحت رسميا فى ابريل 1974.. وتشاء الاقدار ان يكون مغيبا فى سجون القذافى!!

قضى د. بدوى من حياته سبع سنوات فى بنغازى وكان خلال وجوده استاذا فى الكليه يقوم ايضا بسكرتارية مجلسها وتدوين محاضره ولوحظ تمتعه الهائل بحافظة قويه لكل قرارات المجلس السابقه وتنسيقه لتلك المحاضر ولم يكن كثير الاختلاط باْحد فى الكليه الا فيما ندر وكان يلاحظ عليه ايضا وحدته الدائمه فى الجلوس وحيدا بحديقة الكليه او فى قاعة المكتبه العامه التى كثيرا مايرتادها للاطلاع اغلب الاوقات والبحث فى مراجعها وكذا فى القاعه التى تضمه مع غيره من اساتذة القسم الذى يراْسه فى الكليه وقلما تجده وسط مجموعة سوى فى المحاضرات لكنه احيانا يقطع هذا الروتين بالتردد بين حين واخر على مكتب لجنة جمع التراث بكلية الاداب. كنت موظفا بتلك اللجنه واذكر بعض نقاشاته واهتمامه بالتراث واذكر انه كان يتابع او يهتم الاستماع الى الاغانى الشعبيه وكان معجبا باغنية شادى الجبل (انريد نرسلك ياروح للى غالى.. تشيلى سلامى وتشرحيله حالى) ووصف الصوره الفنيه باْنها تحوى وجودية وفلسفه وجمالا وروعه فى استعمال الروح . ذكر ذلك كثيرا وسمعته يؤكد بحضورى شغفه واعجابه بالاغنيه فى المكتب وفى لقاءات بشقة د. عمرو النامى حيث كان يسكن فى العمارة نفسها وربما ذكر ذلك لاخرين فى مناسبات مختلفه. واضافة الى هذا واقترابه من التراث والفن الليبى برؤية الفيلسوف والاستاذ فثمة علاقات جمعته فى بنغازى وخارج اطار الكليه مع الاساتذه على بوهدمه وعبدالمولى لنقى وابوالقاسم بن دادو وسليمان تربل ود.باسيلى خزام و د. مراجع الغناى و د. عمرو النامى.

اهتم د. بدوى بالفلسفه اليونانيه بقورينا وحقق وكتب عنها وترجم مايتصل بالفرق الاسلاميه فى الشمال الافريقى وكان من الواجهات العلميه التى تصدرت الجامعه والكليه معا وقد اْلقى محاضرة عن دور الجامعه فى الذكرى الخامسة لتاْسيس الجامعه الليبيه فى ديسمبر 1970 وثمة مقابلة وحيده تضمنت حوارا معه اجراها معه بكر عويضه ونشرت بصحيفة الحقيقه فى فبراير 1969 تناول فيها موضوعات كثيره عن الحريه والالتزام والفلسفه وتعرض بالنقد الى جان بول سارتر. كانت هذه هى المقابله الصحفيه له فى بنغازى وربما كان نادرا فى ذلك خارجها على مدى حياته وقد ظهر فى برنامج نجوم على الارض الذى تقدمه فى التلفزيون ليلى رستم فى جلسة فكريه مع استاذه طه حسين وبحضور محمود امين العالم ومجموعة من المثقفين فى مصر ثم فى لقاء مرئى اخر قبيل وفاته اجرته سناء منصور وكان جالسا فى كرسى متحرك بعد ان نالت منه الشيخوخه والمرض.

اذكر ايضا متابعته واهتمامه بما يدور فى مصر من خلال الصحف التى تصل من هناك الى بنغازى التى يستهل اطلاعه عليها بقراءة صفحة الوفيات بعناية ودقه وكاْنه يتوقع موت عزيز او حبيب هناك واذكر احساسه العالى بالوقت فى محاضراته وكل نشاطاته العامة والخاصه. وقد حاول نظم الشعر فى مطلع شبابه لكنه استعصى عليه على مايبدو رغم انه اصدر ديوانا وحيدا بعنوان (مراْة نفسى). كان شعرا جافا لاحياة فيه او احاسيس رقيقه او تجاوب مع قضايا معينه . حدث ذلك فى بداية الاربعينيات وتناوله سيد قطب بمقالة حاده وساخره ايام اهتمامه بالنقد لعلها كانت سببا رئيسا فى توقفه عن قول الشعر.. فاْراح واستراح!!
الطلب الذى تقدم به د. بدوى الى الجامعه الليبيه للالتحاق بها استاذا ويحمل
تاْشيرة الاستاذ عبدالمولى دغمان مدير الجامعه للشروع فى الاجراءات.

ولم يتوقع د. بدوى وغيره ان يحدث له ما حدث فى ابريل 1973. كان الرجل غير معنى بالشؤون الداخلية فى ليبيا من قريب او بعيد وقد وصل اليها بتعاقد رسمى للعمل استاذا بجامعتها لكن خطاب زواره للقذافى تلك الايام طاله مباشرة. تحركت السلطات الامنيه بناء على ماورد فى احد نقاطه من تصفية المرضى واعداء الشعب وانهم لايستحقون الحريه وتعقبت كل اصحاب الراْى والمثقفين ومن لديهم قيودات امنيه قديمه كانت طى النسيان منذ فتره اضافة الى الملاحقه الجديده والتفنن فى كتابة التقارير والوشايات ووضعتهم جميعا رهن الاعتقال وكان من بينهم د. عبدالرحمن بدوى. وكان ذلك خطاْ جسيما فى حقه باعتباره يتمتع بحق الرعايه والاستضافه وقد وقع اعتقاله ظهر الاربعاء 18 ابريل 1973 واطلق سراحه يوم السبت 5 مايو 1973 بتدخل من الرئيس انور السادات واحدث ذلك ردود فعل قاسيه لدى تلاميذه فى مصر. فتشت شقته وربما صودرت منها بعض الاوراق والكتب وقد تردد باْن تقريرا من تلميذ لبدوى فى قسم الفلسفه كان يتعامل مع وحدة الاتحاد الاشتراكى بالكليه هو الذى قاده الى المعتقل واعتبره من اصحاب الفكر المنحرف ودعاة الوجوديه والاباحيه فى المنطقه.. استاذ يشى به تلميذه. تلك سمات عصر القذافى. ظل د. بدوى فى احد مراكز الشرطه وحقق معه وسئل عن مستواه العلمى ثم نقل الى سجن الكويفيه حتى خروجه. خلال ذلك اذكر ان الاستاذ الدكتور منصور محمد الكيخيا عميد الكليه قام بزيارته عدة مرات للتخفيف عنه وتزويده ببعض الاحتياجات والملابس له ولغيره من بعض السجناء. موقفا شهم لا شك. والواقع ان هذه الظروف الامنيه سبقتها اخرى فقبلها بشهر رحلت السلطات الدكتور عيسى عبده ابراهيم الاستاذ بكلية الاقتصاد باعتباره شخصا غير مرغوب فيه وكان من المفترض ان يغادر بنغازى يوم الاربعاء 21 فبراير 1973 على متن الطائره الليبيه التى اسقطت فوق سيناء وحال وجوده نزيلا بالمستشفى الجامعى دون ذلك. الاستاذ عبده من احد الاساتذه المرموقين الذين عاصروا تاْسيس كلية الاقتصاد فقد حضر للمرة الاولى حين تكوينها عام 1957 وتولى رئاسة قسم الاقتصاد. وفى مارس 1973 دعت الدوله مجموعه من المفكرين والادباء العرب لمؤتمر عقد فى بنغازى بفندق البرنتشى ومنعت اقامة امسية شعريه لمحمود درويش.. الشاعر الفلسطينى الكبير الذى كان من بينهم فى نادى الهلال بدعوة من لجنته الثقافيه حيث هدد بالاغلاق ووضع اعضاء اللجنه فى السجن محافظ المدينه انذاك اذا ما اقيمت.. بداية الخطوات التى وصلت مدها فى ابريل الذى ظل عنوانا للتصفيات والتشريد والمنع وخنق الحريات.
سيرة دكتور بدوى مختصرة بخط يده
  والواقع ان الجامعه الليبيه وقفت موقفا كريما وشجاعا من الاستاذين بتسديد حقوقهما كاملة وتسفيرهما وتوديعهما بطريقة لائقه وهو امر يحسب لمسؤوليها والعاملين بها ذلك الوقت.. د. عمر التومى الشيبانى رئيسها ود. الهادى بولقمه وكيلها وغيرهما من الموجودين بالجهاز الادارى الممتاز فى الجامعه.

والواقع ان الجامعه كانت عنوانا رائعا للوطن الليبى ومع غوغائية القذافى فى ابريل 1973 انقسمت الى ثنتين واحده فى بنغازى والاخرى فى طرابلس وبداْت اللجان الشعبيه الطلابيه التى خدعها الخطاب الموتور فى الحماس الهائج الذى يغديه القذافى وجعلت من طلبة الحقوق يتوقفون عن الدراسه جراء ذلك الحماس ويتوجهون الى ميناء بنغازى لافراغ السفن فيما غيرهم نال الدرجات العلى وقطفوا الثمار الناضجه. كان القذافى يتعمد ضرب كل المقومات الفكريه والوطنيه للبلاد واسس الوحده فيها وكانت الجامعه بالطبع احد اهدافه الحيويه التى يشعر حيالها بالقلق . كان يعرف الجامعه وماتعنيه جيدا قبل انقلابه. كان يتردد عليها حيث سمح له بالانتساب للدراسه فى قسم التاريخ فيما منع البقيه من الضباط من ذلك عقب الانقلاب سوى القله من الثوريين. كان يعرف اجواء الجامعه واستقلاليتها وحراكها الطلابى ويدرك ان الخطر فى ايقاظ الهمم والشعور الوطنى ينطلق منها. لم يكن القذافى فى جميع ذلك سهلا او فقيا او درويشا. كان يعى مايفعله!!

بعد مغادرته ليبيا عمل د. بدوى فى الكويت وايران واقام من بعد فى فرنسا وانجز كتابين مهمين بالفرنسيه هما (دفاعا عن النبى محمد) و(دفاعا عن الاسلام) ثم عاد الى بلاده مصر واقام بها حيث توفى ودفن بالقاهره فى يوليو 2002 وكانت الذكرى الخمسون لثورة يوليو التى تقاطع معها قد حلت وتم الاحتفاء بها على مدار ايام متواصله.

عام 2000 انجز د. بدوى كتابا من جزئين عن سيرة حياته صدر فى بيروت كان خلاله من الغلاف الى الغلاف ساخطا وغاضبا ومعتزا بنفسه الى ابعد حدود الاعتزاز وشوه الكثير من اساتذته واقرانها بدرجة فيها من بين السطور حقدا كثيرا لايتسق وشخصيته العلميه الكبيره ولامه العديد فيما كتبه وتناولوه بالنقد والتجريح وقد نالت ليبيا بلد الذى رحبت به فى جامعتها قبل انقلاب القذافى الكثير من هذا التشويه ولوحظ باْنه لم يعرف الكثير من جوانب المجتمع الليبى معرفة دقيقه رغم السنوات السبع التى عاشها فى بنغازى غير ان هذا لاينقص من دوره استاذا اسهم فى الحياة العلميه العربيه المعاصره ويظل بشرا له ماله.. وعليه ماعليه... وتلك امة قد خلت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق