السبت، 14 يوليو 2012

حسين مازق (2)..إدريس فضيل




مواقفه في المحاكمة :

قدم حسين مازق للمحاكمة، في العهد الجديد، ولم يكن حين ذاك في الحكومة، ولكن محاكمته كانت لأهداف أخرى، وكان في مواقفه في مواجهة التهم التي نسبت إليه بطلاً شجاعاً، وجرت بينه وبين المدعي النقيب عمر المحيشي، والقاضي رئيس المحكمة الرائد بشير هوادي، مجادلات تجلّت فيها شخصيّة مازق، فبرز بمظهر الوطني الغيور، والمجادل البارع، والمخلص الشجاع، حين سألوه عن (إدريس السنوسي)، فقال: إن بين أجداده وأجدادي علاقة روحية، لن تقوى على فصمها عاديات الزمان .

فكان هذا الجواب مفاجأة لهيئة المحكمة وللحاضرين، أصابها بارتباك شديد، حتى لكأنما ألقمت محكمتهم بهذا القول حجراً حامياً، فطاشت سهامها فلم تدر ما تقول، ثم تلقف الجواب آلاف المشاهدين عبر الشاشات. 

وحسين مازق في تلك المحاكمات أيضاً، هو صاحب الكفة الراجحة، والكلمة الحكيمة الرائعة، التي وجهها للمدعي الصغير، وهي كلمة لا تصدر إلاّ عن نبيّ من أنبياء الحق والشجاعة والحرّية، حين قال له: لك أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تريد، فأنت الخصم والحكم، ومن تلك الحكمة البالغة، زلزلت المحكمة، وهاجت القاعة، واغتاظ المدعي والقاضي، فقد كانت لهما صفعة قاسية، حتى أوشكا أن ينفلقا، وتلقف الشعب تلك الكلمة الخالدة، فاتخذها إنجيلاً، وجعل قائلها قديساً.

حكموا عليه بالسجن عشر سنين، وألزموه بأموال كثيرة مقدارها عشرون ألف دينار يدفعها كغرامة، وكان حكماً ظالماً، رغبة في أن يستنزفوا ما عنده لعله يفتقر ويحتقر. 

ولكن هيهات، فقد كانت تلك المحاكمة فرصة، زادته رفعة ومجداً فوق مجده ورفعته، ولقد غادر ساحة المحكمة وما في الوطن أمّ، إلا وهي تتمنى أن تلد حسيناً (كحسين مازق)، فقد صار بطلاً قوميا، ورمزاً وطنياً، وتضاعفت وطنيته في غرب ليبيا أكثر منها في شرقها، ويروى أن المستقبلين له يوم عودته، ازدحموا أمام بيته، حتى فاضت بهم الشوارع المؤدية إليه، رغم تحذير السلطات، ولهاث الغوغاء، وجهود الأمن الداخلي.

لزم حسين مازق بيته، وتفرغ لنفسه، ولكن حبه ومكانته في قلوب الناس، كانت تزداد كل يوم، ولم تتوقف قوافل الزائرين لبيته، وهو أمر يزعج أقواماً حاسدين، ويكدّر صفو عيشتهم، ولذلك ظلوا يحاولون أن يخرجوه من عزلته وصمته، ويستخدموه ليفتخروا بأنه خدم تحت سلطتهم، ثم ليشوهوه ويلطخوا تاريخه، كقيادة وطنية متميزة.

كما حاول أولئك أن يستفزوه بالطعن المتواصل، كلما تهيأت لهم مناسبة، بل هم في كل مناسباتهم التي يصطنعونها، كأنما يقيمونها ويحشدون الناس لها، ليشتموا أمامهم (فلانا) ومازق، ومع ذلك لا يزدادان في القلوب إلا حباً وتعظيماً. وهم في شتمهم له، لا يتهمونه بتقصير ولا خيانة، ولا ينسبون إليه تفريطاً ولا رشوة، وإنما يلصقون به أمرين: واضحا جليّا، وغامضا خفيّا، أولهما يقولون: إنه يملك نصف بنغازي، ولنفرض أن مازق يملك نصف بنغازي، فإن كان ذلك حقاً، فهو إنما يملكه بطرق شرعية، ليس فيها سطو ولا قرصنة. وثانيهما حقد دفين وحسد مكين، تخفى أسبابه، وتظهر آثاره في التماس التنقّص والاتهام .

مازق يقص ذكرياته:

تهيأت لي فرصة لزيارته في بيته، حوالي عام 2003م، فإذا هو منزل إيطاليّ موحش قديم، في حي سيدي حسين، وهو إلى أن يكون (كازرمة) أو مركز شرطة، أقرب منه إلى أن يكون بيتاً لرجل، كان يوماً ما رئيساً لدولة بترولية، ولست أدري هل كان سكنه في ذلك البيت، ضرورة حتمتها الحاجة، أو اختياراً بمحض الإرادة؟ وحين قابلته كان قد تقدمت سنه، إذ ذكر لي أنه في الثالثة والثمانين، وقد تقوس ظهره، وأغمضت إحدى عينيه، وداهمته الشيخوخة، وكان ذلك اللقاء قبل وفاته بنحو ثلاثة أعوام.

جلس حسين مازق وحرصت على القرب منه، وجعلت أتأمله طوال جلوسي إلى جانبه، ثم سألته عن أحواله واستدرجته إلى الحديث عن الماضي، فقلت له: إن الشعب يرى فيك رجلاً مخلصاً، وما تزال كلماتك في المحكمة ترن في آذانهم، وسوف تظل رمزاً للشجاعة والمواقف الوطنية الخالدة . 

وساقنا الحديث إلى أوائل الاستقلال، فقلت: له أتعرف دي كاندل؟ قال: نعم، ذلك إنجليزيّ اكتسبناه صديقاً لبلادنا، وكان معتمد الحكومة البريطانية في برقة عند استقلالها، فقلت: وقد كتب كتاباً أظنه صدر في بريطانيا عام 1984م عن سيرة (فلان)، وأثني فيه على فلان هذا كثيراً، كما أثنى على حسين مازق، ووصفه بالوطنية والكفاءة الإدارية، ويبدو إعجاب ذلك الإنجليزي يفوق كل وصف، وهو يتحدث عن الرجلين . قلت ذلك وتركت حسين مازق يتحدث .

وسألته هل كتبت مذكراتك أم لا ... ؟ وقبل أن يجيب أضفت قائلاً: مسيرة حياتك يا سيدي، جزء من تاريخ هذا الوطن، فمذكراتك تسد ثغرة في تاريخه، وقد بلغني أن محمد بن عثمان الصيد، الذي تقلد مناصب كثيرة حتى رئاسة الوزارة، كتب مذكراته، وقرأت مذكرات مصطفى بن حليم، الذي شهد حقبة من تاريخ الوطن، وكان رئيس الوزارة فيه، وما صنع الرجلان هو عين الصواب، بل هو عندنا تصويب لتاريخ الوطن الذي تصدى للكتابة فيه قوم نشأوا في عصر غير عصره، وتنقصهم روح التجرد والإخلاص في كتابته، فانزلقوا إلى تشويه صورته، وتلطّيخ صفحات جهاده، وقلب مفاهيم الحقائق فيه، ونسبة كل رجاله إلى الخيانة والعمالة والسرقات، حتى كأنه لم ينجب سوى الخونة والسراق والعملاء.

قال: ما ذكرته هو حسن وجميل، غير أن الرجلين اللذين ذكرتهما، جانبا الدقة في وصف بعض المواقف، ونسبا إلى نفسيهما خطوات لم يقوما بها، وأنا حين أكتب أريد أن أكون صادقاً مع ربي، ثم مع نفسي ووطني، ولذلك لم أكتب مذكراتي، لأنها تحتاج مني إلى تركيز شديد، أنا أفتقده في هذه السنّ، فلما قال ذلك عبّرت له عن أسفي، إذ بإهماله هذا، كأنما يتعمد تضييع جزء هام من تاريخ الوطن، الذي هو ميراث الأجيال، وليس ذلك من حقه، وهنا همس في أذني رفيقي، فهدّأ من ثورتي، حين قال: إن مازق إنه ربما كتب شيئاً وتركه في عهدة أولاده .

وذكّرته بأول حكومة شكلت في برقة عقب استقلالها، فقال: إنه كان فيها وزيراً للزراعة والغابات، ثم أضاف: كنا ستة وزراء تخدمنا سيارة (همبر) واحدة، تنقلنا إلى وزاراتنا في الصباح، ثم تعيدنا إلى بيوتنا بعد الدوام، قال: والطريف أن خبر تكليفي بوزارة الزراعة والغابات، بلغ الشيخ ياسين بو المبري شيخ العبيدات، فأغضبه المنصب ورآه دون مقامي، فذهب لمقابلة سيدي إدريس...... وقال له : يا سيدي ... تؤلف وزارة فيها رجل واحد من قبائل الحرابي، وهو حسين مازق، وتجعله وزيراً على (الحطب)، كيف يكون ذلك؟ قال فضحك سيدي ... ووعده خيراً، وهدّأ من ثورته، وبعد قليل حدث تعديل في وزارة برقة، وأسند لي فيها وزارة التعليم والداخلية .

جهوده في النهوض بالتعليم :

قال: ولما توليت وزارة التعليم في بداية الدولة، لفت نظري أن شباب الحضر في المدن، قد نالوا شيئاً من التعليم في فترة الاحتلال، وفي عهد الإدارة البريطانية، وهو وإن كان قليلاً، ولكنه نافع على كل حال، فهم يحسنون القراءة والكتابة، ويطلعون على الجرائد والمجلات الواردة، ويعرفون شيئاً في التاريخ والجغرافيا، ومن خلال ذلك يلمون بكثير من المعارف والاتجاهات السياسية في العالم من حولهم، بينما نظراؤهم من أبناء البادية، وهم الذين عانوا الهموم من ويلات الحرب، وتجرعوا مرارة الفقر والحرمان، وحرموا من التعليم نهائياً، ليس بينهم من يفك الخط، وعلى ذلك فإن مستقبل البلاد سوف يكون في يد سكان المدن، بالإضافة إلى أن هؤلاء البوادي، هم مواطنون شرفاء شجعان، ولهم على حكومة وطنهم حق، وهم الذين باشروا الجهاد، وهلك منهم في الميدان والمعتقلات كثيرون، فكيف يحرمون من نور العلم، و يضيع حقهم من الثقافة ؟ قال: فرأينا أن نساعدهم بسلسلة من المدارس الداخلية، تكون قريبة من منتجعاتهم، بحيث يتوفر لهم التعليم، ويساعدون أهلهم في أعمال الرعي والزراعة، فقمنا بإنشاء مدارس داخلية في الأبيار وجردس، وقرية عمر المختار، والقبة وطبرق، ثم ألحقنا بها أخرى ثانوية في سوسة ودرنة، وكان لهذه المدارس دور عظيم في سرعة نشر التعليم، بين أبناء البادية أيضاً، مع الاستعانة (بطواقم) من المعلمين المصريين المختصين، فكانت تلك التحركات، على الإقليم كله خيراً وبركة، وآتت ثمارها بسرعة عجيبة .

حادثة طريفة :

قال: وقد تعودت أن أتردد في فصل الصيف على شحات، وقد أقيم فيها أياماً للتفقد والزيارة، وحدث ذات مرة، أن كنت أجول بسيارتي هناك، فرأيت في الشارع ولدين دون العاشرة، يقومان ويقعدان، ويجريان حافيي القدمين وشبه عاريين، وعجبت لأمرهما، فأوقفت السيارة وناديتهما، وأخذت استفسر منهما عن أبيهما، فقالا: من عيت الخادم، ولكن توفي من زمن، قلت: فأين أمكما، قالا تزوجت، قلت: وأنتما مع من تعيشان؟ قالا: نعيش في هذه البلدة، نمضي بالشارع النهار، ونأوي إلى بعض الخرائب بالليل، نبيت فيها حيثما يتفق، وذكرا لي أن لهما بعض المعارف في شحات، ولكنهم يعجزون حتى عن إطعام أطفالهم .

قال : فحملت الولدين في سيارتي إلى سوسة، حيث يوجد ابن عمي محمد الطيّب، يعمل مراقباً بالقسم الداخلي في المدرسة، فقلت له: ومن هو محمد الطيب؟ قال: هو الملقب بو فروة، قلت: أنا لا أعرفه بهذا الاسم (الطيب) وإنما نعرفه بو فروة، قال: بو فروة كثيرون، وليس هو الوحيد الذي يسمى بو فروة، قلت: نعم .

قال : فلما رآهما بو فروة، قال : يا سيدي حسين هؤلاء عراة الأجسام، فكيف تريد مني أن أسكنهم بالقسم الداخلي؟ فقلت له: سأحضر لك بذلتين لهما، قال: إذن فلتكن البذل عشرة، فعندي عشرة تلاميذ آخرون عراة أيضاً، فقلت: لا عليك، وأرسلت له أربع عشرة بذلة وأوصيته برعاية الولدين .

قال: الحمد لله، لقد كانت تلك خطوة موفقة، وكان غرسنا في أرض خصبة مستعدة للإنبات، قلت: كيف ؟
قال: إذا ذهبت إلى مستشفى الصدرية، في المنصورة شمال شحات، فاسأل عن فلان من عيت الخادم، فهو أحد الولدين المذكورين، لقد سافر في بعثة للدراسة بالخارج، ثم عاد ليعمل بالمستشفى، بحيث لا تجرى عملية جراحية حتى يجهز لها دار الجراحة، ويشرف عليها ويرتب أمورها، فهو العمود الفقري للحركة الطبية بالمستشفى . 

وفعلاً تهيأت لي زيارة للمستشفى، وسألت عن الرجل فأرشدوني إليه، وسألته عن حسين مازق فقال: ذلك علم فريد ورجل دولة، وإنسان فاضل، وله في عنقي جميل لا أنساه أبداً، جزاه الله خيراً، وحدثني القصة مرة ثانية.

عيوبه :

هذا وإذا كانت لحسين مازق من عيوب تشوه سيرته، وتبيح للآخرين نقده، فهي تتركز في أمرين: إفراطه في حب وطنه، فهو -وإن قابلته وهو في الثالثة والثمانين من عمره- حاضر العقل، موفور الذكاء، وحين تجلس إليه، تحس أن ذاته تفنى في حب وطنه، فلا شيء يملك عليه أقطار نفسه، ويوجه حديثه، ويسيطر على مشاعره، أكثر من هموم وطنه، فكأنه رهين شيخوخته، كطائر رهين في قفصه، يود أن يحطم قيده، ليعود فيأخذ بزمام المبادرة في خدمة بلاده، والآخر إخلاصه الطامي (لفلان الفلاني)، فحب حسين مازق (لفلان الفلاني) حب غير مقيّد ولا محدود، ولا يخضع للأحوال أو الظروف، ولكنه شيء يجل عن الوصف، وحسين مازق لا يذكره إلا سيدي (إدريس) . كنت أسمع عن هذين العيبين في سيرة الرجل، حتى تأكدت منهما عياناً من جلستي معه .

وفاته :

لحق مازق بربه يوم الجمعة 12/5/2006م وابّنه -مشكوراً- صحفيّ صغير، كتب منشوراً قصيراً، سقيم الإنشاء، كثير الأخطاء، يقول فيه (بنغازي تودع ابناً من أبنائها) هكذا وكأنه يسوّي حسين مازق، مع الجزارين والخضارين والكناسين، فكلهم أبناء بنغازي، فهذا التعبير بطبيعة الحال، يسيء إلى تاريخ الفقيد، وسمعته وأمجاده، بل ربما يسيء إلى اللغة نفسها، التي فشلت في التعبير عن عظيم من عظمائها، فليت شبابنا الذين يعرّضون أنفسهم لمثل هذه المقامات، يحاولون أن يتعلموا كيف يستخدمون لغتهم . وحسين مازق لا يقال عنه: إنه واحد من أبناء بنغازي، وكأنه واحد نكرة بين مئات من أبنائها المغمورين، كلاّ، بل يقال عنه: نجل بنغازي الأول، وابنها البكر، ومركز فخرها، وجوهرة عقدها، وعنوان مجدها، بل وخلاصة الوطن كله، ولا ضير في ذلك، ولا مشاحّة فيه.

مواقف من حياته :


1- التزام:

قال حسين مازق: في عام1954م أصدرت قرارًا بمنع استعمال السيارات الحكومية لغير الأغراض الرسمية، والتزاماً بنص القرار استأجرت لأولادي عربة يجرها حصان، تنقلهم إلى مدارسهم، وتعود بهم، ثم أسست أسرة جعودة شركة تاكسيات، عام 1956م، فاستأجرت لهم (تاكسي) ينقلهم بدلاً عن عربة الحصان.

2- قصة السيارة:

قال: وحين أسندت إليّ ولاية برقة في أوائل الخمسينيات، اشتريت بنفسي سيارة خاصة لتكون في خدمة الأسرة، بحيث تنقل الأطفال إلى المدرسة وتعود بهم، وتقوم بخدمات للبيت، وحدث أن كسر مصباح إشارة الدوران الخلفية (الفريتشا)، وطاف السائق بالسوق فلم يعثر عليه، فاضطر للذهاب إلى جاراج مصلحة المواصلات، فأصلحوها له، وبعد شهر استلمت خطاباً رسميّاً من مدير المواصلات حين ذاك، السيد عمر يعقوب يخبرني فيه أن السيارة الخاصة رقم كذا، ونوع كذا، المملوكة للسيد والي برقة، قد تم إصلاحها من خزينة الدولة، بمبلغ جنيهين وخمسة وأربعين قرشاً، وأن عليكم دفع المبلغ من مالكم الخاص، باعتبارها ملكاً خاصاً، لا تتحمل الدولة تكاليف إصلاحها، قال: فحررت شيكاً باسم مصلحة المواصلات، وأرسلته لهم، واحتفظت بصورة منه في جيبي، وقد حملتها معي يوم استدعيت للمحاكمة في العهد الجديد. قال ابنه: وحين سألته هل يعقل أن يطالبوك بدفع هذا المبلغ وأنت والي ولاية برقة، وأكبر مسئول فيها والممثل الشخصي لأعلى سلطة في البلاد ؟ قال فأجاب: نعم، مال الدولة هذا مال عام، وليس لي فيه حق إلاّ ما يسمح به القانون.

3- مراودة ورفض:

يقال إن حكومة الثورة دعت كلاً من حسين مازق وعبد القادر بو البدرية، وقالت لهما: أنتما كنتما رئيسين لحكومات سابقة في العهد الملكي، ونحن حين حاكمناكم إنما كنا نحاكم نظاماً سابقاً، ولا نحاكم أشخاصاً، ومن هنا فنحن دعوناكم اليوم ونريد منكم أن تنضموا إلينا كمستشارين، نعتمد عليكم في المهمات الخاصة، ونقابل بكم رؤساء الدول، وفطاحل رجال السياسة في العالم .

تكلم حسين مازق فقال: أما أنا فيستحيل أن أخدم دولتكم هذه، وذلك أنني قلت في محكمتكم كلمة سمعها الناس أجمعون، وقلت إن ولائي (لفلان الفلاني) لا حدود له، وإن علاقتي به علاقة روحية بين أجدادي وأجداده، هذا ما قلته بالأمس، وبه قدمت نفسي إلى حبل مشنقتكم، لولا أن الله كتب لي حياة قد تطول وقد تقصر. فهل تريدون مني اليوم أن أخدم نظاماً يشتم (فلان الفلاني)، ويصوره خائناً لوطنه، مخادعاً في دينه، غاشاً لقومه؟
أمّا فيما يتعلق بالمنافع المادية، فلست أقبل منكم شيئاً لا حياً ولا ميتاً, وقد أوصيت أولادي أن لا يقبلوا منكم أي مبلغ، ولو كان تعزية في حسين مازق بعد وفاته، فدعوني وشأني .

4- رد التعزية:

ويبدو أنّ حسين مازق لما شعر بدنو وفاته، أعاد وصيته لأولاده، ألاّ يقبلوا أيّ مال ترسله لهم الدولة تعزية في وفاته، وكأنه كان يعرف أن حكومة الثورة ستعزي فيه، وتعزي فيه بماذا؟ بمال معلوم، هو حق لآلاف محتاجين إليه من السائل والمحروم، وهو أمر يتناقض مع مبادئه، التي يحرص على الالتزام بها حتى بعد وفاته، وتحقق ذلك، فبعد وفاته أرسلوا مبلغاً كبيراً من خزينة الدولة الليبية، ومقداره خمسون ألف جنيه ليبي، تطييباً لخواطر ممتنّين به على أسرة الراحل الكريم، ولكن أولاده كانوا أمناء على تنفيذ وصيّة والدهم، فردوا المبلغ معتذرين بأن تلك وصيته، ولا مناص من تنفيذها .

5- موقف فتحية حسين مازق:

بلغني أن هذه السيدة تتميز بكل شمم وشجاعة، مثل أبيها، فقد ورثت عنه صفاته العظيمة، ولها عدة مواقف تدل على عزتها وشجاعتها، من ذلك أن وفود المهنئين تقاطرت على بيت حسين مازق، يوم خروجه من السجن، وكثر ازدحامهم على باب داره، فأسرع الغوغاء يصدون الناس، ويدفعونهم بعيداً عنه حقداً وحسداً، أن ينزل تلك المنزلة من قلوب الشعب، وأن تكون له في نفوس محبيه تلك العزة والكرامة.

وهنا انبرت لهم فتحية وقالت: هذا بيت حسين مازق، والله لا يُصَد عنه شخص جاء إليه، سواء جاء للسلام عليه، أو لحاجة يريد قضاءها منه، وسيظل بابه مفتوحاً ما دام هناك إنسان يبغي الدخول إليه، فانصرفوا عنّا لا هداكم الله.

6- وموقف آخر:

فقد روت فتحية الحادثة التالية، قالت: وردت إليّ رسالة تنبئني بأنني مستهدفة للتكريم كمعلمة قديمة، وكان الحفل يقام بمنتزه بنغازي، ويحضره آلاف المعلمين والمعلمات، وعندما جاء دوري نودي عليّ باسم (فتحية حسين يوسف)، فسرت إلى حيث يقف نقيب المعلمين، وأمين التعليم، وأمين مؤتمر بنغازي، ونائب أمين اللجنة الشعبية، وبقية القيادات والشخصيات في ذلك الوقت، وتكرم النقيب فمدّ لي الشهادة، فأحجمت عن تسلمها، وقلت له: أنا أحمل اسماً يشرفني ويضع تاجاً على رأسي، وعليه فلن أتسلّم شهادة لا تحمل اسم (مازق)، فبهت النقيب ومدّ لي يداً مرتعشة بالرداء، فقلت له: احتفظ به لنفسك. وقفلت راجعة، وإذا بجموع المعلمين تصفق، بينما تهتف المعلمات: يا أبله فتحية تكريمك في قلوبنا، وهنا التفتّ إلى الجالسين على المنصّة وقلت لهم: هذا هو التكريم الذي أريده . 

ولا شكّ أن المسئولين على إقامة الحفل، عز عليهم أن يدوّي بينهم الاسم الكبير:(حسين مازق)، فتضجّ له القاعة، ويذكّر الحاضرين بالشجاعة والرجولة، وبقية الصفات الإنسانية الكاملة، فيكسف أقواماً (متنفجين) بذلوا كل جهد ليبلغوا ذاك المقام فلم يكونوا من المفلحين، وتفادياً للموقف، رأوا أن يتجاوزا عمداً اسم مازق المشهور، تخلصاً من رنين اسم حسين مازق، ذلك على رغم ما قدّم الرجل للوطن العزيز من خدمات لا ينكرها الا ظالم جحود.

كلمة أخيرة :

بقي أن أقول إنني بحثت في سيرة حسين مازق عن أخطاء، لأتخذها وسيلة لنقد يصقل حياته، ويواكب هذه السطور عن مسيرته، نعم ... لقد التمست وسيلة لنقد يوجه إليه، فلا يخشى شعاع النقد إلاّ خفّاش ضعيف - ومع قناعتي بأنه يستحيل أن يخلو شخص من عيوب، وخاصة من يتصدون لقيادة الشعوب، وصناعة التاريخ، وتلك بديهة لا يتغاضى عنها إلاّ الغافلون - مع ذلك لم يذكر في سيرته من العيوب شيء، وبناء عليه، فنحن هنا نرحب أن يكتب القراء ما يحضرهم منها، على أن تكون موثقة صحيحة، فلسنا نخشى على سيرة رجل مثل حسين مازق، من نقد يوجه إليها، ولا من عيوب تلصق بها، لأنها مادامت غير معروفة ولا ومتداولة، فهي لا تعدو -إن وجدت- أن تكون غير هنات صغيرة وعفوية، ولا خوف على تاريخ الرجل العظيم، مما يلصق بسيرته من هنات، أو يفترى عليه من أكاذيب . 


الرقيم / مجلة الآداب العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق