الأربعاء، 11 يوليو 2012

دور الفنادق في النشاط التجاري والصناعي في طرابلس...م. علي الميلودي عمورة

من أكثر المعالم التي تميزت بها مدينة طرابلس وجود عدد كبير من الفنادق أغلبها قائم إلى الآن يشاهد، وإن حل بمعظمها الخراب، وتغَير في أغلبها الإستعمال. وقد كان لكلمة فندق مفهوم ودلالة يختلفان عن المفهوم المتعارف عليه لغوياً، حيث أن كلمة فندق هنا لا تعني المعنى المحدد كنزل أو سوق خضر، كما يعرف سوق الخضر بمدينة بنغازي، وأن كلمة فندق في مجال هذا النوع من المنشآت التي وجدت بمدينة طرابلس تختص بهذا النوع من المباني، وهو عبارة عن مبنى كبير به مجموعة من الحجرات، تعرف بالبيوت، جميعها تحيط وتشرف على فناء رئيسي يتوسط المبنى، وتتكون معظم الفنادق من دورين، ولها مدخل واحد بباب ضخم يسمح بدخول الدواب التي يتم بواسطتها نقل السلع من وإلى الفندق.

صورة رقم (1) من داخل فندق مادي الحسان بمدينة طرابلس

ولم نعثر على ما يفيد عن وضع الفنادق قبل العهد العثماني الأول وأن معظم الفنادق القائمة يعود للعهد العثماني الثاني وعهد الأسرة القرمانللية أي من إنشاءات القرن السابع عشر والثامن عشر وأن القليل منها قد يعود إلى العهد العثماني وبالمفهوم الذي عرفت عليه الفنادق خلال هذه الفترة التي نتعرض لها في هذه المقالة أي من منتصف القرن السادس عشر حتى مطلع هذا القرن، فقد يكون هذا الاستعمال قد برز خلال هذه الفترة فقط وأن ذلك أحد مؤثرات النظام والأسلوب العثماني في أسواق المدينة ونشاطها حيث يلاحظ استمرار أسلوب الفنادق المشابه لفنادق طرابلس في أسواق اسطنبول والمدن التونسية، ولعل الفنادق التي وجدت قبل ذلك كانت تختص بالنزل فقط أي مايعرف في العمارة الإسلامية بالخان، وأن المزاولات والاستعمالات التي عرفت بالفنادق كانت قبل ذلك موزعة على منشآت أو أسواق أخرى لها أسماؤها وصفاتها الخاصة بها.

ونستطيع أن نحدد أهم الاستعمالات التي إرتبطت بالفنادق من خلال ما ورد عن فنادق طرابلس في العديد من المراجع، ومن إفادات الأجيال السابقة، ومن خلال ما عرف عنها من إستعمال خلال الفترات المتأخرة، أي أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن. وكذلك من خلال إرتباط هذه الفنادق ببعض من الأسماء والمجموعات التي كان نشاطها معروفاً وواضحاً، وإرتبط إستعمال هذه الفنادق بنشاطهم، وبالتالي إستمر هذا النشاط بالفنادق، وإرتبطت بهذا المجال من الإستعمال، كما إحتفظت وإشتهرت بعض الفنادق بتسميات تحدد إستعمالها الأصيل، وأكثر الإستعمالات شيوعاً بالفنادق ما يلي:


* إستعمال الإقامة (نزل): عرف فندق بن زكري بسوق الصاغة بهذا الاستعمال خلال النصف الأول من هذا القرن، وعرف بالفندق التجاري. كما إن هذا الإستعمال كان ينطبق على مجموعة من الفنادق الأخرى التي وجدت بالمدينة وأشير إليها. وقد أزيلت وحل محلها فنادق بالمفهوم الحديث، أو إستعمل موقعها لأغراض أخرى مثل فندق الأطلنطي الذي حل محل أحد الفنادق التي بنيت من قبل الداي عثمان باشا قرب مسجد درغوث باشا سنة 1661، كما كان يوجد مكان دار عرض النصر بسوق الحرير فندق كبير شيد من قبل الداي نفسه أيضاً في سنة 1654، وورد بأنه يحوي أكثر من مائة حجرة، ولاتزال حجرات أو بيوت هذا الفندق قائمة. كما أستبدل فندق الرمانة بنادي باب البحر.

صورة رقم (2) من داخل فندق بن زكري

وقد عرفت مجموعة من الفنادق التي كانت تستعمل لسكن العزاب وتؤثث من قبل المستأجر، أي تشيد بغرض الفنادق المعروفة بفنادق الإقامة الطويلة. وهذا النوع من الفنادق يتصف بصغر حجراته وتعددها، وتتناسب مع متطلبات الإقامة والنوم، وتختلف عن بيوت (حجرات العمل أو التخزين) التي تكون أعمق، والمساحات أكبر.

وقد كان لفنادق الإقامة نظامها الخاص مع النزلاء وإستقبال الغرباء ومواعيد فتح وإقفال الفندق ليلاً. وتجدر الإشارة بأن معظم الفنادق يوجد بها مقهى لخدمة النزلاء أو العاملين بالفندق.


* إستعمال لإقامة الجند: لقد أستعملت بعض الفنادق بسوق الترك لإقامة الجند كثكنة عسكرية لهم، ونلاحظ العديد من الإشارات إلى خروج الجند من فنادق إقامتهم بسوق الترك، وخصوصاً في حركات الإطاحة بالدايات وتنصيب الجدد منهم. ولايزال أحد الفنادق يحمل إسم فندق الدروز، وقد لإكتسب هذا الإسم لإقامة مجموعة من الجنود الدروز به، الذين أحضرتهم الإدارة التركية خلال العهد العثماني الثاني.


* إستعمال الوكالة التجارية: لقد كان من أهم إستعمالات الفنادق إستعمالها كوكالة تجارية، أي مكان لإستقبال وتخزين السلع. ولقد إرتبطت العديد من فنادق المدينة بنشاط تجارة القوافل، حيث كان يتم إستقبال البضائع القادمة من السودان بهذه الفنادق ليتم بها الفرز والتصنيف وإعدادها للتسويق المحلي أو التصدير عن طريق البحر، وبمثل ذلك يتم إستقبال وإعداد السلع الواردة من البحر. ويتم بالفندق الذي يخص أحد التجار أو مجموعة متجانسة منهم، جميع أعمال الوكالة التجارية، حيث تتم المبادلات والمقاصات والتخزين، وكذلك التسويق أو التصدير عند ظهور الطلب وإرتفاع الأسعار. كما يوجد ببعض منها حجرات الإقامة بالدور العلوي ووسائل التخزين والعمل بالدور الأرضي.

صورة رقم (3) من داخل فندق الزهر بقرجي في الوقت الحاضر

وإلى جانب هذا من النوع من الفنادق التي عرفت بهذا النشاط والتي لاتزال مجموعة منها تحمل أسماء تجار إشتهروا بتجارة القوافل مثل فنادق الغدامسية وفندق زميط، كانت توجد مجموعة أخرى إشتهرت بتجميع وتسويق السلع المحلية مثل الزيوت والسمن والزهر والحصائر والأردية، وقد يوجد أكثر من تاجر بهذه الفنادق. ولعل فندق (الزهر)، المثل الحي لذلك، حيث حمل هذا الإسم بإعتباره الفندق الذي إختص بتجميع وتسويق الزهر. وقد وجدت بعض الفنادق الأخرى لمثل هذه الأنشطة خارج أسوار المدينة القديمة مع أوائل القرن العشرين، وعرف منها فندق الزيت.


* إستعمال التصنيع: لقد وجدت العديد من الفنادق التي خصصت لتجميع حرف وصناعات متشابهة أو متكاملة مثل مجموعة فنادق الفندقية التي كانت معظمها تستعمل من قبل الحاكة (الحوكية)، إلى جانب بعض الصناعات المكملة لهذه الصناعة كالصباغة أو الصناعات الجلدية أو صناعة المرطبات والسكاكر (الشكار) إلى غير ذلك من الصناعات التي كانت تزاول بهذه الفنادق.


* فنادق طرابلس: ونستخلص من ذلك أن الفنادق، إلى جانب إستعمالها كنزل للإقامة وكثكنة، فإنها تمثل منشأة تجارية أو صناعية، ويعتبر كل فندق خلية قائمة بذاتها تمثل نشاطاً تجارياً أو صناعياً أو سوقاً متخصصاً، وهي في مجموعها جزء من أسواق ومركز المدينة، ولايزال العديد منها قائماً، إلا أن إستعماله الحالي لا يعبر عن الإستعمال الأصيل له، وقد تداخلت الإستعمالات نتيجة التحول العام وخروج أسواق المدينة إلى الأحياء الجديدة منها، وقد بدأ مع نهاية القرن الماضي، كذلك نتيجة إنعدام النظام والأسلوب السابق الذي كانت تسير عليه الأسواق، وهذه الفنادق، وقد يكون أفضل معبر عن أهمية الفنادق بأسواق مدينة طرابلس، هو تسجيل ما بقى وعرف منها، وتشمل قائمة الفنادق عدد18 فندقاً مهماً منتشراً بالطرف الشرقي للمدينة على إمتداد أسواقها وتكاد تأخذ من سوق الترك محوراً لها، ونستبعد من هذه المجموعة بعض الفنادق الحرفية الصغيرة، وكذلك تلك الفنادق التي أستبدلت مع مطلع هذا القرن، وهذه الفنادق هي نظير لما عرف في الشرق لمنشآت متشابهة تعرف بالخانات والقياسر والنزل.
شكل رقم (1) مخطط يوضح مواقع أهم فنادق طرابلس



وهذه الفنادق موقعة على الشكل رقم (1) بنفس الأرقام المشار إليها بالكشف التالي:

1- فندق زميط بباب البحر أمام قوس ماركوس أوريليوس .
2- فندق بعيشو بباب البحر قرب نادي باب البحر.
3- فندق الرمانة أقيم على أرضه نادي باب البحر.
4- فندق الغدامسي بنهاية سوق الترك قرب حمام درغوت.
5- فندق الهنشيري بشارع جامع الدروج خلف المحكمة الشرعية القديمة.
6- فندق الخوجة بزنقة جامع الدروج.
7- فندق حسان بسوق النجارة.
8- فندق الطبجي.
9- فندق الدروز بسوق الترك.
10- فندق النجار بالفنيدقة.
11- فندق سيالة بالفنيدقة.
12- فندق المبروك بالفنيدقة.
13- فندق الغدامسي أمام جامع الناقة.
14- فندق حواص أمام جامع الناقة.
15- فندق الزهر بسوق المشير.
16- فندق بن زكري بسوق الصاغة.
17- فندق ميزران بطريق الحلقة.
18- فندق بودرغوسة بطريق الحلقة.

صورة رقم (4) لمدخل فندق الهنشيري بشارع جامع الدروج خلف المحكمة الشرعية القديمة

والصورة رقم (3) تعبر عن نموذج لأحد هذه الفنادق، كما تعبر الصورة رقم (2) عن منظر داخلي لأحد هذه الفنادق، كذلك تعبر الصورة رقم (4) عن مدخل من مداخل هذه الفنادق، كما كان يوجد نوع من المخازن الكبيرة كان يطلق عليها مغازة، مأخوذ هذا الاسم من أصل فرنسي، وكانت هذه المغايز توجد بمنطقة أسواق المدينة، وقد أزيل معظمها، وبقى منها نموذج وحيد بزنقة النساء، وهي عتيقة، ويشاهد ذلك من نظام بنائها من حيث ثخانة الحوائط والتسقيف بنظام القبو نصف الدائري والبرميلي المستمر، ويلاحظ انخفاضها عن مستوى الطريق وكانت هذه المغايز أو المخازن تستعمل في التخزين والصناعة والتسويق. 


-----------------
 نقلا عن كتاب: طرابلس المدينة العربية ومعمارها الإسلامي، الأستاذ علي الميلودي عمروة، طرابلس، دار الفرجاني للنشر والتوزيع، 1993، ص 301-306.أعدتها للنشر: إيناس المنصوري/ سبق النشر برواق التاريخ بموقع جيل الليبى.

- الصور عن دليل مدينة طرابلس، منشورات مشروع المدينة القديمة (طرابلس).

- الكاتب علي الميلودي عمورة: عمل فى وظيفة كبير مهندسي بلدية طرابلس من سنة 1960 وحتى منتصف التسعينات كرئيس للجنة تقييم المخططات الإقليمية والمحلية، كذلك عضويته في العديد من اللجان، كاللجنة العليا لمدينتي البريقة ورأس لانوف ولجنة متطلبات الإسكان، تقلد الكاتب العديد من الوظائف ذات صلة مباشرة في مجال المرافق والتخطيط كقيادي في هذا المجال، إنطلاقاً من العمل البلدي مع بداية تقلده الوظيفة العامة سنة 1960 إلى توليه وكالة وزارة الأشغال لمدة تجاوزت أربع سنوات سنة 1963-1967، ثم توليه وزارة الشؤون البلدية، والتي أرسى فيها قواعد العمل البلدي وأسس التخطيط الحضري، حيث تولى أول لجنة للتخطيط الحضري على المستوى القومي. كما تولى التدريس في الجامعة الليبية (جامعة الفاتح) لمواد ذات علاقة بالتخطيط، كمدرس منتدب لأكثر من أربع سنوات. له إسهامات في المؤتمرات المحلية والعالمية، مثل مؤتمر التخطيط الحضري الأول في أفريقيا الذي عقد في أديس أبابا سنة 1962، بتنظيم من اللجنة الاقتصادية الإفريقية، ومؤتمر البيئة الأول في أستكهولم سنة 1972.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق