![]() |
| قناع للفرعون الليبي شيشنق |
هدف
هذا المقال هو البحث في أصل وأسرة الفرعون شيشنق بمصر مع سرد موجز لإصلاحاته الداخلية
والخارجية وذلك كله حسب ما تسمح به المصادر والإمكانيات المتاحة.
أدى
إزدياد كهنة آمون وفسادهم في أواخر عهد الأسرة الواحدة والعشرين، إلى زيادة ضعف الإمبراطورية
وتفككها داخلياً، وصارت مصر عملياً مقسمة إلى سلطتين، سلطة كهنة آمون بطيبة، وسلطة
فراعنة الأسرة الواحدة والعشرين المقيمين بتانس Tanis. وتصادمت السلطتان،
وتحولت مصر إلى كتل داخلية متعارضة ومتطاحنة، إختل بسببها الأمن، وضاع الإستقرار، وتبعاً
لهذه الفوضى الداخلية، فقدت هيبتها الخارجية، وصارت سلطتها شبه معدومة في النوبة وفلسطين.
![]() |
| زعماء قبائل ليبية عاشت بوادى النيل |
في هذا
الزمن المضطرب إزدادت هجرة الليبيين السلمية لمصر، وإزداد إستقرارهم بها، وكون بعضهم
بها ثروة وجاهاً، مما دفع العديد من المتنافسين المصريين إلى الإستعانة بهم كحلفاء
وكجنود لمساعدتهم. ولعله تحت ضغط إنعدام الأمن، والدفاع عن أنفسهم من عدوان الغير،
وتمكن بعض رؤساء القبائل الليبية من تكوين جيوش خاصة بهم، بنوا لها الحصون، وزاولوا
بها نفوذاً على المناطق المجاورة. وكان على رأس كل حامية أو حصن رئيس يلقب بـ “الرئيس
الكبير لما”. و“ما” اختصار لإسم مشواش.
وتبعاً
لذلك إزداد النفوذ الليبي القديم العهد في الدلتا، وبقية مناطق مصر، مما أعطاهم مكانة
خاصة بين بقية الفئات. فقد كانوا السلطة الوحيدة - تقريباً - القوية والمنظمة في مصر
التي مزقتها الصراعات الداخلية، وكان من بين الأسر الليبية التي استقرت بمدينة هنينسو
Hininsu، هيراكليوبوليس Heracleopolis بوسط مصر، الذي تمكن إبنه موسن Musen من تولي كهانة الإله المحلي هارشافي Harshafi، علاوة على قيادة
الحامية العسكرية بها.
كون
موسن علاقات قوية مع الأسر المتنفذة والبلاط الفرعوني بالذات، وقد نجح في تزويج إبنه
شيشنق من أم الفرعون، وإسمها ميهيتنوشخيت Mehetnuskhet، ومن هذه الصفقة
الاجتماعية والسياسية الناجحة ولد ناملوت Namlot الذي وفق هو الآخر في الزواج من أميرة فرعونية تسمى تينتسيبه Thentsepeh، وقد ولد من هذا الزواج الأخير شيشنق، الذي سيتولى عرش مصر كما سنبين.
إذا
موسن وإبنه شيشنق، تمكنا بفضل نفوذهما العسكري والديني والمادي من تحقيق مكانة اجتماعية
عالية لهما داخل المجتمع المصري، خصوصاً إذا لاحظنا أن علاقة المصاهرة التي حققاها
قد ربطتهما بالسلطتين المتنفذتين في مصر، وهما السلطة المدنية المتمثلة في فراعنة الأسرة
الواحدة والعشرين بمدينة تانيس، والسلطة الدينية المتمثلة في كهنة آمون بطيبة. ويكفي
تدليلاً على مكانتها السامية في المجتمع المصري أن إبن شيشنق المسمى ناملوت، عندما
مات، رفعه الفرعون بسيخينو الثاني Psibkhenno II إلى مستوى الإله، ووضع له تمثالاً بمعبد إله الأموات الأكبر أزويس بأبيدوس
Abydos، وأوقف الأموال الوافرة والأراضي الواسعة.
![]() |
| خريطة موضح عليها وضع الحكم الداخلي لشيشنق |
ولرفع
التمثال من مكان صنعه إلى المعبد بأبيدوس، يؤكد أحد النقوش أن الفرعون قد أمر له بموكب
ضخم تتقدمه الفرق العسكرية، وكبار رجال الدولة، مصحوبين بأعداد هائلة من السفن، ووسائط
النقل الأخرى، المحملة بكل أنواع الهدايا والهبات. وعند وفاة الأب شيشنق، دفن هو الآخر
في حفل جنائزي كبير.
كل هذه
المظاهر تؤكد الحظوة التي كان يتمتع بها رؤساء قبيلة المشواش، أو “مي” كما يعرفون في
الوثائق المصرية. وقد إستغل شيشنق كل ذلك للوصول إلى السلطة، وبرغم عدم معرفتنا الواضحة
للطريقة التي وصل بها إلى حكم مصر، إلا أن غالبية المصادر تميل إلى تغليب الصفة السلمية
لوصوله للعرش.
وبإستقرائنا
لحوادث تلك الفترة، يغلب على الظن أنه بعد وفاة فرعون في مدينة تانيس Tanis المسمى هور - بسيخينو Hor-Psibkhinno (950-947) ق.م، رغب الراهب
الأعلى بطيبة بسيخينو الثاني في تولي السلطتين الدينية والمدنية، إلا أن أمراء المناطق
الآخرين لم يستسيغوا الفكرة، فحاول بسيخينو تقريب أقواهم، وهو شيشنق، والإعتماد عليه
في الدفاع عن السلطة، وفي المقابل حظي شيشنق بالمكانة الأرفع في القصر والمجتمع الفرعوني،
فكرم والده ناملوت، بأن وضع له تمثالاً في معبد إله الأموات أزوريس، ودفن جده شيشنق
في إحتفال جنائزي ضخم، وزوج إبنه أوسوركون من إبنه الفرعون ذاته، وصار شيشنق في الواقع
هو الحاكم الفعلي لمصر، وإكتفى العجوز بسخينو الثاني بالإحتفاظ بمظاهر السلطة فقط.
أثناء
هذه المدة مكن شيشنق لنفوذه السياسي والعسكري بمصر، وصار يعد نفسه لإستلام السلطة بالكامل.
وتجنباً من الوقوع تحت تأثير أي فئة، حتى يظهر بمظهر المجدد والمحايد، إنتقل إلى مركز
إداري جديد خلقه لنفسه بمدينة بوبسطة Bubasta، ومنها أعلن نفسه
فرعوناً على مصر، بعد وفاة العجوز بسيخينو الثاني سنة 942 ق.م تقريباً.
![]() | |
| تخليد حملة شيشنق على أحد جدران معبد الكرنك |
إصلاحاته
الداخلية :
كانت
أمامه مهمتان عاجلتان: تثبيت نفسه سياسياً عن طريق تأمين الدعم الديني له، وتدعيم السلطة
المركزية في مصر، والتي صارت شبه معدومة بسبب التنافس بين زعماء الإقطاعيات المختلفة
بمصر. ولكي يظهر أمام رجال الدين بمظهر الحريص على الديانة والقيم الحضارية المصرية،
وربما لقناعة أيضاً، قام شيشنق ببناء العديد من المعابد التي منحها المال والاقطاعيات
الأرضية الواسعة، مما أسعد الكثير من رجال الدين، وجعلهم يدافعون عنه. وإلتفت إلى معبد
الإله بتاح Ptah بمدينة ممفيس Memphis، فأغدق عليه المال،
وكَون علاقات ممتازة مع كهانه. وإستكمالا لأحقية ورثته في العرش الفرعوني، قام - كما
أسلفنا - بتزويج إبنه أوسركون، من إبنة بسيخينو الثاني آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين.
وهكذا
مكن شيشنق لنفسه شعبياً، مما شجعه على ضرب معارضة بعض كهنة طيبة له، فداهمهم وطردهم
من البلاد نهائياً، وعين إبنه أوبوت Iuput كاهناً أعلى بها، منهياً بذلك
أي معارضة دينية له أو لأسرته من بعده.
ومنذ
البداية أدرك شيشنق الفوضى وإنعدام الأمن الذي تعانيه مصر بسبب إنعدام الإدارة المركزية
القوية، فبادر إلى تأسيس إدارة قوية، جعل مقرها مدينة بوبسطة، ومنها فرض نفوذه على
كل أمراء الإقطاعيات المختلفة في مصر، فإشترط على كل قائد منطقة أن يقوم بتقديم رقم
معين من الجنود للمساهمة في الجيش المصري الموحد. وفي المقابل يسمح له بحرية التصرف
الداخلي في حدود إقطاعيته. وتسهيلاً للإتصال والجباية، قام بتقسيم مصر إلى ثلاث وحدات
إدارية، لكل منها مركز وحاكم يتم عن طريقه الإتصال بالسلطة المركزية ببوبسطة.
كل هذه
الأعمال أشعرت الجميع بوجود سلطة فعالة، فإستقر الأمن، واطمأن الناس، وعادت عجلة الإنتاج
لسيرها الطبيعي، مما زاد من دخل الدولة المصرية، وقوى مركزها.
سياسته
الخارجية :
يمكن
القول بأن شيشنق من الشخصيات الذكية والنشطة التي ظهرت على مسرح الحياة المصرية، إذ
رغم سوء الفترة الزمنية التي تصادف وجوده فيها، إلا أنه عمل الكثير من أجل إيقاف إنحدار
مصر، الذي كان على ما يبدو قدراً محتوماً، وفقاً لنظرية ابن خلدون في نشأة وسقوط الحضارات.
وقد
رأينا كيف أنه أصلح الإدارة وأقر الأمن داخلياً. أما السياسة الخارجية فقامت على أساس
إعادة أملاك مصر الخارجية في آسيا وأفريقيا، وبالتالي إستعادة هيبتها العالمية، ففرض
نفوذه على منطقة النوبة والواحات الغربية وشرق ليبيا، وقام بتعيين قادة تابعين له في
تلك المناطق، حتى يضمن ولاءها وإستقرارها. وحرص على تجارة القوافل، وتأمين طرقها عن
طريق إيجاد نقاط مراقبته في المراكز الرئيسية، وتدل النقوش على أن سلطة شيشنق كانت
قوية في كل تلك المناطق، فقد عثر على نقش عليه قصة خلاف نشب بين سكان الواحات حول بئر،
فأرسل لهم شيشنق أحد مستشاريه الليبيين، وإسمه وايهيست Waiuheset تمكن من فض النزاع، وإعادة الإستقرار للمنطقة.
ولعل
أهم أعمال شيشنق الخارجية هي حملته على فلسطين سنة 930 ق.م، والتي إختلفت الآراء حول
أسبابها، فالبعض يرى فيها محاولة لفتح الطريق أمام فينيقيا التي كانت يتزود منها بالأخشاب
اللازمة لصناعة السفن، وقد أدى الصراع الناشب بين ورثة سليمان إلى عرقلة هذا الطريق
وإضطرابه. وقد يكون هذا صحيحاً خصوصاً إذا لاحظنا العدد الكبير من السفن الذي تملكه
مصر في تلك الفترة كما تذكر النقوش.
![]() | |
| خريطة لامبراطورية شيشنق من سنة 950 - 929 ق.م |
وهناك
من يرى أن الحملة كانت لغرض مد نفوذ مصر على المنطقة التي كانت تعتبر ضمن دائرة نفوذها
في وقت ما. وهناك من يرى أنها كانت لتأديب جيروبام الذي رفض - بعد توليه الحكم - الإعتراف
بسلطة شيشنق عليه، بعد أن أحسنوا إستقباله في مصر، حين لجأ إليها. كما دعموه في ثورته
ضد ريهوبام ابن سليمان حين عاد لفلسطين بعد موت سليمان سنة 933 ق.م. وهناك أيضاً من
لا يرى فيها سوى عملية قرصنة للإستيلاء على خزائن سليمان، لتدعيم الاقتصاد المصري.
وقد يكون في ذلك الكثير من الإجحاف، والتقليل من عملية حربية إنتهت بالنجاح عسكرياً،
وأعادت لمصر - ولو مؤقتاً - نفوذها السياسي، وهيبتها التي إفتقدتها منذ مدة. كما يؤكد
نفس الكاتب.
بدأت
الحملة في السنة السابعة عشر من حكمه، أي في أواخر عهده. وإنطلقت من غزة مخترقة المناطق
الشرقية من فلسطين حتى حدود فينيقيا شمالاً، ثم عادت بمحاذاة البحر إلى أن رجعت إلى
مصر. أغلب الظن أن الحملة كانت سنة 930 ق.م، وقد خلدها شيشنق على لوح ضخم وضعه على
الباب الجنوبي لمعبد الكرنك، وعليه يظهر الإله آمون يقدم للفرعون 156 أسيراً يمثلون
المدن والقرى المختلفة التي إحتلها بفلسطين. وتذكر الكتب المقدسة تلك الحملة، وتعددَ
المدن التي فتحها. وقد أمكن التعرف على أماكن العديد من هذه المدن والقرى عن طريق الحفريات
العديدة التي قامت بها البعثات الأثرية المختلفة.
![]() | |
| سفن مصر القديمة |
وقد
كان لهذه الحملة آثارها السياسية الإيجابية على مكانة مصر وسمعتها العالمية، كما كان
لها آثارها الاقتصادية العميقة، إذ وفرت لشيشنق ثروة كبيرة، مكنته من إعادة أهمية الديانة
المصرية، وذلك بوضع جزء كبير من الأموال التي غنمها تحت تصرف معابد آمون المتعددة،
وبالذات في طيبة. كما أنها أعطته القدرة على تنشيط الحياة الاجتماعية والعمرانية والفنية
في مصر بشكل إفتقدته منذ مدة بعيدة. وقد بنى شيشنق بجزء من هذه الأموال القاعة الكبرى
بمعبد الكرنك، والتي تعد من أكبر ما أنجز في مصر في هذا المجال، كما يؤكد الأستاذ بريستد.
وقد قصد منها شيشنق أن تكون مكاناً للإحتفال بعيده الثلاثين لتوليه السلطة، إلا أنه
مات قبل أن يفتتحها.
مات
شيشنق سنة 925 ق.م، بعد أن أعاد لمصر إستقرارها ونشاطها الداخلي وممتلكاتها ونفوذها
الخارجي. وخلفه إبنه أوسركون Osorkon الذي ورث
عرشاً ميسوراً، فلم يستثمره، وإنساق للهو. جاء بعده تاكيلوت الأول 889-865 ق.م، ثم
أوسركون الثاني. وبعده تكثر الأسماء، وتتشابك، بسبب الصراع بين أمراء طيبة وبوبسطة
وهيراكليوبوليس وغيرها من المناطق. ولعل آخر ملوك الأسرة هو شيشنق الرابع الذي بوفاته
سنة 725 ق.م إنتهت الأسرة الثانية والعشرين، وبدأ حكم الأسرة الثالثة والعشرين، وهي
أيضاً ليبية الأصل.
--------------------------
نقلا
عن: “شيشنق وتكوينه للأسرة الثانية والعشرين بمصر القديمة”، د. محمد الطاهر الجراري،
مجلة البحوث التاريخية، العدد الثاني – يوليه 1982 (طرابلس، تصدر عن مركز الجهاد الليبي
للدراسات التاريخية) ص267 – 275. أعدتها
للنشر:إيناس المنصوري.






نجهــل الكثير و الكثير عن تاريخ ليبيا..
ردحذفشكـرا :)