الانتقال
إلى الاقتصاد الإنتاجي والاكتشافات الآثارية في الصحراء الليبية
كما
ألمحنا أعلاه فقد سادت وجهة نظر ترى بأن تدجين الحيوانات والنباتات قد حدث للمرة
الأولى في غرب آسيا، تحديداً في الهلال الخصيب. طبقاً لوجهة النظر هذه فإن تدجين
الماعز والخراف حدث هناك في حوالي 10.000 سنة مضت، وتمت زراعة القمح في
الوقت نفسه. وكان الصينيون قد احتلوا المركز الثاني وفق هذه الرؤية حيث تمكنوا من
إنجاز التدجين قبل 7.000 سنة مضت، ومن ثم لحق بهم المكسيكيون الذين دجنوا الحيوانات
والنباتات قبل 5.000 سنة مضت. وقد تم تقبل الفرضية الخاصة بوصول الزراعة إلى مصر
من الهلال الخصيب في حوالي 6.000 سنة مضت.
هكذا تقبل
العلماء وجهة النظر القائلة بتأصل عملية إنتاج الطعام في الشرق الأوسط ومن هناك
وصلت خبرة زراعة القمح والشعير إلى مصر ومنها انتشرت إلى بقية أجزاء القارة
الأفريقية. لكن تأخذ في التبلور حالياً وجهة نظر مغايرة تماماً من واقع النتائج
المنجزة في الصحراء وفي ما وراء الصحراء الأفريقية. لقد دفعت نتائج أعمال التنقيب
والاستكشاف الآثاري الجارية في أفريقيا بالباحثين إلى تحدي الفرضية السابقة التي
تدعي بأسبقية الهلال الخصيب في مجال تدجين الحيوانات والنباتات، ومن هناك انتشار
الخبرة إلى أفريقيا.
أولاً،
يعود تاريخ مجتمعات صيادي الأسماك على ضفتي النيل إلى حوالي 20.000 سنة مضت مما
يجعلها الأقدم في تاريخ البشرية. ثانياً، توجد بينة آثارية تشير إلى احتمال تدجين
بعض أنواع الشعير البري في النوبة منذ 16.000 سنة مضت Shillington 1989: 16.
لا شك أن هذه البينة تمثل المرجع الأقدم للزراعة في العالم القديم. فوق ذلك توجد
بينة معتبرة تشير إلى تدجين الحيوانات والنباتات وصناعة الفخار في أفريقيا منذ
حوالي 10.000سنة مضت كما سوف نبين من واقع المعطيات الآثارية الأخيرة من
الصحراء الليبية.
فلنحاول
الآن تتبع النتائج الأخيرة للبحث الميداني الجاري في الصحراء الليبية والمناطق
المجاورة وإلقاء الضوء على التعديلات التي أدخلتها تلك النتائج على إعادة التركيب
السابقة لتاريخ ليبيا القديم. سوف ينصب تركيزنا على مرحلة بداية إنتاج الطعام وهو
موضوع أثبت بصورة متزايدة أنه يمثل أحد أهم المحاور في علم الآثار الأفريقي. إنه
مهم في حد ذاته نسبة للأنظمة الجغرافية المختلفة، والظروف المناخية القديمة،
والتطورات التقنية التي تطوقها. على كل، إذا كان للمرء أن يتقبل الفرضية القائلة
بأن المجتمعات المعاصرة تمتد جذورها إلى تلك المرحلة التاريخية فإن إنتاج الطعام
أشد أهمية لعلاقته وتأثيره على الأحداث والتطورات الأفريقية المعاصرة.
رغم
أن هناك اتفاق حول حقيقة أن ظروف العصر الحجري الحديث تتوافق غالباً مع تحول
اقتصادي للمجتمعات ما قبل التاريخية، ورغم أن العديد من الباحثين يشددون على صعوبة
إدراك واختبار الطبيعة المحددة للمحتوى الاقتصادي آثارياً، فإنهم يحسون بقدر من
التحرر في استخدام مصطلح "العصر الحجري الحديث" جاعليه يعتمد فقط على
سمات معينة (في الأساس الفخار). يبدو لنا أنه من الضرورة
التشديد ليس فقط على التطورات التقنية، لكن قبل كل شئ، على التحولات الاقتصادية
والاجتماعية التي شهدتها مجتمعات الصحراء ووادي النيل خلال الهولوسين.
شهدت
الصحراء، فقط في حالات استثنائية، نمواً مدينياً، كما هو مشهود في المناطق
الأفريقية الأخرى، ذلك بفعل ظروف الصحراء المناخية. كانت واحات الصحراء هي المراكز
التقليدية للتجارة والتبادل الذي استمر حتى يومنا. على أية حال فإن البحث الجاري
يشير إلى أن الصحراء كانت البؤرة الأصيلة لتطور ثقافة تعتمد الرعي أساساً لها، وهو
تحول ترك تأثيرات أساسية على مجمل مسار تاريخ القارة الأفريقية. لقد تمَّ توثيق
الاقتصاد الإنتاجي الرعوي، جنباً إلى جنب مع استغلال الحبوب البرية في الصحراء
بدءاً من منتصف الهولوسين، مع بعض البينات التي يرجع تاريخها إلى حوالي 10.000 سنة مضت. في
الواقع، يمكن افتراض أن نموذجاً واضحاً ومتعمداً لاستغلال البيئة، مع وسائل أساسية
لمراكمة الموارد، يمكن التعرف عليه في فترة أسبق، في حوالي 18.000 سنة مضت، في وادي
النيل السوداني.
أوضح
البحث الجاري في السنوات الأخيرة كيف أنه، في نهاية البليستوسين، شهدت المجموعات
الإنسانية في الصحراء الليبية وبيئاتهم الجغرافية تحولات مركبة. أشرنا إلى أن
الصحراء شهدت فترة جفاف متزايد للبحيرات المحيطة بالسلاسل الجبلية وبداخل تلك
السلاسل في نهاية الأزمان العاترية (حوالي 22.000 سنة مضت) وهو جفاف استمر
يضرب الصحراء لعدة آلاف السنوات (حتى 12.000 سنة مضت تقريباً). لكن بعض المناطق
تمتعت بكم معقول من الأمطار ساعد في استمرار حياة الناس في بعض السلاسل مثل تبستي،
والأكاكوس، وانيدي، والهوقار. عموماً يبدو أنه وخلال هذه الفترة تقلص عدد السكان
إلى حد بعيد. لكن منذ حوالي 15.000 سنة مضت تأخذ في الظهور بينة
الفن الصخري التي تؤكد وجود إقامة إنسانية في فترة جفاف مما يؤكد وفرة موارد
للمياه. بينة الفن الصخري تشير إلى مجتمعات تحمل سمات ثقافات صيادي الحيوانات
الضخمة في صحراء فزان بجنوب غرب ليبيا وفي تاسيلي بالجزائر. أما في الشمال فإن
البقايا المكتشفة في المغرب في تلك الفترة صارت تعرف باسم الثقافة الايبرومورسية.
ورغم التسمية فإن معظم العلماء يؤكدون على عدم وصولها من أوروبا حيث أنها سبقت
الإبحار من صقلية وعبر مضائق جبل طارق إلى شمال أفريقيا. وقد اقترح البعض، من
بينهم دسانيه، احتمال قدوم هذه الثقافة من شمال السودان النيلي Desagne 1981: 424.
حالياً
سيتم التشديد على هذا التغير والطرق التي تم بها وتاريخ وقوعه. صورة لأفق أول،
يمكن ملاحظة نشاطات قبل تدجينية في الأطوار المبكرة للهولوسين، عندما كانت الصحراء
ووادي النيل تؤلفان نظاماً ايكولوجياً واحداً. شملت الإستراتيجية الاقتصادية
للجماعات استخدام سلسلة من التقنيات، جاعلة استغلال البيئة أكثر فاعلية: الصيد،
وجمع النباتات، وصيد الأسماك. في وقت متزامن مع هذا بدأت في البيئات الأكثر جفافاً
مثل الصحراء الليبية أولى تجارب رعى الأبقار التي قادت إلى أن تصبح الأبقار المصدر
الرئيس للبروتين، ساحبة هذا الدور من الأسماك. في هذا الوقت كان هناك مصدران لهما
القدر المعلى بالنسبة لنمو الجماعات الإنسانية - الماء ووفرة الحبوب البرية.
لا
نسعى هناإلى تتبع التجارب الحذرة لإنتاج الطعام في الصحراء ولا لإبراز تأثيرات تلك
التجارب على مخرجات الهولوسين الأوسط. إلا أننا ننطلق هنا من فرضية أنه بالرغم من
أن تلك التجارب لم تفض إلى تأسيس اقتصاد زراعي في الصحراء فإنها سمحت بنقل الخبرة
إلى وادي النيل، وأثرت على الثقافات النيوليتية المحلية- الفيوم A، والبداري، ونقادة.
فرضية
أساسية ننطلق منها تكمن في طرح فكرة أن يكون تاريخ القارة في مجمله قد حُتم بصورة
نهائية بفعل بداية الجفاف الذي أصاب الصحراء حوالي 5.000 ق.م. وفرت
التحركات السكانية التي حفزها هذا الجفاف دوافع أساسية لنشوء المدنية الفرعونية في
وادي النيل. أثرت هذه العملية بدورها على توزيع السكان واللغات إلى يومنا في مجمل
القارة بصورة أساسية بحيث يجوز للمرء عد الجفاف الذي ضرب الصحراء والنتائج
الايكولوجية التي نجمت عنه، بالتالي، قوة دافعة في تاريخ أفريقيا (كوبر 2002).
تحتم
الزراعة وفي المقام الأول الرعي أساس الحياة الإنسانية وشكلها في أجزاء كبيرة من
القارة الأفريقية. يصبح ذلك واضحاً بصورة خاصة بالنسبة لمناطق جافة واسعة والتي
تغطى أكثر من ثلث مجمل القارة. هنا بالتحديد طور الرعاة البدو إستراتيجيات إعاشة
على مدى آلاف السنوات ساعدت في تكييف نمط الحياة الإنسانية لمواجهة تحديات بيئة
قاسية.
تحديداً
خلال أزمان التحول الثقافي الأشد، في بداية الهولوسين، حدثت إعادة تعمير الصحراء
الليبية في شمال القارة والتي تعد عموماً أحد أكثر أقسام ما قبل تاريخ العالم
القديم إثارة، بعد الامتداد أبعد إلى الجنوب في نهاية عصر الجليد أصبحت الظروف
الحياتية في الصحراء أكثر عدوانية مما هي عليه اليوم. في حوالي 12.000 سنة مضت تحسنت
الظروف ومع صحوة الحيوانات والنباتات ادعى الناس الصحراء ملكاً لهم مجدداً.
انطلاقا من هذه الخلفية يجد علماء الآثار أنفسهم في موقع نقطة بداية مذهل يمكن
مقاربته بذلك الذي يجد فيه عالم الأحياء القادر على ملاحظة ظهور الحياة على جزيرة
بركانية جديدة آخذة في الظهور من البحر. في حالة الصحراء الشرقية فإن مجمل العملية
واضحة بما في ذلك نهايتها ولذلك فإن موضوع الاستقصاء محدد للغاية زمنياً. في
أيامنا هذه فإن الصحراء الليبية فيما بين واحة الخارجة ووادي هور وفيما بين الكفرة
ووادي النيل - وهى مساحة 720.000 كيلو متر مربع – خاوية من
الحياة الإنسانية.
المؤشرات
الدالة على تدجين الأبقار في صحراء مصر الغربية حوالي فترة مبكرة من الألفية
التاسعة ق.م.، غض النظر عن الخلاف بشأن ذلك، تبدو صحيحة وفق اختبارات الحمض النووي
منقوص الأكسجين DNAالحديثة(6). الأدلة الأكثر قدماً من السودان
تؤرخ على كلٍ بالألفية الرابعة، ومن شرق أفريقيا بالألفية الثالثة ق.م.
تقع
جبال الأكاكوس بالقرب من الحدود الجزائرية، في فزان في أقصى جنوب غرب الجماهيرية.
المنطقة ذات شكل أقرب للمثلث، في حدود الإحداثيات 24° 00´
شمال - 10° 20´ شرق - 26°
00´
شمال - 11° 20´ شرق. أقرب الواحات سردلس (العوينات) وغات. قام الباحث
الإيطالي ماركلونجو بتحليل السمات الجيومورفولوجية والصخرية لهذه السلسلة Marcolongo 1987.
إجمالا فإن ارتفاع السلسلة أقل قليلاً من الألف متر بحيث أصبح ممكناً استكشاف
السقائف الصخرية الواقعة في أعلى منحدراته. المنطقة متسعة جغرافياً (حوالي 1100 كيلو متر مربع).
استقصاء
واستكشاف ما قبل تاريخ تادرارت أكاكوس بدأ، كما أشرنا، منذ الستينات بمبادرة من
فابريزيو موري، الذي نجح عبر سلسلة من مواسم العمل في أن يجلب إلى دائرة الضوء
مركب مثير للإعجاب للفن الصخري يحمل الكثير من الشبه بما تمَّ الكشف عنه في تاسيلي
بالجزائر. وقد نشر موري نتائج اكتشافاته في الأكاكوس في كتاب صدر في عام 1965Mori 1965 وقد تمت
ترجمته إلى العربية ونشره من قبل مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي (موري1988). تمثل قلب البحث
في وادي تشوينت، الذي سمح بملاحظة تواتر طويل لتلك الأعمال الفنية المرتبطة ببقايا
إقامة إنسانية. أجريت أعمال التنقيب الإستراتيجرافية ونشرت النتائج في كتاب
باربارا باريش "علم الآثار والبيئة في الصحراء الليبية" Barich 1987a. وفرت تلك الحفريات بينة دالة على الإقامة
الإنسانية في سلسلة تادرارت أكاكوس في فترة، على أساس أسلوب التأريخ بالكربون
المشع14، تمتد من الألفية الخامسة حتى الألفية الرابعة ق.م.
في تلك
الفترة، على كلٍ، توجهت الجهود البحثية إلى تصنيف الفن الصخري وفهمه. قدم موري
تصنيفاً حينها من وجهة نظر أخذت في الحسبان الجوانب الأسلوبية (الحيوانات المتوحشة
الضخمة، والرؤوس المستديرة، والرعوية، والحصان، والمثلثات المزدوجة) والتي أصبحت فيما
بعد، كما أشرنا على عكس نواياه، مراحل كرونولوجية.
التحول
الاقتصادي في الصحراء الليبية
النموذج
الوصفي البيئي المستخدم هنا سبق أن ناقشته في بحث منشور (أسامة 2002). في هذا النموذج،
ينظر لإنتاج الطعام بوصفه تعديلاً للجماعات المعتمدة كلياً على اقتصاد استحواذي
تلاؤماً مع ضغوط بيئية. يشدد النموذج، بخاصة، الذي تقوم به تقلبات الموارد
كعنصر في زيادة قاعدة الإعاشة المستغلة (بهذا الخصوص انظر 1981Hayden).
لدى تفسيرنا للمعطيات الآثارية، وضعنا تشديداً خاصاً على الوحدات القياسية
البيئية. لهذا السبب، فإن مناقشة البينة المتمثلة في الأدوات الصنعية وفي التغير
في الإستراتيجية الاقتصادية تم تشكيلها آخذين في حسباننا نتائج الدراسات لمختلف
جوانب البيئة. أشار البحث الجيومورفولوجي بوضوح إلى وجود، بخاصة على امتداد
المنحدر الشرقي لتادرارت أكاكوس، مياه جوفية Marcolongo 1987.
تلك المياه الجوفية لا بدَّ وقد تراكمت خلال الأطوار الرطبة الغنية وتم تخزينها
على مدى مراحل زمنية وجرى استهلاكها ببطء، لصالح العالمين النباتي والحيواني.
إضافة، فإن احتفاظ موارد المياه الجوفية فقط في الحزامات الأخرى - إلى الشرق وإلى
الغرب على حد سواء - قد يكون شجع قدراً معيناً من قابلية التحرك بالنسبة لمواقع
الإقامة الإنسانية، وهى فرضية طرحها ماركولونجو في دراسته المشار إليها.
أشار
تحليل اللقاحات إلى وجود عالم نباتي أكثر انفتاحاً في تين طرة (الواقعة على الجانب
الشرقي)، مما عمل لمصلحة استخدام الإنسان للأرض بفاعلية أكثر. بالعكس
من ذلك، في المناطق المغطاة مثل حوض تشوينت، فإن التأثير الذي مارسه الوضع
الهيدرولوجي للمنحدر الشرقي وفر مناخات محلية ذات طقس أعلى رطوبة وزاد الترسبات
المحلية وهو ما دللت عليه دراسة شولتز Schulz 1987لترسبات تغطي تقريباً الفترة بين 9.200 و 5.000 سنة مضت والتي
تسمح بمقارنة معلوماتها حول البيئة القديمة بتلك الترسبات المعاصرة للسطح الأوسط
للصحراء الوسطى. قاد هذا الوضع إلى تمركز موارد المياه، وهى ظاهرة استمرت حتى
عندما أخذت موارد الحزامات الهامشية في النضوب (بدءاً تقريباً من 5.000ق.م.).
وتؤكد
دراسة فاسيليكوفا الأخيرة Wasylikowa 1993
للعينات النباتية الطويلة (بذور وفواكه) النتائج التي تم
اقتناءها من تحليل اللقاحات وتوفر معلومة إضافية مفصلة هامة. إنها تظهر انه كان
هناك ثراء في المادة النباتية في مستويات الإقامة وهو ما يشكل نتاجاً على الأقل
جزئياً لاستخدام الإنسان المتعمد لمثل تلك الموارد. البينة الجديدة الناتجة عن
أبحاث فاسيليكوفا تؤكد النموذج الاقتصادي الذي اقترحته باربارا باريش Barich 1984a
لمجموعات أطوار تين طرة. من ثمَّ يبدو لنا أنه يجوز القول، انطلاقاً من النتائج
الموضحة أعلاه، أن الصيادين/الجامعين/صائدي الأسماك، الذين فضلوا الإقامة في
المنحدر الشرقي لتادرارت أكاكوس، قد يكونوا قاموا بدور في عملية ما قبل اصطفاء
الأنواع المرشحة للتدجين. البينة الإستراتيجرافية في المواقع الثلاثة -
الكهفين، وطرة شرق، وطرة شمال - تشير إلى أن هذا النوع من الاستغلال استمر من
الألفية الثامنة حتى الخامسة ق.م. تحول في نمط الإعاشة الأصلي في نهاية طور تين
طرة يمكن استقراءه ذلك انه كان هناك اهتمام جديد في تدجين النباتات والحيوانات.
هذه الظاهرة الجديدة موثقة بصورة جيدة في تواتر وان موهجاج في حوض تشوينت ومادته.
في حين استمرت مجموعة النباتات الملاحظة في تين طرة. أشار غوتيه Gautier 1987
إلى الاختلافات في المجموعة الحيوانية: 92% من الشظايا العظمية يمكن
نسبتها إلى حيوانات مدجنة وفقط 4.2% إلى حيوانات برية. في
المستويين الأسفل فإن نسبة الأبقار للأغنام 1:1، في حين أن النسبة
في المستويات الأعلى تشير إلى غلبة الأغنام.
على
أساس تلك المعطيات وبفعل غياب فجوات فعلية في التواتر الاستراتيجرافي الإقليمي، تم
افتراض حدوث تحول في النموذج الاقتصادي الذي يستوعب حافز محلي، مثل عناصر مناخية،
لكن في الوقت نفسه يقلل من دور المؤثرات الخارجية. في الواقع فإن توفر سلسلة بيئات
محلية مكملة في إطار منطقة محدودة سيسمح بموازنة تأثيرات تطورات مناخية غير ملاءمة
والضغط الناجم على الموارد، عبر استغلال مناطق جديدة.
هذا
النوع من الانتقال الاقتصادي، المشهود في تادرارت أكاكوس، يمكن أخذه مثالاً لتواتر
مثالي، ويمكن نشره على مناطق أخرى من منطقة الصحراء الليبية والتي لا يتوفر فيها
هذا الثراء في المعطيات حالياً.
--------------
هوامش
(6)أصبح واضحاً
منذ فترة أن المفاهيم القابعة في أساس مصطلح "النيوليتى"(العصر الحجري الحديث)
كما هو مطبق بالنسبة للصحراء بحاجة إلى إعادة نظر؛ ومعروف جيداً أن التقدم النظري
الهائل قد تحقق من خلال السعي للوصول إلى تفسير مناسب ومتناسق لمجمل المعطيات التي
تراكمت في السنوات الأخيرة. اتفاقاً مع فابريزيو موري أقول بأنه يبدو ثابتاً الآن،
في الحقيقة، أن النقلة النيوليتية - (مصطلح Neolithisation كما يستخدم في هذه الورقة، مفضل أكثر من
مصطلح العصر الحجري الحديثNeolithic في أية مناقشة للعملية التي نمت فيها الظاهرة وتطورت. رغم أن
تعليل أصله لم يعد يعكس الفكر المعاصر، آخذين في الحسبان ارتباطه بما قبل التاريخ
"الحجري"، فإنه يبدو لي أن استبداله أو تعديله لتجنب المزيد من الارتباك
النظري لن يكون مجدياً.)- لا يمكن تثبيتها في جراب واحد لنوع من التركيب الصارم،
ذلك أن الماضي قد أبان أن التعريفات الصارمة تتهاوى بالتدريج كلما تحققت إنجازات
علمية جديدة؛ تزداد معرفتنا اتساعا، وتتعرض أساليب الباحثين إلى تعديلات. لكن ذلك
لا بدَّ أن يكون وفق مبادئ محددة والتي، بعيداً عن جعلها أسيرة تصنيفات مسبقة
ثابتة، تضعها في مركز منظومة منفتحة لا مجال فيها للمحدودبات القديمة غير
الضرورية. هكذا هو الوضع بالنسبة للعديد من مناطق الصحراء حيث تسجل البينة المادية
المحددة بالنسبة للعملية التي تحقق عبرها تدجين النباتات والحيوانات غياباً كلياً،
إلا أنَّ ذلك لا يعنى أن مثل تلك العملية لم تك جارية. لا نستطيع أن نستنتج كونها
كانت جارية بالفعل من مجرد "مفاتيح" تسمح لنا – آخذين في الحسبان مستوى
تطورنا الذهني – بالتعرف على نوع مختلف من الوعي الخاص بمجموعة إنسانية هي في وضع،
وتعرف ذلك، أعلى بالنسبة "للطبيعة" التي ظلت دوماً قاعدة لغذائها إلى
جانب كونها مسرحاً لميلادها وتطورها (موري2006).
(7)دنا
DNA= يتألف حمض الدنا (الحمض النووي منقوص
الأكسجين) ذو الوزن الجزيئى من أربع مواد كيمائية هي قواعد بنيانه: الأدينين،
والجوانين، والثيانين، والسيتوزين، وينتمي كل من الأدينين والجوانين إلى البورين،
وكل من الثيامين والسيتوزين إلى البريميدين. ويكون كل من هذه القواعد الأربع
مخلوطاً مع سكر ديزوكسى ريبوزى وكذلك مع الفوسفات المتبقي، وتسمى هذه القواعد في
تركيبها الكلى بالنيوكليدات. ويتكون حمض دنا من الربط بين عدد من النيوكليدات في
سلسلة طويلة، ويتناوب السكر والفوسفات لتشكيل أساس الجزيئي بينما تتشكل القاعدة من
أي من القوائم الأربع المذكورة. وتكون المعلومة الوراثية محتواة في حمض الدنا ويتم
انتقالها من الأبوين إلى نسلهما. وينحصر الشرط الأساسي لهذه المادة الوراثية في
امتلاكها وسائل فاعلة لنسخ صورة ذاتية مطابقة لها بحيث يمكن إعادة إنتاج المعلومة
الوراثية بصورة دقيقة، ومن ثم نقلها إلى الأجيال القادمة(للمزيد من المعلومات
انظر: أسامة عبدالرحمن النور وأبوبكر يوسف شلابي، تاريخ الإنسان حتى ظهور
المدنيات، الجا للنشر، مالطا، 1995، الصفحات 21-1143).
REFERENCES
Alimen M.H. 1981, ‘resence humaine et Paleoclimats au Sahara
nord-occidental’, In : C. Roueet, H.-J. Hugot and G. Souville (eds.),
Prehistoire africaine. M9la ges offerts au Doyen Lionel Balout, Paris 1981,
105-112.
Alimen M.H. 1987, ‘Évolution du climat et des civilisations depuis 40.000
ans du Nord au Sud du Sahara occidental (Premières conceptions confrontées aux
données récentes)’, Bull. ASS. Fr. Etude Quat. 4, 1987, 215-227.
Barich B.E. 1984, ‘Fieldwork
in the Tadrart Acacus and the “Neolithic” of the Sahara’. Current Archaeology,
vol. 25: 683-686.
Barich B.E. 1984a, ‘The
Epipalaeolithic-ceramic groups of Libyan Sahara: notes for an economic model of
the cultural development in the west-central Sahara’, In: L. Krzyzaniak and
Kobushewiez (eds), Origins and Early Development of Food-Producing Cultures in
North Eastern Africa. Poznan: 399-410.
Barich B.E. 1987, ‘Adaptation
in Archaeology: an example from the Libyan Desert’, In: A.E. Close (ed),
Prehistory of Arid North Africa. Dallas.
Barich B.E. (ed.) 1987a, Archaeology
and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus
1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368.
Bronitsky G. (ed.) 1983, Ecological
Models in Economic Prehistory. Tempe: Arizona State University.
Butzer K.W. 1971, Environment
and Archaeology. Methuen.
Butzer K.W. 1980, ‘Pleistocene History of the Nile Valley in Egypt and Lower
Nubia’, In: M.A.J. Williams and H. Faure (eds.), The Sahara and the Nile,
Rotterdam 1980, 253-280.
Butzer K.W.1982, Archaeology
as a Human Ecology: methods and theory for contextual approach. Cambridge:
Cambridge University Press.
Clark J.D. and S.A.
Brandt, 1984, From Hunters to Farmers: The Causes and Consequences of
Food-Production in Africa, 1-4, London.
Close A.E. 1986, ‘The place
of Haua Fteah in the late Palaeolithic of North Africa’. In Bailey and Callow.
Commelin D. and Petit-Maire 1979, ‘Chronologie isotopique saharienne
pour les demiers humaines et paldoclimatologie’, Bull. Musee Anthrop. Prehist.,
Monaco, 23, 1979, 37-88.
Desanges J. 1981, ‘The
Proto-Berbers’. In: J. Ki-Zerbo (ed.), General History of Africa, vol. 1.
Methodolgy and African History. UNESCO, Paris.
Gautier A. 1987, ‘The
archaeozoological sequence of the Acacus’. In: B.E. Barich (ed), Archaeology
and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus
1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368:
283-312.
Hardesty D. 1985, ‘The use of
general ecological principles in archaeology’, In : M.B. Schaffer (ed.),
Advances in Archaeological Method and Theory, vol. 3, New York: Academic Press.
Hassan F.A. 1983, ‘An
Ecological Approach to Archaeological Contexts’, (Review of K.W. Butzer,
Archaeology as Human Ecology), The Quarterly Review of Archaeology 4:15.
Hassan F.A. 1984, ‘Environment and subsistence in Predynastic Egypt’, in
J.D. Clark and S.A. Brandt (eds), From Hunters to Farmers. The Causes and
Consequences of Food Production in Africa, Berkeley – Los Angeles – London
1984, 57-64.
Hassan F.A. 1987, ‘Desert environment and origins of agriculture in Egypt’,
in T. Hagg (ed.), Nubian Clture Past and Present. VIth International
Conference for Nubian Studies, Uppsala 1986, Uppsala 1987, 17-32.
Hassan F.A. 1988, ‘The Predynastic of Egypt”, in Journal of World
Archaeology, 2, 1988, 135-185.
Hayden B. 1981, ‘Research
and development in the Stone Age: technological transitions among
hunter/gatherers’, Current Anthropology 22 (5).
Haynes C.V. 1983, ‘Quaternary
studies, Western Desert, Egypt and Sudan 1975-1978’. National Geographic
Society Research Reports 15: 257-293.
Hodder I. 1985, ‘Post
processual archaeology’, In: M.B. Schiffer (ed.), Advances in Archaeological
Method and Theory, vol. 8, New York: Academic Press.
Hugot H.J. 1981,
‘Préhistoire du Sahara’, in J. Ki-Zerbo (ed.), General History of Africa, vol.
1. Methodolgy and African History. UNESCO, Paris: 619-642.
Ilffe John 1996, Africans
the History of a Continent. Cabridge: Cambridge University Press.
Jaicel D. 1979, ‘Run-off and fluvial formation processes in the Tibesti mountains
as indicators of climatic history in the central Sahara during the Late
Pleisocene and Holocene’, in Palaeoecology of Africa, 11, 1979, 13-44.
Maley J. 1980, ‘Les changements climatiques de la fin du Tertiaire en
Afrique: leur conséquence sur 1′apparition du Sahara et de sa vegetation’. In
M.A.J. Williams and H. Faure (eds.) The Sahara and the Nile. Rotterdam :
63-86.
Maley J. 1981, Etudes
palynologiques dans le bassin du Tchad et paleoclimatologie de l’Afrique
nord-tropicale de 30.000 ans a l’epoque actuelle. Travaux et Documents de
l’O.R.S.T.O.M. 129 . Paris.
Maley J. 1989, ‘20,000 ans d’évolution des climats du Sahara Central aux
savanes tropicales humides’. In Centre Culturel Francais d Abidjan, Sud
Sahara/Sahel Nord. 34-50.
Marcolongo B. 1987, ‘Natural
Resources and Palaeoenvironment in the Tadrart Acacus : the non-climatic
factors determining human occupation’, In : B.E. Barich (ed.), Archaeology
and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus
1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368:
269-282.
McBurney C.B.M. 1947, The Stone
Age of the Libyan Littoral, Proceedings of the Prehistoric Society 13.
McBurney C.B.M. 1950, ‘Le grotte
de l’Hyène (Hagft ed Dabba)’, L’Anthropologie 54.
McBurney C.B.M.1967, The Haua
Fteah (Cyrenaica) and the Stone Age of the South East Mediterranean. Cambridge:
University Press.
Mokhtar G. with collaboration of J.Vercoutter
1981b,
‘Introduction”, in G. Mokhtar (ed, General History of Africa, vol. II, Ancient
Civilizations of Africa. Paris: UNESCO.
Mori F. 1965, Tadrart
Acacus. Arte rupestre e culture del Sahara. Torino: Einaudi.
Mori F. 1998, The Great Civilisations of
the Ancient Sahara. Roma.
Pachur H.J. and G. Braun 1980, ‘The Palaeoclimate of the Central
Sahara, Libya and the Libyan Desert’, in Palaeoecology of Africa, 12, 1980,
351-363.
Petit-Maire N and J.
Riser (eds) 1983, Sahara ou Sahel ? Quaternaire Récent du Bassin de
Taoudenni (Mali). Marseille.
Puglisi S.M. 1981, ‘Nuove
prospettive nelle ricerche preistoriche in Libia’, Culture 7-8: 109-114.
Redding R.W. 1988, ‘A general
explanation of subsistence change : from hunting and gathering to
food-production’, Journal of Anthropoloical Archaeology 7 (1): 56-97.
Rindos D. 1984, The Origins
of Agriculture : an evolutionary perspective. New York : Academic
Press.
Samkange S. 1971, African
Saga a Brief Introduction to African History. Nashville: Abingdon.
Schulz E. 1987, ‘Holocene
vegetation in the Tadrart Acacus: the pollen record of two early ceramic sites’,
In: B.E. Barich (ed.), Archaeology and Environment in the Libyan Sahara. The
Excavations in Tadrart Acacus 1978-1983. Oxford: British Archaeological
Reports: International Series, № 368: 313-326.
Shillington K. 1989, History of
Africa. London: Macmillan Publishers.
Wasylikowa K. 1993, ‘Plant
macrofossils from the archaeological sites of Uan Muhuggiag and Ti-nTorha,
Southwestern Libya’. In L. Krzyzaniak and M. Kobusiewicz (eds.) Environmental
change and human culture in the Nile basin and Northern Africa until the 2nd
millennium B.C. Poznan: 25-41.
Wendorf F. and Hassan F. A. 1980, ‘Holocene ecology and prehistory
in the Egyptian Sahara’. In M.A.J. Williams and H. Faure (eds.), The Sahara and
the Nile, Balkema, Rotterdam: 407–419.
Wickens G.E. 1982, ‘Paleobtanical speculations and Quaternary environments in
the Sudan’. In: M.A.J. Williams and D.A. Adamson (eds), A land between two
Niles. Quaternary geology and biology of the Central Sudan. Rotterdam: A.A.
Balkema: 23-51.
موري، فابريزيو1988،تادرارت أكاكوس:
الفن الصخري وثقافات الصحراء قبل التاريخ، ترجمة عمر الباروني وفؤاد الكعبازي،
منشورات مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، سلسلة الدراسات المترجمة -13،
الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى.
(*) للترجمة
العربية لهذا الكتاب:موري، فابريزيو، الحضارات العظيمة للصحراء
القديمة، ترجمة أسامة عبدالرحمن النور، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية،
طرابلس 2006.
ديفيد فيلبسون2002، علمالآثار الأفريقي، ترجمة أسامة
عبد الرحمن النور، الجا للنشر، مالطا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق