مدخل
كانت الدراسات الآثارية لشمال أفريقيا بما في ذلك ليبيا تنطلق من موقع هذا الجزء من قارتنا الأفريقية في محيط بحر أبيضي متوسطي أكثر منه في محيط أفريقي تكاملي المحتوى. تجرى في هذه الورقة محاولة لتناول تاريخ الصحراء الليبية في مرحلة ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر وقضاياه في محتواه القاري الأفريقي. شهدت شمال القارة الأفريقية والصحراء تغيرات بيئية هائلة لا تقل عن تلك التي شهدتها أنحاء القارة الأخرى. وقد رافق تلك التغيرات تحركات سكانية شملت مجمل القارة أثرت بدورها على توزيع السكان واللغات إلى يومنا في مجمل القارة بصورة أساسية بحيث يجوز للمرء، على حد تعبير كوبر ، عد الجفاف الذي ضرب الصحراء والنتائج الايكولوجية التي نجمت عنه، بالتالي،قوة دافعة في تاريخ أفريقيا.من ثم لا بدَّ من تقييم ما قبل تاريخ المنطقة في إطار هذا المحتوى. سيسعى الكتاب للتركيز على مرحلة التحول من الاقتصاد الاستحواذي القائم على أساس الاعتماد الكلي على الصيد/الجمع، أي البحث عن الطعام، إلى مرحلة الاقتصاد الإنتاجي المتمثل في تدجين النباتات والحيوانات إعلاناً ببدء مرحلة جديدة من مراحل تطور التعقد الثقافي.
تتطلب
دراسة تطور التعقد الثقافي الانطلاق من مفهوم للثقافة والبيئة يلتزم بالحدود التي
ثبتها علم الآثار المعاصر والمتمثلة في عدم إمكانية تجاوز أهمية الدور الذي تحتله
كل من الثقافة والبيئة بالنسبة لعلم الآثار، وتتطلب معالجة الثقافة والبيئة الرجوع
إلى مبادئ كل من الايكولوجيا الثقافوية(1)والجيوأركيولوجيا. فالثقافة –
التي نعني بها تحديداً الجماعة التي تجسد مثل تلك الثقافة – تعيش في تفاعل مع
البيئة الطبيعية، ليس فقط جوانب الثقافة المادية، ولكن أيضاً الخيارات الاقتصادية
وخصائص الإقامة والديموغرافيا، يتم تحديدها بفعل البيئة.
دفع
التشديد الذي يضعه علم الآثار الوظيفي على المفهوم الإجرائي للثقافة، أي للثقافة
بحسبانها نتاجاً لوظيفية نظاموية(2)، ببعض مسائل استراتيجية البحث
إلى الصدارة. أولاً، تم إحداث تقييمات لأبعاد الظواهر المكانية. شمل ذلك الابتعاد
عن "وحدة الموقع الأثري التقليدية" بتوجيه تركيز البحث إلى أطر إقليمية
أكثر اتساعاً؛ وثانياً، تم توجيه الاهتمام لعمليات الترسيب، وعمليات تكون الموقع
الأثري وزواله والمعتمد اعتماداً كبيراً على تقلبات البيئات القديمة، وإلى
المحتويات الطباقية وديناميات ما بعد الترسيب. إلى جانب تلك الاعتبارات لا بدَّ من
إضافة الحاجة إلى إحداث دراسات تتعلق بتوزيع الموارد (الماء، والنباتات،
والحيوانات، والمواد الخام) لأن ذلك يرتبط أيضاً بطبيعة
البيئة.
النقاط
الأخيرة تلك بخاصة تم تطويرها، على ما هو معلوم، في إطار علم الجيوأركيولوجيا، وهو
فرع معرفي أبان لعلم الآثار الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق المبادئ والتقنيات
الكمية، بخاصة لدراسة البيئة، في البحث الآثاري. تمثل أعمال بوتزر Butzer 1971; id.
1982 تطويراً أساسياً لمبادئ علم الآثار
الوظيفي، وتوفر قاعدة متينة للبحث الآثاري الهادف إلى مدنا ليس فحسب بالأدوات
النظرية بل بالأدوات التقنية كذلك التي يحتاجها عالم الآثار. مثال على ذلك نجده في
فهم بوتزر للثقافة بحسبانها مفهوماً لا يتخذ قيمة ميتافيزيقية لنظام، أو نظاماً
مثالياً لسلوك المجتمع، وهو الفهم الذي تطور في مجال الايكولوجيا الثقافوية. على
كل يمكن رؤية التحول في كلا الحالتين من الاهتمام بالأدوات وتصنيفها التيبولوجي
إلى الاهتمام بالتحولات في السلوك، أي "التحول إلى الدينامية التي ينظم بها
الناس وجودهم من خلال تفاعلهم مع الآخرين وبيئاتهم الثقافية والطبيعية
والميتافيزيقية" Hassan 1983.
إن التحول الأكثر تجلياً في سلوك الجماعات الصحراوية في منتصف الهولوسين المبكر
يمكن رؤيته في التجارب الأولى لإنتاج الطعام، أي في الانتقال من حالة اعتماد على
البيئة إلى حالة فعلية لتنظيم الموارد وإنتاجها. إنتاج الطعام يمكن رؤيته بحسبانه
نتيجة دينامية تكيفية أفرزها استغلال اصطفائي مارسه الإنسان، نتيجة خبراته
المتراكمة، على البيئة.
ورغم
أنه من الممكن ملاحظة حقيقة أن الوظيفية النظاموية ومفاهيم التكيف ذات الصلة بها
قد تؤدي، كما يرى هودر Hodder 1985،
إلى تفسير آلي للظواهر الثقافية التي تستبعد الإسهام الفردي، فإنه لا يمكن إنكار
أن مفهوم النظاموي سمح لنا بالوصول إلى درجة تحكم وقياس كمي للمعطيات بدرجة لم يك
تحقيقها ممكناً عن طريق النماذج التقليدية. لدى تناول مجتمع إنساني بالدراسة فإننا
لا بدَّ وأن نُظهر اتفاقنا مع حقيقة أن التغير يمكن أن يحدث لا بفعل البيئة وحدها
وإنما أيضاً بفعل عناصر أخرى مثل الديموغرافيا والأيدولوجيا الرمزية. لكنه، ومهما
كان الأمر، فإن تأثير البيئة في ظروف الصحراء كان عنصراً هاماً، بل وحاسماً في
تحديد قرارات الجماعات الإنسانية. كانت إمكانيات الاختيارات لازالت عديدة لدى
جماعات الهولوسين المبكر، وكان ازدهار المدنية على طول مجاري المياه بخاصة نتاجاً
لقرارات اتخذتها الجماعات الإنسانية في تلك المرحلة. لكنه وفيما بعد بروز الأطوار
الجافة التي ميزت الهولوسين المتأخر أضحت القيود، التي فرضتها البيئة الناشئة
الأكثر صرامة، تفرض إحداث تغييرات في مواقع الإقامة وإدخال تعديلات على
الاستراتيجية الاقتصادية. ويدعو كل من كلارك وبراندت علماء الآثار الذين يكرسون
جهودهم في مجال الدراسات الخاصة بإنتاج الطعام إلى تركيب نماذج للتغير الثقافي
تكون "ملائمة لفهم السؤال الأكثر شمولية عن لماذا أخذ الناس أصلاً في تدجين
الحيوانات والنباتات؟"Clark and Brandt 1984. في هذا السياق يمكننا ملاحظة أن النموذج النظاموي يبرر استخدام
نماذج عامة للسلوك الإنساني يمكن بعدها تنميط المعطيات المحددة الناتجة عن
الملاحظة. إنها نماذج لها تطبيقاتها الشمولية وعادة ما يتم استخدامها في محتويات
علم الآثار العرقي (الاثنوأركيولوجيا). أثبتت الدراسات الحالية
لمجتمعات الصيد/الجمع عدم صلاحية التفسيرات التقليدية الاستقرائية الطابع وتم طرح
تناول أكثر عمومية قائم على أساس نماذج وصفية لأنماط حياة الصيادين/الجامعين Bronitsky 1983; Hardesty 1985;Hayden 1981;Rindos 1984.
نموذج تفسيري لمثل هذه المسائل طرحه مؤخراً ريدنج Redding 1988. يحلل ريدنج بمصطلحات نموذجية شمولية إشكالية الانتقال من الصيد
والجمع إلى إنتاج الطعام، آخذاً في الحسبان النماذج السابقة والمفاهيم الأساسية
للايكولوجيا والجغرافية البشرية. يعود نموذج ريدنج مجدداً إلى نظرية البحث عن
الطعام المُثلى، لكنه يفترض أن الأغراض التي نُسبت إلى سلوك الجماعات يمكن التمييز
بينها على أساس الطريقة التي يتمظهر بها المجتمع. الأمر كذلك فإنه لا بدَّ وأن
تكون التفسيرات المفضلة بالقدر نفسه من التنوع والمرونة.
يقول
علم الآثار الوظيفي بأن إنتاج الطعام هو العنصر الرئيس والمؤشر الفعلي للتغير في
حالة جماعات الهولوسين المبكر والأوسط شاملاً في ذلك كل تقدم ذا طبيعة تقنية. باللجوء
لاستخدام مثل هذا التناول حاولت بربارا بارش، كما سوف نبين، دراسة الانتقال من
الصيد والجمع إلى الرعاوة وسط جماعات الصحراء وعادت لتطبق ذلك على معطيات أبحاثها
في تادرارت أكاكوس Barich 1987; 1987a.
يبدو
ليَّ أنه تظل هناك فرضية مطروحة لنموذج يُنظر فيه لإنتاج الطعام بحسبانه تعديلاً
للجماعات المعتمدة على نمط اقتصاد استحواذي محلي تكيفاً مع قيود بيئة محددة. من
هنا أهمية التشديد على هذه الفرضية من خلال التأكيد على الدور الذي يقوم به تقلب
الموارد بحسبان ذلك عنصراً في زيادة قاعدة الإعاشة القابلة للاستغلال. يتطلب هذا
عدم إهمال البينة ذات الصلة بالأدوات الصنعية وبالتغير في الاستراتيجية الاقتصادية
مع مراعاة الدراسات البيئية التي تتناول المناخات القديمة والتحولات التي تعرضت
لها. لا شك، من ثم، في أن المناخ يمثل عنصراً لا بدَّ من الالتفات إليه انطلاقاً
من حقيقة أنه مارس تأثيراً كبيراً في حياة الإنسان وفي إدراكاته المعرفية. كثيراً
ما يتم القفز إلى استنتاجات متعجلة بأن الظروف ما قبل التاريخية
"القاسية" ما كانت لتسمح بتطور نماذج ثقافية من النوع الذي يتطلب توفر
شروط مسبقة تتمثل في سيادة ظروف بيئية ملائمة. حالياً تتوفر لدينا نتائج تظهر قدراً
عالياً من التوافق من أعمال بحث أجريت في مناطق مختلفة من الصحراء، رغم أن أعمال
البحث تلك تناولت بيئات ايكولوجية متباعدة ومتنوعة مورفولوجياً وفسيولوجياً.
الظروف المناخية الحالية في شمال أفريقيا، بخاصة في مناطق الصحراء والساحل، قاسية
إلى درجة تبدو معها كخاصة أساسية في أي بحث ايكولوجي واسع. يبدو الجفاف الحالي
متضارباً مع ثراء البينة الآثارية المنتشرة على امتداد كل المنطقة من الأطلسي إلى
ساحل البحر الأحمر. في واقع الأمر تختلف الصورة كلياً عندما يختبر الواحد الأحداث
المناخية والإنسانية وفقاً لتواتراتها المتصاعدة، بدلاً عن النظر إليها ظاهرةً
جامدةً. بالتالي، يتوجب النظر للمناخ الجاف الحالي بوصفه نتاجاً لتواتر طويل شمل
أطواراً متعاقبة رطبة وجافة. التغيرات المناخية، رغم كونها تدريجية، يمكن أنها قد
كانت متجاوزة للمألوف وما كان من الممكن للناس المعاصرين لها تجاهلها. على العكس،
لا بدَّ وأن تكون المجموعات الإنسانية قد تأثرت بقوة، حيث عملت الظروف المناخية
الجيدة لمصلحتهم، في حين عملت الظروف الطبيعية غير الملائمة ضدهم. لتلك الأسباب،
فإن البحث في البيئة الطبيعية وتاريخ الإنسان ظلا، ولا بدَّ أن يظلا، مترابطين في
شمال أفريقيا بصورة خاصة.
التقلبات
المناخية في الصحراء
يوجد
عدد من الدراسات التي تناولت بيئة الدهر الرباعي في مناطق شمال أفريقيا. وقد لخصت
إلينا جارسيا تلك الدراسات مشيرة إلى أنه ومنذ بداية ستينيات القرن المنصرم تناولت
تلك الدراسات مناطق كبيرة، مثل الصحراء الشمالية الغربية، وحوض تشاد، والنوبة،
ونهري السنجال وجامبيا. وفي سبعينات القرن المنصرم أجريت المزيد من الدراسات
الشاملة في البيئات القديمة. وفي الوقت نفسه كان هناك اعتراف بأن المعطيات الخاصة
بالايكولوجيا القديمة والبيئة القديمة يمكن لها أن توفر إسهاماً هائلاً في دراسة
تاريخ الإنسان وأن مجالي البحث لا بدَّ من تنفيذهما متوازيين. على سبيل المثال،
يتم الرجوع للمناخات القديمة في تفسير الإقامة الإنسانية في الصحراء والهجرات
الناتجة عن الضغوط المناخية (انظر للمزيد من التفاصيلCommelin-Petit-Maire 1979).
تواصل المزيد من البحث الذي يربط الظروف المناخية القديمة والبيئية القديمة
بالأحداث الإنسانية خلال الثمانينات من القرن الماضي. محتويات جغرافية متسعة أُخذت
في الحسبان من أجل الحصول على إطار أكثر اتساعاً لتطور المناخ على مدى فترات زمنية
أطول. تم تجميع أكثر المعطيات ملائمة من الصحراء الغربية في الـ40.000 سنة الماضيةAlimen 1981 and 1987، وصحراء مالي في الدهر الرباعي الحالي (على سبيل المثالPetit-Maire and Riser 1983).
معطيات أخرى أتت من وادي النيل خلال الهولوسين Wendorf and Hassan 1980; Hassan
1984; 1987; 1988).
استمرت
الدراسات المناخية القديمة بصورة معمقة مع التركيز بصورة خاصة على الدهر الرباعي.
رغم أنها لم تربط بمتطلبات البحث ما قبل التاريخي، فإن تلك الدراسات عُدت ذات قيمة
عالية لتطور الدراسات ما قبل التاريخية. بعض المناطق التي تركز فيها البحث بصورة
مكثفة كانت: الصحراء الليبية خلال البليستوسين المتأخر والهولوسين، ووادي النيل في
البليستوسينButzer 1980، حوض
تشاد خلال الـ 50/30ألف سنة الأخيرة Pachur and Braun 1980،
والأطلسي والصحراء الغربية في الهولوسين، وشمال أفريقيا والصحراء عموماً.
المزيد من تطور تلك الدراسات يرجع للتسعينات من القرن الماضي.
تم الاعتراف بصورة قاطعة بعلم المناخ القديم بوصفه جزءاً من البحث في علم الآثار
وما قبل التاريخ. أصبحت المعلومات عن المحتوى الطبيعي الذي تطورت فيه الثقافات الإنسانية
تشكل دعماً علمياً ضرورياً لمعظم الرؤى الحديثة لما قبل التاريخ، والتي تسعى إلى
تقييم كل المعطيات المتوفرة عن محتويات محددة ايكولوجية، وتقنية، وثقافية،
واجتماعية ذات الصلة بالآفاق التاريخية والثقافية المختلفة.
في
هذا الإطار، فإن أحدث الإسهامات تتمثل في عمل فيرنيت. فقد راعت دراسته هذه كل
التطور المنجز في الأدب السابق، وفوق ذلك فلهذه الدراسة ميزتان. الميزة الأولى
أنها تغطي كل منطقة الصحراء، موفرة تركيباً متماسكاً وشاملاً لكل البحث الجيولوجي،
والبيدولوجي (علم التربة)، والنباتي، والحيواني المتوفر
في مواقع منفردة، وكذلك في مناطق أوسع أو أقطار. والميزة الثانية تتعلق بـ
"تناوله بوصفه متخصصاً في ما قبل التاريخ" للبيئات القديمة لشمال
أفريقيا.
وفرت
كل تلك الدراسات والمعطيات التي تم تجميعها مؤخراً عوناً كبيراً للتفسير المستقبلي
للإقامة وللبينة الآثارية في الصحراء، والمغرب، والساحل. أصبح واضحاً الآن أن
نهاية عصر البليستوسين في شمال أفريقيا تميزت ببعض الظواهر المناخية الأساسية، إلا
أنه لم تك هناك علاقات متداخلة بين تلك الظواهر وبين الأحداث المناخية التي شهدتها
العروض الشمالية. المهم هو أن تلك الظواهر كانت ذات تأثير بالغ الأهمية
بالنسبة لتطور مجتمعات الصحراء. كانت المرحلة التي تطابق الحد الأقصى للطور
الجليدي الأخير، بدءاً من 20.000 سنة مضت، جافة نسبياً على
امتداد شمال أفريقيا مع بلوغ الجفاف ذروته حوالي 18.000 سنة مضت. ويعتقد
بأنه قد تبع هذه الظاهرة في كل مكان من الصحراء (باستثناء بعض أجزاء
حوض النيل والشريط الساحلي المتوسطي) هجرات سكانية إلى خارج
المنطقة. وقد دللت دراسة أجرتها أنجيلا كلوز في الصحراء الشرقية إلى أن هجرة راجعة
من مناطق مجاورة أدت إلى عودة الإقامة مجدداً في مناطق الصحراء في الهولوسين نتيجة
ارتفاع درجة الرطوبة.
خلال
الهولوسين المبكر والأوسط تعرضت كل مناطق الصحراء، باستثناء المناطق المجاورة
لساحل البحر الأبيض المتوسط، لأطوار رطبة متقطعة تتداخل فيما بينها فترات جفاف. إن
أسباب مثل تلك التقلبات المناخية عديدة وغير مفهومة بصورة كاملة. لكن اتفاقا عاماً
تم التوصل إليه بأن تزايد الأمطار في الهولوسين المبكر نتج بفعل تحول أصاب دورة المونسون
باتجاه الشمال وهو أمر أكدته دراسة ويكينز للتحولات في المناخ والنبات في السودان
منذ20.000 سنة مضت Wickens 1982.
كذلك أشارت دراسات أجراها هاينز لمعدلات التبدل في الرطوبة في السودان والساحل Hayens 1983إلى أن التوزيعات البيانية للقاحات خلال الهولوسين المبكر تلمح
إلى أن منطقة التقارب الكروية البين مدارية تُظهر تحركاً نحو الشمال لكل من الغطاء
النباتي في السودان والساحل وكذلك للأمطار وتوفرها.
تقوم
إعادة تركيب المناخات القديمة للصحراء على قاعدة بعض التواترات الأساسية، بخاصة
التواترات المميزة لحوض بحيرة تشاد. كان هذا الحوض القديم بالقرب من وسط الصحراء
يروي منطقة واسعة من مرتفعات الصحراء الوسطى إلى جانب أجزاء معتبرة من السهل
المجاور والسافانا والغابات الاستوائية. وقد وفرت دراسات سيرفنت الجيولوجية
للتواترات القارية والتبدلات المناخية كما هو معبر عنها في حوض بحيرة تشاد،
ودراساته للبيئة القديمة في بحيرة تشاد، بالإضافة إلى دراسات مولي Maley 1980;
id. 1981;
id. 1989 للنباتات القديمة في حوض بحيرة تشاد
أفضل المقاربات لأحداث الصحراء الشرقية الوسطى. يتضح من واقع تلك الدراسات أن
البحيرة كانت قد تعرضت إلى توسعين قبل 21.000 سنة مضت تبعتهما
فترة جفاف طويلة انتهت في حوالي 12.500 سنة مضت. وقد تم تبيان
التقلبات التي ميزت نظام البحيرة في الهولوسين بقدر من التفصيل. ارتبط الانقلاب
الأول بالهولوسين القاعدي (9.200 – 8.500سنة مضت) ويحتل جزئياً
المدى الكرونولوجى لموقع نبتا بلايا في الصحراء المصرية (10.000–
8.200سنة
مضت). تحديداً في هذا الوقت تعرضت البحيرة إلى امتداد هائل بحيث
وفرت المياه لنظام ممتد في قلب الصحراء. وبعد انقلابين لاحقين قصيرا الأجل (8.400
– 7.800 و7.700
– 7.300سنة
مضت)، بدأ في حوالي 7.100سنة مضت انقلاب رابع استمر على
مدى الهولوسين الأوسط(7.100 – 5.000سنة مضت). بعد ذلك أخذ منسوب البحيرة
في الانخفاض لتحل فترة جفاف طويلة انتهت حوالي 4.000سنة مضت. أثرت هذه
الفترة الجافة على مجمل الصحراء. بدأ انقلاب لاحق، وهو الأخير، فقط منذ 3.000 سنة مضت وهو الطور
الرطب الذي لازال مستمراً إلى اليوم.
وتشير
اللقاحات والمعطيات الجيولوجية في المناطق المدارية الأخرى من شمال أفريقيا إلى أن
ذروة النشاط العولسي وقع في الفترة من 20.000إلى 18.000
سنة
مضت. وتقدم أبحاث جاكل للترسبات النهرية في سلسلة تبستي بحسبانها مؤشرات لتاريخ
المناخ في الصحراء الوسطى خلال البليستوسين المتأخر والهولوسين، بينة دالة على
تبدلات مناخية هامة على امتداد الهولوسين Jaicel 1979.
طبقاً لـ مولي فإن معدلات الحرارة في تبستي خلال الفترة الممتدة من 8.000 إلى 6.500سنة مضت كانت
تتطابق مع ما هو مشهود حالياً في الدورة السنوية للمنخفضات المدارية (مع دورات فصلية) حدث انخفاض في
معدلات الحرارة في الفترة 8.000 – 7.700 سنة مضت (نموذج الخريف)، ووصلت الحرارة إلى
أدنى معدلاتها (نموذج الشتاء) في الفترة 7.500
– 7.400سنة
مضت، ومن ثم كان هناك ارتفاع لاحق (نموذج الربيع) في 7.400
– 7.100 سنة
مضت، وسجلت أخيراً درجة الحرارة القصوى (نموذج الصيف) في 7.100
– 7.000
سنة مضت.
الطور
الأول
: تميز بجفاف متزايد للبحيرات المحيطة بالسلسلة وبداخلها في نهاية الأزمان
العاترية، كما تميزت بترسب كاربونات الكالسيوم وبتعرية منحدرات الجبال المتآكلة
سلفاً. تسلسلت الترسبات العاترية الغرينية في طبقة بلغ سمكها المترين ومغطاة
بترسبات رملية قديمة. الجزء الأعلى من الغرين تم إفراغه وظهرت أدوات صنعية تميزت
بدرجة عالية من الكشط. ويشير هذا إلى نهاية الإقامة العاترية، وتميزت الفترة
اللاحقة بجفاف شديد والذي يمكن مساواته بما تمَّ تسجيله في حوض بحيرة تشاد في
الفترة من 21.000إلى 12.000سنة مضت.
الطور
الثاني
: جلب ظروفاً أكثر رطوبة، مع ارتفاع منسوب البحيرات، رغم أن ذلك ما كان بالمستوى
نفسه كما في الطور الأول. في حوالي 9.500سنة مضت نجح الصيادون وصائدو
الأسماك المسلحين بتقنية ايبي باليوليتية* من اصطياد
أنواع مختلفة من الأسماك، وفرس البحر، والسلحفاة. تم الكشف عن مواقع على حافة
البحيرة في رمال ما بعد العاتري القديم ومن ثم غُطيت بفعل التقلبات اللاحقة.
الطور
الثالث
: حوالي 7.500 سنة مضت تحول المناخ مجدداً إلى الجفاف وتقدمت الكثبان
الرملية زاحفة من الجنوب لتغطي أجزاء من سطح البحيرات والمستنقعات السابقة التي
صارت جافة في الوقت الحالي. شهدت عودة الرطوبة مجدداً في 7.000 سنة مضت استقرار
الكثبان ووجود بحيرة أقل انخفاضاً ونشأ طور إقامة جديد. توج هذا بمولد الصناعة
التنيرية التي ازدهرت حوالي 6.000 – 5.000 سنة مضت.
خلال
الثمانينات تم تنظيم مشروعات بحثية عديدة في معظم أنحاء الصحراء على أساس التعاون
بين فروع للمعرفة كثيرة مع الاستفادة من المداخل الحديثة للبحث ومن التقنيات
المعملية المواكبة. أثرت تلك المشروعات معرفتنا إلى درجة بعيدة. ففي الصحراء
المصرية الغربية بدأت تواترات نبتا بلايا وبئر كسيبا في نهاية فترة جفاف طويلة
أعقبت الطور العاتري الرطب. استمرت بلايا المبكرة من حوالي 10.000حتى 8.200 سنة مضت وشملت
تقلباً أشد جفافاً من حوالي 8.800 سنة مضت. وهناك بينة أخرى
دالة على ظروف رطبة ببداية الهولوسين معروفة من واحة سليمة. تبع تلك الأطوار مزيد
من المراحل الرطبة خلال الهولوسين الأوسط في حوالي 6.900 –
6.000و
5.000
– 4.500سنة
مضت Barich 1984; Hassan
1987.
يتمثل
العنصر الجديد المنبثق من البحث الجاري في الاعتراف بطور أول للدفء تبعته أمطار في
البليستوسين الختامي المؤرخ حوالي 14.000 – 12.000سنة مضت. هذا الطور الرطب الأكثر قدماً قطعت اطراده فترة جافة
جديدة في حوالي 10.800 – 10.500 سنة مضت وكذلك أطوار لاحقة للجفاف عل امتداد الهولوسين. سيضع
هذا التاريخ عودة الظروف الرطبة إلى المناطق الصحراوية في فترة أسبق ببعض آلاف
السنوات مما كان يعتقد. بالإضافة إلى البينة من النيجر التي وفرتها الدراسات
الهيدرولوجية التي أجراها دوبار وآخرون فإن هناك معطيات أيضاً من مرزق في
ليبيا ومن الأكاكوس الأوسط حيث وجدت بينة دالة على عودة ظهور طبقات حاملة للمياه
في حوالي 15.000 سنة مضت. في حالة التأكد من هذه النتائج فإن التأثيرات الناجمة
بالنسبة لدينامية الإقامة الإقليمية للإنسان لا بد وأن تكون هامة للغاية.
التحركات
السكانية التي رافقت التقلبات المناخية في الصحراء
يبدو
أن تحركاً للزنوج الأوائل proto-Negroes
من غرب أفريقيا باتجاه الشمال قد أدى إلى استقرارهم على حافة البحيرات والأنهار في
الصحراء الحالية، حيث عاشوا جنباً إلى جنب مع السكان من النوع البني البشرة الشبيه
بـ السان*.
ويعتقد موري بأن ثقافة الصحراء المشهودة المعروفة باسم "طور الرؤوس
المستديرة" ترجع لهذه العناصر الزنجية (موري1988: 247).
كانت
هناك تحركات مستمرة للسكان في المنطقة الممتدة بين وادي النيل الأوسط في الشرق
وموريتانيا والبحر الأبيض المتوسط في الشمال والشمال الغربي. على سبيل المثال يرى
دسانيه بأن السكان الذين انتشروا في المنطقة من انيدي حتى الهوقار كانوا من ذوي
البشرة السوداء الذين تربطهم صلة بسكان الخرطوم المبكرة في السودان Desanges 1981: 425.
عاش
السكان سود البشرة في الأزمان ما قبل التاريخية مع البربر الأوائل proto-Berberعلى امتداد
الصحراء. ويرى هوجوت بأن سكان الصحراء كانوا خليطاً من السود البشرة والبحر
أبيضيين Hugot 1981: 596.
ويبدو أن سود البشرة شكلوا أغلبية السكان في الصحراء إلى الدرجة التي تحدث فيها
بعض الباحثين منهم دسانيه عن "صحراء إثيوبية كلياً في العصر النيوليتي وعصور
ما قبل التاريخ" Desanges 1981: 427.
صنف
هوجوت Hugot 1981: 596
سكان الصحراء "المنطقة الخضراء لما قبل الصحراء"، كما يسميها، طبقاً
لترتيب إقامتهم إلى ثلاث موجات:
الموجة
الأقدم استقرت على ضفتي النيل بالقرب من الخرطوم. انتشر أولئك غرباً على امتداد
البحيرات والأنهار حتى تاسيلي وساورا، ولم يدخلوا إلى المناطق الغابية في الجنوب.
والموجة الثانية سكان الجنوب الذين انتشروا في الغابات. أسهمت هذه الموجة في تشكيل
سكان التخوم الجنوبية للمنطقة. والموجة الثالثة من شمال أفريقيا. تحرك أولئك
السكان من شمال أفريقيا جنوباً وغرباً حتى الأجزاء الوسطى للمنطقة وموريتانيا.
أما
اليفي Iliffe 1996: 10
فيرى أن التحليل الوراثي يشير إلى أن أسلاف أشباه السان انتشروا على امتداد القارة
كالآتي:
(1) أسلاف السان
الجنوب أفريقيين الذين أصبحوا منعزلين نسبياً عن بقية السكان في تاريخ مبكر؛
(2) السكان الآفرو –
متوسطيين الذين كانوا في الغالب أقرب الأقربين لأشباه السان، وعاشوا في شمال شرق
أفريقيا؛
(3) السكان الأبعد
قرابة بأشباه السان وهؤلاء هم الزنوج. وجدت بقاياهم في غرب نيجيريا وتعود للألفية 12 قبل تاريخ اليوم
وفي الصحراء بتاريخ يرجع إلى حوالي 8.000سنة مضت؛
(4) الأقزام الذين
يعيشون حالياً في الغابات الاستوائية وغالباً ما يكونوا مجموعة فرعية للزنوج.
كان
السكان الأصليون لشمال أفريقيا هم أشباه السان الذين حلوا محل كل البشريات السابقة
في المنطقة. وفي عصور ما قبل التاريخ تحرك سكان من الصحراء، وآسيا، وأوربا إلى
شمال أفريقيا. قبل 10.000 سنة مضت وصلت إلى شمال أفريقيا مجموعتان قوقازيتان: إحداهن من
أوربا، سميوا بالكروماجنونيين(4). ووصلت المجموعة
الثانية من جنوب غرب آسيا. امتزجت المجموعتان مع السكان أشباه السان ذوي البشرة
البنية.
أصبح
سكان مصر والمغرب المبكرين جنساً مختلطاً – القوقازيين، وشبه السان، والزنوج. سكان
قورينائية، وسكان المغرب الايبرمورسيين والقفصيين كانت لهم أصول نيوليتية سودانية.
على سبيل المثال القفصيين، الذين نالوا التسمية من مدينة قفصة التونسية الحالية،
كانوا، في رأي دسانيه، "ذو بنية طويلة إلى حد ما، ومن نوع بحر أبيضي
متوسطى مع بعض السمات الزنجية، امتدوا إلى أقصى التخوم الغربية لشمال أفريقيا أو
إلى الصحراء الجنوبية" Desanges 1981: 425.
من ثم
يجوز القول بوجود جنسين أصيلين في وادي النيل، والصحراء، وشمال أفريقيا : السكان من
ذوي البشرة البنية وأولئك من ذوي البشرة السوداء. عاشت المجموعتان وتمازجتا في
وادي النيل والصحراء وشمال أفريقيا. في شمال أفريقيا امتزج ذوو البشرة البنية مع
القوقازيين الذين وصلوا من آسيا وأوربا.
نسبة
السكان القوقازيين الذين دخلوا الصحراء لم تك كبيرة. السمات العامة لسكان الصحراء
تمثلت في لون البشرة البني والداكن. في شمال أفريقيا كانت نسبة القوقازيين أعلى
وتنوع السكان هناك بين البشرة السوداء والداكنة والبيضاء.
أشار
مختار إلى أن المعايير التقليدية التي اعتمد عليها علماء الأنثروبولوجيا الفيزيقية
في تصنيف الأجناس البشرية لم تعد مقبولة الآن. فقد تم تمييز السود بطبيعة شعرهم
ولون بشرتهم Mokhtar 1981b: 14.
ويقسم مختار، وأوبنجا، وديوب، السود إلى مجموعتين:
(1) السود ذوي الشعر
المستقيم في آسيا وأفريقيا. وهم الدارفيديون في الهند، والنوبيون، والتبو أو التدا
في أفريقيا. كلهم بلون بشرة أسود؛
(2) السود ذوي الشعر
المفلفل في المنطقة الاستوائية.
هناك تصنيف
آخر للسكان في أفريقيا يقوم على أساس التقليد اليهودي الذي يجعل من كل سكان العالم
أحفاداً لولدي نوح، حام وسام، بعد الطوفان. وقد نشر المؤرخون المسلمون المبكرون
هذه الأسطورة بشكل واسع. طبقاً لهذه الأسطورة، فإن نوح عندما كان نائماً، كشف عن
نفسه اللباس وأصبح عارياً. وعندما رأى حام والده عارياً لم يغطيه في حين فعل سام
ذلك. لاحقاً عندما أدرك نوح ذلك لعن ابنه حام وجعل أحفاده عبيداً لأحفاد سام
وأصبحوا سوداً. رزق حام بثلاث أبناء : يافت، وكنعان، وكوش. استقر يافت في الهند
والسند، وكل السكان هناك أحفاد له. أصبح كنعان والد الكنعانيين في غرب آسيا. أحفاد
كوش سكان أفريقيا السود المتنوعين: النوبيون، والزنج، والزغاوة، والأقباط
(المصريون) وبربر الصحراء. طبقاً لذلك صنف العلماء العرب سكان الهند، والصين،
وجنوب شرق آسيا سوداً.
لم
يتقبل بعض الكتاب العرب وجهة النظر هذه. على سبيل المثال، جادل الجاحظ في القرن
الهجري الثالث/التاسع الميلادي بأن اللون الأسود نتاج للطقس الحار. الدليل على ذلك
في نظره هو العرب السود مثل بنو سليم الذين يعيشون في مناخ حار في الجزيرة العربية
وكل الذين يعيشون في بلدان حارة. ويضيف الجاحظ أن بنى سليم كان لهم رقيق، نساء
ورجال، بيض من أوربا ليرعوا لهم قطعانهم ويسقونها. خلال ثلاثة أجيال حول الطقس
الحار أولئك الرقيق البيض إلى سود مثلهم مثل بنى سليم.
تقبل
بعض العلماء المسلمين والغربيين المبكرين هذا المفهوم. قُسم سكان أفريقيا إلى
مجموعتين : الساميين، وهم سكان شمال أفريقيا؛ والحاميين، وهم السكان السود لبقية
أفريقيا بما في ذلك النوبيون، والبجة في السودان، وأحباش إثيوبيا، والزنج في شرق
أفريقيا وكل السود الآخرين فيما وراء الصحراء. وسميوا "السودان".
في
القرن التاسع عشر، عندما دخلت أوربا في اتصال مباشر مع أفريقيا ودرس العلماء
الأوربيون الحضارة المصرية، وجدوا أن أصول الحضارة الإنسانية يمكن تتبعها في
أفريقيا بأزمان سابقة للحضارة في اليونان وروما. ولم يتقبل الأوربيون حقيقة أن
يكون الرواد الأوائل للمدنية سوداً. وعلى أية حال، طالما أن مفهوم الحاميين ارتبط
بالسود والزنوج، فإن الأوربيين فصلوا بين الحاميين والزنوج. وأصبح الحاميون
يُربطون بالقوقازيين. وأصبح سكان شمال أفريقيا والصحراء، الذين لم تك بشرتهم سوداء
للغاية، حاميين، قوقازيين. السكان الآخرين الذين كانت بشرتهم سوداء أصبحوا زنوجاً.
هكذا
شرع العلماء الأوربيون في الكتابة عن حضارة الحاميين في أفريقيا. نسبوا كل إنجاز
في القارة إلى الحاميين، وصار تاريخ أفريقيا يفهم بوصفه تاريخاً للحاميين. لم
يسيطر هذا الفهم على الكتابات الأوربية فحسب بل انتشر وساد وأصبح مقبولاً في
أفريقيا. كل الناس الذين يكون لون بشرتهم أسمر ويتحدثون اللغة العربية في وادي
النيل، وشمال أفريقيا أصبحوا ساميين في حين أصبح سكان الصحراء حاميين. وأصبح سكان
وادي النيل وما وراء الصحراء السود زنوجاً.
هكذا
وطبقاً لهذا المفهوم للساميين والحاميين أصبح سكان أفريقيا يقسمون إلى ثلاثة
أجناس: الساميون، والحاميون، والزنوج. واضح أن هذا المفهوم ولد من أسطورة وتطور
بعد ذلك في الغرب لخدمة أغراض وأهداف محددة.
---------
هوامش
(1)
الايكولوجيا الثقافوية cultural ecology = اتجاه نظري أنثروبولوجي يفسر التباين
بين الثقافات المختلفة للشعوب في إطار التنوع البيئي، كما يهتم بالكشف عن الكيفية
التي تؤثر فيها الثقافة على تكيف الأفراد مع ما قد يحدث في البيئة من تغيرات
جذرية. ولا تقتصر البيئة لدى دعاة الاتجاه الايكولوجي الثقافوى على المحيط المادي
فقط وإنما تشتمل أيضاً على كل ما يحيط بالإنسان من كائنات حية، سواء من نوعه أو
مختلفة عنه وتترابط جميعها في نسق متكامل، أطلقوا عليه مصطلح "النسق
الايكولوجي" الذي أصبح مجالاً لدراساتهم المركزة. ويعطى الايكولوجيون
الثقافويون أهمية خاصة لمناهج تصميم البحوث ووسائل جمع المادة، والاستعانة بمفاهيم
العلوم ذات اللغة ومناهجها (مثل علم الأحياء، والتغذية، والطب والسكان، والعلوم
الزراعية)، وذلك بقصد تشكيل تصور عن أنماط التفاعل بين البيئة والكائنات الحية.
نتيجة ذلك أصبح هذا الاتجاه مشابهاً لنظرية التطور الحيوي الذي قد يفسر عملية التكيف
ولكنه يعجز عن التنبؤ أو تحديد منشأ التغير أو أسبابه.
(2)
للمزيد حول نظرية الأنظمة العامة وإمكانيات تطبيقها على المعطيات الآثارية
والاثنوغرافية (انظر: أسامة 1999).
(3)ايبي
- باليوليتيEpi-Palaeolithic مصطلح تقليدي لوصف المجموعات الحجرية التي تستمر
في استخدام التقاليد المميزة للعصر الباليوليتي الأعلى في أزمان ما بعد
البليستوسين المتأخر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق