الأربعاء، 25 مارس 2015

علم آثار الصحراء الليبية: الإشكاليات والآفاق (2)....د. أسامة عبدالرحمن النور



الصحراء الليبية في مرحلة ما قبل التاريخ: بداية الدراسات الميدانية

بداية نقول بأن دراسة الانتقال إلى حياة الاستقرار وظهور المدنية في التاريخ لا بدَّ وأن تبدأ بالتراجع القهقرى إلى ما اصطلح على تسميته وفق جوردون تشايلد بـ "ثورة العصر الحجري الحديث، أي الثورة النيوليتية" تعبيراً عن الأهمية المبدئية التي اقتناها إنتاج الطعام بالنسبة للتاريخ الثقافي للبشرية. وفي الوقت الذي نعترف فيه الآن بأن أشكال حياة العصر الحجري الحديث لم تتطور أو تنتشر من مركز أوحد في مكان ما من الشرق الأدنى، كما اعتقد جوردون تشايلد، إلا أنه لا بدَّ من الإقرار بأن العصر الحجري الحديث كان بحق عصراً ثورياً بمعنى واسع. فقد حول إنتاج الطعام في نهاية المطاف معظم ثقافات العالم محدثاً في الآن نفسه تحولات في عالم الطبيعة(5)هذه الثورة النيوليتية ذات ثلاثة أبعاد على الأقل: التدجين، وأنماط حياة مستقرة جديدة، وتقنيات جديدة.

بالتدجين نشير تحديداً إلى الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبين واحد أو أكثر من الأنواع النباتية أو الحيوانية. وندرك اليوم أن التدجين كان عملية أكثر من كونه حدثاً. ومن ثم لازال الجدل دائراً عن الكيفية التي دشنت بداية لتلك العملية. طرحت العديد من الآراء ذات الأهمية بالنسبة لهذه الإشكالية. معلوم أن الثورة الاجتماعية- الاقتصادية المنجزة الحقيقية تكمن، على حد تعبير موري، "لا في التدجين في حد ذاته بل في الأفكار القابعة في أساسه، في الرؤية الكونية التي أفضت إلى حدوثه والتي تطور عنها، وفي مجموعة المفاهيم التي كانت منبعاً لطريقة تجربة حياتية مختلفة ومحيطات الفرد الطبيعية" Mori 1998 (*). ما حدث هو أن التأثير المتنامي تدريجياً لكل ما استوعبه عقل الإنسان بدون وعي خلال الألفيات المبكرة، بدعم بدني، بلا شك، متلقى من علاقاته المتبادلة مع البيئة، والذي تسبب في اتخاذ "الخيارات" نفسها في تلك المناطق الواقعة حول مدار السرطان كما اتُخذت في مناطق أخرى بطرق مختلفة وبوسائل متعددة.

آثارياً بدأت دراسة مواقع ما قبل التاريخ في الصحراء الليبية بأعمال موري وبعثته في الأكاكوس. نجح موري في أن يجلب إلى دائرة الضوء مركب الرسوم الصخرية الرائع. مثلَّ وادي تشوينت نواة البحث الذي سمح بملاحظة تتابع طويل لتلك الأعمال الفنية المرتبطة بترسبات للإقامة الإنسانية. أجريت أعمال التنقيب الاستراتيجرافي ونُشرت النتائج موفرة بذلك البينة الأولى الدالة على إقامة الإنسان في سلسلة تادرارت أكاكوس في فترة تمتد، وفق تواريخ الكربون14 للترسبات الأساسية، من الألفية الخامسة حتى الألفية الرابعة ق.م. كان الجهد البحثي في تلك الفترة موجهاً إلى تصنيف الفن الصخري وفهمه. وقدم موري تصنيفاً شاملاً من وجهة نظر الجوانب الأسلوبية والذي أصبح، خلافاً لنواياه، أساساً لمراحل كرونولوجية. وظلت هناك، حتى بداية السبعينيات، فجوة معرفية بين فهم الفن الصخري وفهم الإقامة الإنسانية في هذه المنطقة من الصحراء الليبية. كان لا بدَّ من تطوير مشروع يهدف إحداث دراسة ستراتيجرافية تمكيناً للباحثين من مقارنة النتائج في كلا المجالين. في عام 1970 طور معهد الاثنولوجيا القديمة بجامعة روما مشروعاً من هذا النوع وفق معيار حدده البروفسور بوجليسي بقوله : "إن البحث الباليواثنولوجي في ليبيا لا بدَّ أن يتجه إلى إعادة التركيب الشاملة للإطار الثقافي من خلال استخدام المعطيات ذات الصلة بالبيئة والوثائق الأثرية الناتجة عن أعمال التنقيب المنتظمة ومن خلال الاستفادة من تحليل الفن الصخري لاستنباط المحتويات الاثنولوجية التي تعجز المواد المختلفة عن توفيرها بصورة مكتملة" Puglisi 1981.

هكذا قدم المشروع إمكانيات جديدة لإعادة تركيب شاملة للمعطيات المستخلصة من تادرارت أكاكوس. تم تقييم البينة الخاصة بالفن الصخري بحسبانها نوعاً من المعطيات التي لا بدَّ من تفسيرها على ضوء مجمل البينات. شمل ذلك تبني تناول يقوم على أساس تكامل العلوم بحيث تتم الاستفادة من المعطيات التي توفرها العلوم الطبيعية (علم النباتات القديمة، وعلم الحيوانات الحفري، الجيوكيمياء، الجيومورفولوجيا، وعلم البيئات القديمة) لإعادة تركيب البيئة المعاشة وتحليلها من ثم وفق مصطلحات النماذج الاثنوأنثروبولوجية.

وفي الوقت نفسه تمت إعادة تشكيل بعثة المعهد لتصبح مشروعاً للتعاون الليبي الإيطالي في المجالين التنظيمي والعلمي الفني تحت اسم "البعثة الليبية-الإيطالية المشتركة لأبحاث الصحراء". وبدء في تنفيذ العمل الميداني باتجاهين مكملين لبعضهما الآخر. أصبحت باربارا باريش مشرفة على أعمال التنقيب الاستراتيجرافي في حين أشرف موري على دراسة الفن الصخري.

أما في المنطقة الساحلية المتاخمة للصحراء فقد بدأ ماك بيرني، كما يبين جراهام باركر، في السنوات التي أعقبت مباشرة الحرب العالمية الثانية دراساته لمواقع العصر الحجري القديم الليبية حيث قام، في بحثه الذي عنونه "العصر الحجري في الساحل الليبي"، بنشر عدد من اللقى الأثرية السطحية التي اكتشفها McBurney 1947. ثم أنه قام بعد ذلك بمجسات (حفريات تجريبية محدودة) في موقع كهف حكفت الضبعة بالجبل الأخضر نشر نتائجها باللغة الفرنسية في مجلة الأنثروبولوجيا McBurney 1950. كما أنه قام بالتعاون مع زميله هاي بتنفيذ دراسة عن العلاقة بين التواترات الجيولوجية والآثارية البليستوسينية في قورينائية. وفي الأعوام 1951 و 1952و 1955 نفذ ماك بيرني أعمال التنقيب الآثاري في موقع هوا أفطيح حيث كشفت المجسات العميقة عن تواتر تفصيلي للطبقات من العصر الحجري القديم (الباليوليتي) الأوسط ومن العصرين اللاحقين الحجري الوسيط (الميزوليتي) والحجري الحديث (النيوليتى) والتي دللت على إقامة الإنسان في الكهف. وقد نجح التقرير الذي صاغه ماك بيرني عن نتائج أعماله في هوا أفطيح McBurney 1967 ليس فقط في وصف التواتر المدهش للطبقات، وإنما كذلك في ربط تلك الطبقات مع تواتر البيئة القديمة التي أمكن تثبيتها من واقع دراسة ترسبات الحيوانات والرخويات في ستراتيجرافية (تسلسل طبقات) الكهف. كذلك تم ربط التواتر بكرونولوجيا مطلقة اعتمد فيها ماك بيرني على عشرين عينة راديوكاربونية. وباعتقادي أن باركر كان محقاً حين قال بأن "ستراتيجرافية هوا أفطيح تظل فريدة لا بالنسبة لما قبل تاريخ ليبيا فحسب بل بالنسبة إلى ما قبل تاريخ مجمل شمال أفريقيا" McBurney 1967: 8.

لقد تم الكشف في هوا أفطيح عن أكثر تعاقب مكتمل لصناعات البليستوسين الأعلى معروف في أي جزء من شمال أفريقيا Close 1986، لكنه لم يتم الوصول من خلال التنقيب إلى الطبقات الأكثر قدماً، إلا أنه تم التأكيد على وجود إقامة ليفالوازية موستيرية في الموقع حوالي على الأقل60.000 سنة مضت. استمرت هذه الصناعة خلال الفترة التي كانت فيه نظيرتها في الصحراء الأبعد إلى الجنوب قد انزاحت لتحل محلها الصناعة العاترية. في أدنى المستويات التي طالتها حفريات ماك بيرني في هوا أفطيح تم الكشف عن صناعة مختلفة نالت تسمية "الليبية ما قبل الاوريجانسية" والتي تقوم على إنتاج نصال متوازية الأضلاع مضروبة من نوى موشورية. وتشير البقايا الحيوانية إلى أن مبدعي هذه الصناعة كانوا من الصيادين الماهرين للماشية المتوحشة، والغزلان، والحمار الوحشي، إلى جانب أنهم خلافاً لأحفادهم قاموا أيضاً بجمع الغذاء البحري. اللافت للانتباه أن هذه الصناعة الليبية ما قبل الاوريجانسية غير مشهودة في أي موقع أفريقي آخر رغم أن تقنية شبيهة وجدت في جنوب أفريقيا وتنتمي للعمق الزمني نفسه (فيلبسون2002: 172). وهناك من الباحثين من يقول بوجود صناعات مشابهة في فلسطين ولبنان وسوريا (المرجع نفسه، الصفحة ذاتها). لازال حالياً السؤال مطروحاً عن من هم أسلاف مبدعي هذه الصناعة.

بعد الطور الليبي الاوريجانسي استمرت الإقامة الليفالوازية الموستيرية في هوا أفطيح على مدى حوالي عشرين ألف سنة حتى 40.000 سنة مضت حين حلت محلها "فجأة" صناعة أنصال أكثر تقدماً نالت تسمية "الضبعانية" اشتقاقاً من موقع حكفت الضبعة بالجبل الأخضر. تنتمي "الضبعانية" إلى مركب الصناعات المعاصرة لها في أوربا وغربي آسيا والمعروف رسمياً بـ "العصر الحجري القديم الأعلى (الباليوليتي الأعلى)". تتميز الضبعانية بأنصالها المدببة ومقاشطها وأدواتها الأشبه بالأزميل والمسماة بـ "المزارف". هنا يلاحظ مجدداً الارتباط الوثيق لهذا الطور من تواتر هوا أفطيح مع نظائره المشرقية، لكن المهم للغاية والذي قد يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتدليل هو أن بداية ظهور هذا الطور في هوا أفطيح ارتبط مع بداية جفاف الصحراء الذي أدى إلى كسوف الصناعات العاترية. شهدت هوا أفطيح في هذا الوقت ظروفاً أكثر برودة. مع تبدل نسبي قليل استمرت المواقع الضبعانية حتى حوالي 14.000 سنة مضت حين تمت إزاحتها لتحل محلها، مع قدر من التشابك، الصناعة "الوهرانية الشرقية" التي تميزت بوفرة الأنصال الصغيرة المدببة.

فوق ذلك دللت أعمال التنقيب في هوا أفطيح على أنه ببداية الألفية السادسة ق.م.، أو بعدها بقليل، أعقبت الصناعة الليبية القفصية فترة إقامة اعتمد اقتصادها على قطعان الضان و/أو الماعز المدجنة. لم يتم الكشف عن بينة دالة على وجود أبقار مدجنة في هذا الوقت في هوا أفطيح. تظهر مجموعة الأدوات مؤشرات دالة على استمرار الصناعة الليبية القفصية المترسبة في الطبقات الأسفل مع بينة تشير إلى وجود الفخار منذ 5000 ق.م. لكنه فيما يبدو أن الحيوانات المدجنة جُلبت من مكان آخر إلى المنطقة – احتمالاً من الشرق. لازالت النتائج المتحصل عليها من هوا أفطيح غير كافية للتدليل على تطور تدريجي للرعي، فالضان/الماعز لم يكن من النوع المتحدر من الأغنام الشمال -  أفريقية السابقة التي شكلت غنيمة للصيادين الليبيين القفصيين. إن البينة الدالة على الفلاحة في قورينائية كانت على الأقل قديمة قدم تلك التي تم الكشف عنها في منطقة دلتا النيل. حالياً لا توجد بينة تؤكد على أن زراعة النباتات الحبية التي مورست في دلتا النيل كانت معروفة إلى الغرب منها في هذا الوقت.

يشير جراهام باركر إلى أنه قد ساد اعتقاد سابق بأن الشكل الأولي للفلاحة بدأ في وادي النيل نتيجة انتقال معلومة و/أو تحرك سكاني وافد من الشرق الأدنى حيث اكتملت عملية تثبيت الفلاحة هناك مباشرة بعد بداية الظروف المناخية للهولوسين في حوالي10.000 ق.م. وعلى ذلك جرت المحاججة بانتشار الفلاحين في العصر الحجري الحديث غرباً عبر حوض البحر الأبيض المتوسط حاملين معهم فخارهم ونباتاتهم وحيواناتهم المدجنة. الموقع الأساسي على الساحل الشمال أفريقي تم الكشف عنه في هوا أفطيح. أشارت البينة إلى انتشار باتجاه الغرب عبر حوض البحر الأبيض المتوسط بين 6.000 و 4.000 ق.م. مشابه في عموميته للاستعمار باتجاه الشمال الغربي إلى أوربا المعتدلة والذي تشير إليه سلسلة تواريخ راديوكاربونية من مواقع العصر الحجري الحديث. بالنسبة لشمال أفريقيا باتجاه الداخل فقد أشارت التشابهات لنماذج الفخار الأولى في مواقع الصحراء الوسطى مع فخار العصر الحجري الحديث في السودان إلى احتمال هجرة موازية نفذتها جماعات فلاحية اصطلح على تسمية صناعتها بـ "التقاليد السودانية الحجرية الحديثة". عُدت بداية الفلاحة الأولى في أفريقيا ما وراء الصحراء ناتج هجرة وفدت من منطقة النيل. وفي كل حالة افترض بأن الفلاحين استعمروا مناطق كانت مأهولة بصورة متقطعة للصيادين /الجامعين أو مناطق عذراء كلياً.
--------
 هوامش
 (5) كروماجنون = تمَّ الكشف عن إحدى أولى بشريات العصر الباليوليتي الأعلى في عام 1968 في موقع كروماجنون بجنوبي فرنسا (خمسة هياكل يرجع عمرها إلى 20.000 – 30.000 سنة مضت). وقد اشتهر أحسن تلك الهياكل باسم "رجل كروماجنون العجوز" الذي كان قد بلغ من العمر عند وفاته 40- 50 عاماً. تميز العجوز بمخ كبير إذ بلغت سعة جمجمته 590 سم. مكعب (وتكون بذلك أكبر من متوسط سعة الجماجم الخاصة بالأوربيين الحاليين). وكانت للعجوز مقدمة رأس مرتفعة، وخد ناتئ، ومؤخرة جمجمة جيدة الاستدارة. ويستخدم مصطلح كروماجنون عادة للدلالة على إنسان العصر الباليوليتي الأعلى الحديث تشريحياً. إلا أن تنوعاً سكانياً بادياً من الممكن ملاحظته فى أوربا وغيرها من المناطق في تلك الفترة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق