الخميس، 15 أغسطس 2013

السنوسي الفزاني ...د.ادريس فضيل


الزعيم السنوسي الفزاني يتوسط كل لاعبى نادى الهلال ديمس الكبير على اليمين وبوشعالة على اليسار   


كان واحداً من جنود جيش التحرير، ثم صار من أشهر ضباط الشرطة في البلاد، سمعت عنه لأول مرة قائداً للقوة المتحركة، فقد كان عمي في سنه وكان ضابطاً تحت إمرته، ومن أشد الناس إعجاباً به، فكان يحدثني عنه، ومرة كنت في زيارة إلى عمي في بنينة، وكنا عائدين من بنغازي في سيارة أجرة نركب من الخلف وقد تدلت سيقاننا إلى الخارج، وإذا بسيارة عسكرية من نوع (شامب) مكشوفة تزحمنا من الخلف، فابتسم عمي لسائقها الذي بادله الابتسام وقال: إنه هو الفزاني، وكان بيته وسط مساكن ضباطه، وزوجته سيدة قريتلية فاضلة متواضعة، كانت تعقد صلات وثيقة مع جاراتها نساء المعسكر.

كان الفزاني مسئولاً عن القوة المتحركة مطلق اليد في شئونها، واسع السلطان فيها، وتمثل تجمعًا عسكرياً كبيراً لحفظ النظام داخل البلاد، وتمتاز بسرعة التحرك والقدرة على الانضباط ومعالجة المشكلات، وهي مدربة تدريباً جيداً ويمتاز ضباطها بميزات لا يمتلكها ضباط القطاعات الأخرى.

وكان الفزاني محل إعزاز من قبل ضباطه وجنوده إلى حد كبير، فقد كان يختارهم على عينه، ويتخلص من الكسالى والمنحرفين والمشاكسين، ولا يستبقي بالقوة إلا من يثق في إخلاصه للوطن وكفاءته للعمل.

ومرة ألمّ بالفزاني مرض فسافر إلى ألمانيا للعلاج، وكان السفر للخارج نادراً في ذلك الزمان، ويظهر أن غيبته امتدت لفترة طويلة، فكان عساكره يتطلعون إلى يوم عودته بشوق كبير، حتى قال شاعرهم:

انريدك اتخبرني على الفزاني * كثير الهموم ابغيبتا خلاّني

وحين جرت مظاهرات طلابية في بنغازي في الستينيات من القرن الماضي، ووقع إطلاق نار عليها، اتهم الفزاني بأنه هو من أمر به، وقدّم للمحاكمة فثبتت براءته، وكان كثير التأثر والحزن على اتهامه بها، حتى إنه كان يذرف الدموع كلما ذكرت تلك الحوادث أمامه، ويقسم بأغلظ الأيمان على براءته منها.

وعندما نشأت البيضاء تقرر أن ينتقل جزء من القوة المتحركة التي يرأسها، إلى معسكر ينشأ في قرنادة، وكان ذلك قراراً صائبًا في الظاهر.

ولعل أول مناسبة أقابل فيها الفزاني مباشرة، كانت حين حج عمي الضابط بالمتحركة، وكان الفزاني يحبه ويعتمد عليه لإخلاصه واحترافه الحياة العسكرية، وتفانيه فيها، وكان قد أوصاني أن أتصل بالفزاني عند عودته من الحج ونزوله في طبرق، ليدبر لي سيارة تنقل الحاج من طبرق إلى البيضاء، فذهبت لمقابلة الفزاني في مكتبه برئاسة الشرطة بالبيضاء، ولما طلبت مقابلته أرجأني عن طريق سكرتيره، إلى ما بعد الانتهاء من مقابلته لجماعة من العساكر، كانوا ينتظرون الإذن بالتحدث إليه، وبعدها قابلني بكل لطف قبل أن أعرّفه بنفسي، ثم رحب بي وأثنى على عمي، و تأسف لتأخيره لمقابلتي إلى ما بعد الصولات، وكانت كلمة (الصولات) أسمعها لأول مرة من الفزاني نفسه، و لما عرف حاجتي اعتذر عن وجود سيارة لإحضار عمي من طبرق، ولكنه مد يده ففتح خزنة في المكتب وناولني ثلاثين جنيهاً، وكانت مبلغًا كبيراً حين ذاك، وقال لي استأجر سيارة تحضر عمك من طبرق، فاعتذرت عن قبول المبلغ وشكرته، ولكنه رفض عذري وأصر على رأيه.

عاش الفزني حياة أقرب إلى البساطة، فقد كان في البيضاء يسكن بيتًا مؤجراً أو مستعاراً من قبل صديق له، ولم يكن له منزل خاص فيما أعلم، وبعد حدوث تطورات في البلاد، اعتقل وسجن ثم قدّم للمحاكمة، وكان في محاكمته يتحلى بالشجاعة، والحب لقادته والإخلاص لوطنه كعادته، وبإجمال كان موقفه شجاعاً صريحاً مثل الموقف الشجاع لحسين مازق.

سجن الفزاني مدة ثم أطلق سراحه مع الحكم عليه بغرامة كبيرة، فكان يمضي يومه متنقلاً من مكان إلى آخر في البيضاء، وغالبًا ما يكون عند بعض من يعرفون قدره، ويكنّون الاحترام له، وكانوا يجلسون ويتحدثون في محطة نفط عيت بو الغرباوية، فقد رأيته مرات هناك عند المساء، وكان يبدو في الظاهر صابراً محتسباً .

وروى لي صديق أنه غسل سيارته في المحطة، ولما تقدم ليدفع الأجرة لصاحب المحطة قال له الفزاني - وكان جالساً معه - لا تدفع هذه العشرة دنانير، فأنا أتحملها عنك، إنني مدين للدولة الجديدة بمبلغ تسعة وعشرين ألفاً حكمت عليّ بدفعها، فلا ضرر إن أضفت هذا المبلغ الصغير إليها، فأنا مدين على كلّ حال.

شُغلت بعد ذلك بمرض عمي وعلاجه حتى وفاته عام 1979، ويبدو أن الفزاني كان أيضا مريضاً في نفس الفترة، وجاءت زوجته تعزينا في عمي، وقالت: إن السنوسي في الرمق الأخير، حتى إنني لم أستطع أن أخبره بوفاة صاحبكم، إشفاقًا عليه لحبه له، ولم يلبث الفزاني أن رحل إلى جوار ربه ولحق بصاحبه، وشاء القدر أن يدفن في نفس الشوط الذي دفن فيه صاحبه ورفيقه، تفصل بينهما قبور قليلة.

ذهبت للتعزية في وفاة الفزاني، فلم يعرفني في المأتم أحد ولم أتعرف على أحد من أعيان المدينة، ولم يكن بالعزاء غير أفراد قليلين من أهل فزان في البيضاء، وربما كان من بينهم رجل شرطي كان الفزاني يثق فيه، فهو يسترعيه في أسرته، وقد لزم الأسرة وهو في السجن وظل مخلصًا له حتى بعد وفاته، وبذلك ضرب مثلاً رائعاً في الوفاء والإخلاص يقل نظيره .

بعض الناس يلومون الفزاني، باعتباره كان في فترة من الفترات مقصراً في أداء واجبه، ولكن الفزاني لم يكن يؤتى من قلة في الإخلاص لوطنه، ولا يطعن أحد في حبه لقادته، ولكن ربما كان عيبه أنه اعتمد على جماعة أوكل إليهم تدبير الأمور، ثقة منه في إخلاصهم له، إذ كانوا صنيعة له منذ أن التحقوا بالخدمة في المتحركة صغاراً، فهو الذي تبناهم وعلمهم وأكمل نقصهم، وسد الخلل في ثقافاتهم، وأتاح لهم فرصة الترقي فلم يرعوا هذا الجميل له، وربما كان هؤلاء قد فعلوا ما فعلوا استجابة لتأثيرات معيّنة، أو انتقامًا لمشاعر غير معلومة، قد يتكفل التاريخ بالكشف عنها يوماً ما، وكانت ثقته المطلقة فيهم وتقديمه لتلك العناصر على من سواهم، وإيداعه للأسرار بين أيديهم هي القاصمة، إذ لم يكن يخطر على باله أنهم سوف يخذلونه ويخالفون أمره وهم صنيعة له، ولكنهم كما أشرنا وقعوا ضحية طنطنة قوية، غيّرت أفكارهم فأضمروا الشر، وأظهروا المودة والحب، حتى إذا تهيأ لهم أن يضربوا ضربتهم لم يتوانوا، وهذا هو موطن التقصير.

ويقال إن الفزاني خرج نظيفاً، رغم كثرة ما كان بين يديه من مال الدولة، فمسكنه عارية كما ذكرنا، كما يقال: إنه لم يترك شيئاً من حطام الدنيا كما فعل نظراؤه في الوظيفة، ومعاصروه في الزمن. إنني أتعمّد أن أمر أحياناً على المقبرة، فأسير حتى أتوقف عند ضريح عمي، ثم أتقدم خطوات قليلة لأتوقف أمام مثوى الفزاني، فأدعو له وأترحم عليه، تقديراً لحبه لوطنه وإخلاصه لقادته، فقد ضرب بذلك مثلاً ينبغي أن يوضع بين يدي الجيل، رحم الله العميد السنوسي الفزاني، لم يعرف عنه تكبر ولا عجرفة ولا سوء خلق، ولا بذاءة لسان ولا استهتار بالبشر.

وربما اكتسب هذه الأخلاق الطيبة، من الدماثة الطبيعية التي يتحلّى بها أهلنا في فزان، وربما يعود جانب منها، إلى ما يروى عن نشأته بقرب إدريس السنوسي رحمه الله، فقد قيل: إنه تبناه ورباه تربية عالية، قوامها حسن الخلق، فاقتبس من دماثة أخلاق السادة السنوسيين رضي الله عنهم.

سبق النشر على مجلة الرقيم  22 يناير 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق