‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ الليبى المعاصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ الليبى المعاصر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 ديسمبر 2012

ذكرى استقلال ليبيا: 24 ديسمبر 1951م...د.مجيد خدورى




- الاحتلال الايطالي: 

كانت إيطاليا آخر الدول الأوروبية التي دخلت مجال التوسع الاستعماري. وكانت ليبيا عند نهاية القرن التاسع عشر، هي الجزء الوحيد من الوطن العربي في شمال أفريقيا الذي لم يتمكن الصليبيون الجدد من الاستيلاء عليه، ولقرب ليبيا من إيطاليا جعلها هدفا رئيسا من أهداف السياسة الاستعمارية الإيطالية، ولم يصعب على إيطاليا اختلاق الذرائع الواهية لاحتلال ليبيا فاعلنت الحرب على تركيا في 29 سبتمبر سنة 1911 م، وبدأت الحرب العثمانية الإيطالية واستطاعت الاستيلاء على طرابلس في 3 أكتوبر من السنة نفسها.
قاومت القوات الليبية والعثمانية الإيطاليين لفترة قصيرة، ولكن تركيا تنازلت عن ليبيا لإيطاليا بمقتضى المعاهدة التي أبرمت بين الدولتين في 18 أكتوبر 1912م (معاهدة أوشي)، وأدرك الليبيون الآن أن عليهم أن ينظموا صفوفهم ويتولوا بأنفسهم أمر المقاومة والجهاد ضد المستعمر، وقد اشتدت مقاومة الليبيين للقوات الإيطالية مما حال دون تجاوز سيطرة الإيطاليين المدن الساحلية، ولما دخلت إيطاليا الحرب العالمية الأولى 1915 م انضم أحمد الشريف، الذي كان يتولى قيادة المقاومة ضد الغزو الإيطالي في برقة، إلى جانب تركيا ضد الحلفاء، ولكن بعد هزيمة قواته تنازل عن الزعامة لإدريس السنوسي وقاد الجهاد نيابة عنه في منطقة الجبل الأخضر المجاهد عمر المختار وعدد من مشائخ القبائل العربية مثل صالح الاطيوش وعبد السلام الكزة. وفي المنطقة الوسطى قاد الجهاد مجموعة من مشائخ القبائل امثال حمد سيف النصر. اما في المنطقة الغربية فقد قاد الجهاد مجموعمة من الزعماء والمشائخ منهم رمضان السويحلي وأحمد المريض ومحمد سوف المحمودي وسليمان الباروني والصوعي الخيتوني ومسعود الشويخ وعبد النبي بلخير ومحمد بن عبد الله البوسيفي. 

- الحرب العالمية الثانية: 

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية، رآها الليبيون فرصة يجب استغلالها من أجل تحرير ليبيا، فلما دخلت إيطاليا الحرب 1940 م انضم الليبيون إلى جانب صفوف الحلفاء، بعد أن تعهدت بريطانيا صراحة بأنه عندما تضع الحرب أوزارها فإن ليبيا لن تعود بأي حال من الأحوال تحت السيطرة الإيطالية. و قد تحالف السنوسية مع البريطانيين مكونيين الجيش السنوسي من أبناء القبائل بزعامة ادريس السنوسي ودخلوا مع القوات البريطانية إقليم برقة من مصر حيث كانوا فارين من وجه الطليان، حيث تم إعلان ادريس السنوسي اميرا على برقة.

وكذلك دخل الشيخ حمد سيف النصر بمن معه من القبائل صحبة القوات الفرنسية التي دخلت عن طريق مناطق السودان الأوسط (تشاد) واعلن الشيخ حمد اميرا على فزان.

كانت الشكوك تساور الليبيين في نوايا بريطانيا بعد انتهاء الحرب، واتضحت هذه النوايا بعد هزيمة إيطاليا الفاشية وسقوط كل من بنغازي وطرابلس في أيدي القوات البريطانية. كان هدف بريطانيا المتماشي مع سياستها المعهودة (فرق تسد)، هو الفصل بين إقليمي برقة وطرابلس ومنح فزان لفرنسا، وكذلك العمل على غرس بذور الفرقة بين أبناء ليبيا وبينما رأى الليبيون أنه بهزيمة إيطاليا سنة 1943م يجب أن تكون السيادة على ليبيا لأهلها، إلا أن الإنجليز والفرنسيين رفضوا ذلك وصمموا على حكم ليبيا حتى تتم التسوية مع إيطاليا.
أصبحت هاتان الدولتان تتحكمان في مصير ليبيا ضد رغبات الشعب الليبي، وبعد كثير من المفاوضات، تم بفضل الله الاتفاق على منح برقة استقلالها الذي اعترف به الإنجليز على الفور، وكان ذلك في أول يونيو 1949م ولكن هذا الإجراء الذي كانت غايته تقسيم ليبيا وتهدئة الليبيين وإلهائهم عن قضيتهم لم يُسكت صوت أحرار ليبيا الذين استمروا في المطالبة بحقوقهم واستعادة حريتهم، هذا الإصرار من جانب شعب ليبيا ضمن لقضية ليبيا مكاناً في جداول أعمال المؤتمرات التي عقدتها الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية كما نقل الليبيون قضيتهم إلى الأمم المتحدة. 

- استقلال ليبيا: 

في هذه الأثناء كانت الدوائر الاستعمارية تدبر المكائد وتحيك المؤامرات على مستقبل ليبيا، فقد اتفقت بريطانيا وإيطاليا في 10 مارس 1949 م على مشروع (بيفن سيفورزا) الخاص بليبيا الذي يقضي بفرض الوصاية الإيطالية على طرابلس والوصاية البريطانية على برقة والوصاية الفرنسية على فزان، على أن تمنح ليبيا الاستقلال بعد عشر سنوات من تاريخ الموافقة على مشروع الوصاية، وقد وافقت عليه اللجنة المختصة في الأمم المتحدة في يوم 13 مايو 1949 م وقُدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للإقتراع عليه، ولكن المشروع باء بالفشل لحصوله على عدد قليل من الأصوات المؤيدة، نتيجة للمفاوضات المضنية لحشد الدعم لاستقلال ليبيا التي قام بها وفد من احرار ومناضلي ليبيا للمطالبة بوحدة واستقلال ليبيا، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 289 في 21/11/1949 م الذي يقضي بمنح ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952 م، وكُوِنت لجنة لتعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة ولتبذل قصارى جهدها من أجل تحقيق وحدة ليبيا ونقل السلطة من السيطرة الاجنبية إلى ايدى ابناء البلاد.ولما كانت الولايات الثلاث تدار على انها مناطق مستقلة، فقد بدا أن الخطوة الطبيعية التى يجب أن تتبع هى انشاء حكومة وطنية قبل الاهتمام بمسألة توزيع الاختصاصات بين الولايات.وكانت برقة وفزان قد اقامتا نظامين ادرايين منفصلين، رغم معارضة الطرابلسيين.ولما دعى الزعماء الطرابلسيون الى اقامة نظام مماثل امتنعوا عن ذلك على اساس ان مثل هذا العمل يمس امانيهم الوطنية الرامية إلى تحقيق الوحدة.ولم يقبل المعتدلون من الزعماء الطرابلسيين باقامة نظام ادراى منفصل لمنطقة طرابلس إلا بعد الاعتراف رسمياً بالاستقلال مع الوحدة الليبية والا بعد أن اقرت الجمعية الوطنية الليبيية نظام الحكومة الاتحادية، ولم يحز قبولهم رضى حزب المؤتمر الوطنى. وبذلك كانت قد ثبتت الاسس التى ستقوم عليها حكومة المستقبل، قبل ان تسلم السلطة إلى الادارة الليبية.

- نقل السلطات واعلان الاستقلال:

بعد أن اقرت الجمعية الوطنية النظام الاتحادى، اصدرت فى 21فبراير1951، قراراً بانشاء حكومات محلية تقوم "بتسليم السلطات التى ستنقل من الدولتين القائمتين على الادارة".وقد كلف الملك المقبل ان يعين موظفى مثل هذه الحكومات وان يطلب " من الدولتين القائمتين على الادارة فى منطقة طرابلس وفزان ان تيسرا لهؤلاء الموظفين تسلم هذه السلطات والتمرس بها تمهيداً لاقامة الدولة الليبية المتحدة حتى لا يتأخر ذلك عن التاريخ المحدد، وفقاً لقرار الأمم المتحدة".وبما ان الادارة البريطانية لم تتمكن من انشاء مجلس تشريعى منتخب فى منطقة طرابلس بسبب معارضة السكان، فقد كانت الخطوة الوحيدة العملية هى اقامة حكومة محلية.وتم ذلك بان اصدر رئيس الادارة مرسوماً سمى اعلان السلطات الانتقالية. وقد اقر الملك المقبل هذا الترتيب، وتمت اقامة الحكومة فى مارس 1951.واقر المجلس التنفيذى الذى كانت تتمثل فيه الاحزاب السياسية الرئيسية (باستثناء حزب المؤتمر)، والذى يرأسه رئيس الادارة، اقر رسمياً (فى 8 مارس 1951) انشاء مجلس وصاية وفقاً لقرار الجمعية الوطنية. واعلان السلطلت الانتقالية، الذى نقلت بموجبه السلطات المتعلقة بالامور الداخلية الى سيطرة الوطنيين، ادى فى الواقع إلى انهاء عمل المجلس الادراى واصبح رئيس الادارة، الذى كان لرئيساً للمجلس الادارى ايضاً، المعتمد البريطانى.واصبح محمود المنتصر، الذى كان نائباً لرئيس المجلس الادراى، رئيس الحكومة الطرابلسية.وخشى ادريان بلت ان تؤدى مثل هذه الخطوة إلى اضعاف حكومة ليبيا الاتحادية، فأشار بأن تسمى الحكومات المحلية الجديدة"ادارات" لا " حكومات".

وبدأت الحكومة الطرابلسية، المؤلفة من دوائر يرأسها وزراء ليبيون بتوجيه الادارة وتصريف الامور التى كانت من قبل تمراسها الادارة البريطانية.ولعل الاختصاصات كادت ان تكون موزعة بالتساوى بين المعتمد البريطانى ومجلس الوزراء (المعروف باسم مجلس الوصاية)وقد شملت اختصاصات هذا المجلس الاخير ادارة الخدمات العامة والاشراف على شؤون الزراعة والتربية والصحة العامة.وكان ثمة مايدعو إلى الشك فى ان اقتسام السلطة كان متساوياً، لان السلطات التى احتفظ بها للمعتمد البريطانى شملت الشؤون المالية والتشريعية وشؤون الدفاع عن المنطقة وادارة العلاقات الخارجية.وعلى كل دائرة يرأسها مدير ليبى يساعده نفر من المستشارين البريطانيين. واذا نحن تجاوزنا عن مدى ماتمرس به الموظفون الليبيون من سلطة فى واقع الامر، رأينا ان الاشتراك فى السلطة بين الليبيين والبريطانيين كان المقصود منه ان يتولى الليبيون المسؤولية تدريجاًوان يكتسبوا خبرة ادراية اثناء فترة الانتقال. 

ولم يكد يقض محمود المنتصر شهراً فى هذا المنصب الذى ابدى فيه مقدرة ملحوظة فى رئاسة نظام هو فى الواقع نظام ازدواجى، حتى استقال ليؤلف الحكومة الاتحادية المؤقتة. واستمرت الادارة الطرابلسية حكومة مؤقتة إلى 24 ديسمبر 1951 حين ألفت الحكومة الوطنية (الاتحادية) الاولى واصبحت الحكومات المحلية الثلاث لبرقة ومنطقة طرابلس وفزان ادارات للولايات. وقد اتمت الادارة البريطانية فى برقة ومنطقة طرابلس والادارة الفرنسية فى فزان تدريجياً نقل السلطات الداخلية جميعها الى الولايات، خلال المدة التى مرت بين انشاء الحكومات المحلية على ان حلت محلها ادارات الولايات. وفى نهاية المطاف حين اعلن استقلال ليبيا رسمياًفى 24 ديسمبر1951، نقلت إلى الحكومة الاتحادية الليبية الاختصاصات العامة واختصاصات الدفاع والعلاقات الخارجية، مع انها جميعها كانت تدار بالنيابة عن الولايات على صورة منفصلة لكل ولاية.
وكانت الحكومتان البريطانية والفرنسية قد وافقتا على تقديم مساعدات مالية للسلطات المحلية والمركزية معاً لتمكين الليبيين من الاضطلاع بالمسؤولية.وقد ثبت ان مثل هذه المساعدات المالية كانت لازمة لليبيا، لاخلال الفترة الانتقالية فحسب، بل حتى بعد أن اضطلعت ليبيا بمسؤولياتها بسبب ضعف مواردها اثناء السنوات الاولى التى اعقبت الاستقلال.

والفت لجنة تنسيق باشراف ادريان بلت لتقديم النصح والارشاد فى السبل الكفيلة لنقل السلطات.وقد كانت المهمة شاقة إذ ان نقل السلطات التدريجى ماكان ليتم بيسر واتساق.فالليبيون الذين عانوا من حكم الاجنبى زمناً طويلاً كانوا بطبيعة الحال يتطلعون بلهفة الى تولى امورهم بأنفسهم، ولعل صبرهم عيل من طول الانتظار.ولم يكن بد من حدوث بعض الاحتكاك والتلكؤ فى نقل السلطات، ولكن المهمة تمت بكثير من النجاح.
ما ان اتمت الحكومة المؤقتة فى الشهور التسعة التى تولت فيها البلاد، اتخاذ الخطوات الاولية لتولى المسؤولية كاملة، حتى اصبح المسرح معداً لاعلان الاستقلال رسمياً، وقد تم ذلك فى 24 ديسمبر 1951 م فى قصر المنارببنغازى (قصر غرتسيانى سابقاً) حيث اعلن الملك ادريس بحضور اعضاء الحكومة المؤقتة وممثلى الدول الاجنبية ووجهاء البلاد، استقلال ليبيا رسمياً ووضع الدستور موضع تنفيذ.

 ------------------------
نقلا عن: د. مجيد خدورى، ليبيا الحديثة" دراسة فى تطورها السياسى"، ترجمة نقولا زيادة (بيروت، دار الثقافة، 1966) ص 241- 244.

- الصور عن : Old Libyan Photos Collectors اول مجموعة تؤسس في الفيسبوك، تهتم بالصور والارشيف الليبي القديم.

* مجيد خدورى: من مواليد الموصل بالعراق في 27/9/1909، وتخرج في دار المعلمين العليا ببغداد ثم درس بها عقب نيله الدكتوراه سنة 1938 من جامعة شيكاغو إلى غاية سنة 1947 حيث حل أستاذاًزائراً في بعض الجامعات الأمريكية الشهيرة ورأس هناك في فترة من الفترات معهد الدراسات العليا وعمل مديراً لقسم الشرق الأوسط في جامعة واشنطن إلى أن استقر به المقام في جامعته الأثيرة جونز هو بكنز سنة 1949 وإلى حين قدومه معاراً إلى بنغازي ليكون ثاني عميد لكلية الآداب، وعندما شرع في تأليف كتابه المهم (ليبيا الحديثة) بالإنجليزية، الذي ترجمه إلى العربية د. نقولا زيادة وقام بمراجعته د. ناصر الدين الأسد، وصدر سنة 1963، عاد إلى بنغازي لتجميع ما يتصل بموضوعات هذا الكتاب مرتين: سنة 1959، 1961. واقترب كثيراً من أعلامها، إضافة إلى جولات في نفس السياق في مدن ليبية أخرى.كتب د. خدورى عديد المقالات العلمية والبحوث الفكرية والتاريخية، وله مؤلفات جادة في مباحث تهم المعنيين بالقضايا العربية المعاصرة والذين أفادوا منها كثيراً، وتعتبر هذه المؤلفات، إلى الآن، من المراجع الموثوق بها لدى الباحثين والمشتغلين بهموم التاريخ الحديث والمعاصر، كما شارك د.خدورى في كثير من المؤتمرات واللقاءات العلمية، وطاف العالم زائراً ومحاضراً في جامعاته الكبرى، فيما تتلمذ على يديه عديد الباحثين والدارسين من العرب والأجانب، وأشرف على بعض رسائلهم العلمية، ومن بينهم بعض الطلبة الليبيين.ورغم أصوله المسيحية، فقد أهتم د. مجيد ـ من دون تعصب ـ بالتأليف والتحقيق في جوانب متعددة من تراث الإسلام وقضايا الفكر والفلسفة من التاريخ الأسلامي، ويأتي في مقدمتها: (الحرب والسلم في شرعة الإسلام) الذي صدر في طبعته الإنجليزية سنة 1951، والعربية سنة 1973، (والقانون الدولي الإسلامي) سنة 1975، وهو تقديم وتحقيق وتعليق منه لكتاب السير للشيباني، و(مفهوم العدالة في الإسلام) سنة 1998.

سبق النشربموقع جيل فى احتفالية ذكرى عيد الاستقلال عام 2010

الثلاثاء، 1 مايو 2012

حمـد طقطـق سيرة رجل ونقابي بارز

عندما نسلط الضوء على جوانب من سيرة رجال ساهموا فى بناء ليبيا ونهضتها وفاء منا لعطائهم وما بذلوه من جهود وتضحيات بجزء كبير من حياتهم ، وفى بعض الأحيان هانت عليهم أرواحهم فى سبيل التصدى للدفاع عن الوطن وخدمة قضاياه وفى سبيل إزدهارليبيا ونهضتها ، ونذكر بما كان عليه حال ليبيا ورجالها فى ذلك الوقت وكيف كانت نظرتهم ومستوى مسؤليتهم نحو وطنهم وشعبهم ، هدفنا من هذا الأعتراف بفضل رموزنا ، كبارالسن وصغارهم ، لما قدموا من خدمات وتضحيات لوطنهم والإشادة بهم ، بغض النظرعن إختلافنا الفكرى معهم ، نراه عملا محمودا يصب فى مصلحة العمل االوطنى ويلهم شبابنا ويحفزهم للمزيد من العطاء والبذل ولنغرس فيهم قيم الوفاء لرجال كرسوا حياتهم لخدمة وطنهم وأعطوا فأحسنوا العطاء . سنتطرق في هذا السياق في الأسطر التالية لسيرة رجل بسيط ، عصامى طور نفسه ووهبها لخدمة وطنه وشعبه .

يقال أن القائد لا يولد ولا يورث ولكنه يصنع وفى اعتقادى أنه لا يورث ولا يصنع إنما هو موهبة تصقلها الأحداث وتنميها التجارب . شخصيتنا اليوم شخصية ليبية متواضعة ولكنها ناذرة كان لها دور مهم فى مجال حيوى وهام وهو ساحة الحركة العمالية الليبية فى الخمسينات حيث لعب صاحبها دورا بارزا ومتميزا فى نقابة عمال المخابز وفى نشاط اتحاد النقابات بصفة عامة وهو السيد حمد طقطق رحمه الله . إرتحل حمد طقطق من مدينة مصراته الى بنغازى وعمل فى احد المخابز واشترك فى نقابة الخبازين ثم امتلك مخبزا خاصا به واتقن مهنته . كان الرجل لا يجيد الكتابة ولا القراءة ولكنه كان يتمتع بذكاء حاد وهمة عالية ، وأستطاع بجهده وما يمتلكه من إصرار ونشاط غيرعادى ليصبح ذو مكانة بين رفاقه فاستطاع أن يشغل منصب رئيس نقابة الخبازين ويصبح قائدها بلا منازع .

إلتقيت بحمد طقطق لأول مرة فى اجتماع عام لكوادر اتحاد العمال ولفتت نظري طريقة حديثه عندما اخذ كلمة عمال المخابز، كانت كلمته بالعامية وشدتنى إليها طلاقة لسانه وقوة منطقه الذى جعلنى أتنبأ له بدور هام فى نشاط الحركة النقابية ولم يخب ظنى فى الرجل بل فاق ما كنت اتصوره . ربطتنى بحمد علاقة خاصة فشملته برعايتي ولم اتردد يوما فى الإجابة عن أى سؤال يسأله أو نصيحة اسديها اليه أو مساعدة أقوى على تقديمها ، وكان يشاركني في هذا الإهتمام صديقى وعزيزى المرحوم الأستاذ طالب الرويعى ، رفيق النضال من أجل تأسيس حركة نقابية ناجحة والذى كان هوالآخر يحب حمد طقطق وساهم معى فى صقل مواهبه القيادية التى كان يتمتع بها بفطرته.

فى يوليو 1952م وبعد أن نجحت مجموعة من الضباط بقيادة جمال عبد الناصر فى تغييرنظام الحكم فى الجارة مصر بدأت المنطقة العربية تعيش دوامة صراع سياسي حاد وانقسم حكام العرب الى فريقين بين مؤيد للثورة فى مصرومناوئ لها ، أما الطبقة العريضة من الشعب العربى أصطفت الى جانب الثورة فى مصر ونادت بجمال عبد الناصرزعيما لها . وفى نفس الوقت كانت هناك طبقة صغيرة من الشعب فضلت البقاء بجانب حكامها الذين كان جلهم يدور فى فلك بريطانيا والغرب بصفة عامة ووقفوا موقفا سلبيا من حركة التغييرهذه وناصبوها العداء .

إنعكس هذا الصراع بين الفئتين على جميع المؤسسات المدنية والإجتماعية فى العالم العربى ، وبطبيعة الحال أنعكس على ليبيا أيضا حيث كان هناك اتحادين للنقابات العمالية ، أتحاد عمال ( ولاية برقة ) ومقره بنغازى وهو أبرز مؤسسة مدنية فى ذلك الوقت إذ كانت له قاعدة عمالية كبيرة ومنظمة بقيادة الشيخ ابى الصادق رجب النيهوم رحمه الله وانظم هذا الأتحاد الى خندق الشعب وتعاون مع اتحاد العمال العرب ومقره بالقاهرة وكان فى الطرف الأخر إتحاد العمال ( الطرابلسى ) ومقره بطرابلس وكان يقوده السيد سالم شيتا والذى وقف فى الخندق الآخر ضمن الأتحاد العالمى الحر للعمال ، وعلى نقيض من أتحاد عمال( ولاية برقة) الآمرالذى حال دون اندماج الأتحادين ونشوب صراع استمر لفترة طويلة .

لم يكن فى البداية لإتحاد عمال ولاية برقة أى وجود نقابى يذكر فى طرابلس ، غيران قاعدة كبيرة بدأت تنموا وأنحازت إلى التيار القومى الجارف فى ذلك الوقت وبدأت تنظم نفسها واستطاعت تكوين تكتل عمالى التحم مع اتحاد عمال ( برقة ) وكان من قادته البارزين عزالدين الغدامسى وآخرون ، وكانت الغلبة فى هذا الصراع للإتحاد الوطنى المتمثل بإتحاد ( ولاية برقة ) والتكتل النقابى الجديد فى طرابلس ، وشكل هذا التكتل بمواقفه الوطنية حركة لاقت إرتياحا لدى أعداد كبيرة من العمال . وكرد فعل من سالم شيتا شرع فى المحاولة لتوسيع مجال نفوذه فى بنغازى معتمدا على حليفه السيد ابراهيم حماد أحد أعضاء تنظيم الأخوان المسلمين وبتشجيع ودعم من شيتا تمكن حماد من إنشاء نقابة عمال المطابع ثم طلب منه شيته إنشاء نقابة للخبازين .

كان ابراهيم حماد صديق وجار لى من أسرة معروفة من أسر بنغازى ، عرفت عنه الطيبة ودماثة الأخلاق ويبدو أن اتخاذه لهذا الموقف فرضه عليه إنتمائه السياسى لتنظيم الإخوان المسلمين الذى كان من أخطائه إعتباره القوميين العرب واليساريين خطرا على الأسلام الذى نشأ عنه صراع لم يستفد منه سوى أعداءنا وأصبحنا نعانى بسببه إلى يومنا هذا . لهذا وقف ابراهيم فى خندق شيتا والغرب الذى يشكل الخطر الحقيقى على الأمة العربية والإسلامية ، واستجاب حماد لطلب شيتا وكون نقابة لعمال المخابز فى بنغازى داعما لشيته رئيس الإتحاد العام لعمال ليبيا الذى كان مواليا لأتحاد العمال العالمى الحر الموالى للغرب والذى يعتبر اتحاد عمال ولاية برقة تنظيما معاديا وواقعا تحت سيطرة القوميين العرب واليساريين .هذه نبذة مختصرة حول الظروف السائدة فى الساحة العمالية فى ذلك الوقت والتي ظهر فيه قائدنا العمالى الناجح حمد طقطق .

إستطاع حمد طقطق بما كان يتمتع به من مواهب قيادية فطرية وباندماجه فى العمل النقابى بقوة أن يكون له حضورا وطاقة للعمل ملفتة للنظر مكنته من ترسيخ اقدامه وأن يكون له حضورا متميزا فى نقابة المخابز وعلى الساحة النقابية كلها ، وبجهوده أصبحت نقابته أكثر النقابات تنظيما وانضباطا وتأثيرا . كان بديهيا أن يتفجر صراع حاد بين طقطق وحماد حول من يكون له الحق فى تمثيل نقابة الخبازين ولوضع حد لهذا الخلاف المحتد تقرراجراء انتخابات شاملة لتحسم نتيجتها الموقف ، وفعلا أجريت الإنتخابات وحسمت النتيجة لصالح نقابة الخبازين ورئيسها حمد طقطق في معركة سادها جو من التنافس الشديد أشبه ما يكون بأجواء مبارات كرة القدم بين نادى الأهلى و نادى النجمة فى بداية الستينات اذ كان الأول يمثل جمعية عمر عمر المختار ذات التوجه الوطنى والأخيريمثل الطبقة الغنية من رجال الأعمال والمتنفذين فى كوادر الدولة وكانت نتيجتها غالبا ما تكون فى صالح الأهلى .

لابد من الوقوف عند هذا الحدث المهم فى تاريخ الحركة العمالية والذى حسم الصراع نهائيا فى صالح اتحاد نقابات العمال فى بنغازى المتوحد مع التكتل العمالى فى طرابلس وظهرت وحدة الشقين الشرقى والغربى ومثلت فرحة فى قلوب جميع الليبيين وهزيمة لدعاة القطيعة . لنعرج قليلا على الأستعدادات التى سبقت هذه الإنتخابات وتحت اية ظروف جرت . كان طقطق يعد لها العدة بإصرار وعناد لحسم الموقف فى صالحه وصالح الإتحاد المنضوي تحت لوائه ، فبدأ بعقد إجتماعات متتابعة ليشحن فيها انصاره ، وكان حضور هذه الإجتماعات لا يقتصر على عمال المخابز بل كان يحضرها عدد كبير من العمال وغيرهم من المهتمين بالشأن العمالى وآخرون يحلوا لهم سماع طقطق واسلوبه المتدفق حيوية وطلاوة ، كنت احرص على حضورهذه الجلسات لأستمتع بأسلوب طقطق ومقدرته على التأثير والأقناع الشديدين بجانب طرافة الأمثلة التى يمزج بها حديثه وكأنه ممثل قدير فى مسرحية تاريخية اجاد دوره فيها ببراعة فأسر قلوب الحضور .

استمرهذا الأستنفارعلى مستوى أعضاء النقابات الأخرى ، وجاء يوم الأنتخاب وكانت الأستعدادت على قدم وساق من الطرفين وكنا فى اليومين الأخيرين قبل موعد الإنتخاب نتحرك فى كل اتجاه نحرض العمال على الحضور لتشجيع الناخبين من نقابة الخبازين ومساندتهم ، واتذكرعندما أستلفت دراجة ( فيسبا ) وكان يركب خلفى الأستاذ مفتاح الشريف ولم اكن اجيد قيادتها ونذرع بها شوارع بنغازي للأتصال بالعمال وتحريضهم على الحضوركنت اقودها بسرعة جنونية والأستاذ مفتاح كان يصرخ مرددا " يا دعى راك تقطعنا " ، كانت تلك الأجواء تبعث فى نفوسنا شعورا بالفخر والزهو، والجدير بالذكر أن الأستاذ مفتاح كان من ضمن المثقفين الذين كان لهم الفضل فى تكوين إتحاد العمال ولم يتوقف عن تقديم العون والنصيحة كالأستاذ طالب الرويعى رحمه الله و رمضان بو خيط وعوض الشاعرى وغيرهم كثير .

كان يوم الإنتخاب يوما مشهودا فى تاريخ الحركة العمالية ، وفقا لقوانين ذلك الوقت يحضر تدخل الحكومة فى عملية الإنتخاب إلا أنها فعلت بطريقة غير مباشرة ، وبعد إكتمال تجمع العمال إصطف الجمعان واحد مقابل الآخروكان هناك هرج ومرج كل طرف يردد شعاراته والشئ الذى لم نتوقعه هو حضور رجال الأمن والمباحث ممثلين فى عبد الونيس العباركبير الشرطة فى بنغازى وما حولها وسعد بن عمران رئيس المباحث العامة في ذلك الوقت وأحاط بهم عدد ليس بالقليل من رجال الشرطة ، وأرادوا ان يتدخلوا فى وجهة سير الإنتخابات غيراننا تصدينا لهم ، كان العبار يصرخ في وجهى متوعدا ويهددنى بطريقة عنيفة قائلا " انت عسكرسوسه وانت سبب هالمشاكل كلها والله انعطبه عليك " ، كنت ارد عليه ساخرا عدى شوف شغلك هذا موضوع ما ايخصكش تصوروا كيف سيكون مصيرى لوكان هذا حدث ذلك فى زمن المجرم القدافى عليه اللعنة. كان طقطق يلف كالنحله ويتنقل بين العمال والعرق يتصبب من جبينه وكان أعبيد الزهواقى يصرخ مرددا شعارات مثيرة يحرض بها العمال تجعل الجميع ينفجرون بالضحك بما فيهم رجال الشرطة ، وأعبيد الزهواقى حكاية اخرى وهومن اشهر ظرفاء مدينة بنغازى ، ولكى لا أطيل إنتهى المشهد بفوز حمد طقطق وكنا جميعا وراء هذا النصرالذى مثل بداية هزيمة سالم شيتا وإتحاده وكان بمثابة نقلة مهمة فى تاريخ الحركة العمالية .

أعود الى سرد حادثة فريدة وغريبة تسلط الضوء على شخصية حمد طقطق وما كان يتمتع به من صفات قيادية فى غاية الجرأة ودقة التخطيط وكيف استطاع ان يحقق أحد مطالبه التى تخص نقابة الخبازين والذي إختلف مع الدولة حوله . تبدأ الحكاية عندما طرق باب بيتى حمد طقطق فى ظهرأ حد الأيام فخرجت له فوجدته يجلس على مقعد ( موتوسيكل مهربده ) وممسكا بمقودها ويضع نظارة حالكة السواد على عينيه وكانت تلك العجلة من مخلفات الجيش الألمانى فى الحرب العالمية الثانية وكان منظره مثيرا للفضول وكأننى أشاهد أحد أبطال أفلام المافيا مقدم على عمل خطير وهو بالرغم من جرأة العمل المقدم عليه لا يظهر عليه القلق مطلقا ، لم ينتظرنى للترحيب به وبادرنى قائلا يا أستاذ عثمان تعال ورايا ، الأمرمهم للغلية ، وسألته الى اين قال لى أسرع انه أمرمهم " وتوه اتشوف " .

لقد أثارفضولى ، ولم يكن منى إلا ان ادرت محرك سيارتى وتبعته مسرعا عبر طريق طويل ثم انعطف إلى طريق غير مبلط خارج حدود مدينة بنغازى وعبر طريقا وعرا كانت الدراجة النارية ترتفع بطقطق وتهبط وكنت اعرف أن الرجل عنيف ومن النوع المغامرغير الهياب وكنت فى ذلك أفوقه فى هذا الأمرويعترينى نفس الجنون وأكثر فانطلقت وراءه فى طريق متعرج يصعب على معرفته ثم توقف امام فتحة كهف ضيقة من تلك الكهوف التى تقع في اتجاه الشرق خارج بنغازى بمسافة 10 الى 15 كم ، وأعتقد انه ( حقفة الجخ )، وبدأ الشك يدب الى نفسى وكنت اعرف جرأة الرجل وطباعه الشرسة فأعددت نفسي لمعركة ضارية ، لكن الرجل ترجل من على ( الموتو ) وقال لى تفضل يا سي عثمان بلا أستاذ فترجلت واتجهت نحوه معتمدا على خبرتى فى معالجة هكذا موقف ، فعلا امرمحير أفضى بي الى أن طقطق ربما يختبر قوة أعصابى . دخل طقطق امامى من فتحة كهف صغيرة مطأطئا رأسه وتبعته ووصل الى سمعى اصوات هرج ومرج فزادت حيرتى واذا بالداخل حوالى 30 رجلا أو أكثر منهم الجالس ومنهم من يعد الطعام وغيرهم يغط فى نوم عميق وآخرون منهمكين فى لعب (طرح أسكنبيل) ، كنت اعرف الرجال واغلبهم من نقابة الخبازين قاموا جميعهم مرحبين وسألت نفسى من اتى بهم الى هنا ولماذا .

إلتفت الى طقطق قائلا بصوت خافت انهم هنا من مدة ثلاثة ايام وبدأ يدب فيهم القلق ويبوا شوية ( حماصة ) يقصد حماسة ، أرجو أن تلقي فيهم كلمة تحثهم على الصمود وعرفت لماذا هم هنا لأن منذ يومين اتصل بى سى رجب النيهوم وسألنى هل رأيت طقطق قلت لم أره فقال هذا الرجل قلب الأمور رأسا على عقب قدم مطالب لمكتب العمل لتحسين احوال عمال نقابة الخبازين فطلبوا منه الإنتظار فلم يطق الإنتظار فقرر ان يدعو عمال نقابته الى الإضراب ولهم يومين متوقفين عن العمل ، واختفى رغيف العيش فى المدينة وهذا أمر خطير، لقد أربك الناس التي تعتمد في الحصول على الرغيف من المخابز، وأضاف اين ذلك ( المصيبة ) بحثت الشرطة عنه وعن العمال فلم يجدوا لجميعهم أثرا ، قال سى رجب اين ذهب هذا المجنون وأين العمال ؟ أجبته لا أعرف سوف ابحث عنه وعنهم وأجابنى ارجوك افعل انت تعرفه ولك تأثير عليه . كان طقطق عندما خبأ الرجال فى ذلك الكهف كان قد أعد لهم أكلهم وشربهم ووسائل الراحة وكل ما يحتاجون اليه .

هكذا انتهت قصة طقطق وهى اقرب الى الخيال ولكنها كانت واقعا وحقيقة ، ووافقت الحكومة على مطالب طقطق وأستمرالرجل في قيادة النقابة كما كان عضوا نشطا قى الهيئة الأدارية لأتحاد النقابات العمالية ، وبعد أستيلاء الأنقلابيون على مقاليد الأمور قوضوا جميع المؤسسات المدنية وتحولت ليبيا الى سجن كبيرومعسكر تعذيب تمارس فيه ابشع الجرائم فى حق شعبنا . إن ما نفتقده الآن هو نذرة الرجال من طراز المرحوم حمد طقطق الذي عاد الى مصراته على ما اعتقد وبعد وقت من رحيله وصلتنى أخبار وفاته فى حادث مرورعلى طريق بنغازى طرابلس ، وهكذا طويت صفحة حياة هذا الرجل الفذ الذى اعطى مثلا رائعا لسيرة رجل بسيط تحول بامكاناته ومواهبه الي قائد عمالي ميدانى يضرب به المثل . آمل أن يأخذ شبابنا من سيرته الحافلة درسا فى الوطنية والتفانى فى خدمة شعبهم ووفاء لهذا الرجل كتبت هذه الأسطر إعترافا منى بدوره الوطنى والنقابي .

رحم الله رفيق النضال والصديق العزيزحمد طقطق وأحسن مثواه وجزاه الله عنا كل الخير .
نقلا عن :عثمان حسين العالم/ موقع الطليعة/ 11 فبراير 2008 

النقابي أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم (4)

ثانيا - مواقف مشرفةعلى الصعيد القومي

1- من المواقف القومية المشرفة التي سجلها التاريخ، وستبقى علامة مميزة في تاريخ الحركة العمالية الليبية ، ذلك الموقف الشجاع لنقابة عمال الموانئ ببنغازي بالتضامن مع بقية النقابات والذي أعلن فيه مقاطعة السفن الفرنسية والبريطانيـة والإضراب عـن إفـراغ شحناتها أو تقديـم أي خدمـات لها كـرد علي إحتجاز الباخـرة المصريـة ( كيلوبترا ) في إحدي موانئ أوروبا والتى إتهمتها السلطات الفرنسية بحمل شحنة كبيرة من الإسلحة عن طريق تونس إلي ثوار الجزائر ، بينما تقاعست الكثير من إتحادات عمال البلدان العربية الأخرى وتخاذلت عن الإستجابة لدعوة إتحاد العمال العرب الذي دعاهم جميعا للتضامن مع الشقيقة مصر ومحنة سفينتها بالقيام بمقاطعة السفن الفرنسية والبريطانية. وتقديرا لإستجابة عمال ليبيا الأصلاء وموقفها المشرف ودور قائدهم النقابي رجب النيهوم رشحه إتحاد العمال العرب في إنعقاد دورته في دمشق لمنصب النائب لأمينه العام الأستاذ محمد صبحي الخطيب .
2- من ضمن المواقف المشرفة ، والتي ستظل راسخة في ذاكرة الشعب الليبي تلك الدعوة إلتي وجهها إتحاد العمال الليبيين للتظاهر إستقبالا وتأييدا وترحيبا بالزيارة التاريخية التي قام بها الأحرار الخمسة أعضاء جبهة التحرير الجزائرية إلى مدينة بنغازي المجاهدة في مايو عام 1962م. حيث نظم إتحاد العمال مظاهرة عارمة غصت بها المدينة في ذلك اليوم ، وكان لي شرف قيادة الآف المتظاهرين الذين جابوا شوارع بنغازي مشيا على الأقدام وانتهت مسيرتهم بتجمعهم في ميدان البلدية والشوارع المحيطة به حيث كان الأحرار الخمسة بمبنى البلدية يحضرون إحتفالا يجمعهم بوجهاء مدينة بنغازي بينما كانت الجماهير بالخارج تهتف بصوت واحد تحيا الجزائر عربية، حرة مستقلة أبية ، ومنددين بالحكومة الفرنسية. لم يتوقف الأمر بالنسبة لإتحاد النقابات عند التظاهر بل تعداه إلى الإضراب والمقاطعة التي أعلنتها نقابة الموانئ وأيدتها بقية النقابات للإمتناع عن تفريغ حمولات السفن الفرنسية وغيرها والتي تحمل بضائع فرنسية، وكذلك مقاطعة الموطنين بكل فئاتهم شراء هذه البضائع متضامنة مع نداء إتحاد العمال للضغط على فرنسا. وكان لي أيضا شرف إعلان قرار الإضراب والمقاطعة من على منبر الإتحاد في حشد كبير من العمال وأهالي مدينة بنغازي المجاهدة .
3- لم تتوانى الحركة العمالية عن الوقوف بجانب أبناء شعبنا في فلسطين ونصرته في كفاحه البطولي ودعم قضايا شعبنا العربي والإسلامي على حد سواء في كل المحافل العربية والدولية، كما ساهم إتحاد عمال ليبيا بقوة في حملات الدعم المالي لمجاهدي الثورة الجزائرية المباركة وللقضية الأم لشعبنا الفلسطيني التي عاشت في عقولنا ووجداننا منذ طفولتنا وإلى يومنا هذا. وشهد التاريخ بمساهمة الليبيين إنتخاءًا لنصرة قضية فلسطين المقدسة وضحوا بأرواحهم ،وروى الدم الليبي أرض فلسطين الحبيبة في المعارك المبكرة خلال فترة الأربعينيات أثناء الصراع مع فلول المرتزقة الصهاينة الأشرار المدعومين من المعسكر الغربي بكل دوله دون إستثناء .
التيارات الفكرية والسياسية وعلاقتها بالحركة العمالية

في أوائل الستينات كانت الحملة التعليمية في ليبيا قد بلغت أوجها بعد حرمان إمتد منذ الحكم(العصملي) إلى نهاية الإحتلال الإيطالي، ووجد الطلبة أنفسهم في فترة الإستقلال أمام أفق واسع من المعرفة فبدأوا يتطلعون إلى ما يتعدى حدود ما يحصلون عليه في مناهج التدريس المقررة ، فانكبوا بنهم علي قراءة الكتب ينهلون منها شتي كنوزالمعرفة الإنسانية بكل فروعها الفكرية من أدب وتاريخ وسياسة. وسرعان ما تحولت إهتماماتهم الفكرية والسياسية إلى ما هو أبعد مما يدور علي الساحة الوطنية متأثرين بما يجري على الساحة العربية من نشاط التنظيمات المتعددة في إنتماءاتها الفكرية والسياسية ، وبدأ هذا الإهتمام يبرز بين تلاميذ المدارس الثانوية وطلبة الجامعات ، وعمقه الدور الذي لعبه الأساتذة والمدرسين الذين قدموا من بعض البلدان العربية والمنتمين إلى تنظيمات سياسية في بلدانهم منها ما هو سري ومنها ما هو معلن .

ونظرا لمادة جاءت في دستورالبلاد بتحريم قيام الأحزاب والتنظيمات السياسية بدأت تظهر في أوساط المدارس الثانوية والجامعات تجمعات طلابية سرية كل منها يطلق على نفسه صفة تنظيمية منها القومي واليساري والإسلامي، ولكن كان أمرهم واضحا ويسهل التعرف عليهم نظرا لمساحة الحرية التي كانت متوفرة في ذلك الوقت والذي شجع كل جماعة لطرح فكارها دون الكثير من التحفظ وتكاد تكون بصفة علنية في أوساط المجتمع وفي ما يتاح من المناسبات أو عن طريق الكتابة في الصحافة المحلية، كما بدأ التنافس بين هذه الجماعات على كسب الأعضاء الجدد والإنتشار ، ولتحقيق هدفها في توسيع قاعدتها وأنصارها وجهت قيادات هذه التنظيمات السياسية إهتمامها نحو المؤسسات المدنية القائمة كالنوادي الرياضية والجمعيات الأهلية . ونظرا لأن إتحاد نقابات العمال بصفته أكبر المؤسسات المدنية ويملك قاعدة كبيرة من الأعضاء والمناصرين لها تأثير علي مجريات الأمور في أوساط المؤسسات التشريعية والتنفيذية ، لذلك تم التركيز عليه من قبل التنظيمات لزرع خلاياها بداخله والتأثير على قراراته وفقا لأهدافها ومبادئها التنظيمه ،فيما يتعلق بقضايا الساعة الوطنية والقومية ، وفي بعض الأحيان الدولية المطروحة على الساحة ، وتسعي هذه الخلايا أيضا الى إستمالة وكسب أفراد من القاعدة العمالية إلى صفوفها.
هنا لابد أن نشير إلى الغلطة المميتة التي إرتكبها النظام السابق والمتمثلة في تحريم الأحزاب الذي دفع طليعة الشباب المثقف إلى العمل السري بدلا من إتاحة الفرصة لهم العمل في وضح النهار ليكونوا قوة منظمة تقوي على الوقوف في وجه هجمة بربرية كالتي حلت بوطننا على أيدي هؤلاء الإنقلابيون الأشرار الذين أستفحل شرهم وعاثوا في ليبيا فسادا دون أن يجدوا أي مقاومة تذكر تقف في وجوههم، لغياب التنظيمات الحزبية القوية الراسخة بين الجماهير التي تعمل في العلن .

قدرة سي رجب في دبلوماسية حفظ التوازنات

وللتاريخ ولما أعرفه عن سي رجب لابد أن أشير إلى أنه كان يعي تماما بذكائه الفطري أمر تلك الطليعة المثقفة التي تخفي توجهاتها المختلفة ، ومحاولة كل فريق منها إستمالة أعضاء النقابات إلى جانبه والتأثير على ما يصدر من قرارات إتحاد العمال حسب توجهه الفكري. ولكن سي رجب بذكائه وما يتمتع به من دبلوماسية فطرية كان يعالج الأمر بحنكة مثيرة للإعجاب تظهر عندما يتدخل في الوقت المناسب حين يشتد الخلاف بين تلك الأطراف وينهيه عندما يطرح صيغة توافقية متوازنة ليس لها تأثير سلبي علي قرارات إتحاد العمال ولا تترك لنا فرصة للإعتراض . وأذكر لفرط حماسي وتطرفي في التمسك بالإتجاه العنيف في معالجة قضايا الخلاف مع السلطة لدرجة أنني كنت في بعض الأحيان أنتقد سي رجب ، فكان يأخذني جانبا ، وأتذكر أول كلمة يقولها لي غاضبا هي " توه أتريد الحكومة أتسكرلنا إتحاد النقابات بيش اتريح ولا كيف " ثم يضيف ، أليس من الحكمة أن نحصل على غالبية حقوقنا ومطالبنا وما نريد بأسلوب هادئ ، أو ننفعل ونفقد كل شئ " ويكمل " أنت واحد من الليبيين وتعرف أعنادهم " ويقصد بذلك أن رجال الدولة هم ليبيون ولهم ما لنا من عناد ، وعندها لا أملك إلا أن أقول له فهمت يا سي رحب وأذهب إلي حال سبيلي .
كانت تربط سي رجب بالسلطة علاقات طيبة ويخيل لي أنه كأن يتبع سياسة معاوية بن أبي سفيان ودهائه عندما قال لأحد أبنائه، " لو كان بينى وبين خصومي شعرة لما انقطعت، إذا شدوها أرخيتها وإذا أرخوها شددتها " ولذا كان سي رجب يحصل من السلطة على ما يطلبه منها في أغلب الأحيان .

الجالسون في الصف الأول :سليمان الصلابي الأول من اليمين وعلى يمينه علي زواوه ثم يوسف بن خدة (أحد قيادات جبهة التحرير الجزائرية ) والى جانبه رجب النيهوم .ألصف الثالث وقوفا: من اليمين محمد بن يونس وعلى يمينه عبد القادر غوقة يليه أحمد الرويعي ولم نتمكن من معرفة الشخص الرابع الذي يقف على يمينه علي السعداوية يليه عثمان العمامي ثم بشير المغيربي ولم نتعرف على شخصية الأخير في الصف الخلفي . لم نتعرف في الصف الأوسط جلوسا الا على عبد العزيز قشيش الرابع من اليمين
الجالسون في الصف الأول :سليمان الصلابي الأول من اليمين وعلى يمينه علي زواوه ثم يوسف بن خدة (أحد قيادات جبهة التحرير الجزائرية ) والى جانبه رجب النيهوم .ألصف الثالث وقوفا: من اليمين محمد بن يونس وعلى يمينه عبد القادر غوقة يليه أحمد الرويعي ولم نتمكن من معرفة الشخص الرابع الذي يقف على يمينه علي السعداوية يليه عثمان العمامي ثم بشير المغيربي ولم نتعرف على شخصية الأخير في الصف الخلفي . لم نتعرف في الصف الأوسط جلوسا الا على عبد العزيز قشيش الرابع من اليمين

شخصيات نقابية وأخري مثقفة إرتبطت بالحركة العمالية


هذه أسماء بعض النقابيين والمثقفين الوطنيين الذين ساهموا بشكل أو بآخر في بناء صرح تلك الحركة العمالية التاريخية التي أتت أكلها على أكثر من صعيد وتركت بصماتها علي تاريخ ليبيا المعاصر، وأعتذر لما يفصلني من وقت طويل ، عن أحداث نشأة هذه الحركة واكتمال بنائها، إذا ما نسيت بعض أسماء رجال كان لهم أيضا أدوارا فيها نثمنها لهم مع تكرار الإعتذار.


أسماء بعض قادة الحركة النقابية




1 - أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم رائد الحركة النقابية ومؤسسها .


ضميرالحركة العمالية وأحد عقولها الكبار.
2 - جاد الله المسماري الساعد الأيمن لسي رجب وعضو بارز في نقابة عمال الموانئ ، يمثل


3 - حمد طقطق رئيس نقابة الخبازين قائد عمالي ميداني فذ له مواقف لا تنسى في خدمة الحركة العمالية ونصرتها .


4 - عثمان العمامي رئيس نقابة السواقين ، إحدى النقابات الكبيرة ، رجل صلب قوي الشكيمة كان دائما بجانب سي رجب يدعمه ويشاركه الرأى.


5 - علي السعداوية رئيس نقابة المكانيكيين ، إتسم بالهدوء وخفة الدم وروح الفكاهة الهادئة إلي جانب عقل مدبر يتمتع بذكاء حاد يجعله يدرك ما وراء الكلمات .


6 - عمران الشريف عضو بارز ورئيس قسم الكهرباء في ورش إدارة المواصلات الحكومية، كان من أشد الداعمين للحركة العمالية كما له إرتباطات وثيقة بالكثير من المثقفين الأمر الذي نمى فيه وعيه الوطني والسياسي .
7 - حسين الطيب عضو بارز في نقابة السواقين ، رجل قوي البدن مرح لأقصى حد لا تتوقف الإبتساتة عن شفتيه إلا نادرا، له قصة حقيقية وطريفة مع الجنرال ديجول عند وجوده في ليبيا خلال أثناء الحرب العالمية الثانية وعمل سي حسين معه كسائق لسيارته، وكان يثني عليه دائما ويقول عنه ،ديجول راجل زين ، ويروي لنا كيف أنه يجلس معهم على الأرض ويتربع ويشاركهم الأكل من قصعة واحدة ويحب شرب الشاهي الليبي كثيرا. كان وقتها ديجول رئيسا لفرنسا وكنت دائما أقول لسي حسين لما لا تذهب إليه لتقضى معه وقتا تتمتع فيه بصحبة رئيس دولة عظمى ، وكان يرد قائلا فكني منه مالي أو ماله أنا متريح في بلادي .

عمران الشريف على اليمين ومحمد المير يتوسطهما رمضان بوخيط
عمران الشريف على اليمين ومحمد المير يتوسطهما رمضان بوخيط

المثقفون الوطنيون الذين دعموا الحركة العمالية


1 - الأستاذ طالب الرويعي ، الأديب والكاتب والصحفي والمدرس كان عبقرية متفتحة لها في كل ساحة حضور ، كان محررا لصحيفة الزمان وبعدها صحيفة العمل ، لسان حال الحركة العمالية، وكانت له مساجلات قيمة مع الأديب الصادق النيهوم تمثلت في مقالتين مثيرتين كل أسبوع علي صحيفتي الزمان والحقيقة يرد أحدهما على الآخر وكان القراء ينتظرونها بلهفة. كرس جل حياته للعمل الوطني و ساهم في عدة أنشطة أهمها الحركة العمالية التي تدين له بالشكر والتقدير لما قدمه لها من مجهودات لا تحصى وأعطاها من وقته الكثير.

2 - الأستاذ رمضان عبد الله بوخيط ، الأديب والقصاص ، لم تخلو ساحة أي عمل وطني من تواجده في وسطها . رجل على خلق وقلما يشتبك في خصومة أو نزاع مع أحد . قدم مساهمات كبيرة للحركة العمالية وشارك في الكثير من انشطتها .
3 - الأستاذ مفتاح السيد الشريف الكاتب والسياسي المعروف ، كان في مقدمة من قدموا الدعم للحركة العمالية واعطاها في شبابه الكثير وكان دوما قريبا منها. وسبق أن أشرنا إلى إحدى مساهماته الكثيرة وعطائه الوفير في العمل الوطني وخاصة في العمل النقابي.
4 - عوض الشاعري رجل المهمات الصعبة الكتوم، كان من أوائل من دعم الحركة العمالية وكان متابعا لأنشطتها كما كان له دور فعال فى العمل الوطني وأنشطته.

عوض الشاعري على اليمين  مع رمضان بوخيط بعد أن تقدم بهما العمر
عوض الشاعري على اليمين مع رمضان بوخيط بعد أن تقدم بهما العمر
في نهاية هذه النبذة عن حركة عشت الكثير من فصولها وشاركت في صنع أحداثها وواكبت عن قرب مسيرة نقابي ورجل أحبته ، ذلك الشيخ المهيب أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم رحمه الله ، الذي وضع البنات الأولى للحركة النقابية وكرس معظم حياته لها إلى أن أصبحت صرحا شامخا ساهم رجالها في نهضة ليبيا ورقيها . عند الحديث عن سي رجب لا يفوتني أن أترحم على روح رفيق النضال العمالي ، الأب والصديق الذي عندما إشتد به المرض وأنا بالغرية ، لم أجد وسيلة للإتصال به والسؤال عن صحته غير أن أطلب من والدتي أن تقوم بزيارة لسي رجب في بيته وتبلغه سؤالي عنه ودعائي له بالشفاء . بعد إنتقاله إلى جوار ربه بعدة أشهر ، زارتنى الوالدة ، رحمها الله ، فسألتها بلهفة هل قمتي يا أمي بزيارة سي رجب ، فانحدرت من عينيها دمعتين وقالت نعم يا إبني قد فعلت وكان الرجل يحبك كثيرا لدرجة أنه سألني عنك قائلا يا حاجة كيف حال إبني عثمان؟ هل تعرف يا إبني ما تعني كلمة إبني في هذا السياق، إنها تعني أن الرجل يحبك إلى درجة دعاك بهذه الصفة التي تدل على المحبة العميقة الصادقة . نزلت دموعي لوداع سي رجب ووشعرت براحة حلت بنفسي لما أسبغته كلماته عني من حب وأطراء .

رحم الله سي رجب النيهوم واسكنه فسيح جناته ورحم الله كل هؤلاء الرجال الذين آثروا خدمة
الوطن، مضحين بكل ما هو شخصي في سبيل غايات نبيلة .



نقلا عن :عثمان حسين العالم/ نقابي وعضو مجلس إدارة إتحاد نقابات العمال بليبيا/موقع الطليعة / 7اغسطس 2008

النقابي أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم ( 3)

جولة أخري مع سالم شيته حول من يمثل الطبقة العاملة في المحافل الدولية

في عام 1961- 62 م كان من المقرر أن يذهب وفد إلى مؤتمرالعمال الدولي بجنيف ليمثل الحركة العمالية في ليبيا، وكان الوفد يتكون من فريقين أحدهما حكومي علي رأسه وزير العمل والشؤون الإجتماعية الأستاذ عبد المولى لنقي ووكيل وزارته ( لا أذكر إسمه) ، والآخر يمثل إتحاد نقابات العمال ، وأصر سالم شيته علي إنفراده بتشكيل أعضاء الوفد وإختيار من يذهب في هذه المهمة. قابل سي رجب هذا الأمر برفض شديد واكد أن إتحاده وإتحاد النقابات المهنية بطرابلس هما الجديرين بهذا التمثيل بحكم قاعدتهما العمالية الواسعة ويحق لهما تشكيل الوفد. وبعد تدخل السلطات أتفق علي حل وسط وهو تشكيل الوفد من كلا الطرفين. كنت في ذلك الوقت في مصر وعلمت بهذه التفاصيل عندما إتصل بي صديقي رمضان عبد الله بوخيط ليخبرني برسالة عاجلة من سي رجب يطلب مني الحضور فورا إلى جنيف وأنه إتصل شخصيا بالجهات المسؤلة لكي يعدوا لك جواز سفر خاص كعضو وفد يسمح لك بدخول سويسره دون تأشيرة كما حجزت لك تذكرة سفر لتكون غدا مساء بجنيف. وفعلا كنت في اليوم التالي في مطار جنيف واستقبلني سي رجب الذي قدم ومعه ثلاثة أعضاء من فريق سالم شيته. أخبرني سي رجب بأنه تعرض إلى مضايقات كثيرة على يد شلة شيته وخاصة من أحدهم ويدعى الفصعوني . طمأنت سي رجب ووعدته بأني سأعالج الموقف على طريقتي , فابتسم وقال ولهذا طلبت منك القدوم بعد أن اعيتني محاولة التفاهم معهم .

في اليوم التالي إلتقيت بالفصعوني فرحبت به وأبديت له الود ثم دعوته لغرفتي بالفندق فلبى دعوتي وعندما دخلنا الغرفة قفلت الباب ووضعت المفتاح بجيبي، وعندها بدى القلق على وجه الفصعوني وساوره الخوف بعد أن رأي نظراتي الحادة تتفحصه فقال لي لما قفلت الباب، فتوجهت إليه وأطبقت علي ذراعه بشدة وقلت له لماذا تجرأت على سي رجب وعاملته على نحو يدل على نذالتك واقسمت له قائلا إن لم تسلمني كلمة الوفد التي كتبتها وتعدني بالإعتذار لسي رجب لأجعلنك أنت ومن معك عبرة لمن اعتبر. عندها أخرج الكلمة من حقيبة كان يحملها فقرأتها وسخرت من تدني محتواها وركاكة إسلوبها.ثم قطعتها إربا وأمسكت بخناقه وقلت له أنا من سيكتب الكلمة وإذا أبديت أي محاولة للإعتراض سيكون لى حساب معك ومع بقية أصحابك. فقال يا أخي أنا شخصيا تخليت عن هذا الأمر واعدك بأني لن أتدخل في هذا الموضوع مطلقا.

كتبت الكلمة وأعطيتها إلى سي رجب . وعندما كنا معا بإحدي قاعات المؤتمر ، وكان ذلك اليوم قد خصص لنقاش حول إتفاقية أخطار العمل ، التي قد عينت عضوا منتدبا فيها ، جلست على يسار سي رجب وجلس علي يمينه وكيل وزارة العمل والشئون الإجتماعية وجلس الوزير عبد المولى لنقي عن بعد الى أقصي اليسار، وعندما توقف النقاش لإستراحة قصيرة فإذا بوكيل الوزارة يسأل سي رجب بصوت غاضب ومسموع قائلا من " الفرخ " عثمان العالم هذا ؟، ولم أمهله حتي وجهت له قولا غليظا لا داعي لذكره فانتفض الرجل وأتجه ناحية الوزير، فرده قائلا لا تدخلني في مشاكل عالج الموضوع بنفسك ، فرجع إلي مقعده وهو يتمتم من الغضب وسأل سي رجب أين الكلمة التي كتبتوها، وعندما أعطاه إياها إنكب عليها وقرأها ثم وقف متوجها نحوي ومد يده إلي معتذرا وقال لقد أفرحني أن نجد شابا في سنك يستطيع أن يكتب هذه الكلمة علي هذا النحو الممتاز وأكرر إعتذاري لما بدر مني نحوك ولكني أرجوك أن تحذف بعض الكلمات والجمل التي تحرجنا أمام قوى أنت تعرفها لأن حكومتنا " أملصقه بالوشق " علي حد تعبيره أى بمعنى موقفنا ضعيف وواهي. وبلفتة دبلوماسية صدق سي رجب على كلامه ، أجبته أعدك بأني سأحاول ، وقلت له أنت أيضا سامحني ولولا قولك الجارح لما أقدمت على الرد عليك مطلقا على ذلك النحو . وهكذا إنتهى الأمر بإعتماد كلمتنا ودخلت إرشيف المؤتمر على أنها تمثل وجهة نظر الحركة العمالية الليبية. إنتهى أمر سالم شيته إلى هزيمة أخرى أضعفت هذه المرة موقفه إلى حد كبير .

الإنجازات التي تحققت في فترة ما قبل الإستقلال

1- كان الوضع الإقتصادي في ليبيا سئ قبل الإستقلال ، ولم تكن هناك مجالات لفرص عمل كثيرة متاحة أمام الليبيين ، وأنحصر أغلبها في فترة الإدارة البريطانية وبداية الإستقلال في القواعد الأجنبية ، (قاعدة العدم) البريطانية في طبرق و(قاعدة ويليس) الأمريكية في طرابلس. والمعسكرات البريطانية في بنغازي. إضطرالعمال في تلك الفترة ، لشظف العيش وشحة الموارد ، أن يقبلوا العمل في تلك القواعد الأجنبية بأجور متدنية هضمت فيها حقوقهم، ومع مرور الأيام وصلت هؤلاء العمال أنباء قيام نقابات عمالية تسعى لتحسين مستوى العمال والدفاع عن حقوقهم فشجع ذلك عمال هذه القواعد على الإتصال بالنقابات وإبداء رغبتهم في الإنظمام إليها. وصلت إلينا فيما بعد شكوى وطلب من طرف عمال قاعدة العدم بطبرق للمساعدة للحصول على حقوقهم. وسرعان ما لبت القيادة العمالية طلبهم وشكلت وفدا للسفر إلى القاعدة البريطانية بطبرق ولقاء المسئول عن شئون العمالة في هناك ومناقشة وضع العمال معه. وتم اللقاء بذلك المسئول الذي استجاب لأغلب المطالب التي قدمها الوفد فزادت أجورهم وحددت ساعات عملهم ووفرت لهم المواصلات لتسهيل الوصول إلى مكان عملهم دون عناء شديد، وعلى إثرها هرع العمال لينضم كل منهم إلى نقابة مهنته .
2- كان الأمر مشابها بالنسبة للعمال الذين إلتحقوا بالعمل في المعسكرات البريطانية في بنغازي. وأتصلت شخصيا برئيس شئون العمالة والإمداد في المعسكرات للتفاوض معه بعد أن وصلتنا رسالة من العاملين بها يطلبون فيها المساعدة للحصول على حقوقهم ، ولحسن الحظ كان المسئول ضابطا في مقتبل العمر متفهما لحقوق العمال مما جعل المهمة غاية في السهولة ، فبعد أن قدمت له مطالب العمال رحب بي وأخبرني بأنه ينتمي إلى حزب العمال البريطاني ويتعاطف مع العمال وقضاياهم وأنه سعيد لقدومنا وأن تكون لدينا نقابات عمالية ، واستجاب دون تردد لكل المطالب التي قدمناها. وفعلا كانت النتائج مرضية إلى الحد الذي دفع بالمزيد من العمال للإنضمام فورا إلى التجمع النقابي كل حسب مهنته .

حقوق العمال في فترة الإستقلال

في بداية عهد الإستقلال وأثناء حكم الولايات كانت علاقاتنا مع مكتب العمل بولاية برقة علي أحسن ما يرام وكان التفاهم بين الحركة النقابية وهذا المكتب يسودها التعاون إلي أقصى حد وخاصة بعد صدور قانون عمال جديد والذي أشرنا سابقا إلى ظروف صدوره بالتفصيل، ومثل هذا القانون خطوة إيجابية ساهمت في رفع سقف حقوق العمال لدي عمال الدولة والشركات الأهلية والأجنبية ، وساعد على ذلك مساهمة المثقفين والكتاب في دعم قضايا العمال والدفاع عنها بالكتابة على الصحف وترافع بعض المحامين في قضايا الطرد التعسفي والمستحقات القانونية في حالة الفصل من العمل. كما استطاع إتحاد العمال أن يرغم مكتب العمل ، علي ضوء قانون العمل الجديد على إصدار لائحة تحدد فيها ساعات العمل الرسمية ولا تزيد عن ثمان ساعات ويضاعف أجر الساعة الزائدة عن هذا الحد. ومن المكاسب المهمة التي حققها إتحاد العمال أيضا هو تحسين الظروف الصحية للعامل عن طريق صندوق الضمان الإجتماعي . كما دعي المثقفين والمدرسين الوطنيين للتطوع للتدريس في دورات مسائية لمحو الأمية والمدرسين المهنيين الفنيين للتدريس مساء بمدرسة الصناعة لتحسين ورفع كفاءات العمال المهنيين في مجال الميكانيكا والخراطة واللحام وغيرها من فروع الصناعة وقد كنت أحد الذين ساهموا في التدريس في هده الدورات المهنية لأنني وقتها كنت مساعد مدرس في مدرسة الصناعة بمدينة بنغاوي بعد تخرجي منها. كانت نتائج كل هذه الإنجازات أن أصبح إتحاد النقابات في برقة تنظيما قويا يملك أدوات ضغط فعالة قادرة علي الدفاع عن حقوق العمال وتحسين مستواهم المعيشي والصحي والمهني

مواقف تاريخية على الصعيدين الوطني والقومي

أولا - مواقف على الصعيد الوطني

1 - في مطلع الستينات أصبح إتحاد العمال تنظيما قويا له قاعدة كبيرة وتأثير قوي على المجريات السياسية في ذلك الوقت ومن ضمنها الإنتخابات النيابية والتشريعية ، إذ أصبح المترشحون للمجلسين يتقاطرون عليه طلبا للتأييد والمساندة . ولتوجهات إتحاد العمال في بنغازي وطرابلس الوطنية كان عليهما أن يدعما المرشحين ذوي الإتجاهات الوطنية. ونذكر من المرشحين الوطنيين الذين وقف الإتحادين إلى جانبهم ودعم حملتهم الإنتخابية وقادها وحسم نتائجها لمصلحتهم في بنغازي الأستاذ بشير المغيربي ، السيد محمد زعطوط ، السيد محمد ياسين المبري وفي طرابلس الأستاذ علي مصطفى المصراتي ،الشيخ محمود صبحي، والسيد محمود زميت . للتدليل عن دور إتحاد العمال وتأثيره في نتائج الإنتخابات ودعمه للمرشحين الوطنيين سأسرد الحادثة التالية :

النائب بشير المغيربي من المرشحين الذين أيدهم الإتحاد . الصورة تضم الأول من اليمين الكاتب رمضان بوخيط يليه أحمد السركسي ثم بشير المغيربي وعلى يمينه عمران الشريف ثم عثمان العالم ونأسف لعدم تذكر بقية الأسماء
النائب بشير المغيربي من المرشحين الذين أيدهم الإتحاد . الصورة تضم الأول من اليمين الكاتب رمضان بوخيط يليه أحمد السركسي ثم بشير المغيربي وعلى يمينه عمران الشريف ثم عثمان العالم ونأسف لعدم تذكر بقية الأسماء

في إحدى المواسم الإنتخابية إتصل بنا السيد أحمد بو هدمه يلتمس تأييد إتحاد العمال والوقوف بجانبه في المعركة الأنتخابية التي قرر الترشح لخوضها. فأوكل لي سي رجب الحوار معه في هذا الأمر. إقترح السيد بو هدمة في حالة نجاحه سيكون ظهيرا للحركة العمالية وسندا لها ، شكرته على نواياه الطيبة وقلت له سوف نؤيدك على شرطين أساسين الأول التمسك بالثوابت الوطنية والثاني أن تدخل المعركة الإنتخابية على أساس مشروع سياسي ( خلافا لما كان معروفا في ذلك الوقت إذ يدخل المرشح على أساس إمكاناته المادية أو تكتله القبلي ) ، لأننا نسعى للتطوير والإرتقاء بالمستوي الذي يدخل على أساسه المرشح للإنتخابات . كان السيد بو هدمه من مستوي نقاشه معي يمثل نموذجا متطورا بالنسبة لما عرفناه في غيره ولذا لم نجد صعوبة في الوصول معا إلى إتفاق .
سألني السيد بو هدمه عن ماهية هذ ا البرنامج ومن سيضعه فأجبته سنضعه سويا ، فرحب بذلك وتم وضع برنامج من أهم نقاطه إلتزامه بالثوابت الوطنية وأن يكون نصيرا وداعما لإتحاد العمال ومعبرا عن مطالبه ومدافعا عن الطبقة العاملة، وأن يعمل على إصدار صحيفة يكون لسان حالها الدفاع عن حقوق العمال ونصرة الطبقة العاملة وتكون منبرا يعبر فيه إتحاد العمال عى آرائه ، وافق السيد أحمد بو هدمة على كل هذه المقترحات ولكنه تساءل عمن سيقوم بتحرير هذه الصحيفة فأجبته هذا أمر سنتولاه نحن . وأقام الإتحاد حفلا خطابيا حضره عدد كبير من العمال ودعى إليه لفيف من المثقفين والشخصيات الوطنية ورجال الدولة وأعلن فيه البرنامج السياسي الذي سيخوض السيد بوهدمه على اساسه معركته الإنتخابية وتم تقديمه كنصير للطبقة العاملة ومدافعا عن حقوقها. وفعلا فاز السيد بو هدمه في الإنتخابات علي الأسس التي أقترحناها وبر بوعده ولم يمض وقت طويل حتى أصدر الصحيفة وأطلق عليها صحيفة العمل وترأس هيئة تحريرها الكاتب المبدع الأستاذ طالب الرويعي رحمه الله. لقد كانت خطوة متقدمة وسبقا تاريخيا يضاف إلى رصيد الحركة العمالية أن يدخل أول مرشح للإنتخابات علي أساس برنامج سياسي، ويرجع الفضل في ذلك لمبادرة إتحاد العمال وإستجابة السيد أحمد بوهدمه لها، ولا يسعنا إلا أن نسجلها له ولإتحاد العمال كبادرة وطنية ساهمت في الدفع بالعمل السياسي إلى مرحلة متقدمة .

النائب محمد يسن المبري من النواب الذين وقف معهم الإتحاد في الترشيحات .   الصورة تضم في الصف  الأول ، الثاني من اليمين الكاتب رمضان بوخيط وعلى يمينه النائب محمد يسن المبري ( يلقي كلمة )  ويليه على يمينه عثمان العالم  وعثمان العمامي الأخير في الصف الأول أما الشخص الذي بينهما وبقية من في الصورة فلم نتعرف عليهم
النائب محمد يسن المبري من النواب الذين وقف معهم الإتحاد في الترشيحات . الصورة تضم في الصف الأول ، الثاني من اليمين الكاتب رمضان بوخيط وعلى يمينه النائب محمد يسن المبري ( يلقي كلمة ) ويليه على يمينه عثمان العالم وعثمان العمامي الأخير في الصف الأول أما الشخص الذي بينهما وبقية من في الصورة فلم نتعرف عليهم
2 - نمت الحركة العمالية الليبية من جذور طيبة وكانت كل مواقفها تنبع من المصلحة الوطنية، ولذا إرتبطت بكل تحرك يهدف لخدمة ليبيا ويسعى إلى رقيها، ولم يكن إلتحامها بالنخبة الوطنية المثقفة ومساندتها للحركة الطلابية ودعمها لمواقف الطلبة في المدارس الثانوية والجامعات في جميع أنحاء البلاد إلا دليلا قاطعا على أصالتها الوطنية. لذا وجدت الحركة الطلابية في إتحاد العمال ظهيرا لها وسندا، تلجأ إليه في الإنتفاضات التي قام بها الطلبة من أجل القضايا الوطنية والقومية ومن أجل إقامة إتحاداتاهم وترسيخها. لقد كان موقف إتحاد العمال في أحداث إنتفاضة 13-14 يناير 1964م الطلابية مشرفا وأكبر شاهد على تضامنها مع الطلبة الذين خرجوا في مظاهرة بدأت سلمية إلا أن تصدي السلطة لها بالقوة في اليوم الأول ألهب مشاعر طلبة مدرسة بنغازي الثانوية التي تعرضت في اليوم التالي لإقتحام من قبل الضابط المتهور أحمد حسين الدرسي بمجموعة كبيرة من البوليس وقوة دفاع برقة وإطلاق النار على طلبتها مما أدى الى سقوط شهداء وعدد كبير من الجرحى . وكانت إستجابة الحركة العمالية سريعة فخرجت بجميع نقاباتها في مظاهرات حاشدة غصت بها أحياء وشوارع مدينة بنغازي المجاهدة وتجمعت حول ضريح شيخ الشهداء عمر المختار رحمه الله . وساهم توالي كلمات التأييد من الخطباء على مدرج الضريح ، يدعون الجماهير الغفيرة لحماية الطلبة والوقوف إلى جانبهم في إزدياد زخم التظاهر وغضب الجماهير الشديد وأشرف الموقف على حدوث إحتكاك بين الشعب ورجال الأمن لا تحمد عقباه إلا أن سحب السلطة لقواتها أوقف كارثة كادت أن تحدث ، إذ شعرت الجهات الأمنية بالقلق عندما رأت أن الموقف بدأ يخرج عن سيطرة رجالها فأصدرت إليهم الأوامر بالإنسحاب والعودة إلى ثكناتهم ، وخلت المدينة منهم لمدة ثلاثة أيام. وبالرغم من ذلك استمر إعتصام الجماهير الغفيرة الغاضبة في الشوارع مما دفع سي رجب النيهوم أن يطلب مني ومن الأستاذ طالب الرويعي أن نعمل على تهدئة الناس ونطلب منهم الرجوع إلى أعمالهم وبيوتهم وقال لنا أنتما من جمعتم الناس وعليكم أن تفرقوهم ، فوقف كل منا خطيبا فى الناس ودعوناهم للتفرق. وعلمت فيما بعد أن السلطات إتصلت بسي رجب راجية منه أن يتدخل لأن الأمر لا يستقيم إستمراره على هذا الحال وقد تترتب عليه أخطار تطال الجميع ووعدوه بأن العدالة ستأخذ مجراها ولذا طلب منا تهدئة الموقف ، رحم الله الشهداء جميعا .
نقلا عن :عثمان حسين العالم /موقع الطليعة / 2اغسطس 2008

النقابي أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم (2)

إضافة تسمية توضيحية
خطوات سبقت توحيد نقابات العمال

في ليلة من صيف عام 1958م ، وفي وقت متأخر كنت فى مشغلي بشارع الشريف ببنغازي مستغرقا فى نومي علي أريكة قديمة تمددت عليها طلبا لقليل من الراحة بعد أن أعياني العمل المرهق ، ايقضني طرق متواصل على الباب فأسرعت إلى فتحه فوجدت أمامي الصديقين طالب الرويعي ومفتاح السيد الشريف فأخذتني دهشة مصحوبة بقليل من القلق وقلت في نفسي ما وراء قدومهما في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وبادرتهما بقولي " ياك لا حر ولا شر " فأجابني طالب بما عرف عنه من روح الفكاهة قائلا " لا حر ولا شر " ، قدمنا إليك للتحدث فى أمر يهم الوطن وهمومه ، فقلت لهمإ المكان هنا ليس مناسبا لنذهب إلى بيتنا، وكان يقع في نفس الشارع فأجابني طالب لا لا لنذهب إلى قهوة (ستالين )، لقد مررنا عليها في طريقنا إليك وهي مازالت مفتوحة.

قفلت مشغلي وانطلقنا معا فوجدنا ستالين صاحب المقهى واقفا أمامه فحييناه وطلبت منه أن يأتي لنا بكراسي بالخارج، فأحضرها،وبعدها جاء ستالين بقهوتة المشهورة. تسميته أطلقها عليه أهل حى سيدي الشريف لأنه ربى شنب على هيئة شنب الزعيم الروسي ستالين بالرغم من أنه لا يعرف عنه شيئا سوى أنه رئيس روسيا، ومن يومها أصبح الناس تناديه بهدا الإسم ويطلقون على مقهاه ( قهوة ستاين) .
بعد تبادلنا حديث المجاملات الذي لا يغيب أبدا عند لقاء الليبيين ببعضهم، بدأ طالب يوضح سبب مجيئهما لزيارتي، فقال لقد تبادلنا الرأي مع سي رجب الذي طرح فكرة تكوين إتحاد يضم النقابات الموجودة على الساحة ودعانا للإتصال ببقية النشطين في هذه النقابات وحثهم على الإسراع في ضم صفوفهم في مؤتمر عام ليعلنوا فيه قرارهم بتكوين إتحاد يجمع كل النقابات. واصل طالب حديثه مؤكدا بان تجميع النقابات الموجودة فى إتحاد واحد هو عمل تاريخي ومساهمة فعالة نحو توسيع قاعدة المؤسسات المدنية، ولتحقيق هذا الأمر لابد من العمل على إعادة إنتخاب هيئات إدارية للنقابات قادرة علي إيستيعاب ضرورة العمل الجماعي ومن ثم التوحد في إتحاد نقابات واحد، وواصل حديثه قائلا إننا في أشد الحاجة لتكريس جهودنا لتحقيق هذه الخطوة التى ستكون بادرة لمزيد من العمل الوطني المنظم. واكد مفتاح على كل ما قاله طالب واضاف قائلا يجب أن نعمل بسرعة على تكوين إتحاد للنقابات لتتوحد جهودها فى إطاره وهى خطوة ستكون سندا للعمل الوطني. وأكدت لهما بأنني سأشارك بقدر كبير في هذا الجهد بحكم قربي واحتكاكي بطبقة العمال وسأكون في مقدمة من سيعملون على أنجاح هذا المشروع، وفي النهاية أتفق ثلاثتنا علي رأى واحد وهو ان ليبيا تعيش فترة نقاهة بعد أن تخلصت من إبتلائها بالإسعمار الإيطالي ومن بعده بالوصاية البريطانية وحصلت الآن على إستقلالها فعلى شبابها ورجالها الذين وهبهم الله قدرا قليلا من المعرفة والوعي الوطني ونحن منهم من المشاركة بكل جهدنا في المساهمة الفعالة في إرساء بداية لنهضة تعم أرجاء ليبيا. ثم إفترق ثلاثتنا عاقدين العزم على تحويل هذا الحلم في أقرب وقت إلى حقيقة. يجدر بنا التذكير بأن شباب ذلك الجيل لم يكن حالهم للأسف حال جيلنا اليوم بل كان يتوقد حيوية ويتدفق رجولة مبكرة واستعدادا لحمل المسؤلية بكل جدارة .

توحيدالنقابت وقيام إتحادعمال برقة

عندما أزدهرت نقابة عمال الموانئ وتوسعت ساحة نشاطها بدأ سي رجب وطاقمه من رؤساء هيئات إدارة النقابات مدعومين بعدد من الطلائع المثقفة المهتمين بالشأن الوطني الشروع بالإتصال ببقية عمال المهن الأخرى ودعوتهم لتكوين نقابات لمهنهم ، فرحبوا بالفكرة وسرعان ما أستجابوا لهذه الدعوة وانطلقوا في تجميع صفوفهم ونجحوا في إنشاء نقابات جديدة لبقية المهن الأخرى وهي نقابة السائقين، المكانيكيين، النجارين، عمال نظافة بلدية بغازي، عمال مصنع شفيق خزام للنسيج، عمال المخابز، عمال النفط . وكان بعض هذه النقابات قد تم تكوينها بصفة مبدئية في ظل الإدارة العسكرية البريطانية ، وفقا للقانون الذي وضعته هذه الإدارة ، تم كذلك الإعتراف بهذه النقابات جميعها رسميا.

قبل أن نخوض في موضوع إعادة إنتخاب الهيئات الإدارية لبعض النقابات والذي سبق ونوقش فى لقاء قهوة ستالين ، وتطعيمها بعناصر فاعلة وملمة بأساسيات العمل النقابي بمفهومه المتطور الذي كان سائدا في البلاد المتقدمة ، لابد أن نسلط الضوء على أوضاع النقابات في طرابلس حيث تم إنشاء إتحاد نقابات عمال طرابلس ، ويتكون من عدة نقابات ويرأسه السيد سالم شيته والذي كان توجهه وإنتماؤه على نقيض إتحاد نقابات برقة ورئيسه سي رجب النيهوم، إذ كان شيته يدين بالولاء ( لإتحاد عمال العالم الحر ) الذي يدور في فلك معسكر أمريكا والغرب، بينما كان إتحاد عمال برقة يتعاون مع (إتحاد نقابات العمال العرب) ومقره بالقاهرة. وخلق إختلاف التوجه بين الطرفين صراعا شديدا بين الإتحادين حول إستمالة النقابات كل إلى جانبه ، ولم يكن تطهير بعض النقابات في بنغازي التي تدور في فلك سالم شيته بالأمرالهين على الإطلاق لأن ولاءها لم يكن لإتحاد نقابات عمال برقة بل كانت قياداتها وليس قواعدها تتعامل وتتأثر بما يطرحه السيد سالم شيته ؛ وهذا مما دفع سي رجب وفريقه بالتعاون مع نخبة من المثقفين الوطنيين إلى العمل على الإسراع في إعادة إنتخاب هيئات إدارة جديدة لتلك النقابات التي أستطاع سالم شيته التأثير عليها وكسبها إلى جانبه.

دار الصراع حول نقابتين مهمتين إحداها نقابة الخبازين والأخرى نقابة الميكانيكيين التي أجريت فيها الإنتخابات مرتين ، الأولى أبعد فيها رئيسها السيد إبراهيم بى عامر ، وهو رجل تقليدي يهمه إرضاء الدولة ولو علي حساب مصلحة العمال ، وحل مكانه أحد أعضاء هيئة إدارة نقابته والذي لم يطل به الوقت حتى قدم إستقالته فأعيدت الإنتخابات للمرة الثانية وجاءت نتائجها جد مرضية إذ تشكلت الهيئة الإدارية من النشطاء في العمل النقابي وترأسها السيد علي السعداوية ومهنته كهربائي ونائبه كاتب هذه النبذة التاريخية . وساعد تعيين السيد علي السعداوية رئيسا لهذه النقابة على إنضمام أعداد من زملائه في المهنة إلى نقابة الميكانيكيين على إعتبار أن هناك علاقة قريبة بين أعمال الميكانيكا والكهرباء ، وحسم أمر إنتخاب هيئة إدارية جديدة لهذه النقابة لصالح التيار التقدمي الذي يقوده سي رجب ، فأصبحت هذه النقابة ذات تأثير واسع إلي جانب نقابة عمال ميناء بنغازي في كل ما يهم مجريات العمل النقابي فيما بعد ، ولم تبق سوى نقابة المخابز التي إنقسمت إلى قيادتين كل منهما يدعي الحق في قيادتها ، ولما تعمق الخلاف بين الطرفين في تمثيل النقابة أنتهي الأمر بالإتفاق على تحديد موعد تجرى فيه إنتخابات تحسم نتائجها أحقية قيادة هذه النقابة للطرف الفائز.

نتائج الإنتخابات بين حمد طقطق وإبراهيم حماد

كانت تلك الإنتخابات محطة هامة ويوما مشهودا في تاريخ الحركة العمالية الليبية ، كل طرف حشد أنصاره في ميدان بالقرب من حي الصابري ، الذي غص بعمال بقية النقابات وعدد كبير من المواطنين المهتمين بهذا الحدث. لقد إتخذ الصراع حول نقابة الخبازين إتجاها بالغ الصعوبة وغاية في التعقيد ، لأنها كانت لا تقل أهمية عن نقابة الميكانيكيين لذلك أنشطرت إلى نقابتين ليصبح ولاء قادة كل واحدة منهما يسير في إتجاه معاكس للآخرى، ويقود الإتجاهين رجلان أحدهما السيد إبراهيم حماد الذي يقف إلى جانب إتجاه السيد سالم شيته والآخر السيد حمد طقطق المنحاز لصف سي رجب النيهوم المناهض لشيته. ورغم تدخل السلطة تحت ذريعة حفض الأمن لصالح جماعة إبراهيم حماد حيث كان رجال الشرطة يهددون عمال الطرف الآخر ليحبطوا عزيمتهم ويزرعوا الخوف في قلوبهم ، وكنت أنا شخصيا من بين من تعرضوا للتهديد الذي واجهته بالإستخفاف. ورغم كل ذلك جاءت نتائج هده الإنتخابات مخيبة لآمال السلطة ولكل من السيد حماد والسيد شيته معا, وبفضل جهود المكثفة والوعي العمالي إنتهى هذا الصراع لمصلحة القائد العمالي الفذ حمد طقطق وسي رجب النيهوم . حققت هذه النتائج الباهرة فرصة لإتحاد عمال برقة للإنطلاق نحو أهدافه في توحيد الحركة العمالية بشيقيها الشرقي والغربي . (لمن يرغب في الإطلاع على المزيد حول هذا الصراع المثير والذي تناولناه بالتفصيل في نبذة عن سيرة حمد طقطق ،ذلك النقابي البارز رحمه الله في مقال سابق على هذا الرابط


إعلان قيام إتحادالعمال في ولاية برقة

بعد أن إستتب الأمر لنقابات عمال برقة وتطهيرها من العناصر التي خرجت عن إجماع بقية قيادات النقابات وتم توحيدها في إتحاد واحد بعد جهود كبيرة بذلت لإنجاز هذا العمل التاريخي الهام ، أصبح الأمر مهيئا للإحتفالية التي سيتم فيها الإعلان عن قيام إتحاد نقابات عمال برقة ، وتم ذلك في حضور عدد كبير من العمال وممثلي النقابات ولفيف من المواطنين والمثقفين والصحفيين ووجهاء مدينة بنغازي وكل من إهتم بالشأن الوطني ، ورفعت لافتة كبيرة على مدخل مبنى المقر الرئيسي لنقابات العمال وكتبت عليها بالبنط العريض إتحاد نقابات عمال ولاية برقة .

ساهم تشكيل إتحاد لعمال برقة في نمو وإستقرارالحركة العمالية فشاهدت فترة الستينات التي صاحبت إكتشاف النفط نشاطا جماهريا للطبقة العاملة ساهم في ازدياد طموحها ، فنمت حركة وعي منظمة شجعت ودفعت الطبقة العاملة إلى مزيد من النشاط والعمل التنظيمي بين صفوف العمال ومطالبتهم بحقوقهم ومنع الشركات العاملة من الإستهانة بالعنصرالوطني وتفضيل الأجنبي عليه. كما ركزت الصحافة الوطنية وأقلام المثقفين الشرفاء لوقت طويل على تبنيها لحقوق العمال وشاركت القيادات النقابية في الضغط على الحكومة بالتمسك بالحقوق المشروعة من ريع النفط. مثلت تلك الحقبة عصرا ذهبيا لإلتحام الحركة العمالية بالطبقة المثقفة كما كانت ملاذا للحركة الطلابية عند تعرضها لأي ضيم. لقد أصبحت الحركة العمالية بحق ظهيرا للحركة الوطنية بكل مؤسساتها وساهمت في تحقيق منجزات عدة وإتخاذ مواقف وطنية وقومية مشرفة سنأتي على ذكرها فيما بعد.

إن التوجه والهدف الذى وضعته قيادة إتحاد عمال برقة ومن يقف في صفهم من المثقفين الوطنيين هو تطهيرالنقابات من العناصرالإنتهازية وتوحيد جناحي الحركة العمالية في بنغازي وطرابلس لكي يجمعهما إطار واحد وتوجه وطني واحد لا يدين بالولاء لغير الله والوطن ولا يرتبط بأي علاقة مريبة بقوي معادية لإمتنا كما فعل سالم شيته وإتحاده. لذا قرر إتحاد عمال برقة التحرك نحو طرابلس لتصحيح الأوضاع ، خاصة بعد تمكن طلائع النقابيين في طرابلس من توحيد صفوفهم في إطار واحد أطلقوا عليه الإتحاد المهني لعمال طرابلس ، وقرروا بدورهم التحرك نحو بنغازي بعد أن كونوا تكتلا يسعى للإرتباط بإتحاد عمال برقة والتخلي عن إتحاد سالم شيته وارتباطاته الأمر الذي أدى إلى تضعضع وضعه وضعف موقفه .

بداية التحرك نحو توحيد الحركة العمالية بشقيها

يرجع التحول في موقف طلائع العمال في طرابلس بصورة خاصة إلى عدم إرتياحهم وريبتهم من العلاقات التي أقامها سالم شيته مع إتحاد عمال العالم الحر الممثل لتوجهات أمريكا والغرب المرفوضة من الشعب العربي كله والذي أنتشر بين أوساطه في دلك الوقت الإحتقار والكراهية الشديدة لقوي الغرب وكل ما يمت إليها لمساندتها واشتراكها مع دويلة الكيان الصهيوني، بلا حدود ، في الإعتداء علي جمهورية مصر العربية، لقد أدى ذلك إلى تدهور سمعة سالم شيته وبدأ يفقد أغلب قواعده العمالية . وعلى إثر ذلك أرسل قادة العمال الأحرار في طرابلس إلى رفاقهم في بنغازي معبرين عن رغبتهم في الدخول في حوار معهم للإتفاق على صيغة تجمعهم معا فى إطار واحد. ولتوطيد العلاقات بين الفريقين بعث سي رجب النقابي البارز جادالله المسماري إلى طرابلس بصحبة مصطفي النيهوم للحث على الإسراع فى تحقيق هذه الخطوة التاريخية التي ستعود على الحركة العمالية الليبية بمزيد من الإزدهار والقوة. ( كنت أطلق على جاد الله تندرا لقب" جيدون " وهو إسم شخصية جذابة لمناضل عمالي صلب ، متعدد المواهب ،في أحدي روايات كاتب روسي) . كان جاد الله عضوا بارزا في نقابة عمال ميناء بنغاوي وأحد رفاق سي رجب وأقربهم إليه ويعتبره مستشاره الأول وحامل أسراره الى جانب إلمامه بكل كبيرة وصغيرة لتاريخ الحركة النقابية ، كما يعشق العمل النقابي ويقدسه ويعتبره ديدنه الأول ، حاد الذكاء حاضر البديهة كلمته مسموعة من الجميع والكل يحبونه ويحبهم .لهذه الصفات الحميدة اختار سي رجب للمهمة الكبيرة هذا النقابي البارز والمحنك، وللأسباب التي ذكرتها ما كان لأحد أن يعترض على هذا الإختيار .

كان من النتائج التي حققها هذا الوفد بقيادة جادالله هي الوصول إلى صيغة لتوحيد مواقف ونشاط إتحاد عمال برقة والإتحاد المهني لنقابات طرابلس، وكانت أولى نتائجه خروج جميع عمال قاعدة الملاحة الأمريكية من حلف سالم شيته وإنظمامهم إلى أتحاد العمال المهني وجاءت بمثابة ضربة قوية قوضت مخططات سالم شيته وأضعفت موقفه ، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الإتحادين للمضي بنجاح لتحقيق الهدف الأسمى في خدمة الطبقة العاملة والتفاعل مع القضايا الوطنية والقومية ومشاركتها فى دعم قضاياها التحررية والتنموية. وبدأت العلاقات بين الإتحادين تأخذ منحى جديدا فتكررت الإتصلات وتبادل وجهات النظر والتنيسق حول كل المواقف التي تخدم مصلحة الطبقة العاملة وتدعم العمل الوطني. وفتحت صفحة جديدة من العمل المشترك .
كنا حريصين كل الحرص وفي مقدمتنا سي رجب علي أن يبقى تجمع طرابلس قويا متماسكا وثابتا على المبادئ الوطنية التي توحدنا على أساسها ، وكنا نخشى عليه من دسائس سالم شيته وتأثير جماعتة ، لذا كنا نتتبع أخباره أول بأول. وحدث أن وصلتنا معلومة مفادها أن قيادة الإتحاد المهني لنقابات طرابلس قد وجهت رسالة يخاطب فيها الإتحاد الدولي لعمال العالم الحر، غير أننا لم نعرف تفاصيل وملابسات هذا الخبر الذي أزعجنا كثيرا. وعقد إجتماع طارئ نوقش فيه ما يجب إتخاذه حيال هذا الأمر ، وتوصلنا إلى ضرورة إرسال وفد إلى طرابلس لتقصي الحقيقة، وشكل الوفد من سي رجب وكنت أنا مرافقا له وآخرين لا أذكر أسماءهم ، وأستقبلنا إخوتنا بطرابلس بحرارة بالغة وأخذونا إلى أحد فنادق المدينة علي أن نلتقي في اليوم التالي.


إلتقينا بالأخ عزالدين الغدامسي ، وكان من أبرز قادة إتحاد طرابلس ، وأوكل لي سي رجب مهمة التحقيق في قضية الرسالة، وبعد التحري إتضح فيما بعد أن الأمر يتعلق بالسيد الغدامسي الذي أقر بأنه بعث بالرسالة وكانت مجرد رد علي تساؤل من إتحاد العمال الحر عن تاريخ إنشاء إتحادنا وبعض أسئلة أخرى لا اهمية لها، وأذكر بأني كنت قاسيا في تأنيبه وعبرت له عن قلقنا حيال القيام بأي عمل من شأنه إثارة الشبهات حولنا وحولهم بأن لنا إرتباط بهذا الإتحاد بأي شكل من الأشكال. كان السيد عز الين الغدامسي رجلا مهذبا وعلى قدر من الثقافة، و بالرغم من الحدة التي عاملته بها لم يظهر عليه أى تبرم ، وقدم الرجل إعتذارا ووعدا بأنه لن يعود لمثل هذا التصرف الذي إعتقد خطأ بأنه غير مهم وكرر إعتذاره عما سببه لنا من إزعاج. وأذكر أيضا أن مضيفينا أقاموا لنا لقاء جمعنا بلفيف من المثقفين والقيادات العمالية وذلك إحتفاءً بقدومنا، ألقيت فيه كلمات ترحيب بنا وتأييدا للخطوة المباركة لتوحيد الحركة العمالية الليبية بشقيها في بنغازي وطرابلس .
نقلا عن :عثمان حسين العالم /موقع الطليعة / 29 يوليو 2008

النقابي أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم (1)


النقابي رجب النيهوم مأخوذة من أحد لقاءات الحركة العمالية

كنت أتوق بشغف منذ وقت طويل للكتابة عن تاريخ الحركة العمالية الليبية وفاءً لرفاقي المناضلين الذين وضعوا الأسس الأولى للحركة النقابية العمالية الليبية، وعن هؤلاء الرواد الأوائل ، وفي مقدمتهم الشيخ أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم ورفاقه ، والذي كان لي شرف أن أكون من بينهم ، ممن ساهموا في وضع لبناتها الأولى وأرسو قواعدها في ليبيا. وبالرغم من معاصرتي للكثير من مراحل نشأتها ، الا أنني كنت مترددا ولفترة طويلة من الإقدام على تناول هذا العمل الكبير. كان ترددي يرجع لعدة أسباب أهمها شحة الوثائق والمصادرالتي يحتاجها من يقدم على توثيق تاريخ حركة لها أهميتها وحضورها علي المسرح السياسي والإجتماعي في تلك الفترة الرائعة من تاريخ ليبيا. وقد حاولت الإتصال ببعض المعاصرين للحركة العمالية في تلك الفترة علهم يزودني بقدر قليل من الوثائق والمعلومات التي يعتمد عليها في دقة التواريخ والأسماء فلم أوفق . وقد علمت أن اللجان الغوغائية للإنقلاب بعد الإستيلاء على مقاليد الأمور داهمت مبنى إتحاد النقابات ببنغازي وعبثت بإرشيفه واتلفت كل محتوياته.

ولأهمية الموضوع وجديته وللمسؤلية التي حملني إياها الكثير من الإخوة الحريصين علي تاريخ الوطن وتراثه؛ كل هذا شجعني للكتابة عن كل ألأحداث والمواقف التي عشتها وأعلمها عن الحركة النقابية ورفاقي النقابيين الذين شاركوا فى قيادة هذه المسيرة الشاقة من النضال والكفاح من أجل إنشاء حركة نقابية ناجحة بكل المقاييس وفي مقدمة أولئك الرجال الشيخ أبو الصادق رجب عبد الرحمن النيهوم ، والذي تعودنا جميعا على مخاطبته ( بسي رجب ) وهى الصيغة المختصرة والمحببة لدينا لمناداته بها، والتي سوف أستعملها كلما ورد إسمه في سياق هذه النبذة عن تاريخ الحركة النقابية في ليبيا وعن حياة هذا الرجل الفذ ورفاقه وما صاحبها من أحداث، راجيا من الله تعالى ألا تخونني الذاكرة في تذكر وإستحضار مواقف واحداث يفصل بيني وبين وقوعها زمن طويل، مستعينا ببعض المعلومات التي بذلت جهدا كبيرا للحصول عليها ، والتي تجعلتني مطمئنا بعون الله لصحة ما يرد في هذه الورقة حول هذه الحركة المباركة ، وآمل أن تكون بداية ومساهمة يضاف اليها الكثير .

نبذة عن حياة الشيخ رجب عبد الرحمن النيهوم

ولدالشيخ رجب عبد الرحمن النيهوم ونشأ في مدينة بنغازي بحي سوق الحشيش وهذا الإسم لا علاقة له بالمخدر الذي يسمي بالحشيش في بلاد أخري؛ ويبدو أنه قديما كان ميدانا لبيع علف الأغنام المواشي والذي يطلق عليه الليبيون الحشيش . تعلم سي رجب القراءة والكتابة علي أيدي فقهاء المساجد وأئمتها ، حاله في ذلك حال أطفال الليبيين. كما تعلم مبادئ اللغة الإيطالية وبدأ يتكلمها فيما بعد أثناء عمله كبحار على ظهر السفن الإيطالية، واستطاع أن يلم إيضا بقليل من ألإنجليزية، مما لعب دورا هاما في توسيع مداركه ومكنه من الإحتكاك بثقافات شعوب أخرى الأمرالذي سنشير إليه لاحقا. كان والده يملك متجرا صغيرا بجانب سكنه في ساحة حي سوق الحشيش أحتفط به سي رجب كذكرى وبعد أن تقاعد عن العمل وتفرغ للنشاط النقابي اتخذه بجانب الكسب كمكتب له حيث كنت أتردد على ذلك الدكان من وقت لآخر لزيارته والتحدث معه. كان لسي رجب أولاد من بينهم الكاتب والمفكر المعروف والذائع الصيت الصادق النيهوم .

تعرفت على سي رجب عن كثب بعد إنخراطي في العمل النقابي فرأيت فيه رجلا مهابا طويل القامة ذو بنية قوية بجانب دماثة الخلق وطيب المعشر ، يتمتع بخفة الدم وروح الفكاهة. كان يروي لنا قصصا وحكايات مثيرة من ذكريات رحلاته البحرية بإسلوبه الشيق فكنا نطرب لها ونطلب منه المزيد. كل هذا بجانب وعي سياسي بالفطرة، يعالج الأمور بروية وأسلوب لبق يمكنه من إقناع محاوريه بسهولة ودون عناء، كان يصعب إستثارته وإذا أثير يغضب بشدة ولكنه سرعان ما يسيطر علي نفسه . كان يتعامل مع رفاقه النقايين صغارا أو كبارا دون تكلف، الصغار وكأنهم أبناؤه والكبار كأصدقائه المقربين. كل هذه الصفات جعلت منه شخصية جذابة تفرض حبها وإحترامها على كل من تعرف عليه. اجتمعت فيه صفات القيادة علي مستوى ليبيا والوطن العربي،إذ شغل منصب أحد أمناء إتحاد العمال العرب وأمينا عاما لإتحاد نقابات ألعمال في ليبيا . الشيخ رجب النيهوم علامة مميزة في تاريخ الحركة النقابية الليبية وركيزة من ركائزها ، يرجع الفضل إليه في إقامة دعائمها, والحديث عنه هو الحديث عن الحركة العمالية التي إرتبط بها وأرتبطت به والتي نحن بصدد التعرض لها .

النشاط العمالي في أواخرالثلاثينات إبان الإحتلال الإيطالي

في زمن حكم الإحتلال الإيطالي ، وفي منتصف الثلاثينيات على وجه التقريب ،كان الليبيون يعانون من شظف العيش وشحة الموارد ويعتمدون في ذلك الوقت على أعمال الرعى والزراعة ،فلما استقر الوضع في ليبيا قليلا إزدهرت الحركة التجارية وشاهد ميناء مدينة بنغازي نشاطا غير عادي للسفن التجارية التي كانت تفرغ حمولاتها من البضائع المستوردة على أرصفة ميناء المدينة ثم تشحن بالمنتوجات الليبية من الماشية والأغنام وأصوافها والفحم والشعير ونبات الحلفاء وبعض السلع الأخرى، فأزدادت الحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، ومثل ذلك فرصة للعمال الليبيين للإنخراط في العمل في ميناء بنغازي لتفريغ حمولة السفن وشحنها، وكان لعدد منهم بعض الخبرة بالعمل في السفن فألتحقوا هم أيضا كبحارة على ظهر السفن الإيطالية ولم يطل بهم الوقت حتى أتقنوا هذا العمل وأجادوه؛ ونذكر منهم محمد السوادي، علي الجهاني، محمد المغربي، محمد الربيدي ، عبد الرزاق الأوجلي، محمد البكوش، مصطفى النيهوم، محمد التركي، وكان أبرزهم رجب عبد الرحمن النيهوم وهو شخصية هذه النبذة التاريخية والتي نحن بصدد الحديث عنها ومحورها وعمودها الفقري .

ولكي نسلط الضوء علي بعض جوانب شخصية سي رجب النيهوم المتميزة وقدراتها التي مكنتها من البدء في نشاط عمالي منظم كانت نتيجته إنشاء أول نقابة في تاريخ ليبيا المعاصر بمدينة بنغازي وهى نقابة عمال ميناء بنغازي ، رأيت لكي تكتمل الصورة أن نتابع رحلة سي رجب النيهوم وما صاحبها من أحداث، ونتعرض للعوامل التي مكنته من إنجاز هذه الخطوة المهمة والتي أسست لحركة نقابية ناجحة وفاعلة في فيما بعد . عند إنظمام سي رجب إلى العمل على ظهر السفن الإيطالية كبحار أبحر على سفن كثيرة جابت به البحار والمحيطات متنقلا بين موانئ مدن العالم شرقه وغربه ، وصقلت بدنه وعزيمته تلك العواصف التي كانت تتعرض لها سفن ذلك العصر فيحتاج العمل في تلك الظروف رجال إصحاء البدن أشداء يتمتعون بعزيمة صلبة وكان سي رجب أحد هؤلاء الرجال بجدارة . كانت السفن عادة ما ترسوا في الموانئ لإفراغ شحنتها ثم تبقى يوما أو يومين للراحة والإستجمام وللتزود بما يلزمها لمواصلة رحلاتها، وكان عادة ما يسمح للبحارة بالنزول إلى مدن تلك الموانئ بعد الفراغ من أعمالهم، ولم تكن في ذلك الوقت الصعوبات التي نواجهنا في هذه الإيام للحصول على أذن الدخول لبلدان غير أوطاننا.

كيف نشأت فكرة العمل النقابي عند سي رجب

مكن إحتكاك البحارة الغرباء بأهل تلك المدن من أمثال سي رجب أن يطلعوا على عادات وثقافات تلك الشعوب المختلفة بإختلاف تلك المدن التي يزورها هؤلاء البحارة أثناء فترة إستجمامهم. كل ذلك ساهم في صقل مدارك سي رجب الذي ساعده تحسن معرفته باللغة الإيطالية وبعض الأنجليزية من الإطلاع على ثقافات الكثير من شعوب العالم شرقه وغربه ، كما إستفاد من إختلاطه بالكثير من بحارة جنسيات متعددة تبادل معهم الحديث حول العمل النقابي وضرورته والذي كان في ذلك الوقت في أوجه. كان أغلب عمال أوروبا منتمين إلى نقابات عمالية ونتيجة لإحتكاك سي رجب بهؤلاء العمال وكذلك سماعه بخبر ذلك النقابي الإيطالي الذى كون أول نقابة عمالية في طرابلس أثناء الإحتلال الإيطالي لليبيا. كل ذلك كون لدى سي رجب فكرة واسعة حول العمل النقابي مكنته من نجاحه فى دعوة وإقناع تلك الكوكبة من زملائه البحارة الذين ورد ذكرهم أعلاه ليكونوا أول نقابة لعمال ميناء بنغازي. وعندما أزدهرت فيما بعد الحركة التجارية في البلاد فتحت عدة وكالات للملاحة فاحتاجت إلى مزيد من العمال الذين إنظموا لاحقا إلى نقابة عمال ميناء بنغازي ، التي كان تكوينها فاتحة لحركة نقابية واسعة فيما بعد. كانت تلك الثقافة التي أكتسبها سي رجب من رحلاته البحرية عبر مدن العالم هي العامل الرئيسي الذي مكنه فيما بعد من تحقيق ذلك العمل التاريخي الرائع وبروزه كقائد عمالي ناجح على المستوين الوطني والقومي , قاد العمل النقابي وكرس جل حياته لرعايته .

نقابة عمال ميناء مدينة بنغازي

بالرغم من صغر حجم أول نقابة عمالية في مدينة بنغازي تحت إسم نقابة عمال ميناء بنغازي إلا أنها أعتبرت أول خطوة تاريخية هامة نحو حركة نقابية واسعة في ليبيا. وبعد أن أصبحت ليبيا تحت وصاية الإدارة العسكرية البريطانية وجدت هذه النقابة فرصة للمطالبة بالإعتراف بها رسميا وفقا للائحة قانونية وضعتها هذه الإدارة تسمح بإنشاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وعلي إثر صدور هذه اللإحة بدأ عمال مهن أخري ينشئون نقابات جديدة وكان ذلك بحث وتشجيع من سي رجب وكادره النقابي. وبعد بذل جهود كبيرة تمكنت النقابات القائمة في ذلك الوقت أن تحصل على الإعتراف بها رسميا وفقا لتلك اللائحة القانونية التي أصدرتها الإدارة العسكرية البريطاتية والتي ورد فيها بعض البنود التي تعطي عدة حقوق للطبقة العاملة، مما شجع القيادة النقابية بالمطالبة بها والحصول عليها وسنشير إلى ذلك لاحقا في سياق الحديث عن هذه الفترة بقليل من التفاصيل .

وعندما حصلت ليبيا على إستقلالها وجدت طلائع النقابيين القدامى وبالتضامن مع نحبة من المثقفين وكتاب الصحف الوطنيين في التشريع الذي وضعته الإدارة العسكرية البريطانية والذي يسمح بإنشاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية فرصة للمطالبة والضغط على السلطات الليبية لإصدار قانون عمل جديد. ونتيجة لتزايد الإصرار على تحقيق هذا الهدف أضطرت حكومات الولايات إلى دعوة خبراء منظمة العمل الدولية لصياغة قانون عمل جديد ؛ وفعلا وضع القانون وكان من أهم بنوده الآتي :
(1) حرية تكوين النقابات.
(2)حرية الإضراب عن العمل.
(3)تحديد ساعات العمل .
(4) عدم تشغيل الأحداث.
وغيرها من الحقوق التي كانت في السابق غير واضحة وغير مطبقة في ظل الإدارة العسكرية البريطانية ، كما قام المحامون الوطنيون بالترافع في قضايا الطرد التعسفي ونجحوا في إستصدار أحكاما أصبحت قواعد لا يمكن تجاوزها، وسوف نتطرق إليها بالتفصيل. وعلى ضوء هذا القانون أضطرت سلطة الإستقلال أيضا بالإعتراف بكل النقابات دون إستثناء .





نقلا عن :عثمان حسين العالم /موقع الطليعة / 29 يوليو 2008