الجمعة، 2 يناير 2015

هل فعلاً طلب أهالي طرابلس الغرب الحماية من الأَجانب؟ ....د. مصطفى الستيتي

كانت القوى الاستعمارية الأوروبية التي هيمنت على دول شمال أفريقيا، وقبل أن تبدأ في تنفيذ مخطّطاتها تستعدّ لذلك بجملة من الحملات الثّقافية والنّفسية، فتصوّر شعوب هذه المناطق بأنّها شعوب جاهلة لا تقدر على تسيير شؤونها بنفسها، وأن بيد أوروبا مصابيح النور والحضارة والهدى، وأنّ رسالتها رسالة إنسانيّة خالصة لا تريد إلا الخير لهذه الشّعوب. بل إنها تمضي أكثر من ذلك فتزيد من  درجة تحريف الواقع فتزعم أنّ هذه الشعوب هي التي تطلب منها النّجدة والغوث والخلاص إما من حاكم أو من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة. حدث ذلك في تونس من قبل الفرنسيّين وحدث كذلك من قبل الإيطاليين قبل غزوهم لطرابلس الغرب.
لكن من حسن الحظ أن التّاريخ أسعفنا بوثائق تردّ هذه المزاعم التي بسبب كثرتها صدّقها الكثيرون من مثقفينا ومؤرخينا، وكثير منهم لم يكلف نفسه عناء البحث في مدى صحتها أو كذبها. ولقد عجبت من بعض الباحثين الذين رأيتهم يؤكّدون بشراسة غريبة أن تاريخنا لا يمكن أن نعرفه إلا من خلال المصادر الغربية فقط، أما المصادر التركيّة فلا يمكن الاعتماد عليها، والحال أن الواقع يثبت لنا أن العثمانيّين في تدوينهم لوقائع التاريخ كانوا أكثر حيادًا وأكثر التزاما بالعلم من أغلب المؤرخين الغربيين الذين كانوا في كثير من الأحيان أدوات لتنفيذ أهداف سياسيّة استعمارية في بلاد المسلمين.

الوثيقة التي بين أيدينا في غاية الأهمية، وهي رسالة باللغة العربية أرسلها كبار وجهاء طرابلس الغرب وأعيانها إلى السّلطان عبد الحميد الثاني بتاريخ 13 محرم سنة 1320م الموافق لـ 6 أفريل سنة 1902م. وتوجد في نهاية الرّسالة أختام لممثلين عن أهالي قضاء غريان، وأشراف القول أوغلية، وأشراف قضاء الزاوية، وحفيد يوسف باشا القارامانلي، وأشراف قضاء زليطن، وأشراف قضاء مصراطة، وأشراف مركز الولاية ومجلس إدارتها، وأشراف قضاء ترهونة، وأشراف لواء الجبل. وهؤلاء جميعا ينفون في الرّسالة جميع الشّائعات التي تزعم بأنّ أهالي طرابلس الغرب يطلبون النجدة من الأجانب ويريدون تدخلهم في البلاد. (الأرشيف العثماني، وثيقة رقم I. HUS 96/8-2).

بعد المقدمة التي يدعون فيها للسّلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بكمال القوة والسطوة ودوام التمكين باعتباره خليفة المسلمين وحامي حمى الدّين، يؤكد أهالي طرابلس الغرب أنّهم مسلمون ثابتون على الإسلام معتزون بالخلافة الإسلامية العثمانية مرتبطون بها ارتباطا كليا ومعنويّا، ومستعدون لبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك بل والتّضحية بالنفس والدماء في ذلك. ثم بعد ذلك يوردون الأراجيف والشائعات التي نشرت من قبل بعض الصّحف الأوروبية من أن بعض الأهالي له ميل إلى الدول الأجنبية. وهم ينفون ذلك جملة وتفصيلا، ويعتبرونه دعايات مغرضة هدفها إفساد العلاقة الطيبة بين مركز الخلافة وبين ولاية طرابلس الغرب. بل إنهم يطلبون إرسال مزيد من القوات العثمانية إلى هذه الولاية من أجل حفظها والذود عنها إزاء المخاطر التي يمكن أن تتهددها. وهذه الرسالة تأتي قبل تسع سنوات فقط من التّدخل الإيطالي في البلاد، والذي وقع في خريف سنة 1911م.

 نص الرّسالة:
إلى سمو أعتاب جلالة الخلافة االكبـرى الإسلامية
بعد رفع أكف الضّراعة بقلب سليم إلى المولى الرؤوف الرّحيم والتوسل إليه بروحانيّة نبيه الكريم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم أن يُديم وجد مولانا أمير المؤمنين خليفة رسول رب العالمين، حامي بيضة الدّين المبين المؤيد بسر السّبع المثاني، ولي نعمة العالم سلطاننا الغازي عبد الحميد خان الثاني، رافلا في حلل العافية والإجلال متوّجا بتاج النّصر والظفر والعز والإقبال على سرير الخلافة الكبرى الإسلامية، وعرس السّلطنة العثمانية بكمال السّطوة والشوكة إلى يوم الدين.


فالذي يعرض العبيد أنّ كافة أهالي ولايتنا طرابلس غرب مسلمة مرتبطة بالخلافة الكبرى الإسلامية العثمانية ارتباطا كلّيا ومعنويّا لا تنفك عنه طرفة عين، تبذل في سبيله النّفيس والأنفس إلى آخر قطرة دم من دمائنا متمتّعون بنعم العدالة الحميدية، تحت وارف ظل شوكتها بكمال الراحة والأمنيّة والرفاهية. وبما أنّ تحرير الأملاك والنفوس متممان للعدالة والمساواة والتشرف بالخدمة الجليلة العسكرية مفروض ديانة رأت أهالي الولاية وجوب إجراء ذلك وجوبا لازمًا فطلبوا جميعا عن طيب نفي ورضا إجراء ما ذكر بمضابط مفصلة من مركز الولاية وسائر ملحقاتها تقدمت منهم إلى مقام الولاية، ففي أثناء ذلك أرجفت بعض الجرائد الأجنبية بما لا يمر على فكر أحد من أهالي ولايتنا مناما فضلا عن اليقظة من أنّ بعضا منهم له ميل إلى الاحتماء ببعض الدول الأجنبية نعوذ بالله من ذلك مستندة إلى تمويه من القول أوغلية مغفّلين لا بال لهم ولا أهمية، من كونهم غير راضين بتلك الطلبات الخيرية.

ففي الحال قامت جملة الأهالي بمركز الولاية وعموم ملحقاتها على ساق واحدة وقدموا إلى مقام الولاية مضابط في تكذيب تلك الأراجيف والتبرّي منها، وقدم العبيد إلى سنيّ رحاب الحضرة الشاهانية لعرض فرائض العبوديّة والصداقة وتكذيب تلك الأراجيف والتبرّي منها ومن سائر ما يورث خللاً في ارتباطنا وتابعيتنا لدولتنا العلية العثمانية، وعرس الخلافة الكبرى الحميديّة الإسلامية أدامها رب البرية إلى آخر الزمان بحرمة سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم، وذلك على ألسنتنا عموم أهالي ولاية طرابلس الغرب. فنسترحم إدامة نعم مولانا أمير المؤمنين على أهالي ولايتنا ونستدعي تأمين محفوظية ولايتنا تحت ظل ظليل دليل مراحم حضرة ملجأ الخلافة الأسنى. والأمر والفرمان واللطف والإحسان لحضرة متبوعنا الأفخم وخليفة نبينا الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في 14 محرم سنة 1320 هـ ، وفي 10 نيسان سنة 1318 (رومي).

نقلا عن صحيفة الضمير التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق