الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

ملاحظات ضابط ألمانى عن المعارك التى دارت رحاها فى شمال أفريقيا ...بقلم :ضابط مشاة / سيجفريد ويستفال *




ترجمة ، فرج الساعدى بوجازية **


فى بداية هذه المحاضرة أود أن أعبر عن بالغ امتنانى لمخاطبتكم فى هذا اليوم . واقترح أن أقول لكم شيئاً عن المعركة التى دارت فى شمال أفريقيا فى الفترة الواقعة بين 1941 – 1943 م ، حسبما شاهدها أحد الضباط الألمان الذين اشتركوا فيها . وأرجو ألاَ يتولد لديكم شعور بالخوف من الوصف  المطنب فيه للمعركة أو الأسلحة المختلفة التى استخدمت فيها . فعلى العكس سوف أحاول أن أؤكد لديكم الشعور قدرالإمكان بها وأن أضع أمامكم بعض النقاط التى لم تكن تعرف جيداً منذ زمن طويل . وبالنسبة لمؤهلاتى العسكرية فقد بدأت حياتى كضابط فى الجيش الألمانى بدون انقطاع من سنة 1918 م حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وفى غضون الخمسة عشرة سنة التى قضيتها فى سلاح المشاة عملت فترة بعد ذلك فى قيادة أركان الجيش الألمانى ثم قضيت فترة ثمانية عشر شهراً فى أفريقيا كآمر لقيادة روميل( رئيس عمليات ) ، بعد ذلك كقائد لواء . وقد أصبت مرتين بجروح وأنا فى الخطوط الأمامية .

والآن إلى صلب موضوع المحاضرة ففى البداية أريد أن أناقش القضية وهى أنه إذا ما كانت ألمانيا مستعدة إلى حد ما لخوض معركة فى أفريقيا أو ،لا ؟ . وللإجابة على هذا أود أن أذكر حادثة صغيرة عام 1938  م حيث كنت فى تلك الفترة فى غرفة العمليات بهيئة الأركان فى برلين . وقد كانت إحدى مهامى هو ربط مطالب هيئة العمليات من التخطيط والتدريب ، واحتياجات ميادين القتال مع فروع القيادة العليا العامة .
وفى أحد الأيام  اقترح ضباط القيادة المكلف بتهيئة ملف الخرائط التى ستدعوا الحاجة إلى استخدامها إذا ما أعلنت الحرب ، وإن الخرائط المتوفرة لديه الخاصة بمناطق غرب وشرق وجنوب أوربا . وتكبير هذه الخرائط لكى تشمل الدول الإسكندنافية وشمال أفريقيا ، فلم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث . فقد أدى فقدان خرائط فلسطين فى السابق إلى حدوث الكثير من المساوىء فى الحرب العالمية الأولى . ولقد رفضت هذا الاقتراح فى الحال بوجه السرعة ، وقد نال هذا الاقتراح فى الحال بوجه السرعة ، التأييد الكامل من قادتى .
ولم يكن منا من يحلم بأن هناك احتمالية إشعال حرب فى الصحراء  ، وعلى الواحد منا أن يتذكر بأنه لم يعد لألمانيا أية ممتلكات خارج أوربا لعشرات السنين ، ولأجل هذا السبب لم نتعود التفكير فى قضايا العالم بأجمعها .
ولقد قابلت ذلك الضابط مرة أخرى بعد ثلاث سنوات ، أى عندما ذهبت إلى ليبيا ، وكان الضابط مسئولاً عن نقلنا فى إيطاليا ، ولم يلبث أن ذكرنى بالحوار الذى دار بيننا ، ولم يكن حديثه لى خالياً من العـنهجية والتفاخر ، حيث أشار لى بأنه كان صائباً فى اقتراحه . فالجيوش الألمانية مضطرة لاستخدام خرائط موضوعية ، حيث تختلف وحدات القياس فيها من خريطة إلى أخرى من الموقع الرئيسى . ومضت فترة اتيحت لى الفرصة فيها بأن أقنع نفسى بأن ذلك كان صحيحاً ، إلاَ إننى مثلما يحدث فى الغالب عندما ما  نلى ( نتحصل على ) ثلث الخرائط أشعر بتأنيب الضمير . فهذه الحادثة البسيطة تشير ألا أنه لم تكن هناك استعدادات من أى نوع فى الجيش الألمانى لخوض معارك خارج مسرح أوربا قبل الحرب العالمية الثانية . وفى الحقيقة ومثلما سوف نشاهد بأن القوات الألمانية التى نزلت شمال أفريقيا لم تكن مستعدة للقيام بمهمتها الجديدة .

وفى نهاية صيف 1940م اقتصرت معلومات القيادة الألمانية العليا على تقارير ملحقنا العسكرى بروما وعلى أعضاء وحدات الاستخبارات المحلية . ولقد ركز الاهتمام على ملاحظة الأحوال السائدة فى المناطق التى كانت تحتلها فرنسا . أما بالنسبة لمصر فلم تحظى بالأهمية فى شىء . وبعد ذلك قرر هتلر أن يترك زمام الأمور فى يد موسولينى ليتصرف حسبما يشاء فى قيادة الحرب فى منطقة البحر الأبيض المتوسط . ولهذا السبب أيضاً كان اهتمام الأركان العامة الألمانية محدوداً.

ولم يطرأ أى تغيير جذرى فى هذا الهدف حتى لوحظ فى صيف سنة 1940 أن إيطاليا ليس فى نيتها اتخاذ قرار خوض حرب فى منطقة البحر المتوسط .
ومن ناحية أخرى عززت بريطانيا  قواتها فى مصر بدرجة لم تمكن الأسطول الإيطالى من التعرض لوحدات (تمويلهم... هكذا فى الترجمة ) إمداداتهم بأى حال من الأحوال . وقد أرسل جنرال ألمانى فى الحال لدراسة احتمال القيام بعمليات حربية تقوم بها وحدات الإستطلاع .

وبعد ذلك بقليل رفضت الحكومة الإيطالية المعونة التى تقدمت بها ألمانيا ، موسولينى لم يكن يريد معونة عسكرية ألمانية فى شمال أفريقيا . وفى تلك الأثناء وضع الفيلق الألمانى المدرع فى برلين والمخصص للقيام بعمليات فى المناطق الإستوائية فى حالة تأهب لكى يستخدم فى ناحية أخرى .

إلاَأنه على أية حال عندما بدأ الخطر الانجليزىبعد الإنتصار الحاسم الذى حققوه فى ديسمبر 1940 م تحت قيادة الجنرال ويفل ، يهدد الوجود الإيطالى فى شمال أفريقيا ، وجدت روما نفسها مضطرة إلى طلب مساعدة القوات الألمانية فى ليبيا ، وعلى الفور تحركت وحدات طيران إلى صقلية فالتشكيلات العسكرية الألمانية ليست من القوة بحيث تستطيع تقديم العون الكافى إلى حلفائا . وعليه فقد تقرر فى يناير 1941 م أن تشكل وحدات خاصة بأفريقيا تتكون من لوائين مدرعين ،  ولم يكن أى شخص يفكر بأن الأحداث القادمة سوف تجعل من الضرورى توسيع نشاط هذه الوحدات الأساسية، لكى تشتمل على مجموعة مدرعة ، ثم بعد ذلك إلى جيش كامل العتاد والعدة ، حتى أصبح اللوائين الأساسيين عشرة ألوية يدعمها غطاء جوى كثيف . و لم تمض أقل من سنتين بعد ذلك ، (حتى ) وجد الجنود  الألمان والإيطاليون فى شمال أفريقيا يسيرون عبر طريق وعر نحو معسكرات اعتقالاتهم ، وفى الوقت نفسه شكلت وحدة استوائية خاصة فى برلين ، وقد اشتملت على ضباط سبق لهم الاشتراك فى الحرب العالمية الأولى وفى الحروب التى قامت فى المستعمرات الألمانية ، وكان الهدف من ذلك هو الاستفادة من خبراتهم السابقة فى تسيير الجيوش لخوض حرب الصحراء . إلاَ أن الأحداث تزاحمت فوق بعضها ، حيث لم تترك لهم الفرص الممكنة ، حيث أنهم ما كادوا يصلون إلى ليبيا لإجراء دراساتهم حتى بدأت أقدام الجيوش المخصصة لأفريقيا تطأ أرضها .

وقد أثار ذلك الدهشة  الكاملة لقيام القيادة العامة بإرسال هذه القوات إلى أفريقيا ، فلم يكن أمامها متسعاً من الوقت لإجراء الاستعداد للقيام بهذه العمليات . وعلى ذلك فقد اتخذت الاحتياطات التنظيمية والصحية فقط . و لم يكن هناك متسع من الوقت لتكيف القوات مع درجة حرارة المنطقة وتغيير تدريبهم ، لإعدادهم للقتال فى أقطار لا تتوقع أن يوجد فيها أى نوع من أنواع السواتر والملاجىء ، وقد اضطر أيضاً، إلى وضع خطط ، لخطوط الإمدادات فى وقت قصير جداً ، بالإضافة إلى ذلك ، ازدياد نقل القوات بالبحر كل يوم ، مما اضطر إلى نقل الأفراد والمعدات بطريق الجو .

ولهذا فإن كافة المعايير لم تكن على درجة من الدقة واعتمد على بداهة التجربة والخبرة . ولم يكن لروميل نفسه الخبرة الكافية بحرب الصحراء . فعلى العكس فقد كان متخصصاً فى خوض معارك الجبال ، وفى سنة 1918م عندما كان ضابطاً برتبة ملازم أول، فى القوات المرابطة فى مرتفعات ورثتبرج ، نال وسام الاستحقاق لاحتلاله مرتفع متجور بجبال ايطاليا ، وقد وضع روميل أقدامه على التربة الأفريقية للمرة الأولى فى فبراير 1941م .

وقد كانت القوات الألمانية فى ليبيا تحارب إلى حد ما كضيوف فى المناطق( المقاطعة) الألمانية حيث أنه كان عليهم المساعدة للتغلب على الموقف العصيب ، الذى تواجهه القوات الإيطالية . وقد كانت تحت إمرة القائد العام الإيطالى والحاكم العسكرى للقوات فى شمال أفريقيا ، و كان هذا القائد يتلقى أوامره مباشرة من روما ، فلم يكن للقيادة الألمانية أية سلطات مباشرة عليه . ولهذا فقد اضطررنا لتقديم تقارير لكل من روما وبرلين كما كنا نتلقى أوامرمن كلاهما.  وكثيراً ما كانت هذه الأوامر تتناقض فيما بينها . الأمر الذى دعى إلى استخدام المهارة والخبرة فى تقرير ما يحدث . ولقد كانت علاقاتنا بحلفائنا الإيطاليين جيدة فقد كانوا أصدقاء أوفياء كما أنهم كانوا دائماً على استعداد للتعاون والتفاهم. إلاً أن الجندى الإيطالى كان على طرف نقيض معنا إذا ما قارنا من حيث تدريباته أو معداته أو أسلحته ، فلم يتم إعداد ذلك الجندى ، ولم يدرب لخوض معركة ضد خصمه الأوربى ، بدون توفر المعدات الحديثة لديه ، لأن الحكم الفاشستى لم يعر القوات المسلحة أية اهتمام . فقد كان الجيش يفتقر إلى المدرعات المتقدمة وإلى الوسائل المضادة لها.  وكذلك وحدات المدفعية والدفاع الجوى . كما أن معظم أسلحتهم اشتملت على كمية كبيرة من المعدات الحربية التى غنموها أثر سقوط النمسا والمجر فى خريف سنة 1918 م  ، ولم تكن أعمدة اللاسلكى فى مواقع تسمح لها بالإرسال أو الاستقبال أثناء الحركة ولم يكن هناك مطابخ ميدانية ، كما أن مخصصات الجنود من التغذية اليومية غير كافية ، حيث أن مصانعهم لم  تكن لها القدرة على تلبية احتياجات القوات المسلحة أثناء الحروب الطويلة الأجل ، ولهذا فقد كان الموقف بالنسبة لحلفائنا الإيطاليين أسوأ مما نحن عليه . ولم يكن لسوء الحظ أن يؤخذ ذلك فى الحسبان أثناء التفكير فى النتائج ، وفى كل الأحوال لقد كنت مقتنعاً بأنه ليس فى استطاعتى تحقيق نجاح أكبر بمعدات متخلفة ولا تف بالغرض المطلوب .
وفى بداية المعركة اشتملت القوات الألمانية والبحرية والجوية على ما يربو على 40.000 جندى ، ولم تمثل القوات البحرية سوى نسبة بسيطة . إلاَ أن الاضطراب فى استقراء عدد القوات كان ناجماً عن حالات الإصابة التى كانت تقع بين القوات وكذلك أن الكثير من أفراد الجنود لم يتحملوا حرارة الجو . وبعد ذلك بدأت القوات فى الوصول إلى ليبيا ومصر وبالأخص تونس ، حيث أصبح العدد الإجمالى للقوات الألمانية أكثر من 300.000 جندى. إلاَ عدد القوات الإيطالية التى استخدمت فى شمال الصحراء الأفريقية أكثر من ذلك بكثير ، حيث تهافت الشباب على مسرح القتال كبير جداً ، لانبهارهم بسحر الشرق الذى شجعهم على الانخراط فى سلك الجندية . كانت هناك أحلام عن المغامرات من صيد الأسود وامتطاء الجمال ، التى تضاهى سرعتها سرعة السهم ، وعن جمال الراقصات اللامعات ولهذا فقد أصبحت المعركة فى أفريقيا حديث الشعب الألمانى ، خاصة فيما يتعلق بمغامرات حرب الصحراء ، وقد شوهد ذلك بوضوح ، حيث ملأت أذهان الناس من شعبنا بأفكار ومخططات . كما أنها ولدت لدى جنودنا شعور لمعرفة أسرار البحر الأبيض المتوسط الممتد بينهم وبين تحقيق مآربهم . هذا الموقف القارى الذى أشرت إليه ، عبر عن نفسه بطريقة غريبة أخرى، وهى أن هناك الكثير من القيادات العسكرية التى رأت وجودنا فى أفريقيا ما هو إلاَ مضيعة للوقت ، ولا حاجة له واتهمونا فى أوربا إلى حد ما بعدم شرعية وجودنا فى المعارك الشرقية ، حيث سقط من أذهانهم معنى إرسالنا إلى الصحراء الليبية ....على ما كان اعتراضهم إذاً.. ؟  .
وقد كان فى بداية شعورنا بالخطر بأن ليبيا إما عاجلاً أو آجلاً سوف تسقط نهائياً فى أيدى القوات البرطانية  ، فقد تمكنت هذه القوات من الاستيلاء على ثلثى المنطقة الواقعة تحت الاحتلال الإيطالى السابق فى معركة لم تتوازن فيها القوى ولم تكن نتائج ما يعرف باسم التحالف ( الرومى – البرلينى) روما – برلين واضحة ولا داعى لسردها بالتفصيل هنا . حيث أن ألمانيا كان لها فى كل الأحوال هدف حيوى فى الحيلولة دون الفقدان الكلى لهذه المستعمرة بأى شكل من الأشكال ، وإلاَ لزحفت القوات الفرنسية المرابطة فى الشمال الأفريقى  تحت قيادة المارشال بيتان إلى ( الحدود الغربية الليبية، فى سنة 1941 م .

ولقد ثبت أن الجنود الذين يقاتلون على أرجلهم ( يقصد المحاضر المشاة ألغير آلية ) فى الصحراء، غالباً ما يفقدون بمجرد اشتداد سعير المعركة . ولهذا فقد دعت الحاجة إلى الإكثار من استخدام الآليات فى تنقلات الجنود ولم يكن بد من تكبد حلفائنا لخسائر جمَة وانسحابهم من منطقة سيدى برانى، فلا توجد آليات تفى لتنقلات جنودهم ، ولهذا فقد وجدت ألمانيا نفسها ملتزمة بالوفاء بتعهدها بمد العون لحليفتها . فقد تبين إن إرسال قوات مدرعة ألمانية إلى شمال أفريقيا كان على أساس خطة الاستمرار فى دفع التقدم نحو منطقة السويس فى الشرق الأوسط ، وكذلك الهند أيضاً ...هى خطة لا أساس لها . فلم تكن هناك خطة ثابتة لتنفيذ خطة بعينها وبالتأكيد ، فعندما اقتربت القوات من منطقة العلمين فى صيف 1942 م ارتفعت معنويات كل من روما وبرلين بأمل الوصول إلى ما يطمحون إليه فى احتلال منطقة القنال .

وبمجرد وجودنا فى الجبهة حتى شعرنا بالمصاعب التى تكدست أمامنا وحالت دون تحقيق مثل ذلك الحلم لو قدر لنا أن نتحدث عن وجود خطة ما على الإطلاق فى بداية سنة 1941م عندما وطئت أقدام روميل الأرض الأفريقية للمرة الأولى فلم تكن الخطة مجرد الحيلولة دون سقوط طرابلس ، ليس فقط بالنسبة للإيطاليين ، بل أيضاً بالنسبة للألمان أنفسهم . ولهذا فقد أصبحنا فى موقف يرثى له نتيجة لهجوم الجنرال ويفل المفاجىء ، الذى أدى إلى إضعاف التحالف ووضعه فى موقف حرج . الشىء الذى دعى إلى ضرورة التغيير إلى موقف أفضل بأى شكل من الأشكال .

وقد أخذت وجهة النظر من عدة اعتبارات وكانت النتائج فى تلك الفترة يمكن مشاهدتها على ضوء الحقيقة ، بأن الهدف هو التمسك بنطاق جسر حول طرابلس ، ولهذا فقد افترض فى كل فرد بأن يسيطر على منطقة أكبر فى خليج سرت عوضاً عما قد فقد فى الماضى . وقد عارض روميل أى نوع من الحلول الدفاعية والتى ستعرض جميع تحركاتنا للتوقف . لقد وضح لديه بأن طرابلس سوف لن تظل فى أيدى الإيطاليين مدة أطول . فلقد كانت غريزته الحية توحى له بشىء آخر . ولقد اثبتت التجربة أن أى اعتداء يقف عند مكان ما ، يتوقف على عوامل أرضية وجغرافية وغيرهما . فقد كانت قواعد الإمداد تقع بعيدة جداً خلف المنطقة التى احتلت أخيراً ولهذا فليس باستطاعتهم إمداد قواتهم بالسرعة الممكنة بالذخيرة والوقود ، وغيرها ، وعليهم بأن يتحركوا إلى الأمام ، وهذا يتطلب الوقت الكافى وتوقف فترات الأحداث بين الخطة والأخرى وبالإضافةإلى ذلك فإنه لا بد من إعادة تنظيم القوات بعد قضاء الأسابيع المجهدة فى القتال ومتابعة العدو المهزوم . ومن المهم أيضاً الحاجة إلى الراحة . فكل ذلك يولد لحظة ضعف بالنسبة للمهاجم ، وبالتالى يوجد لدى الطرف المهزوم شعاع أمل وفرصة نادرة إذا ما استجابوا لنداء المصير. فإذا ما نجحوا  فى هجومهم المضاد قد يحققون انتصاراً لم يكن فى الحسبان ، ويمكن تطبيق ذلك فى حرب الصحراء إلى حد ما إذا ما وضع مايلى فى الحسبان : ففى الدرجة الأولى لا توجد أية ظواهر طبيعية فى الصحراء ، كالأنهار والقنوات والجبال وغيرها ، والتى يمكن للقوات أن تحتمى بها ضد أى هجوم ، ومن ناحية أخرى فإن هناك خطر مستمر من ناحية الإحاطة بهم من الخلف ، حيث أن الجانب الشمالى فقط يقع على ساحل البحر ، بينما الجانب الجنوبى مفتوح ، ولهذا فهو أكثر تعرضاً للخطر من ناحيته .ولهذا فإن الفريق الذى يرغم على الجانب الجنوبى المفتوح ، فهو الأكثر تعرضاً للخطر من ناحيته . فالفريق الذى أرغم على الاتجاه إلى منطقة الاحتماء دائماً معرض للإحاطة به من اتجاه الخلف ، وبمعنى آخر اكتساحه.
والآن دعونا نعود إلى الموقف فى نهاية مارس 1941 م ، حيث لم يكن لدى روميل أى خطة بعينها لدفع القوات ناحية الحدود الليبية المصرية ، فلقد أراد - حسبما يقال – بأن يقوم قبل كل شىء بتفقد المناطق المحيطة به من كل الجوانب . وبهذه الجولات الاستطلاعية التى قام بها الطيران ثبت لديه بأن ضعف العدو كامن فى المنطقة المواجهة له فقط . فأعد زحفه فى اليوم الأخير من مارس إلى اجدابيا وبعد مرور عدة أيام تمكن من احتلال مدينة بنغازى ومينائها ، ولقد نجح فى احتلال أقليم برقة بالإلتفاف حول منطقة السباخ الشمالية . ولم نواجه أية مقاومة حتى طبرق ، فقد كانت هناك محاولتان للسيطرة على التحصينات عن طريق شن غارات فجائية فى منتصف شهر أبريل إلاَ أنها باءت بالفشل، حسبما حدث لهجوم معد من قبل العدو فى اليوم الأخير من هذا الشهر ، حيث لم تكن قواته على درجة عالية من الاستعداد . ولم يكن أمام قيادة القوات البريطانية سوى اتخاذ قرار الدفاع عن طبرق وحمايتها بأى شكل من الأشكال . ولم يكن أمام قيادة روميل من حل سوى أنه يقوم بفك الحصار الذى فرضه على طبرق ، أو التراجع بكافة قواته بما فيها ثلث القوات التى بدأت فى الوصول إلى الحدود المصرية فى الوقت نفسه إلى منطقة عين الغزالة . أو إنه يعـد نفسه مضطراً للإبقاء على خطين دفاعيين أحدهما فى مواجهة الشرق ويمتد من منطقة السلوم إلى البردى والخط المحيط به بمنطقة طبرق الذى أشرنا إليه منذ قليل ، وكان ذلك متوقفاً على أى من الخطين أكثر استنزافاً للعتاد والمعدات والوقت . ونحن كما نعرف روميل قد اختار الخط الأخير ، وليس هناك شىء يوحى بأن هذا الخط كان محصناً تحصيناً قوياً ويقع فى منطقة استراتيجية خطيرة ، والذى يمكن أن يصبح فيما بعد منطلقاً للقيام بعمليات حربية فى الناحيتين . ولقد اضطرت القيادة الانجليزية إلى أن تضع فى حسبانها عملياتها الحربية الأولى بينما اضطر روميل إلى استخدام جهده للسيطرة على هذا الحصن لحماية مؤخرته .

بدأت المعركة بهجوم الألمان على المنطقة يدعمها تفوق قواتها الجوية ، وقد تمت الاستفادة من هذه العملية بتعلم العديد من الدروس القيمة والمفيدة ( الدروس الثمينة ) وتجمعت الخبرات ، والأهم من ذلك فقد برز الدور الحاسم الذى لعبته عملية الإمدادات .

ففى شهرى مايو ويونيو ، لم تتح للقوات البريطانية لروميل الكثير من الوقت وصدته فى عمليتين من عمليات المعارك المضادة . فلقد أمكن السيطرة على الموقع الأمامى للجبهة وممر حلفايا بعد معركة ضارية ،إلاَ إن وقت المعارك الأولى قد مر . فلقد كانت القوات التى استخدمت على الجانبين أقوى مما كانت عليه قبل ذلك ، وقد كانت الصحراء وحدها هى مسرح هذه المعركة وقد بدأت القوات البريطانية الجوية فى شن غاراتها على قواتنا فى تشكيلات جوية متقاربة وتمكنت من اختراق مدى وحدات الدفاع الجوى ، ولهذا فقد وجدت القوات الألمانية نفسها بأنها معرضة لنشاط جوى واسع فى المستقبل . فلقد استخدمت القوات الجوية البريطانية للمرة الأولى قنابل محمولة بواسطة ( باراشوت ) مظلات الشديدة الانفجار ، والتى أدت إلى أحداث خسائر جمة بقواتنا ، وقد سمع هنا للمرة الأولى ذلك التحذير الذى انتشر استخدامه بين القوات الألمانية والذى لم يكن مديحاً للنازيين وهو : ( انتبهوا رفقاء الحزب ) ويعنى ذلك أن الطائرات المغيرة تطير فى تشكيلات تشبه إلى حد كبير التشكيلات الاستعراضية التى كانت تقوم بها فى احتفالات حزب هتلرفى ( نورنبرج ) .

وقد خصصت الشهور الشهور التالية فى كلا الجانبين للإعداد للمعركة الحاسمة القادمة ، وبالطبع فإن طبرق هى الهدف مرة أخرى . وقد اضطر روميل إلى احضار معدات حصار سواء من وحدات المدفعية الذخيرة والوقود بأكبر قدر ممكن ، وقد ثبت أن تحقيق ذلك صعب . ففى البداية ومن أسبوع إلى آخر وصلت أغلبية الامدادات إلى الموانىء الأفريقية ، إلاَ أنه الآن أصبحت الخسائر كبيرة بسبب اغراق السفن ، فقد شدد السلاح الجوى والبحرى الانجليزى قبضته على تحرك امداداتنا ، وكنتيجة لذك فقد اضطر إلى تأجيل الهجوم على طبرق ، من شهر سبتمبر إلى أكتوبر ، ثم بعد ذلك إلى نوفمبر ثم أخيراً إلى ديسمبر . فلم يكن من السهل الحصول على الإمدادات الحربية الكافية على الأراضى الأفريقية وعلى الجبهة قبل ذلك التاريخ .
ولقد صدق ما توقعه الجنرال أوكنلك ، وهو أن هجومه بهذا الحجم  من القوات ، الذى لم تشهد له الصحراء مثيلاً، بدأ فى الثامن عشر من نوفمبر على الرغم من أن الهجوم كان عملية حربية متوقعة أصلاً فهى مفاجأة تكتيكية أيضاً. ولقد لعب  استخدام التمويه دوراً كبيراً فى فى تحرك القوات إلى الأمام ، الأمر الذى سقط من أذهاننا ، خاصة وإن وحدات استطلاعنا الجوى لم تتمكن من الطيران لعدة أسابيع] يقصد المحاضر معركة الصليبى 18 نوفمبر1941 [.

وسأحول هنا أن أتحدث بشىء من الإيجاز، عن الأحداث التى عقبت ذلك ، فلقد كانت الجولة الأولى بدون شك فى صالح القوات البريطانية ، ومن بين الأشياء الأخرى فقد استغلت الشواطىء كنقاط محاطة بطبرق، وفى يوم أحد الأحاد ( يقصد المحاضر : يوم أحد ) ، وبينما كنا نؤبن موتانا ، ] وهو يوم ذكرى الأموات ، لدى البروتستانت . وهو يوم الأحد فى الأسبوع الثالث من شهر نوفمبر [ . وكان ذلك فى نهاية شهر نوفمبر ، بدأت فرص اندلاع الحرب ( المعركة ) تقترب من الخطوط الأمامية ، إلاَ أن قرار الجنرال أوكنلك بالتمسك بمكان المعركة وعدم التراجع كان قراراً حاسماً ، ومن ناحية أخرى فقد وضع روميل معايير أكبر للانتصار واحتمالات أقل لمواجهة صعوبة الموقف أمام طبرق ، واتخذ طريقه فى اتجاه مصر بسرعة ممكنة ، بعد مرور خمسة أيام وعند ما عاد من هذه الحملة التى لم تكلل بالنجاح ، لم تكن القوات كافية لتطويق طبرق ، ولم تضع الشهور الثمانية التى بقاها المدافعون عن طبرق هباءاً ، ولقد كان التراجع الذى تبع ذلك عن طريق مدينة درنة - بنغازى – اجدابيا-  ثم العقيلة. ولقد طلبت الحكومة الإيطالية: بأنه لا بد من الاحتفاظ بالمنطقة الواقعة بين درنة وبنغازى . ولم تذعن القوات الألمانية لهذا الأمر ، نظراً لأن هناك أسباباً عسكرية قوية تدعو إلى عدم الرضوخ وذلك خشية من الإحاطة بها من الخلف ، وقد أدى النقص فى وسائل النقل إلى جعل الأمور صعبة جداً ، ولم تكن نريد أن تقع أعدادنا الهائلة من قوات المشاة  فى الأسر. و غضب  روميل لذلك ، و كان الموقف سيئاً جداً خاصة لم  لم تصل أى كمية من الإمدادات منذ شهر أكتوبر . وفى غضون شهرين طويلين مليئين بالقلق والتوتر ، فقد كانت كل الإمدادات تقع ضحية الغارات الانجليزية فى تلك الفترة . وفى ألمانيا نفسها قد بدأ ينظر إلى الموقف بأنه خطير جداً ، و كان ذلك واضحاً فى برقية القائد العام للقوات ، والتى توحى بنهاية القوات الألمانية فى أفريقيا ، وعلى الرغم من أن خطط الحرب كقاعدة ، قد ثبت فشلها كلياً على عكس ما كان يؤمل منها . فلقد ازدادت الأمور سوءاً مرة أخرى مثل ما كانت عليه فى المرة الأولى . ولكن الموقف الآن وفى بداية السنة الجديدة تغير عما كان عليه ، وأصبح أقل خطورة من ذى قبل ، نتيجة لحدثين أولهما : نقل التشكيلات القوية لقواتنا الجوية من الجبهة الشرقية إلى صقلية ، وبالإضافة إلى ذلك ففى منتصف شهر ديسمبر وصلت أخيراً شحنة الإمدادات من مختلف الأسلحة إلى ميناء طرابلس ، ولقد كان من الواضح أن ذلك قد تطلب استخدام السفن الحربية الإيطالية ، لتتمكن هذه الحملة من الوصول إلى هدفها ، وبهذا فإن شدة وقع الغارات الجوية علينا والتى كانت تضايقنا كثيراً ، قد قلت حدتها ، كما أن القلق حول أزمة الوقود والذخيرة قد انتهى بالنسبة للفترة الحالية المؤقتة ، كما بدأت هناك علامات تشير بأن هناك فترة هدوء عقب نهاية الضغط من الجيش الثامن .

فهل وصلت اعتداءاتهم إلى المرحلة التى سبق لى وإن وصفتها ..؟.بالمقارنة الدقيقة بين القوى توضح أن القوات الألمانية والإيطالية كانت حتى منتصف شهر يناير متفوقة قليلاً فى العدد إذا ما قورنت بالقوات البريطانية المرابطة فى الجبهة وفى المناطق المتاخمة لها ، فلا بد إذاً من حدوث تغيير جذرى فى الموقف ابتداءً من شهر فبراير فصاعد ، ولهذا فإنه من الضرورى حصر الاستعدادات البريطانية المزمع تقسيمها لصد أى هجوم مضاد من جانبنا ، وتعطيل اللحظة التى يقوم فيها الجيش الثامن بالإعتداء علينا ، فقد بدأ ذلك هو الحل الوحيد لهذا الموقف الصعب الذى وجد روميل نفسه فيه مع القوات التى أرغمت على ترك مواقعها .

وكان على روميل وعلىَ شخصياً الدفاع عنها ، ولا زلت أتذكر اللحظة التى أصبنا فيها بثبوط عزائمنا والفراغ الذى ترك فى الجبهة الأمامية .
لقد كانت خسائرنا فى معركة الشتاء فى منطقة البطنان ( مرمريكا ) كبيرة جداً، حيث أننا نشاهد القليل من أعداد الجنود أو المعدات ، وعندما نزلنا مرة ثانية قال لى روميل : ( ويستفال ) يبدو عليك الاكتئاب ، وقد كنت  -  أنا - أرى أيضاً أن مظهره ] يقصد المحاضر :روميل [ لم يكن يبدو عليه عكس ذلك ، وبمعنى آخر انطوى مظهره على قلق خفى . ولما كانت قواتنا قليلة العدد ، حيث تركنا بدون مخرج ، ولم يكن هناك بد من أخذ زمام الهجوم ، لكى نتمكن من تجنب ، أو على الأقل نؤجل هزيمة أخرى - نؤخر هزيمة فرنسية أخرى إلى وقت آخر - ، ولا تزال معضلة واحدة للتغلب عليها ، ألا وهى الحفاظ على سرية الأشياء ( العمل ) ، ليس فقط من الانجليز بل أيضاً من رؤسائنا القادة ، وقد يبدو ذلك غريباً ، فقد اعتبر الإيطاليون أن روميل رجل له وزنه العسكرى ، والذى يمكن بسهولة تحديد توقيت الهجوم ، ولهذا قد كان خائفاً ] يخشى [ من أن الناس سيغيرون وجهة نظرهم فيه ، إذا ما بدأ  هو الهجوم فى الحال عقب انسحاب كبير منذ فترة وجيزة .

ولهذا السبب لم نعلم بالأمر أياً من رؤسائنا الإيطاليين أو الألمان ، ونحن فى هذا نعتبر أنفسنا على حق . ولهذا فإنه بعد بدأ الهجوم وصل زائر من روما يحمل أمراً لنا بعدم التقدم إلى بنغازى ، أو الاستعانة ( استخدام ) قوات المشاة الألمانية ، وعلى أية حال فلم يقلل ذلك من عزيمة روميل شيئاً ، وعلى فكرة فإنه بمجرد دخولنا إلى بنغازى والتى تقدمنا إليها هذه المرة من ناحية الجنوب الشرقى ، وجدنا أمامنا برقية من موسولينى يقول لنا فيها : " إذا ما أتيحت لكم الفرصة عليكم باحتلال المدينة  " .فكان جوابنا : " وصلنا هدفنا فى هذه اللحظة " .
وفى بداية شهر فبراير وصلنا إلى عين الغزالة منهكى القوى وفى حاجة ماسة إلى كل قطرة من الوقود والتى تخلينا عنها  منذ شهرين مضيا ، فلقد وصلنا كماا قلت إلى نقطة النهاية ، ولقد كان للجنرال ] المشير [ جورنج الذى كان فى تلك الآونة فى روما رأى آخر ، فلم يستطع بصعوبة إرسال برقية حفز همم : " يخبرنا فيها بأنه يجب علينا على الأقل احتلال طبرق وفى الحال " . لقد بدأ الحال بسيطاً بالنسبة له .

وسافرت - أنا - مع روميل إلى أوربا لكى نعرف ماهى الخطط التى وضعتها القيادة العليا للمعارك القادمة فى الصحراء لعام 1942 م ، وكذلك أنواع الأسلحة أو الإمدادات التى يمنكهم تزويدنا بها ، إلاً أن هذه القضية لم تكن لتشير أى مشكلة سواء بالنسبة لروما أو لشرقى بروسيا ، ولم يكن  اكتراث الجنرالات بنا يذكر على الإطلاق . لقد بدأ القلق على الشمال الأفريقى وأهميته قد قل ، وأن القضية الأساسية الآن هى الاتجاه ناحية الشرق ] يقصد الاتحادالسوفيتى : الجبهة الشرقية [ . فطالبنا باحتلال مالطا بأى شكل من الأشكال حتى نتمكن فى النهاية من تحطيم ذلك الخطر المستمر لأمدادات قواتنا فى ليبيا. لم يعلق عليه أحد ، ولقد كنا سعداء بعودتنا إلى الصحراء ، متفقين فى ما بيننا ومصممين على المضى فى المعركة تحت أى  ظرف من الظروف .
لقد اقترحنا فى شهر  أبريل على القيادة العليا بأن نقوم بمهاجمة جزيرة مالطا ثم بعد ذلك طبرق ، إذا ما أجلت الحملة على مالطا حتى شهر يونيو ، لنستأنف عملياتنا فى الجانب الآخر ، ولقد تمت الموافقة على الاتجاه الثانى- ألا وهو احتلال طبرق -  فلقد بنينا اعتباراتنا على النظرية : بأن الجيش الثامن مستعداً لإعادة ضربة جديدة ، وربما أشد ضراوة فى شهر يونيو على الأكثر . ويمكن لكم أن تروا بأنه كانت الاحتمالات نفسها هى التى تحثنا أو ترغمنا على التحرك ، أما بالنسبة لحلفائنا الإيطاليين فقد كان رأيهم بأنه ليس هناك ثمة شخص ، يشن هجوماً فى حرارة الصيف الشديدة ومن الأفضل أن ننتظر حتى فصل الخريف وقد فكرنا فى مدى صلابة عدونا جيداً .
ولا أريد هنا أن أطيل عليكم فى وصف مجرى أحداث معركة الأسابيع الأربعة التى دارت من أجل طبرق ، فيكفى بأن خطة روميل كانت تتمثل فى الدوران ( الالتفاف) حول الجناح الجنوبى للجيش الثامن المرابط فى منطقة بئر حكيم ، والذى ما لبث أن سقط فى فى يد القوات التى تحركت صوب المنطقة بأقصى سرعة ممكنة ، إلاَ أن الأمل الناجم عن عنصر المفاجأة لم يتحقق ، ولم يكن هناك شيء يسير وفق ما هو موضوع . ففى مساء اليوم الأول للهجوم كانت القوات الغازية تتخذ مواقعها خلف القوات البريطانية ، إلاَ أنها كانت بطريقة أو أخرى محاصرة ولم يكن أمامها سوى ممر واحد ، والذى لا نستطيع استخدامه إلاَ فى المساء ولقد أشار العديد من أفراد قوادنا علينا بالانسحاب ، حيث أنه إذا ما اتخذنا هذه الخطوة يمكن لنا الانسحاب بسهولة ونحن محتفظين بقواتنا وعزتنا .
وهنا رفض روميل جميع هذه الاقتراحات وصمم على المضى فى خطته والتمركز فى موقف دفاعى حصين ، حتى يعجز مهاجموه وتخور قواهم ، وليتمكن هو بعد ذلك من إعادة الكرَة . لقد كان موقف روميل الشجاع فى الأسبوع الذى مر بعد ذلك مثار اعجاب الجميع ويستحق أن أذكره له بالفخر والاعتزاز . فلقد كان فى تلك الفترة فى قمة قوته القيادية.  ولقد بدأ لنا فى بعض الأحيان أنه مخطىء لتمسكه بهذا الموقف وتوالى الأزمات عليه .
وفى منتصف شهر يونيو وبعد سقوط الخط الدفاعى فى بئر حكيم بعد قتال مرير ، أصبح الطريق إلى طبرق حراً ...وبعد وقوع هذا الحصن المنيع بعد مجهود شاق وجبار ، انحصرت المشكلة فيما إذا كان صلب القوات الرئيسية عازمة على التحرك إلى الحدود المصرية حسبما هو مخطط لها فى السابق . ولقد جهزت القوات الجوية لشن غاراتها على جزيرة مالطا ، فلقد كان الإيطاليون متمسكون بهذه الفكرة بينما رأى روميل من ناحية أخرى أن الفرصة سانحة لتقدم القوات باتجاه الاسكندرية وحتى القاهرة أيضاً . ولقد وافقت هيئة القيادة العليا على ذلك وأصبح الأمر حاسماً . ولهذا فقد ألغيت كل الاستعدادات لشن هجوم على جزيرة مالطا ، فلم يكن فى استطاعة وحدات الإمداد تزويد الجبهتين فى آن واحد . بل اقتصرت على تزويد القوات التى تقوم بعمليات برية والتى تتقدم نحو الحدود المصرية . ولهذا فقد اختفت احتمالية سقوطها والتى كانت تشكل عائقاً فى منطقة غربى البحر الأبيض المتوسط ، ولهذا فإن مالطا استمرت تشكل منطقة تهديد دائم لخطوط إمدادنا إلى أفريقيا ( خطوط مواصلاتنا) ، ولهذا فقد تقدم روميل إلى الحدود المصرية حتى أمكن إيقاف قواته المنهوكة القوى فى منطقة العلمين . ولقد قال لى بعد ذلك : " إنه من حسن الحظ إنه توقف هنا ، وإلاَ لكان قد وصل إلى النيل على الأكثر بثلاثين دبابة ولواء واحد " ، ولقد كان وجود تحصينات قوية أمام الإسكندرية مفاجأة أخرى لنا . ولو أمكن لنا معرفة ذلك قبل سقوط طبرق لكان لنا رأى آخر ، وهكذا فقد وجدنا أنفسنا مرة أخرى متورطين فى موقف حرج للغاية ،والذى أدى إلى أبعد حد ، إلى تدمير القيمة الفعلية للنجاح الذى تحقق فى طبرق ، وذلك بسبب واحد على وجه الخصوص ، وهو : أن خط الإمدادات يمتد إلى بنغازى ، أو بالأحرى إلى طرابلس . ولم يكن هناك خطوط سكة حديد متوفرة ، ولهذا كانت عمليات النقل كانت تتم بواسطة السيارات التى لم تكن تفى بالغرض المطلوب منها لعدم سرعتها ، حتى لو قامت برحلاتها بدون توقف وبسرعة أربعين ميلاً فى الساعة ، فلقد كانت رحلة هذه السيارات تستمر مدة سبعة أيام من بنغازى إلى العلمين ، وضعف الوقت من طرابلس إلى الجبهة .
 فى شهر يونيو وصلت كمية الإمدادات إلى ( 6000) طن لكل القوات الألمانية العاملة ، كما أن لخطط الإنسحاب من الجبهة على مراحل إلى الحدود قرب السلوم ، لم تحقق شيئاً ، نظراً لأن الوسائل لنقل وحدات القوات الألمانية وقطع المدفعية الإيطالية معدومة .

ففى البداية كان كلا الجانبين ضعيف جداً ، حتى أنه لم يكن بأمكان أياً منهما السيطرة على الموقف ، لدرجة أنه لم يكن بإمكان روميل إحداث ثغرة فى فى أى نقطة من الجبهة ، كما أنه لم يكن بإمكان القوات البريطانية تحقيق مزيد من الانتصارات من خلال هجماتها المضادة . وقد أدى النقص فى عدد قوات الجانبين إلى الحفاظ على توازن القوى لفترة  ما ، ثم حدث أن طرأ تغيير جوهرى فى هذا الموقف ، فقد استعاد الجيش الثامن قوته بسرعة فائقة ، ولم يستطع روميل استعادة نفس الإمدادات إليه . وبنهاية شهر أغسطس ، أخذت قواتنا فى التقاعس والتناقص .  ولقد كانت النية متجهة إلى القيام بمحاولة أخرى للتقدم نحو الإسكندرية قبل أن يبدوا النقص واضحاً فى قواتنا ، إلاً أن روميل كان متردداً فى اتخاذ هذه الخطوة  ، استناداً إلى رداءة موقف الإمداد بالنسبة لقواته ، إلاَ أنه فى النهاية استلم بناءاًعلى أوامر صادرة من روما ، وأعلن عن وصول ناقلتين من الوقود ، غير أن كلاهما قد أغرقت خارج طبرق ، فى اللحظة التى قمنا فيها باختراقنا لحقول الألغام البريطانية بنجاح ، وعندما أصبحت المدرعات الألمانية الأمامية على مسافة خمسة عشرة ميلاً من الإسكندرية .  لقد كانت النتائج خطيرة جداً ، فقد بقيت قواتنا ثابتة لا تحرك ساكناً لمدة تربو عن الأسبوع ، كما لو أنها قد ثبتت فى الأرض خلف الجبهة الإنجليزية ، غير قادرة على التحرك أو التراجع ولو لخطوة واحدة ، وكنا نتلقى أشد الضربات  من القوات الجوية البريطانية بصورة لم يشهد لها مثيل ، من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الخامسة مساءاً ، ومن الساعة العاشرة مساءاً وحتى الخامسة صباحاً كل يوم وبدون توقف ، يلقون أشد القنابل فتكاً بأجساد جنودنا  (يجزؤن أجسادنا ) مثل ما عبر عنها روميل . لقد دفنا فى الأرض وفوق بعضنا البعض مرات عديدة ، ولم يحدث فى تاريخ الحرب العالمية الثانية أن شوهد هذا الدرس الهائل والدور الحاسم الذى لعبته القوات الجوية . كما أنه لم يحدث أن قال روميل وللمرة الأولى فى تاريخه ، بأنه سيخسر الحرب لتدمير قواته وعطل آلياته من كافة الأنواع ، والتى غيرت مجرى الأحداث قبل العلمين ، لتقف عاجزة أثناء الفترة الحاسمة والخطيرة فى تاريخه .

ولقد وجه لنا مونتجمرى ضربة قوية فى نهاية شهر سبتمبر والأشهر التى تلته ، بتكثيف الهجمات الجوية على مواقع قواتنا والتى كان هدفها الأساسى القضاء على مصدرإمداداتنا الوحيد .

وفى ليلة الثالث والعشرين والرابع والعشرين من أكتوبر الشديدة الظلمة، هبت عاصفة من صنع الإله . وكان المشير روميل فى النمسا . وعاد منها بعد يومين من بداية المعركة ، ولقد قتل نائبه فى صبيحة اليوم الأول للمعركة .

ولا أريد هنا أن أشد رغبتكم فى سرعة بمزيد من التفاصيل عن مجرى تلك المعركة الضارية المريرة التى خاضها كل من الجانبين ، فقد عولج هذا الجانب كاملاً فى مذكرات القائد السابق للجيش الثامن  ، وأريد أن أكتفى بالقول بأننا كنا فى نهاية قوتنا بعد مضى اثنى عشرة يوماً من المعركة ، ولم  تكن برقية التأييد التى وصلتنا من هتلر والتى يخيرنا بين النصر أو الموت تغير من حقيقة الموقف شيئاً ، أما بالنسبة للحدثين الأخيرين ، فقد عنيا فقدان مسرح الحرب ، حيث تأكد عدم رغية ألمانيا فى مواصلة الحرب ، ولهذا السبب فقد فضلنا بعد ذلك الانسحاب بوقفات مؤقتة ، وبعد سقوط الجيش الإيطالى المدرع ، الذى تلقى ضربات عدة فى يد القوات المنتصرة فى غضون ثمانية وأربعين ساعة .

وهنا بدأت أطول عملية انسحاب شهدها الحرب ، ولمسافة ألف ميل ، تمت تقريباً بدون توقف حتى اجدابيا ، النقطة التى بدأ منها روميل أول هجوماته فى مارس 1941 م ، والى تلك اللحظة فلم يكن هناك مفر من تكَبد الخسائر الفادحة فى العتاد والأرواح معتمدين فى انسحابنا على طرق وعرة ، تلاحقنا قوات العدو الجوية ليلاً ونهاراً ، نكاد نفتقر إلى الوقود الضرورى لتحركنا ، منهوكى القوى لدرجة أننا لم نتمكن من استخدام ( طرق ) وأساليب التخفى ووقاية أنفسنا أثناء الانسحاب ، فقد كنا نقف بالنهار بجانب الجبال وفى الوديان ، وقد استطعنا التحرك ببعض آلياتنا وسط مناطق ضيقة وخطيرة للغاية بأعجوبة تامة إلاَ أن الشىء الذى الذى لفت اتباهنا هو : حفاظنا على النظام وبدون أخذ أية ( احتياطات) أساليب ، والذى كثيراً ما ما يختص بهذا النظام أثناء عمليات الانسحاب ، وفى الوقت نفسه  فقد كانت محاكمنا العسكرية كانت عاطلة عن العمل .

الأضواء الكاشفة اللعينة التى لا زلت أذكرها وهى تبحث عنا أثناء انسحابنا عبر حقول الألغام البريطانية وتحت ( قصف ) قاذفات القنابل ونحن نعبر الممر الطويل فى منطقة ممر حلفايا ، وآخر هذه الكوارث وليس أقلها خطورة فشل ناقلات الوقود فى الوصول إلينا ، وعوضاً عن ذلك فقد وعدنا بتزويدنا بالوقود لتغطية انسحابنا  بطريق الجو ، وفى أحد الأيام هبطت الطائرة الوحيدة التى استقليتها أنا وروميل للذهاب إلى أحد المطارات لمتابعة عملية امدادنا  ،و بدأ الاإرهاق واضحاً على كل فرد من جنودنا ، وبدأ التوتر واضحاً ، لدرجة أن حالة واحدة لانهيار عصبى قد تؤدى إلى الانهيار الجماعى مثلما ما حدث مع ضابط المخابرة ، الذى أضرم النار فى جهاز الراديو ( اللاسلكى ) الوحيد الذى يصلنا بأوربا ، إلاَ أنه كانت هناك مناسبة سعيدة واحدة ، وهى عندما أعلن عن وصول ناقلات الجنود الجوية ، وذلك بعد مسيرة طويلة وشاقة ومجهد عبر الصحراء ، كما أنه كان هناك شىء ما يدعو إلى الضحك ، وهى أنه بعد رحلة لنا عبر قلب الصحراء روميل وأنا ، نمت أنا وروميل فى إحدى السيارات ، ولم يكن هناك ثمة شخص آخر سوى السائق . وعند ما صحونا فى الصباح ، وجدنا زنجيين شاهرين علينا سلاحهما ويبتسمون لنا بصورة ودية عبر زجاج السيارة ، ولا أستطيع القول بأننى كنت مسروراً من ذلك ، حيث أن كلانا أراد أن يسلم نفسه ويصبح أسير حرب.

 ومما زادنا قلقاً فقد استلمنا برقية من حلفائنا تفيد : بإنزال القوات الأمريكية فى الدار البيضاء والجزائر ، ولم يسبق لقيادتنا أن أعلمتنا بذلك ، وهنا فقد اشتد الموقف الذى طالما (خشاه)  روميل ، فنحن معرضين لخطر الدخول فى عمليات حربية من الخلف ، ولهذا فقد اقتربت أيامنا ، وقد كان أخطر النتائج هو أن جميع وحدات إمداداتنا سوف تتجه إلى تونس ، والتى يمكن لنا أن نتخذها رأس جسر لتحركنا . وفى نهاية شهر نوفمبر انتهز روميل فرصة هدوء العمليات الحربية فى الآونة الخيرة ، لكى يطير إلى أوربا لإقناع هتلر بضرورة إجلاء القوات عن مسرح الحرب هذا .لقدلقد كانت حجته بأن هناك حاجة ماسة لقواتنا للدفاع عن شمال أوربا ، وبالنسبة له فإن افتتاح دنكرك جديدة هو المخرج من هذا الموقف الميئوس منه ، ومن خلال محادثاتنا الطويلة عبَر روميل عن وجهات نظره حول وجودنا فى قلب القارة ، بأنه وجود لا طائل منه . فلو قدر لشخص أن يحدد نطاق جبهتنا على خريطة ما ، فإن ذلك لا يتعدى المنطقة التى يتركها الأثر الناجم من رأس أبرة ، ولسوء الحظ لم يكن لدى ( هتلر ) القليل من الإدراك لأهمية استيعاب الأمور ، فبدلاً من اتمام عملية سحب القوات بدأ فى إرسال قوات جديدة إلى تونس كما أصدر هتلر أمراً بأن منطقة البويرات يجب أن تكون نهاية الانسحاب ، إلاَ أنه حينما أراد روميل أن يتخذ لنفسه موقعاً ، كان كثيراً ما يهاجم من الخلف من قبل قوات مونتجمرى ، أو لاكتساح قواته من الجنوب . إلا أن ذلك كان أشد وطأة من نقص المدرعات أو النقص فى إمدادات الوقود التى تحول دون القيام بشن حرب ( هجوم ) مضاد ، وقد اضطررنا فى يناير أن نسلم طرابلس مفخرة وعاصمة الأمبراطورية الإيطالية المستعمرة ، والتراجع إلى خط آخر على الحدود التونسية يقع على مسافة 1500 ميلاً من العلمين .

وهنا وللمرة الأولى ، أصبح جيش روميل فى منطقة تقع بالقرب من الجيش المدرع الخامس ، الذى تم تشكيله فى تونس ، وقد أصبح موقع هذه القوة شبه ثابت إلى نهاية 1942 م ، حيث أن قوات أيزنهاور لم تشارك فى نشاطها بعد.
ولهذا فقد وجد القائد آرنيم نفسه قادراً على المسير داخل الأراضى الجزائرية ، إلاَ أن المسافة كانت طويلة ، ولقد اضطر روميل لأن يغير موقفه ، و كان هجومه الأخير على منطقة جنوب شرق الجزائر لم يحقق إلاَ قليلاً من الطمآنينة ، وعندما وصلت قواته ممر عنابه تم تطويق المنطقة بما يعرف بمجموعات جيوش أفريقيا ، ولم تعد القضية سوى قضية وقت لتدور رحى المعارك من جديد .
وفى الأيام الأولى للمعركة بدأت الإمدادات عبر البحار فى التوقف نهائياً ، فقد سيطر الحلفاء على الطريق المؤدى من صقلية إلى الساحل الأفريقى .
وقد ازدادت الحاجة إلى الذخيرة ، وأصبحت الضرورة الشديدة تقضى بالمعاونة بالطيران، وبعد سقوط تونس وبنزرت زحفت بقية قواتنا على أقصى الشمال التونسى من ناحية الشرق ، وفى العاشر من شهر مايو توقفت المقاومة الداخلية ، وبعد مضى يومين اختفت بالمرة .

لقد حدث ما لم يكن متوقع حدوثه  فقد انتصر الحلفاء ، ولقد عانينا من هزيمة كبرى وبالنسبة لألمانيا فقد كانت الكارثة العسكرية الثانية خلال الأربعة أشهر من عام 1943 م والتى بدأت بهزيمتنا فى ستالينجراد .
ولو بقيت القوات الألمانية والإيطالية فى أفريقيا تحمى الجانب الجنوبى من منطقة أوربا الواقع تحت سيطرتهم إلاَ أنه سرعان ما أمكن اكتساح هذه الصحارى ، وأصبح الطريق إلى جنوب أوربا مفتوحاً وأصبح بذلك أكثر من 250.000( مائتان وخمسين ألف ) جندى ألمانى أسير حرب ، وتقع مسؤلية  ذلك على الحكومة بالدرجة الأولى ، لأنها هى المسئولة عن تحميلهم أعباء القيام بهذه المهمة المستحيلة .يستطيع الفرد أن يخوض حرباً ، خاصة الحروب عبر البحار إذا ما أمَن على خطوط إمداداته ، إلى جانب إيجاد التوازن والتفاهم ( التعاون ) العسكرى بين مختلف الأسلحة ، لكى يزداد حسب الطلب فعلى الرغم من بذل القوتين أقصى ما عندهما ( لديهما) كانا ينقصهما الكثير .

ودعونى الآن أن أقول كلمة عن روميل ،الذى حظيت لديه بمكانة خاصة فى خدمته لمدة سنة ونصف ، فلم يكن هو الروح الوحيدة ، بل كان أيضاً هو القوة الدافعة فى معركتنا بشمال أفريقيا ، إلاَ أنه أستهلك من قبل لهيب يحترق فى داخله ، فلقد كان تكوين جهوده لمهمته كبيراً ، فهذا الرجل العصامى المعطاء ، الذى أنكر نفسه حتى فى أكثر لحظات حياته سعادة ، وكان فى سنة 1942م يعانى من وعكة فى القلب أدت به إلى المزيد من العناء الجسمى ( الجسدى ) الذى كان ينهشه نتيجة للعمل الشاق الملقى على عاتقه .

وأود أن أضيف هنا أنه أثناء انسحابنا أصيب مرتين بهذه الوعكة ووقع مغشياً عليه بين يدى ، فقد أثقل كاهله بمسؤولية مسرح الحرب وبقواته ، كما أن التوتر المستمر الذى كان يهدد موطنه قد أضاف إلى قلقه قلقاً آخر ، فعلى الرغم من أن روميل كان يحمل أكبر رتبة عسكرية حملها ضابط ألمانى فى الحرب العالمية الثانية إلاَ أنه كان على اتصالات بالمواطن العادى .

إن حياة الصداقة المثالية التى كان روميل مثلها الحى ، لا تزال تعيش إلى اليوم . ولا أحد غيره استطاع أن يحقق العديد من المطالب لقواته ، وأنا على اقتناع تام بأنه ليس هناك قائد أبرع من روميل فى تأدية الواجب . لقد كان روميل يميل إلى المرونة. فليس ثمة جنرال ألمانى استطاع تكييف نفسه مع كافة الأحوال المنبثقة ( الطارئة ) كما لو كانت فى تحسن من البداية إلى النهاية . كل شىء كان ينجزه وفق الموجود فمنذ البداية نحن أعلنا حرب " حرب المغلوب على أمره " كنا نفتقر فيها إلى أدنى الضروريات فلقد كان الفرد منا يساوم من أجل الحصول على عربة نقل .السبب فى ذلك بسيط جداً ، وهو أننا فشلنا فى نقل أجزاء حيوية من قواتنا من إيطاليا إلى أفريقيا . لقد بقيت العديد من الوحدات أكثر من سنتين فى نابولى تنتظر دونما أمل ساعة نفيرها .

والآن كلمة أخيرة حول خصومنا الإنجليز . لقد حصل هؤلاء على احترامنا المطلق فى تلك الحرب ، وليس بيننا شعور بالحقد ، فعادة ما يلقى الجندى الذى يقع أسيراً فى الحرب مصيراً قاتماً مع عدوه ولا تستطيع قوة أخلاقه وصلابته طويلاً أمام معتقليه . إلاَ أنه فى الواقع فليس منا أحد وجد جندى بريطانى واحد وجل أو قلق ، وحتى فى فترات الهزيمة الفادحة ، كنا على يقين بأن النصر سيكون حليفهم فى النهاية .

لقد كانت رباطة جأشهم وصلابتهم مثار اعجاب الجميع . وسأحاول أن أقر بشىء ....فلقد كانت بالنسبة لهم قضية مصير أن يرفض أن يقول شيئاً عندما يسأل . حتى كثيراً ما كنا نتمازح بالقول بأنه : " خسارة أن يكون الإنجليز فى الجانب الآخر " .

ولربما ليس من الممكن التعبير ببساطة عن جنود الخط الأمامى للجبهة الذين يعود لهم الفضل فى تحقيق الانتصار على العدو .

أشكركم جزيل الشكر على حسن استماعكم وصبركم . أيها السادة.( انتهت المحاضرة ).

*اللواء ويستفال العمر 72 سنة متزوج وله ولدين . طالب عسكرى وعمره 12 سنة . عام 1918 التحق بالجيش الألمانى كضابط وانتهت خدمته عام 1946 ، وقد عمل 28 عاماً فى الجيش ، وتولى عدة مناصب من بينها :
1-فى عام 1940 أوربا سويسرا – هولندا . 1941 – 1942 شمال أفريقيا رئيس هيئة العمليات .
2-  رئيس أركان وقائد فرقة مرتين فى العام 1943 و 1944 .
3-  رئيس هيئة العمليات فى إيطاليا سبتمبر 1944 رئيس أركان الخطوط الأمامية فى الغرب .
4-  1945 -1946 أسير حرب وانتهى عمله فى الجيش فى عام 1948 /1949 .
ألَف ويستفال بعض الكتب عام 1950 وعام 1972 ، كما عمل فى الحياة المدنية رئيس مجلس إدارة الحديد والصلب ، ومن هوايته : دراسة التاريخ .

 **ملاحظة : قمت بنقل هذه المحاضرة من ورقة قديمة أحتفظ بها ، وبعض الكلمات بين هلالين هى منى شخصياً . لقد حضرت المحاضرة فى مبنى الكلية العسكرية الليبية بمنطقة أبو عطنى فى مدينة بنغازى ، وكنت أحضرها مع عدد من الضباط ، عام 1974 ، وقبل نقل الكلية العسكرية إلى طرابلس . غير أننى خلف الصفحة البيانات الالية بخطى يدى بقلم حبر جاف : س1 ما هى الحقيقة فى عملية حلم منتصف ليلة صيف وإرسال مائة دبابة فبل معركة الكروسيدر .

" الاستطلاع بالقوة وأعطيت الأمر بالانسحاب _ المتحدث الجنرال ويستفال-.

وجدت على ظهر الورقة بيانات عن المحاضر،  وكتبت تاريخ 18 / 11 / 1974 . ويبدو أن البيانات قدم بها نفسه قبل المحاضرة. لقد رحل الفريق ويستفال فى عام 1982 ، بعد أن أدى واجبه ، كضابط ألمانى شجاع ، وحارب مع ثعلب الصحراء ، وقاتلوا كفرسان القرون الوسطى ، فى القرن العشرين ، فى ظروف صعبة وصحراء قاسية ، ولم تلطخ أيديهم بدماء الأبرياء ، وكما يذكر الأباء ، كانوا نوعاً من الفرسان ، فى عصور الانحطاط .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق