عندما عاد الدكتور محمد حسن الفيتوري للمرة
الثانية من اسطنبول في اكتوبر 1920م ورست به الباخرة في ميناء بنغازي شعر بإرتياح كبير
وطمأنينة عميقة بعد أن نزل منها واختلط مع السكان. كان يبلغ من العمر سبعا وثلاثين
سنة عندما وصل الى بنغازي ولم تكن السنوات الطويلة التي عاشها في الغربة قد أنسته وطنه
الأصلي أو لغته العربية أو لهجة مسقط رأسه. وبادله سكان المدنية الذين تعرفوا عليه
حباً واحتراماً وزادوا من تقديرهم لهذا الطبيب الليبي المسلم الذي يخاطبهم بلغتهم ودون
أي تكبر أو تكلف مثل بقية الأطباء الأجانب الذين كانوا يعملون في بنغازي، فقد وجد سكان
هذه المدينة الكريمة أن هذا الطبيب مواطن مثلهم، متواضع، حليم، لا يتعفف من دخول أفقر
الأحياء أو أضيق الأزقة إذا ما استدعى ليفحص مريضاً، فهو منهم كما أنه ليس جشعا ولا
يصر على طلب أتعابه أو يغالي فيها مثل الإيطاليين وكان لا يطلب منهم شيئاً أن شحت أيديهم
عن الدفع لفقرهم فهو قنوع قانع راض وكل همه أن يخفف من آلام أو أوجاع المريض. ولم يبخل
على أحد من معارفه بعلمه ومعرفته، وكان يكفيه أن يسمع من مرضاه كلمة "كثر خيرك
يا دكتور فيتوري". كان يشعر حقاً بالسعادة والهناء عندما يرى ابتسامة الفرح على
وجوه مرضاه واقاربهم بعد كل زيارة لهم.
درس الدكتور الفيتوري حالة مدينة بنغازي
عندئذ جيداً، ثم سافر إلى طرابلس وزليطن مسقط رأسه، ليزور من يجد من أقاربه ومعارفه
ويطلع على الوضع هناك قبل أن يقرر أن يعمل ويستقر ويقضي بقية حياته. بقى هناك بضعة
أسابيع ثم قفل عائداً إلى بنغازي حيث
قرر البقاء والعمل فيها، فمن هو الدكتور
الفيتوري هذا؟
ولد محمد حسن الفيتوري في مدينة زليطن في
سنة 1882 وتنتمي عائلته إلى قبيلة يعقوب من الفواتير، وكانت أسرته متوسطة الحال صغيرة
تتكون منه ومن أخيه الأصغر ومن واليده وعمته. والده كان الشيخ حسن الفيتوري مدرس الدين
في المدارس الابتدائية وفي جامع الشيخ عبد السلام الأسمر، وكانت العائلة تحظى باحترام
الناس لهم وخصوصاً لوالده الذي كان يحفظ القرآن ويجيد تفسيره وتدريسه. ولكن توفي والده
ومحمد عمره ست سنوات ثم لحقته والدته بعد بضعة أِشهر وتركت الطفلين لعمتهما التي حاولت
رعايتهما ما استطاعت ولكن وافتها المنية أيضا بعد شهور قليلة وتركت اليتيمين بدون معين
فأخذتهما السلطات العثمانية الحاكمة في تلك الفترة ووضعتهما في ملجأ لأيتام بالقرب
من طرابلس. بقى محمدا في الملجأ إلى أن أتم دراسته الابتدائية وكان ذكياً فطناً شغوفاً
بالعلم وذا شخصية قوية متفوقاً دائما على زملائه.
عندما اظهر التلميذ محمد حسن الفيتوري ذكاءً
فذاً وتفوقاً على اقرانه في الملجأ، كافأته السلطات العثمانية وأرسلته مع أولاد الضباط
العثمانيين المقيمين في ليبيا إلى اسطنبول ليكمل تعليمه على نفقة الدولة العثمانية،
وهناك أيضاً كان من أوائل الطلبة وبرهن على تعلقه الكبير بالعلم وشغفه بالدراسة والتعليم
ورغبته القوية في أن يصير طبيياً. ولربما كان الدافع له أن يتعلم الطب هو رؤيته لوالديه
وعمته يموتون في بضعة أشهر عندما كان صغيراً دون حصولهم على علاج نافع يشفيهم. وفعلا
تخرج الدكتور محمد حسن الفيتوري من جامعة اسطنبول يوم 1 اغسطس 1906. وفي إحدى الروايات
يذكر أنه أرسل بسبب تفوقه وحسن أخلاقه وسلوكه الممتاز طيلة فترة الدراسة لحضور دورات
تخصصية في الجراحة في باريس بفرنسا. وعندما عاد إلى تركيا عين طبيباً عسكرياً بالجيش
التركي برتبة نقيب.
وذكر لي ابنه ابراهيم محمد حسن الفيتوري
أن والده عمل مع الجيش العثماني في منطقة بنغازي سنة 1908م اولا ثم نقل إلى منطقة درنة
إلى أن وقع الاعتداء الإيطالي على البلاد. وبصفته الطبيب الوحيد في ذلك الوقت في درنة
كان يسكن في نفس المقر مع مصطفى كمال (اتاتورك) الذي كان ضابطاً عندئذ مع انور باشا
قائد الحامية التركية. ولمعرفته الجيدة باللغة الفرنسية ضمه الباب العالي إلى الوفد
التركي الذي صعد إلى ظهر السفينة الحربية الإيطالية للمفاوضة على التسليم. ويقول ابنه
ابراهيم – وهو مصرفي متقاعد – أن قائد الحملة الإيطالية في منطقة درنة خاطب الأتراك
باللغة الفرنسية قائلاً لهم: "أيها السادة إن التاريخ يعيد نفسه" ويقصد أن
الرومان قد عادوا من جديد إلى ساحل الشمال الأفريقي. فأجابه الدكتور الفيتوري: نعم
يا سيدي ولكن يجب أن نتذكر قرطاجنة أيضاً.
وبعد أن استولى الإيطاليون على ليبيا اضطر
أن يسافر مع وحدته العسكرية إلى تركيا حيث بقى فترة ثم اشترك كطبيب في الحرب العالمية
الأولى في القتال ضد البريطانيين في القرم حيث وقع اسيراً لدى الجيش البريطاني الذي
أرسله إلى مدينة درعا في سوريا حيث عمل طبيباً مع القوات العربية التي كانت تتبع الملك
فيصل. وكان لنشاط الدكتور الفيتوري في عمله وبراعته أن رقى ووصل إلى رتبة قائمقام ومدير
الخدمات العلاجية بالجيش العربي. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918 أعيد إلى
تركيا.
وبالرغم من أن الدكتور الفيتوري كان قد
قضى سنوات شبابه في اسطنبول وكان يجيد اللغة التركية إلا أنه كان دائماً يشعر بأنه
غريب هناك وأن مكانه الحقيقي في ليبيا. فطلب وأصر على السلطات التركية أن يعود إلى
ليبيا، وفعلا منح التصريح اللازم للعودة. وفي الطريق أثناء توقف الباخرة لعدة أيام
في الاسكندرية، يقول ابنه ابراهيم: أن السلطات المصرية العثمانية في ذلك الوقت عرضت
عليه العمل هناك بمرتب مغري جدا لأن المصريين كانوا يرغبون في تعيين أطباء يتكلمون
العربية وكذلك لأن شهرته العلمية كانت تصحبه. ولكن الدكتور الفيتوري رفض كل العروض
التي قدمت له وفضل العودة إلى بنغازي للعمل فيها.
وأبدى بعض الأطباء الإيطاليون الذين كانوا
يعملون في بنغازي امتعاضاً ومعارضة في تعيين عربي ليبي في وظيفة قيادية مهمة وفي نفس
الوقت المهنة مثلهم، إلا أن والي برقة عندئذ، جياكومو دي مارتينو، وجد أن الدكتور محمد
حسن الفيتوري حائز على كل المؤهلات المطلوبة وأنه خريج جامعة عريقة وأنه طبيب بارع،
فأصدر قراراً بتعيينه طبيباً مدنياً ليعمل في بنغازي ابتداء من أول ديسمبر 1920 بمرتب
قدره تسعة آلاف ليرة سنوياً، وكان مبلغاً محترماً في ذلك الوقت يتقاضاه الأطباء، غير
أن الحكم الفاشستي الذي حل بعد ذلك خفض هذا المبلغ إلى أقل من النصف، وعمل الدكتور
الفيتوري لمدة خمس سنوات في دار للعجزة ثم نقل للعمل بالمستشفى الوحيد في ذلك الوقت
(الجماهيرية الحالي) حيث عمل بكل إخلاص وتفان بقية حياته.
استمر الدكتور الفيتوري في العمل في مستشفى
بنغازي إلى أن جاءت الحرب العالمية الثانية وبدأت الطائرات المغيرة تقصف المدينة كل
ليلة، وغادر جميع السكان بيوتهم والتجؤوا إلى الأرياف فغادر الدكتور الفيتوري بيته
في شارع العرفية في البركة وانتقل للسكنى هو وزوجته وأبناءه في بيت ريفي في منطقة قنفوده
قرب بنغازي، ولم يكن يملك سيارة أو أي واسطة نقل فكان ابنه الاصغر ابراهيم يقله خلفه
على دراجة عادية يومياً من قنفوده إلى المستشفى ثم يرجع به كل مساء.
ولعل الحياة الشاقة هذه وتفانيه في أداء
واجباته أثرت فيه فمرض ولم يتمكن من بقى من زملائه الإيطاليين من إنقاذ حياته فتوفي
في نفس المستشفى الذي عمل فيه طويلاً يوم 5 نوفمبر 1941 م ودفن في مقبرة سيدي عبيد
في ضواحي بنغازي.
كذلك قررت بلدية بنغازي تكريم ذكرى هذا
الطبيب الإنسان الذي عمل في بنغازي في ظروف صعبة وضحى وخدم المواطنين بإخلاص وتفان
فأطلقت اسمه على أحد شوارع المدينة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق