الخميس، 5 يناير 2017

ابن زكرون الأطرابلسي المحدث الزاهد* 370ه ...د.حمزة أبوفارس



إن الحديث عن عالم من علماء طرابلس يجذبني إليه حبي التعريف بعلماء عاشوا في هذه الأرض, وساهموا في الحياة الثقافية في زمنهم وكانوا ضمن سلسلة الحضارة الإسلامية ، ويصرفني عنه ندرة المصادر، فمن المؤسف أنك تجد عالما مشهوراً لم يكتب عنه إلا سطر أو سطران، بينما يكتب عن عالم آخر أقل منه علما ، بل أحيانا لم يكن مشهورا إلا بزهد أو صلاح ، كتب عنه ورقات كثيرة ، وربما الكُتب.


وما من سبب لذلك إلا أن الأول سكن طرابلس فأهمله المؤرخون من معاصريه، والثاني قيض الله له أناسا اعتنوا به فجمعوا أخباره بل وأحيانا تفاضيل حياته. 
                  
ولا يزال الأمر يتكرر حتي يومنا هذا, فقد أردت أن أكتب شيئا عن أحد علماء منطقتنا للتعريف، فسألت أحد تلاميذه، إذ أن الشيخ قد توفي منذ زمن ، عن شيوخ شيخه الخ.... فلم أجد عنده شيئاً، إذ أنه لم يسجل ما حدثه به شيخه . فنسيه بمرور الوقت وفي ظني أن هذا نفسه هو الذي حدث للعلماء الأوائل من أبناء هذا البلد.

وابن زكرون هو احد هؤلاء الاعلام الذين أهملتهم كتب الرجال , فلو لم يكتب عنه القاضي عياض تلك الاسطر القليلة ما علمنا عنه شيئا إلا اسمه.

و أما سبب احتفاظ التاريخ باسمه فيرجع إلي أن الوليد بن بكر بن مخلد حدث عنه, وذهب هذا التلميذ إلي حاضرتي العلم آنذاك. ببغداد ودمشق وحدث بهما عن شيخه ابن زكرون وترجم لهذا التلميذ أبو بكر الخطيب وابن عساكر كما سنعرف فيما بعد، فاشتهر التلميذ واختفت ترجمة الشيخ.

ولقد استعنت الله في جمع ما كُتب عن هذا الرجل مما تفرق في طيات الكتب التاريخية وكتب التراجم مثل ، ترتيب المدارك للقاضي عياض 6/274 ، 275 ، والديباج المذهب لابن فرحون ص 201 الذي اختصر كلام عياض, ورحلة الجاني ص 251. ونفحات النسرين ص 110 , 111 والمنهل العذب 2/53 , 69 وأعلام ليبيا للشيخ الطاهر الزاوي ، والنشاط الثقافي في ليبيا للدكتور أحمد مختار عمر ، ومعجم المؤلفين لكحالة وغيرها ، راجيا أن أكون بذلك :

أولا: قد ساهمت في التعريف بأحد علماء هذا البلد.

وثانيا: قد فتحت المجال لمن هو أوسع إطلاعا مني لاستكمال الموضوع وإثرائه الذي هو هدف الجميع.

الحالة السياسية بطرابلس في عهده :

استولي الفاطميون علي الحكم في طرابلس كغيرها من مدن الساحل الليبية, وأصبحت تابعة لهم منذ سقوط إفريقية بأيديهم سنة 296هـ. إلي أن وصلت القبائل العربية المهاجرة إلي المنطقة .عاش ابن زكرون حياته في ظل الدوله الفاطمية ، التي لم تخل فترة من حكمها من فتن متتابعة.

ومع أن طرابلس كانت أقل فتنا، لأنها لم تكن عاصمة ، إلا أن الثورات فيها تلاحقت للتخلص من حكم فئة ليس بينها وبين أهل البلد ترابط من قريب ولا بعيد. ولا تناسب بينها وبين طبيعتهم, ولذا فإننا نجد محاولات للانسلاخ من حكمها قد بدأت منذ استولت علي طرابلس سنة 311هـ تقريبا .

الحالة الثقافية:

كانت الحركة الثقافية علي أشدها في هذه الفتره رغم الحروب والفتن , ولم يفلح الفاطميون ، مع تنوع وسائلهم ، في جعل أهل طرابلس يبدلون عقيدتهم السنية أو مذهبهم الفقهي ؛ لأن المساجد لم تتوقف عن أداء مهمتها ، فقد استمر التدريس والتأليف ، واشتهر ثلة من العلماء الطرابلسيين في مختلف العلوم ، نذكر منهم : ابن المنمر العالم الفرضي ، واين زكرون صاحب هذه الدراسة .

ويكفي للتدليل علي شهرتهم أن كثيرا من كبار العلماء الذين مروا بطرابلس في طريقهم ألي المشرق كاتوا يحرصون علي المكوث بهذه المدينة للأخذ عنهم والسماع منهم .

اسمه ونسبه :

علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب  الهاشمي ، المعروف بابن زكرون الاطرابلسي.ولم يذكر لنا مترجمه شيئا عن أصل عائلته , واكتفوا بقولهم : من طرابلس الغرب.         
ولفظة ( زكرون ) توحي بأنه اندلسي الأصل ، ولكن ليس لدينا ما يؤيد ذلك .

نشأته وصفاته :

لم يحدثنا أحد عن نشاة هذا العالم ، ولا عن طفولته ، ولا عن تعليمه إذا استثنينا ذكر بعض شيوخه . ولا نعرف عن صفاته الخلقية شيئا إلا ما ذكره صاحب رياض النفوس  ممزوجا ببعض صفاته الخلقية حيث قال :
كان رجلا صالحا متعبدا ناسكا ذا فضل وعبادة وعقل وصون وبشارة جميلة منور الوجه.

شيوخه:

قرأ ابن زكرون وسمع من شيوخ أجلة في أماكن مختلفة بدءا من طرابلس وانتهاء بمكة المكرمة ، وليس لدينا أي تفصيل عن مراحل هذه الدراسة وكيفيتها ولكنا فهمنا ذلك من أسماء بعض شيوخه التي ذكرتها كتب التراجم ، وهؤلاء أشهرهم :

1) أبوسليمان ربيع بن سليمان بن عطاء الله النوفلي القطان ، المشهور بربيع القطان . كان رجلا صالحاً زاهدا ، صحبه ابن زكرون ، وشق معه القفار وسلك معه الشامات  . سمع من أصحاب سحنون وغيرهم ، توفي مقتولا سنة 334هـ . وهو ابن ست وأربعين سنة . 

2) أبو عبد الله محمد بن ربيع بن سليمان الجيزي  . روي عن أبيه ومحمد بن عبد الحكم . وحدث عنه القاسمي ، ويونس بن سعيد المغامي وغيرهم . ألف مسند موطأ ابن وهب وكتاب قضاة مصر. كان مقدما في شهود مصر. توفي سنة 324هـ  .

3) محمد بن أبراهيم النيسابوري أبوبكر المعروف بابن المنذر ، نزيل مكة. كان إماما مجتهدا حافظا ورعا. سمع من محمد بن ميمون , ومحمد بن إسماعيل الصائغ ، ومحمد بن عبد لله بن عبد الحكيم . روي عنه محمد بن يحيى بم عمار الدمياطي وغيره. من تصانيفه : كتاب الإشراف . وكتاب الإجماع وكتاب الأوسط . توفي سنة 318هـ  .

4) محمد بن القاسم بن شعبان المصري . كان من حفظ الذهب المالكي ، وكان يروي بعض الغرائب. من تآليفه كتاب الزاهي ، وأحكام القران ، ومختصر ما ليس في المختصر . توفي سنة 355هـ.

5) أبو بكر محمد بن رمضان  بن شاكر الحميدي ، يعرف بابن الزيات من علماء المالكية بمصر. أخذ عن الحارث بن مسكين ، والربيع بن سليمان ، ومحمد بن عبدالحكم, وقد جلس ابن رمضان في مجلس ابن عبدالحكم هذا. روي عنه أبوبكر النعالي ، وأبو حسن النمري. توفي سنة إحدي وعشرين وثلاثمائة، وجلس مجلسه ابنه بعده .

6) أبو محمد عبدالله بن علي بن الجارود النيسابوري الحافظ ، المجاور بمكة المكرمة . كان من أئمة الأثر. ولد في حدود الثلاثين ومائتين. سمع من أبي سعيد الأشج, والحسن بن محمد الزعفراني ، وعلي بن خشرم ومحمود بن آدم ، وزياد بن أيوب ، ويعقوب الدورقي وغيرهم ، أثني عليه الناس . وسمع منه خلق منهم : أبو حامد بن الشرقي ، ومحمد بن نافع الخزاعي ، ودعلج بن أحمد السجزي ، وأبو القاسم الطبراني . من تآليفه كتاب المنتقي في السنن . توفي سنة 307هـ.

 7) أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي. روي عن أبيه ، وحدث عنه بكتابه الجرح والتعديل. وعنه خلق منهم : الوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي. توفي بطرابلس سنة 322هـ.

8 ) أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم ، أبو سعيد الأعرابي الإمام المحدث الصدوق الحافظ البصري الصوفي ، نزيل مكة وشيخ الحرم . ولد سنة نيف وأربعين ومائتين ، وسمع الحسن بن محمد الزعفراني ، وعبد الله بن أيوب المخرمي وعباس بن محمد الدوري وغيرهم. رحل إلي الأقاليم ، وتعبد ، وصحب المشائخ. ألف مناقب الصوفية وحمل السنن عن أبي داوود. روي عنه خلق منهم : أبو عبد الله الخفيف، وأبو بكر المقرئ ، وابو عبد الله بن منده. توفي بمكة ينة 340هـ. 

9) الحسن بن أحمد بن أبي علي ، المعروف بأبي علي بن الكاتب . كان شيخا زاهدا عابدا من شيوخ البصريين.
كما صحب ابن زركون ، غيرهؤلاء ، جماعة من النساك.

تلاميذه :

انتفع به أهل طرابلس ، وكانوا يعظمونه. كان له سماع وسند عال . ولذا كثر الأخذون عنه . وكان له باع طويل في علوم مختلفة إلا أنه اشتهر بالحديث.

وهؤلاء هم أشهر تلاميذه :

 1- الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد السرقسطي ، عالم فاضل ، رحل فطلب بإفريقية ، وسمع بطرابلس الغرب أبا الحسن علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب المعروف بابن زكرون. الهاشمي الأطرابلسي وقد حدث عنه بكتاب العجلي في معرفة الرجال . وبمصر الحسن بن رشيق. وسافر إلي الشام والعراق وخرسان ، وسمع بهراة من أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي. سمع منه عبد الغني بن سعيد الحافظ، وأبو ذر الهروي وغيرهما.من تصانيفه : كتاب الوجازة. توفي بالدينور سنة 392هـ. 

2- أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي. من أئمة المالكية سمع من أبي العباس الأبياني ، وحمزة الكناني ، وأبي زيد المروزي وغيرهم. وبه تفقه أبو عمران الفاسي ، واللبيدي وغيرهما. من تآليفه : المهدي, والمنقد من سبه التأويل، والمنبه، وكتاب المعلمين. توفي سنة 403هـ. 

3- أبو الحسن بن علي بن محمد بن المنمر الطرابلسي ولد بطرابلس سنة 348هـ ، وأخذ العلم من ابن ركرون وابن الوشاء والجوهري وابن رزيق وغيرهم. وعنه خلق منهم : أبو القاسم بن محرز القيرواني ، ويوسف بن عبد الرحمن المجريطي. له تآليف من المواقيت و الأزمنة و الفرائض، اشتهر منها كتاب الكافي. توفي سنة 432هـ. 

4- أبو القاسم بن نمر.

5- أبو علي الحسن بن المثني، قاضي طرابلس.

6- أبو الحسن الحصائري، أحمد بن عبد الرحمن القاضي ، صقلي, لقي أبا محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن بن زكرون، وأبا عبد لله بن أحمد بن يزيد القروي. من أهل الفضل والفقه. سمع منه عتيق السمنطاري، وأبو بكر بن يونس وغيرهما.

7- عبدوس بن محمد الطليطلي ، يكني أبا الفرج. سمع من أهل بلده، ثم رحل إلي المشرق رحلتين الأولي سنة ست وخمسين وثلاثمائة. سمع أثنائها ابن زكرون. وسمع بمكة ومصر من أئمة. ثم رجع إلي بلده وبها توفي سنة 390هـ.


تآليفه :

قال المالكي  : له في الفقه والفرائض والشروط والرقائق مصنفات كثيره ، وله في الحديث والرجال تواليف.
وقال تلميذه ابن المنمر  : تعلم الناس منه الفقه والحديث والورع . ولم يذكر لنا مترجمه أسماء كتبه باستتناء كتابين هما :

1) المعالم الفقهية ، ذكره التجاني في رحلته  قائلاً إن شيخه أبا فارس قرأ جملة من المعالم الفقهية لابن الخصيب.

2 )  المعالم الدينية ، ذكر التجاني  أن شيخه المذكور قرأالمعالم الدينية لابن الخصيب علي الفقه أبي العباس الأعجمي الذي ورد من المشرق علي مدينة طرابلس سنة 662هـ.  قاصدا المغرب.
 وربما يكون هذان عنوانين لكتاب واحد. ومهما يكن من أمر فإن تدريسهما بعد وفاة مؤلفهما بفترة طويلة يدل علي أهميتهما وشهرتهما.

زهده :

كان ابن زكرون من الورعين في مطعمه ومشربه ومكسبه ولطفه. هذا هو وصف تلميذه ابن المنمر له.
وقال غير ابن المنمر : أقام ( ابن زكرون ) أربعين سنة لم يضحك، ولم يتكلم في أحد بغيبة، ولا يسمي أحدا بلقب ، ونحوا من خمسين سنة لم يحلف بالله يمينا. وقال له ابن أخيه عندما أملي وصيته : أنسيت الكفاره؟ فقال : لولا أني في الموت ما أخبرتك، ما حلفت بالله منذ كذا وكذا يمينا محقا ولا باطلا، وما علمت أن علي يمينا أكفرها.

مسكنه :

كان ابن زكرون يسكن المسجد المعروف بمسجد المجاز ، بطرابلس ، أقام ساكناً به ، فيما يقال ، أربعين سنةً . 

رحلاته :

لم يتطرق أحد ممن كتب عن ابن زكرون – فيما أعلم – لرحلاته إلا ما ذكره عياض  من أنه صحب ربيعا القطان وسلك معه الشامات وشق معه القفار. ولكنا بدراسة شيوخه الذين تلقي العلم عنهم نستطيع أن نجزم بأنه ارتحل إلي مصر والحجاز علي الأقل، ولا نعرف متى كان ذلك، وربما حدث هذا أثناء ذهابه لأداء فريضة الحج، كما كانت عادة العلماء، كما هو معلروف، فإنهم يغتنمون فرصة مرورهم ببعض البلاد فيمكثون فترة، تطول أو تقصر، للتلقي عن شيوخها، كما أن موسم الحج كان موسم عبادة وعلم ، فقد كان يلتقي فيه العلماء من كل الأصقاع فيأخذ بعضهم عن بعض.

وفاته :

لانعرف علي وجه التحديد متي ولد ابن زكرون ، وربما يكون تاريخ ولادته سنة مائتين وتسعين أو قبلها بقليل؛ إذ أن ابن الجارود أحد شيوخه توفي سنة 307هـ.  أما وفاة ابن زكرون فقد كانت سنة 370هـ.  فرحمة الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة إنه سميع مجيب.

خاتمة

وبعد فقد القيت الضوء – ما استطعت – علي حياة رجل من رجالات العلم بطرابلس ، ساهم في بناء صرح العلم في بلده بل وفي منطقته كلها بعد أن نهل العلم من ينابيعه في طرابلس ومصر ومكة.

ولا أزعم أني كتبت عنه ما يستحقه. ولكني فتحت الباب لغيري ليتم ما نقصته ويصوب ما أخطأته. والله أدعو أن يحعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم. وهو حسبي ونعم الوكيل, وصلى الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.

* عن كتاب " أضواء على جوانب من حياة ليبيا العلمية "*
  
أهم مصادر البحث :

1- الأثر السياسي والحضاري للمالكية في شمال افريقية حتي قيام دوله المرابطين
 2- تاريخ بغداد : أحمد بن علي الخطيب البغدادي تصوير دار الفكر – بيروت لمطبعة القاهرة 1931م.
3- تاريخ علماء الاندلس لابن الفرضي. تحقيق إبراهيم الأبياري. دار الكتاب اللبناني بيروت 1984م.
4- تاريخ ابن خلدون ( العبر ) : عبد الرحمن بن خلدون مؤسسة جمال للطباعة والنشر بيروت 1979م.
5- تاريخ ليبيا الاسلامي : عبد اللطيف البرغوثي منشورات الجامعة الليبية 1973م .
6- ترتيب المدارك : القاضي عياض تحقيق مجموعة من الاساتذة نشر وزارة الاوقاف المغريبية.
7- جذوة المقتبس : محمد بن أبي نصر الحميدي. تحقيق أبراهيم الأبياري دار الكتاب اللبناني بيروت الطبعة التانية 1403هـ 1983م.
8- حلية الأولياء : أبو نعيم الأصبهاني. دار الكتاب العربي – بيروت الطبعة الانية 14000هـ 1980م.
9- رياض النفوس : أبو بكر محمد المالكي تحقيق بشير البكوش دار الغرب الإسلامي بيروت.
10- الديباج المذهب : إبراهيم بن فرحونتصوير دار الكتاب العلمية بيروت لطبعة القاهرة 1353هـ.
11- رحلة التجاني : عبد الله بن محمد التجاني تحقيق حسن حسني عبد الوهاب. الدار العربية للكتاب 1981م.
12- سير أعلام النبلاء : محمد بن أحمد الذهبي جـ 14 تحقيق أكرم البوشي مؤسسة الرسالة – بيروت الطبعة الرابعة 1406هـ 1986م.
13- مختصر تاريخ دمشق : محمد بن مكرم ( ابن منظور ) جـ 3 تحقيق راض عبد الحميد مراد جـ 26 تحقيق أحمد حموش دار الفكر دمشق الطبعة الأولي 1404هـ , 1409, 1989م.
14- معجم البلدان : ياقوت الحموي. دار صادر بيروت 1979م.

دور المتطوعين فى الحفاظ على المواقع الآثرية فى قورينا..


يقوم عصام المنفي بمحاولة منع رسومات الجرافيتي من الإنتشار على جدران موقع قورينا الأثري في مدينة شحات الليبية، حيث يعمل من خلال منظمة تعمل على الحفاظ على الآثار والأطلال وتحويلها إلى مناطق عامة للترفيه .

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

اضواء على مرحلة معتمة من تاريخ الحركة الثقافية في ليبيا إبان الاحتلال الايطالي(1) ...أحمد إبراهيم الفقيه



يصف الدكتور خليفة التليسي الذي درس الحقبة التاريخية التي اعقبت الغزو الايطالي لليبيا بانها حقبة قاحلة من الناحية الثقافية قائلا بانه منذ اول يوم انزل فيه الايطاليون جنودهم على الشاطيء الليبي في الخامس من اكتوبر عام1911 والى اليوم الذي اصدر فيه الوالي بادوليو اعلانه الشهير بانتهاء المقاومة عقب استشهاد عمر المختار فقد ترك الليبيون الكلمة للسيف وتخلوا عن قول الشعر لصالح الدخول في معارك الجهاد ضد المستعمرين ، كما جاء في كتاب الاستاذ التليسي في رحلة عبر الكلمات ، اما الباحث الاكاديمي الاستاذ طه الحاجري فيصف الحالة الثقافية اثناء الاحتلال الايطالي لليبيا بان جهود الليبيين اتجهت للنضال وخوض المقاومة البطولية بحيث لم يبق وقت او جهد لاي شيء آخر عدا معارك التحرير.

والحقيقة فان مثل هذا التوصيف ينطبق بشكل كامل على العقدين الأولين من حكم الإيطاليين بحيث تم القضاء فور وقوع الاحتلال على كل الإرهاصات والمحاولات التي كانت تحاول الاقتداء بمرحلة النهضة والتنوير في المشرق العربي التي سبقت بسنوات قليلة الاحتلال الايطالي، والتي وجدت متنفسا بعد صدور الدستور العثماني عام 1908 فانطلقت تعبر عن وجودها عبر عدد من الصحف التي صدرت خلال السنوات الثلاث التي سبقت الاحتلال  مثل المرصاد والكشاف والترقي والرقيب وابي قشة والعصر الجديد وغيرها ،اذ توقفت كل هذه الصحف فور وقوع الغزو وغابت تلك الأقلام الكثيرة التي صدحت بارائها وافكارها عبر انهر تلك الصحف واختفى اغلبها عن الوجود ، ولم يبق من اشكال التعبير  الادبي غير شكل واحد يتصل بالثقافة الشفهية ويجد مجالا للانتشار عبرها هو الشعر الشعبي ، وربما عدد قيل من القصائد الفصيحة التي لم تكن تجد وسيلة للنشر هي الاخرى غير الانتقال بالطرق الشفهية  مثل قصائد الشاعر والمجاهد سليمان الباروني التي كان يرسلها لاصدقائه في الخارج لحفظها واحيانا لنشرها في صحف لا تصل طبعا الى ايدي اهل البلاد ، وكان الباروني رغم انهماكه في قيادة معارك الجهاد يجد وقتا لقول الشعر الذي يؤ رخ لجهاده وجهاد الليبيين ، وواصل ابداعه الشعري والادبي بعد ان ارغم على مغادرة البلاد ، الى حين وفاته منفيا وبعيدا عن الوطن عام 1940.

شاعر آخر ذا توجه ديني لارتباطه بتاسيس الزوايا والمدارس القرآنية في ليبيا وعمقها الافريقي هو السيد محمد عبد الله السني (1860-1929)،الذي احتوت اشعاره تسجيلا للمعارك التي خاضها سواء تلك التي كان يخوضها الليبيون تحت قيادة السيد احمد الشريف في افريقيا او الاخرى التي خاضها الشاعر نفسه ضد الايطاليين في    جنوب  البلاد .

لعل النشاط الثقافي الوحيد الذي حدث في هذه المرحلة من مراحل الصراع المسلح بين اهل البلاد وعدوهم المحتل و الذي يستحق التسجيل لانه ظهر على ارض الواقع ليراه الناس وينتفع به اهل البلاد هو ذلك الذي حدث في مرحلة الهدنة .

التي اتفق عليها الجانبان الليبي والايطالي ما بين عامي 1918 و 1922 عندما اهتبل مثقفو البلاد هذه الفرصة وقاموا بتأسيس حزب الاصلاح الوطني ومن خلاله سعوا الى بعث روح الحياة في المشهد الثقافي المحلي في طرابلس عاصمة البلاد ، حيث كان حزبا سياسيا ثقافيا انشأ مدرسة خاصة به تعتني بتعليم الكبارومحو اميتهم  مثل اعتنائها بتعليم الصغار وانشأ النادي الأدبي الذي تولى الاشراف عليه الشاعر الاستاذ احمد الفقي حسن ، وما ان صدر في يونيو عام 1919 القانون الايطالي الذي اتاح لليبيين بعض الحريات المدنية وبعض الحكم الذاتي المحدود حتى اصدرت هذه المجموعة المنتمية للحزب جريدة كانت لسان حال الحركة الوطنية في تلك المرحلة هي صحيفة اللواء الطرابلسي التي ترأس تحريرها الصحفي الليبي عثمان القيزاني وكان ابرز كتابها وشعرائها الشاعر احمد قنابه وجليا ظهرت من خلالها الروح الوطنية والشخصية العربية الاسلامية لحركة المقاومة الليبية التي اتخذت في هذه المرحلة طابعا سياسيا  وقد نشرت اللواء الطرابلسي مقالات لكتاب وقادة مثل سليمان الباروني والمجاهد والمثقف المصري الذي بقى في ليبيا يؤازر المجاهدين الليبي عبد الرحمن عزام وكان له سهم وافر في تحرير الوثائق الخاصة بالجمهورية الطرابلسية وكانت الصحيفة صوت الليبيين شرقا وغربا وجنوبا وشمالا تعبر عن كل فئات الشعب الليبي وتنشر لابناء الشرق كما تنشر لشاعر من اهل الولاء للجغبوب مثل محمد عبد الله السني وتعمل بقوة من خلال هذه الاشعار والمقالات على تعميق الوعي باللحمة التي تربط اهل البلاد وفضح المخططات الاستعمارية ونشر ثقافة النضال والمقاومة ضد المستعمرين وواصلت الصحيفة وواصل حزب الاصلاح الوطني نشاطهما على مدى ثلاث سنوات كانت من انشط واخصب السنوات في تاريخ البلاد الثقافي خلال تلكما العقدين من الاحتلال الايطالي للبلاد .

 وبالاضافة الى جريدة اللواء صدرت جريدة اخرى هي الوقت لصاحبها محسن ظافر والتي كانت شديدة الهجوم على الادارة الاستعمارية وفاجأت اهل البلاد بقوة تعبيرها عن الروح الوطنية الرافضة للمستعمرين ، كما يقول احد مؤرخي تلك الفترة الاستاذ احمد راسم قدري  وتوقفت الصحيفتان وانتهت الجمهورية واقفل حزب الاصلاح الوطني.

عندما نقض الايطاليون الهدنة وعاودوا القيام باعمالهم العسكرية ضد الليبيين وذلك عشية استيلاء الفاشيين على روما واستلامهم زمام السلطة في ايطاليا عام1922 بقيادة الزعيم الفاشي بينيتو موسيليني، ظهرت جريدة اسمها العدل لصاحبها المحامي عبدالله زكي بانون اتخذت اسلوبا مهادنا للسلطة ضمن لها الاستمرار في الصدور ، كما ضمنت ذلك صحيفة بريد برقة التي اصدرها الايطاليون في بنغازي لتكون صوت الاحتلال ، وقد استمرت هي ايضا  في  الصدور تحت الادارة الايطالية الفاشية  وكانت هاتان الصحيفتان العدل في طرابلس وبريد برقة في بنغازي من الصحف القليلة التي واصلت الصدور حتى نهاية الحكم الايطالي لليبيا ، صحيفة ثالثة كانت اكثر استقلالية منهما هي صحيفة الرقيب العتيد التي اصدرها الشيخ محمود نديم بن موسى قبل الغزو ، أي ابان العهد العثماني تحت اسم الرقيب ، ثم هرب بها الى اسطنبول  في مراحل الغزو الاولى  واصدها في اسطنبول ، وعاد اثناء الهدنة لاصدارها في طرابلس واستمر بها  دون دخول في صراع مع سلطات الاحتلال . 

 معطيا اهتمامه للجوانب الاخبارية والثقافية والاجتماعية وكانت الصحيفة الوحيدة  التي سخرت صفحتها الاخيرة للقضايا الادبية والفكرية ونشر المقالات ذات الطابع القصصي والاخرى التي تعني بالشعر والفنون ، كما كانت تتيح لبعض الادباء فرصة الظهور بمقالاتهم واشعارهم على صفحاتها بحيت كانت هذه الصحيفة هي النافذة الوحيدة للعمل الثقافي خلال فترة العشرينات التي كانت احلك مراحل الفترة الاستعمارية ولم تكن تستطيع بطبيعة الحال  ان تجرؤ على نشر القصائد النضالية التي يكتبها الشعراء والتي كان يتداولها الناس سرا كتلك التي بدأ يكتبها شاعر فتي هو الذي اكتسب فيما بعد  وعن جدارة اسم شاعر الوطن، الا وهو احمد رفيق المهدوي (1898-1962 )وقد عاد الى الوطن عام 1920بعد ان غاب عنه ، مقيما مع عائلته في الاسكندرية اكثر من عقد من الزمان ،استكمل فيها تعليمه وصقل موهبته وصار مؤهلا لان يعير صوته ولسانه للقضايا  الوطنية، وكان اول هدف استقطب شعره الهجائي الساخط كيانا سياسيا انشأه الايطاليون اسمه حزب الدستور العربي لاستغلال الحس العربي لدى الناس واستخدامه في مواجهة الاتراك الذين يقدمون عونهم للمقاومة الوطنية مدعين ان الايطاليين جاءوا لتحرير ليبيا من الاتراك وكان الكيان الثاني هو جريدة بريد برقة التي استخدم فيها المستعمرون عناصر من اهل البلاد للعمل ضد التوجهات التحررية لابناء بلادهم ، فكان ما يثير سخط الشاعر هو ان يرى ليبيين عربا يضعون انفسهم بمذلة ومهانة ادوات في ايدي المستعمرين وكان لقصائده تأثير كبير لفت اليه انظار المستعمرين واعوانهم واثار سخطهم وغضبهم عليه ولذلك فقد آثر فور وصول الفاشست الى الحكم ان يغادر البلاد خوفا على حياته ويرحل الى منفاه الاختياري بتركيا. 

 شاعر اخر كان معاصرا لرفيق ، وسابقا  له في  قول الشعر والمساهمة في ومن نافلة القول ان الشعر في هذه المرحلة لم يكن يعتني اعتناء كبيرا بالجوانب الجمالية وماهية الشعر بقدر اعتنائه بالرسالة التحريضية التوجيهية التي تتصل باذكاء مشاعر الحماس والوطنية ودفع الناس لللانضمام الى المقاومة والنضال ضد المستعمرين وتعرية النماذج التي تسخر نفسها لخدمة الاعداء وفضحها وادانتها .