بعد حوالي نصف قرن مضي
على إعدام الثائر الليبي عمر المختار بواسطة رودلفو غراتسياني ، تحدث ليفي سجان عمر
المختار عن الساعات الأخيرة التي قضاها عمر المختار في معتقله بسوسة (1).
أشار كاتب المقال في فقرات عنوان المقالة إلى عمر
المختار باعتباره غاريبالدي ليبيا ، وذلك بمناسبة توزيع فيلم عمر المختار أسد الصحراء
على دور العرض العالمية بعد أن فرغ من إخراجه مصطفى العقاد السوري الجنسية ، والذي
كان قد قام بإخراج فيلم الرسالة من قبل ، وقد بلغت تكاليف الفيلم الأخير حوالى 50 مليون
دولار أمريكي ، وقد تم الاعتماد في سيناريو شريط عمر المختار على الوقائع التاريخية
، ولكن برغم ذلك فقد تجاوز المخرج بعضاً من
تلك الوقائع وقد صرح مصطفى العقاد في مقابلة صحفية له مع مجلة " الدستور اللندنية قوله : " إن قيامي
بإخراج فيلم عمر المختار في ليبيا ، جعلني أكتشف ولأول مرة مدى فضاعة جرائم الفاشيست
الطليان في ليبيا ، حيث قام الجنرال رودلفو غراتسياني أثناء محاولاته اليائسة تنفيذ
خطته في ترسيخ الاستيطان الاستعماري في ليبيا ، قتل 200,000 نسمة من المواطنين الأبرياء
طوال ثلاث سنوات فقط قبل عثوره على الثائر عمر المختار واعتقاله .
ثم يستمر الكاتب في توجيه
بعض الانتقادات إلى الشريط منها استخدام نوع من السيارات الحربية أثناء محاصرة عمر
المختار لاعتقاله كانت لم تستخدم بعد بواسطة القوات الإيطالية في أفريقيا ، ثم يشير
إلى أن الجلاد الذي وضع حبل المشنقة في رقبة عمر المختار لم يكن من بين الفاشيست الإيطاليين
، بل كان زنجياً سودانياً من أهالي البلاد يدعى محمود كان يعرف بلقب اللونقو
" الطويل " وهو زنجي سكير مات أخيراً بضاحية البركة في مدينة بنغازي ، كما
يروي أحد شهود العيان الذين عاصروه وعرفوه . وذلك وفقاً لما ذكره سجان الشهيد في اعترافاته
لكاتب المقال . ولكن الذي يعنينا في هذا المقال ليس من وضع حبل المشنقة حول رقبة الشهيد
فهو واحد ، فسواء كان الجلاد الحقير هو محمود
السوداني السكير أو غيره من المتعاونين مع الفاشيست الإيطاليين ، فالتاريخ لن يرحم
أولئك الذين كانوا يتقربون من رودلفو غراتسياني سفاح ليبيا ، فالذي يهمنا هنا أنه ساعد
على توضيح بعض الجوانب الخفية في تاريخ بلادنا حيث أشار باولو باقانيني إليها خلال
حواره مع سجان الشهيد عندما تم اعتقاله في سوسة .
ثم يستمر الكاتب فى توجيه
بعض الانتقادات إلى الشريط منها استخدام نوع من السيارات الحربية أثناء محاصرة عمر
المختار لاعتقاله كانت لم تستخدم بعد بواسطة القوات الإيطالية فى أفريقيا، ثم يشير
إلى أن الجلاد الذى وضع حبل المشنقة فى رقبة عمر المختار لم يكن من بين أحد الفاشيست
الإيطاليين، بل كان زنجيا سودانياً من أهالى البلاد يدعى محمود (2) وذلك وفقاً لما
ذكره سجان الشهيد فى اعترافاته لكاتب المقال. ولكن الذى يعنينا فى هذا المقال ليس من
وضع حبل المشنقة حول رقبة الشهيد، فهو واحد، فسواء كان الجلاد الحقير هو محمود السودانى
السكير، أو غيره من المتعاونين مع رودلفو غراتسيانى سفاح ليبيا، فالذى يهمنا هنا أنه
ساعد على توضيح بعض الجوانب الخفية فى تاريخ بلادنا حيث أشار باولو باقانينى إليها
خلال حواره مع سجان الشهيد عندما تم اعتقاله فى سوسة .
وقد قام الكاتب بتقسيم مقاله إلى فقرات
صغيرة لكى يمكن إدراك تلميحاته إلى بعض النقاط التى يوردها على لسان السجان الذى
قام بحراسة عمر المختار طيلة بقائه لبضع ساعات فى سوسة، كما نجد إن إحدى الفقرات
بالمقال تعطى نبذة مختصرة عن الشهيد عمر المختار حيث يورد أنه قد ولد فى البطنان
عام 1862م، ثم إلتحق فيما بعد بمدرسة الجغبوب القرآنية حيث قضى بها 8 سنوات استطاع
بلباقته ومهارته اكتساب ثقة معلميه مما ساعد على انتقاله إلى الكفرة ثم اسند إليه
منصب شيخ زاوية القصور عندما بلغ من العمر40 عاماً. وقد تزوج عمر المختار من ثلاثة
زوجات فى حياته، كانت الزوجة الأولى من أقاربه المنفه توفيت بعد سنوات قليلة من
اقترانه بها، أما الثانية فقد كانت ابنة أحد أعيان البلاد، والزوجة الأخيرة فقد
كانت ابنة أحد المجاهدين توفيت خلال معركة وقعت ما بين المجاهدين بقيادة عمر
المختار والقوات الإيطالية عام 1927م.
وبعد احتلال بنغازى أصبح عمر المختار من أنشط
المبشرين بالحرب المقدسة (الجهاد) ضد القوات الإيطالية، حيث كان يقوم بتحريض القبائل
العربية وتدريب رجالها على السلاح، بالإضافة إلى أنه كان قد رفض عقد أية اتفاقيات من
شأنها الخضوع للحكومة الإيطالية، حيث نجد غراتسيانى يورد ذلك فى مذكراته بقوله: (لقد
كان عمر المختار يقوم بتحريض سكان الجبل بالتحرش ضدنا بل ومهاجمة الحاميات العسكرية
الإيطالية وقطع جميع الطرق فى وجه قوافل التموين التى كانت تزود مراكز الحاميات العسكرية
" كما حاول عمر المختار فى يونيو عام 1922م تكوين تحالف إسلامى مع الزعماء الوطنيين
بإقليم طرابلس من أجل محاربة القوات الإيطالية.
ويمتاز عمر المختار بذكاء متوقد حاضر البديهية،
كما أنه مثقف واسع الإطلاع خاصة فى الأمور الدينية ويرجع ذلك إلى تعليمه الدينى، وكان
تقياً ورعاًعاش فقيراً طيلة أيام حياته، فى التخطيط والتنظيم للهجمات الشرسة التى كان
يقودها ضد جنود الحاميات العسكرية الإيطالية. فقد كان دائما يحرص على قيادة المجاهدين
بنفسه وأحايناً يكتفى بإدارة المعارك من بعيد. وبأتباعه أسلوب القيادة المعارك بنفسه
كان يزيد من جذوة ارتفاع الروح المعنوية القتالية بين أتباعه ضد الإيطاليين، وعندما
ترك إدريس السنوسى البلاد إلى مصر مع أتباعه، أصبح عمر المختار القائد الوحيد فى البلاد،
حيث كان يقوم بجمع المال وقيادة حرب التحرير، وقد كان بالإضافة إلى ذلك يجمع الإتاوات
السنوية التى كانت تدفعها القبائل البرقاوية لصالح حركة الجهاد، وبإصرار عمر المختار
على خوض الحرب المقدسة ضد القوات الإيطالية بالرغم من قلة المؤن والعتاد بالإضافة إلى
هروب الكثير من الشخصيات المرموقة إلى مصر وغيرها من البلاد إلى مصروغيرها من البلاد
المجاورة استطاع عمر المختار قيادة المجاهدين لمدة 15 عاماً دوخ فيها القوات الإيطالية
التى كانت تعتبر من القوات المجهزة بأحدث الآليات العسكرية الراقية فى ذلك الوقت، حيث
جعل قادتها العسكر يشعرون بالخيبة والفشل بعد كل معركة يخوضها ضدهم، وقد تم القبض على
عمر المختار يوم 11/9/1931 وفى يوم 16/9/1031 بسلوق جرى حكم الإعدام الصادر ضده شنقاً
حتى الموت. وقد اعتبر المختار أحد شهداء الحرية ذلك لأنه استطاع أن يقدم أسلوباً جاداًليس
فقط لليبيين بل إلى جميع المضطهدين فى العالم الذين كانوا يقاومون شتى أواع الاستعمار
من أجل نيل الحرية لشعوبهم المقهورة. إن إعدام البطل عمر المختا بحضور الجنرال غراتسيانى
نفسه الذى حرص على إعطاء إشارة البدء فى تنفيذ الحكم إلى الجلاد الطويل القامة والضخم
الجثة الزنجى الليبى الذى كان يقف وراء عمر المختار فوق منصة المشنقة، لم يوقف حركة
الجهاد الليبى التى استمرت ضد القوات الإيطالية كما توقع عمر المختار أثناء مقابلة
غراتسيانى له فى مدينة بنغازى .
وقد أشار رودولفو غراتسيانى إلى أحداث الحرب
الليبية كافة خاصة فيما يتعلق بوصف مراحل اعتقال عمر المختار إلى أن تم تنفيذ حكم الإعدام
فيه، وذلك فى كتابه الأول بعنوان (برقة المهدأة) أما الثانى فقد كان بعنوان (السلام
الرومانى فى ليبيا) والذى كان قد كتبه المؤلف على نسج عنوان الكتاب الأول تقريباً ويورد
الكتابان المذكوران بالتفصيل بيانات جغرافية للمناطق البرقاوية بالإضافة إلى حصر لأسماء
الشخصيات التى لها علاقة بأحداث الحرب الليبية الإيطالية، ولكن بالرغم من ذلك فإن غراتسيانى
قد حاول الإشارة بإيجاز إلى عملية نقل عمر المختار إلى سوسة بعد اعتقاله فى سلنطة مباشرة،
ولعل ذلك الإيجاز من غراتسيانى يخفى المعاملة القاسية التى لقيها البطل عمر المختار
فى اللحظات الأولى من أسره فى سوسة قبل إن يتم اقتياده إلى بنغازى. تلك اللحظات كان
يجب على غراتسيانى الإشارة إليها بالرغم من أنها تفضح المعاملة السيئة التى وجدها عمر
فليس هناك أهم شىء لدى المؤرخ سوى محاولته معرفة تلك اللحظات فى حياة عمر المختار وذلك
من خلال الاعتماد على الفضول التاريخى لكى يصل إلى ردود الفعل التى كانت قد زمت عمر
المختار أثناء القبض عليه والذى كان يعتبر شخصية مهمة لما يتمتع به من وجاهة واستقامة
بين مواطنيه، فقد كان عمر المختار يعتبر العقل المدبر للمجاهدين فى برقة، فقد استطاع
القيام بحشد وتدريب بالإضافة إلى تنظيم وقيادة المجاهدين بكل مهارة ورباطة جأش وعزيمة
قوية لم تعرف الاستسلام فى مقاومة القوات الإيطالية الفاشستية المجهزة بمختلف الأسلحة
المتطورة وذلك طيلة سنوات الجهاد التى خاضها ضد قوات الغزو الإيطالى. وقد أورد غراتسيانى
فى كتابه الأول من دون التوسع فى الشرح اللحظات الأولى لاعتقال عمر المختار ونقله إلى
سوسة حيث أمضى ضع ساعات هناك ثم انتقل إلى بنغازى، حيث أشار فى بعض فصول كتابه قائلاً:
"لقد اتسم عمر المختار بالهدوء والصبر أثناء الاتصالات الأولية التى قام بها بعض
المسؤولين الإيطاليين معه، حيث أجاب بهدوء على جميع الاسئلة الموجهة إليه بنبرات تحد
وتمرد "، وقد وصل عمر المختار إلى بنغازى يوم 12/12/1931 عند تمام الساعة الخامسة
مساء على ظهر الطراد اورسينى، حيث كان يرافقه متصرف الجبل والقائم مقام كاستريوتا.
أثناء المحكمة
ومن خلال قراءة بعض فقرات من كتاب غراتسيانى
(برقة المهدأة) فى طبعته الأولى يظهر جلياً للقارئ إن غراتسيانى طمس بعض المعلومات
التاريخية المهمة، حيث نجد المؤلف قد أشار إلى اعتقال عمر المختار بسرعة وبإيجاز لدرجة
أنه اكتفى بعدم الإشارة إلى أسماء بعض الشخصيات التى حضرت بسرعة إلى مكان اعتقال المختار
للتعرف عليه، بالرغم من أنه أشار إلى رتب تلك الشخصيات والوظائف التى كانت تشغلها بالرغم
من أنه كان من المعروف عن غراتسيانى اهتماماته الدقيقة بالشخصيات الوادة خلال الوقائع
التاريخية وذلك من حيث عنايته بذكر شتى التفاصيل الخاصة بتلك الشخصيات سواء كانت الأسماء
والألقاب التى كانت تعرف بها بالإضافة إلى ذكر الوظائف التى كانت تشغلها. إن غراتسيانى
قد أشار بغموض إلى شخصية متصرف الجبل الذى كان قد رافق عمر المختار إلى بنغازى. فلماذا
لم يورد غراتسيانى فى الطبعة الأولى لكتابه الكمذكور اسم المتصرف الغامض؟ بينما حاول
بواسطة جبرية حتمية تاريخية إن يورد اسم داودياتشى لأقدميته فى رتبة جنرال باعتباره
متصرف الجبل الأخضر فى جميع الطبعات التالية للكتاب، بينما حاول التستر على القاتل
الحقيقى أغسطس ملاكريا والذى كان متصرف الجبل الفعلى أثناء قضية اعتقال عمر المختار،
فماذا وراء قصد غراتسيانىعندما اغفل ذكر اسم متصرف الجبل؟.
ولإزالة الغموض نقول أن متصرف الجبل هو المدعو
أغسطس مالاكريا الذى كان أحد المتورطين عام 1924م فى حادثة مقتل ماتيوتى زعيم الاشتراكيين
الطليان مما جعل موسلينى يقربه إليه حيث أسند إليه منصب متصرف الجبل فى ليبيا. هذا
وقد تم نشر كتابى رودولفو غراتسيانى وهما:" برقة المهدأة" و" السلام
الرومانى فى ليبيا" بكل حرص وحكمة فقد كان نشر الكتابان المذكورين يهدف إلى غاية
ما، لذلك كان على المؤلف غراتسيانى التحليق بعيداً عن بعض الوقائع التاريخية وذلك بحرصه
على عدم ذكر اسم المجرم القاتل مالاكريا خاصة فيما يتعلق بمناسبة إلقاء القبض على الشيخ
عمر المختار، فقد حاول المؤلف إعادة إيراد الوقائع التاريخية لتلك الواقعة بصخب رنان
بدلاً من ذكر الحقيقة بالتفصيل.
وإذا ما عدنا إلى الواقع نجد أن اعتقال عمر
المختار قد تم بعد مناوشة بالذخيرة الحية حدثت مابين المجاهدين بقيادة عمر المختار
نفسه وسرية الصوراى للفرسان التى كان أغلبية جنودها من الليبيين، حيث أصيب حصان عمر
المختار بطلقة نارية فوقع على الأرض وعلى ظهره عمر المختار الذى أصيب بجرح بسيط، مما
أدى إلى محاصرته بجميع يحاول الاختباء تحت إحدى الشجيرات حيث لم يبق طويلاً حتى تعرف
عليه أحد الليبيين الذين كان من بين جنود سرية الصوارى الإيطالية، حيث أخ يصيح بأعلى
صوته منادياً بقية الجنود قائلاً: "عمر، عمر المختار أسرعوا" مما جعل ضابط
السرية يصدر أوامره لجميع الجنود بمحاصرة الجريح من أجل اتخاذ الاستعدادات السريعة
لنقل عمر المختار إلى مقر القوات الإيطالية فى سوسة.
-------------
*هذه
الترجمة نقلا عن كتاب (دراسات في الأرشيف والمعلومات)، إعداد إبراهيم أحمد المهدوي،
بنغازى، منشورات جامعة قاريونس، ط 1، 1998،411 – 426.
1-Paolo A.Paganini: Le
Ultime Ore del Garibaldi Della Libia. Storia IIIustrata
** د.إبراهيم
أحمد إمحمد المهدوي من مواليد 1944 ببنغازي. ليسانس آداب (فلسفة واجتماع) العام الجامعي
1968-1969، ماجستير علوم مكتبات ومعلومات (الولايات المتحدة الامريكية 1972)، دكتوراه
(الأرشيف الجاري والتاريخي) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الآداب بجامعة
روما عام، 1980. له العديد من الكتب والمؤلفات وقد قام بترجمة الكثير من الكتب عن اللغة
الايطالية والانجليزية، وهو باحث نشيط له مشاركات في العديد من الندوات والمؤتمرات
العلمية والكتابة في المجلات والدوريات العلمية المتخصصة، كما انه اشرف على العديد
من الرسائل الجامعية بقسم المكتبات والمعلومات بجامعة بنغازي"قاريونس" .
- سبق النشر بقسم رواق
التاريخ ، موقع جيل الليبي ، 16 سبتمبر 2009.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق