الجمعة، 9 نوفمبر 2012

الشيخ منصور المحجوب باني النهضة الدينية الحديثة في ليبيا...د.إدريس فضيل





لم أكن سمعت عن الشيخ منصور، حتى حضر إلينا ذات يوم، ليكون شيخاً للمعهد الديني الذي أنشئ في تلك الفترة عام1952 م، فإذا به شاب شيخ معمم حديث التخرج من الأزهر، قوي الجسم، فسيح المعالم، متميز بالبدانة، قويٌ الشخصيٌة، صارم النظرات، واضح العبارات، يوزع كلماته ويضغط على كل منها.
عرفنا أن الشيخ ينتسب إلى أسرة المحجوب، التي يعود أصلها إلى مصراته، وتوقفنا عند هذا الحدّ، على أن الشيخ منصور وإن كان أصله من مصراته، إلا أنه كان محسوباً على علماء برقة، إذ كنا نلاحظ أن علاقاته بالشرق أوثق منها بالغرب، كما كان مقدما عند الجهات العليا في الدولة

الشيخ منصور في شبابه جهوده في خدمة العلم

تولى الشيخ إدارة المعهد، وسرعان ما تعرف على كبار الطلاب المتميزين، من أمثال حامد بادي ومحمد نصيب ومحمد الهجين وسليمان قرقوم ومفتاح سالم المختار وسواهم. وأخذ يلاطفني وإن كنت قزماً بالقياس إلى هؤلاء، ويظهر أنه استعلم عن مستويات الطلاب ليتعرف عليهم، ومن الواضح أنه كان مهتماً بصناعة جيل مثقف ثقافة دينية، على الطريقة الأزهرية، لينهض بالبلاد في هذا المجال بأسرع ما يمكن، وإن كانت تلك ميزة رجال ذلك العهد جميعاً، بداية من المسؤول الكبير حتى المباشرين والعمال البسطاء، لا يختص بها الشيخ وحده.
كنت في السنة الأولى ويبدو أنه بلغته معلومات عني، وقد تحولت في آخر ذلك العام إلى طالب ( كرّيد ) كثير الحفظ كثير القراءة، وأحيانا بدون فهم لما أقرأ، وظلت علاقتي به تزداد مع مرور الأيام، لما أجد منه من عطف، حتى إنه بعد نهاية تلك السنة الدراسية استدعاني، وسلمني كتابين كلفني بقراءتهما في عطلة الصيف، هما متن قطر الندى في النحو، ومتن رسالة أبي زيد القيرواني، في الفقه المالكي، وشعرت أنه يستعجلني لأصبح عالما، ويضمن لي دوام التفوق في السنة القادمة، عن طريق قراءة هذه الكتب، وقد أحسست أن من واجبي أن أحقق رغبة رجل فاضل يثق في شخصي، فعكفت على الكتابين، فقرأتهما عدة مرات، ولكن لم أفهم منهما إلا القليل.
كان الشيخ يسكن في قرية البيضاء، في بيت إيطالي قديم متواضع، يقع ملاصقاً لبيت الطالبات المقابل للأنصاري من الغرب، وكان يغادر إدارته بالزاوية في نهاية الدوام، ولكنه غالباً ما يعود ليتفقدنا في المساء، ويتابع أحوالنا، وكان لا يحب أن يرانا إلا قارئين، فكنا نخافه ونتوقع قدومه في أية لحظة، وكان بالسنة الثانية طالب متميز هو محمد المسماري رحمه الله، وهو قادم من بنغازي، وكان قد شارك في عدة معسكرات أقامتها أشهر حركة دينية نشأت في مصر في العصر الحديث… وكان لأتباعها نشاط ثقافي في بنغازي حينذاك، ويظهر أنه تشرب مبادئها، ويحس بواجبه لنشر ما تعلمه منها، فكان يجمع يوم الخميس قرشا من كل واحد فينا، ويشتري سُكّرًا وشايا وكاكاوية، ويقيم لنا اجتماعا يسميه ندوة نتحدث فيها ونفرفش عن أنفسنا، وقد نسمع نكتة أو حكاية ، ومع مرور الوقت أصبحنا ننتظر يوم الخميس وليلة الجمعة، للقاء في ندوة المسماري، وحيث إننا كنا في حدود الخمسين طالبا فقط، فقد كنا نرتصّ في حجرة صغيرة ،هي فصل التحفيظ الواقع على يسار الداخل إلى مسجد الزاوية.

ومن الطريف أنه كان معنا طالب آخر يسمى الشارف، وهو من أسرة الإخوان، وأظنه من أم الرزم، وكان موهوبا في تقليد الأشخاص واللباس والأصوات، وكانت له نفسية مرحة كثير الحركات كثير المضحكات، فكان الشارف يستعد لساعة الندوة استعدادا خاصا، يتخذ لنفسه لحية صناعية كثة سوداء طويلة وقورا، ويكحل عينيه ويصبغ بالسواد ما حولهما بطريقة فنية عجيبة، ثم يحضر مخدة فيحكم ربطها على جوفه، ليبدو عظيم الكرش، ذا جلال وهيبة، ويلبس سراويل فضفاضة مزركشة، ويرتدي جلبابا واسعاً كبير الأكمام، ويستعير شعرا طويلا يحكم ربطه على رأسه، ليظهر من تحت عمامة ضخمة يحسن تنظيمها، فإذا تكاملت هذه القيافة الملفقة، بدا الشارف مخلوقا غريبا عجيبا، حتى إذا اكتمل عددنا في الندوة، طلع علينا الشارف يتهادى، وأخذ مجلسه بيننا متصدرا جماعتنا، فنظل نتابع حركاته ونضحك من تصرفاته وتقليده، وربما كنت أشد الجماعة تأثرا بما يصنع الشارف، لميولي الطبيعية لفن التمثيل منذ طفولتي 
.
وذات ليلة بينما كنا غارقين في الضحك، مشغولين بالمشاهد المثيرة التي يمثلها الشارف، أشيع أن شيخ المعهد واقف في الخارج، وأنه بسبيل أن يقتحم علينا مجلسنا، فوقع الخبر على الجميع وقوع الصاعقة، أمٌا الشارف فقد خرج عن طوره، وفقد صوابه، واصفرٌ وجهه ثم أسودٌ، وحار فيما يفعل، وأخذ يتحرك على غير هدى فوق زملائه، يطأ قدم هذا ويرفس ذاك، كالثور الهائج خوفاً وهلعاً، وخشي أن يغادر المكان فيصادف الشيخ وجهاً لوجه وتقع الكارثة، وفكر في طريقة عاجلة يختفي بها، وفكر وتحير، فاهتدى إلى حيلة سريعة لم يجد غيرها، على ما فيها، فقد أوقف مجموعة من زملائه من مجالسهم على المصطبة، ثم انبطح فوقها، وطلب منهم أن يجلسوا فوق جسده منتظمين متناسقين، متخذين من جسده كرسياً طويلاً كأنه حشوة من العفش أو القش، يتخذ كوقاية من برد المصطبة، ونظرت إلى الموقف فلم أتمالك نفسي من الضحك، ومر الموقف بسلام.

حزمه وقوة شخصيّته

كان الشيخ حازماً جازماً، لا يقبل من أحد أن يخترق أوامره مهما تكن علاقته به، وأذكر أنه رآني مرة عند المغرب أتحدث إلى أخي الصغير -وكان مقيماً مع عمته في دنقرة- أتحدث إليه من خلف الباب الحديدي في السور المحيط بالمعهد من ناحية دنقرة، وكان الشيخ قد منع الطلاب من الخروج أو التطلع إلى الخارج إلا بإذن مسبق، فلما وقع نظره عليّ ناداني وهددني قائلا: إنه لو رآني قرب البوابة مرة ثانية فسوف يفصلني، ويخرجني من المعهد نهائياً، ولم يلتفت إلى اعتذاري بأن أخي ناداني وهو صغير لأسوي له مشكلة عويصة

كان مكتب الشيخ في مدة مشيخته للمعهد في الفترة الأولى يقع داخل الخلاوي، فكان يتخذ من الخلوة الملاصقة للمسجد العتيق، وتفتح إلى الشمال وتطل على الساحة الصغيرة التي تفتح فيها الخلاوي وتتوسطها النجمة، مكتباً له، وكانت هي مكتب المدير السابق وهو زنتاني وأظن اسمه خير الله، ورغم تواضع المكتب، فقد كان لا يكاد يخلو يوميا من زائر من كبار رجال الدولة، وكان ممن عرفتهم يترددون عليه في ذلك الحين المرحوم حسين مازق، والمرحوم إبراهيم الشلحي، وكان الأول واليا لبرقة، بينما كان الثاني ناظراً للخاصة، وكان يزوره آخرون لم أتعرف عليهم.

وكان الزائر عادة يوقف سيارته أمام مدخل المسجد، ويترجل منها ليدخل إلى مكتب الشيخ، الذي كان في الأصل خلوة أعدت لسكن الطلاب، منذ أكثر من مائة عام، وهي صغيرة ومظلمة، وتسيطر عليها الرطوبة، تتوسطها منضدة وكرسي حيث يجلس الشيخ، ويقابل كبار زائريه.

سفره إلى مصر

سافر الشيخ إلى مصر، وكان قد تعلم فيها فهو أعرف بها، وتغيب مدة ثلاثة أشهر، وقيل حينها: إنه ذهب ليدرس نظام الأزهر القديم، الذي كان متبعا في معاهده وكلياته، ويعود حاملاً أسس ذلك النظام ليطبقها على المعاهد في ليبيا، والتي ينتظر أن تتحول إلى جامعة إسلامية كبرى مستقبلاً، تضم كليات على غرار كليات الأزهر قبل ما يسمى بنظام التطوير الذي خضع له الأزهر في عهد عبد الناصر، والذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية في مصر ما بين مادح وقادح، وقد شعرنا بأن غيبة شيخنا قد طالت حتى بلغ منا الضجر مبلغاً كبيرا.
وذات يوم قبيل صلاة المغرب، توقفت سيارة صغيرة أمام باب المسجد، وترجل منها الشيخ منصور، وتبعه شيخ أسمر طويل، عاري الرقبة على هيئة الأزهريين التقليديين، وأسرعت مجموعة الطلاب التي كانت في الساحة، للترحيب بالشيخ وضيفه، فقدمه لنا باسم الشيخ عبد الحميد شحاته، وكان يوماً لا ينسى في حياتي وحياة الشيخ شحاته.  

توسيع مسجد الزاوية

كان الطلاب يفرض عليهم أن يمضوا فترة لمراجعة دروسهم يومياً في المسجد، تستغرق ما بين صلاة العصر إلى المغرب، كنا نجمع كلنا ونذاكر تحت إشراف المشرف، ولم يكن لأحد عذر في التخلف عن فترة المذاكرة الإجبارية تلك.

وبينما كنا ذات يوم مستغرقين في مذاكرتنا، وقد شغلنا المسجد ولنا دويّ كدويّ النحل، إذا بثلاث من السيارات الصغيرة تحدث ضجة في الساحة ثم تقف جنوب لمسجد، فأسرعنا إلى النوافذ لنرى السيد يترجل منها وإلى جواره شيخ المعهد، وثلاثة من الحراس والسائقين. وقف السيد وبجانبه الشيخ وأخذا يتواصفان المكان، ويلوحان بأيديهما، ثم جعلا يذرعان الساحة غربا وشرقاً، وهما يتحدثان حديثا خافتاً لا نسمعه، وأمضيا في ذلك وقتاً غير قليل.


وكنا نعجب من تلك العلاقة الحميمة التي تربط بين السنوسي والشيخ، ونحاول أن نعرف جذورها وأسبابها، هل هي رفقة في غربة أم صداقة ، أم تعود إلى سبب مجهول، وكيف تحولت تلك العلاقة مع مرور الزمن إلى دلالة للشيخ على قلب صاحبه، وحب يفوق الوصف، حتى عرفنا فيما بعد أنه كان لا يقبل في الشيخ وشاية، ولا يرد له طلبا، وحاولت في السنوات التالية اكتشاف السبب، فلم أصل إلى شيء.

ولكني حين قرأت تاريخ السنوسية، وجدت أن مصطفى المحجوب، عميد الأسرة، وجدّ الشيخ منصور، كانت له علاقة ودلالة وإخلاص، وصداقة وثيقة بالإمام المؤسس للدعوة، فقد تعلق بالإمام الأكبر مؤسس الدعوة السنوسية، فغادر مصراته، والتحق بمعيّته وتتلمذ عليه، ضمن جماعة الإخوان، ووثق به الإمام فجعله شيخاً لزاوية الطيلمون، واحتفظ التاريخ بمراسلات عديدة بين الإمام وتلميذه، كان الإمام يدعوه فيها ولدنا الفاضل مصطفى، ويدعو له، وتدل أساليب المخاطبة في تلك المراسلات، على المحبة العميقة التي يكنها له الإمام، كما تدل على الإعجاب والإجلال الكامل، الذي يستشعره التلميذ تجاه أستاذه الجليل، إنها حقاً قلوب صافية أنعم الله عليها بمعرفة الحق والإيمان به.

كان مشرفنا بالمعهد عبد الرحيم السكوري واقفاً بيننا وبينهما، أما نحن الطلاب فكان طابورنا هادئاً يمتد في خط مواز للمسجد، نرقب ما يجري في صمت رهيب، وبعد نهاية الحديث أشار لنا السكوري هامساً أن نطلب الزيارة، لنتبرك فيها بالرجل الصالح، ونسلم عليه، فهتفنا: الزيارة الزيارة، فتوقف السيد والتفت نحونا، فأخذنا نمر أمامه فنسلم عليه واحداً واحداً، بينما يتمتم هو بدعوات صالحة لكل منا، فلما كمل صفنا أشار لنا السكوري بطلب الفاتحة، فصحنا: الفاتحة الفاتحة، فرفع السيد كفيه ودعا لنا بالتوفيق والصلاح، وقرأ الفاتحة، وركب سيارته وغادرنا

ولم يكد يمضي أسبوع حتى ظهرت مجموعات من العمال يخطون القواعد ويضعون الأساس، وبدأت تبنى زيادة في حجم المسجد ليتسع للمصلين من أهل القرية، والقادمين من بلدة البيضاء، وللأعداد الوافدة المتزايدة من الطلاب، والأهم من ذلك أن يصبح مناسباً لإحياء الذكرى المئوية، لوفاة الإمام المصلح المغفور له السيد محمد بن علي السنوسي الكبير

وفاة والد الشيخ

في تلك الفترة توفي السيد احميدة المحجوب والد الشيخ، وكان يلم بالبيضاء، فيسكن مع ابنه في بيته المقابل للأنصاري، وكان كثيراً ما يحضر معه للصلاة عندنا في مسجد الزاوية، فكنا حين نراه نتزاحم للسلام عليه، وكان الشيخ لا يتقدم ليؤمنا في صلاة الجماعة، إلاّ إذا كان والده يصلي معنا، ولم نجد لذلك تفسيراً.

بلغنا خبر الوفاة فأسرعنا إلى ضريح الأنصاري، لنعزي شيخنا في الراحل الكريم، وكم كانت مشاعرنا متدفقة حزينة، ونحن نشاهد الجسد الكريم مسجٌى أمام مدخل الأنصاري، وقد وقف شيخنا بهيبته وجلالة قدره، يتلقى التعازي من طلابه الصغار، وعيناه تفيضان بالدموع، ولم يكن يداري حزنه وفيض عينيه، حقاً إن بكاء الكبير كبير، يضاعف الأحزان، ويستدر الدموع، وظللنا واقفين حتى دفن والد الشيخ، خارج مبنى ضريح الأنصاري من جهة الشرق، ولكنه قريب، وكم كنت متعجباً وأنا أزاحم الواقفين، حتى وقفت على حافة القبر، فرأيتهم يدرجون الرجل في قبره بصندوقه، فقد بنوا قبراً واسعاً وأدخلوا الصندوق فيه، وغطوه باللحد وكسوه بالإسمنت، وتركوه في أمان الله، فقال أحد الحاضرين: سوف تمضي خمسون عاماً على هذا الصندوق، وهو على وضعه هذا لا يتزحزح.
 
معركة وقرار

كان يدرسنا بالمعهد يوم ذاك شيخنا عيسى الفاخري، وهو عالم كفيف، وكان يعاني الكثير من المتاعب من تشويشنا ومشاغباتنا، وحدث أن تشاجر داخل الحصة أثناء الدرس طالبان كبيران، هما عقيلة نجم وصالح القندولي، وتحولت الملاسنة إلى معركة وضرب تجاوز كل حدّ، وسالت الدماء وتهشمت الكراسي، وذعر الأستاذ والطلاب، ولم يراع المختصمان-وخاصة عقيلة - حرمة الأستاذ، ولا الجو العلمي المحيط.  

ورفع الأمر إلى شيخ المعهد، فأصدر قراراً بفصل عقيلة، وإخراجه نهائياً من المعهد، ثم خففت العقوبة إلى طرده فترة تأديبية مدتها شهر، مع حرمانه من القسم الداخلي والطعام، وخرج عقيلة من المعهد ولكنه ظل يتردد عليه سراً، لقضاء الوقت مع زملائه وأخيه نوري الطالب بالسنة الثالثة، وحدث أن كان الشيخ داخلا للمعهد في فترة المساء، فالتقى به صدفة، فقال له ما الذي جاء بك هنا وقد طردتك؟ وتقدم فضربه كفّاً، وأخرجه من البوابة، وصاح فيه ألاٌ يعود للمعهد ثانية

وبعد مضي فترة العقاب، سمحوا لعقيلة بالعودة للدراسة بالمعهد، ولكن أمره لم يستقر، فلم يلبث أن قطع صلته بالمعهد نهائياً، وتفرغ للحياة العامّة حيث كان يمارس ألواناً من التجارة منها السمسرة في الجلود والسمن، وبعض الأشياء الأخرى.

حفلة وداع ودموع:

في أثناء الفترة تلك التي عاد فيها عقيلة نجم ليستأنف دراسته بالمعهد، حدث أن اختير الشيخ منصور عضواً بالمحكمة العليا، فتقررت مغادرته للمعهد ورحيله إلى طرابلس ليستقر هناك، وكان وقع هذا النبأ على نفوس الطلاب أليماً، وعمهم الحزن على ترك شيخهم لمشيخة المعهد، فقد كنا نحس أن وجوده إلى جانبنا يقوي عزيمتنا، ويشد من أزرنا، ويمنح معهدنا هيبة في الدولة ومكانة مرموقة، لصلة شيخه المباشرة برأس الدولة، وقوة نفوذه فيها، وكنا نحس أن معهدنا كان شعلة ملتهبة، فلما غادره الشيخ خبت ناره وذوى لهيبه، لذلك تنادى الطلاب فأقاموا له حفلة توديع، كانت أهم سماتها خطبة رائعة قوية واضحة، خطبها الطالب العائد عقيلة نجم، فتجلى فيها وأبدع، وصاح في سمع الشيخ باسمنا جميعاً سائلاً: لمن تتركنا يا سيدي؟ وأجاب السائل من نفسه، بأن عليكم أن تطمئنوا فإن شيخكم وإن بعد عنكم فلن ينساكم، إذ إن عينه ستظل ترعاكم، وكانت تلك كلمات مطمئنة لنفوسنا جميعاً، ومرة أخرى نرى دموع الشيخ، وهو جالس في المقدمة يستمع إلى كلمات التوديع، ويرى بصمات الحزن والأسى على وجوه صغيرة طاهرة، أحبته كلّ الحبّ، وفسحت له مكاناً واسعاً في صدرها.

رحل الشيخ إلى طرابلس وأخذ يعمل بالمحكمة العليا، فكنا قلما نراه إلا في فصل الصيف، حيث كان يعود ليقيم في البيضاء، في بيته الصغير الملاصق لموقع بيت الطالبات، المقابل للأنصاري من جهة الغرب، فكنت أزوره هناك، وقد أشكو له ما ألقى من متاعب، فكان يساندني ويواسيني، ويبث الأمل في نفسي، وكنت أرغب إليه أن يساعدني لدى المسئولين في الدولة ليشغّلوا أخي، كي يكون في إمكاني أن أتابع دراستي، ويبدو أنه أشار عليهم بذلك فحققوا رغبتي فيما بعد، وكان للأستاذ أبو بكر الفقهي فضل في ذلك.

عودة الشيخ لإدارة المعهد:

وحدث في فترة لاحقة أن كان طلاب المعهد متذمرين من بعض الأمور، فأدى سخطهم إلى الدخول في إضراب، فامتنعوا عن الدراسة، ولزموا عنابرهم، وجرت محادثات بينهم وبين الإدارة لم تصل إلى نتيجة، والحق أنه لم تكن هناك أية أسباب تؤدي إلى إضراب، ولا مطالب تستحق الشكوى، سوى أنها نزوات كانت تغذيها أيد خفية، رغبة في التخريب وإثارة القلاقل في البلاد، وكان للإعلام المصري الدور الأكبر في زعزعة الاستقرار، وهو الذي ما فتئ يهدر في فترة الستينيات، حتى قوّض الاستقرار، وأفسد الحياة في الشرق كله.

على كل حال أدى استمرار الإضراب إلى إنهاء إدارة المعهد حين ذلك، وكان على رأسها رجال أفاضل، لا يؤتَون من إخلاص ولا من كفاءة، ويشهد الله أنها لم تكن أبداً سيئة، ولكن تقرر إعادة تكليف الشيخ منصور مرة أخرى، ولما حضر اتخذ عدة قرارات، بعضها في صالح الطلاب، وبعضها في غير صالحهم، ولكن المهمّ أنه جاء بمشروع النهوض بالمعهد والقسم العالي، والاتجاه إلى تحويل الأخير إلى جامعة إسلاميّة، تحتضن الدراسات الدينية وتصل إلى مستوى الأزهر. وكانت هذه المهمة واحدة من أشقّ المهمات، إذ كانت هناك عناصر قادمة من ظلمة اللّيل، حيث تغيب الشمس وتوحش الحياة، تفسد كلّ خطوة إصلاح يسعى النظام إلى تحقيقها، فما إن تظهر بوادرها حتى تسلقها الألسنة، وتتلمس الأسباب لفشلها قبل بدايتها، ويعلم السيد ذلك كله، ولكنه يغض الطرف ويتسامح ويعفو، ويروض تلك النفوس الجامحة، آملاً أن تثوب يوماً إلى رشدها وتعود لعقلها.

قرار وقرار :

كانت هناك مجموعة من طلاب المعهد، يمرون بظروف اجتماعية تحتم عليهم أن يلتمسوا لهم عملاً، والحق أن ظروف الناس كانت متشابهة، إذ كان الفقر عاماً والحاجة كاوية، ذلك في حين كانت إدارة المعهد، تلتمس موظفين أكفاء ينهضون بكافة مرافقه، ويعدونه للمرحلة المستهدفة لتطويره، وكانت الأفواج الأولى من طلابه هم خير من يخدمون دولتهم، ويطورون معهدهم، وكانت لهم كفاءات متميزة في الإنشاء والإدارة، ولذلك صدرت قرارات على فترات متلاحقة، تقضي بتوظيف مجموعة من بين طلاب المعهد منهم: حامد بادي وسليمان قرقوم وعلي يعقوب ومحمد نصيب وصالح عبد الهادي وأبو القاسم الزنتاني، وأحمد الشاظوف وطاهر الغزالي وإدريس فضيل.

فلما عاد الشيخ منصور لإدارة المعهد، رأى في هذا التصرف خطأ فادحاً، لأنه يغير اتجاه خيرة الطلاب، وخاصة الأفواج الأولى وكانوا أفضل الطلاب، ويفسد سيرتهم العلمية، فأصدر قراراً بفصلهم وضرورة عودتهم لمتابعة دراستهم، ولكنه ووجه بأن مجموعة منهم قد تم تصنيفهم، ودخولهم كادر الدولة كما كان يسمى، ومثل هؤلاء يحميهم القانون ويحول دون فصلهم، فاستثنى هؤلاء المصنفين حيث مضت مدة كافية تضمن استمرارهم، بينما طبق قراره على المجموعة الثانية وهم غير المصنفين، وكان منهم أحمد الشاظوف ومحمد نصيب وإدريس فضيل، وهؤلاء لم يعد أمامهم سوى العودة طلاباً على مقاعد الدرس من جديد، وهو خيار مرّ المذاق، عسير الاحتمال، أو أن يغادروا الساحة إلى دوائر الحكومة، ليبحثوا لهم عن عمل يناسبهم يرتزقون منه، ولم يكن ذلك ميسوراً أبداً.

أما زميلنا أحمد الشاظوف فقد غادر فوراً، وأخذ يبحث عن وظيفة واستخدم نفوذ بعض معارفه فوُفق، وأما محمد نصيب فقد عاد طالباً من جديد، يتابع دراسته في حزم وجد ونشاط، إذ كانت ظروفه ميسرة، ورغبته متوفرة، وأما إدريس فضيل فقد آثر أن يمسك العصا من منتصفها، يتابع دراسته مراوحة، بين منتظم ومنقطع، وهو في أثناء ذلك يبحث عن وظيفة إلى أن يأتي الله بالفرج.

وكانت المشكلة بالنسبة لهذا الأخير مضاعفة الألم، إذ إن عمته - وكان يتردد عليها حيث كانت تسكن وسط حي عشوائي، قرب المنطقة الصناعية - شرعت تخطب له عند جيرانها مع أن أمر الزواج لم يكن يخطر في باله، ولا تحدث معها فيه، ولكنها تطوعت من ذات نفسها، فأخذت تجري اتصالاتها، وتبذل كل جهودها، في سرّية تامة وتكتم شديد، حتى إذا وافق أهل سعيدة الحظ، إذا بالقرار المشئوم يطل على الساحة، فيعصف بجهود الخاطبة المتطوعة، والموظف المعزول - وإن فرح لفشل إجراءات (تزويجة) لا إرادة له فيها - ولكنه اضطر إلى أن يتوارى من القوم خجلاً، من سوء ما أصيب به، ولتعثره في مسيرته فازداد غبناً على غبنه .

أثر قرار الشيخ في حياتي :

لم أشكُ إلى الشيخ منصور، ولم أظهر له التذمر من قراره، ولم ألتمس منه أن يوظفني من جديد، على الرغم من أنه استجلب آلاف الموظفين، في الفترة اللاحقة حين بدأ تحويل إدارة المعهد، إلى إدارة الجامعة الإسلامية، لم أتخذ أية خطوة لأنني كنت أعلم أنه ما اتخذ ذلك القرار، إلا وهو يراه هو القرار الصائب في حقنا، ومستقبل دراستنا، ولو قابلته وشكوت إليه لأقنعني بأن مواصلة الدراسة هي عين المصلحة بالنسبة لي، وأنه من الخير لي أن أصبر قليلاً، حتى أتخرج، طالما أن قدراتي تؤهلني لذلك، ومع حاجتي الشديدة إلى العمل، وما تمر به أسرتي من ظروف صعبة، لا تتغلب عليها إلاّ بالصبر والاحتمال، فإنني لم أشعر مطلقاً بالسخط على الشيخ لقراره ذاك .

والعجيب أنني على الرغم مما بذلت من جهود، وجندت من وساطات، وكتبت من بليغ الطلبات، فإن الأبواب أبت أن تفتح في وجهي، وقد ترددت على بلدية البيضاء، وكان عميدها المصراتي العلمي، وأنا معروف لديه، وتوسلت إليه بأصدقائه فوعد خيراً، وعرفت في لهجته الصدق، ولكنه تخلف، وحاولت في قطاع التعليم، وحضرت امتحان اختيار معلمين أجري في درنة، تحت إشراف الأستاذ ارحومة لياس، مفتش التعليم في المنطقة، ونجحت نجاحاً متميزاً، حتى إن المفتش المصري الذي امتحنني شفوياً توقف مندهشاً، لسعة معلوماتي في العربية والأدب، ولكني سقطت، واشتركت في امتحان اختيار مراسلين ومحررين للأخبار بالإذاعة، وامتحنني الأستاذ الشاعر عبد الحميد عمران، فاعترف بقدراتي العلمية، ولكنه لم ير من المصلحة أن أشتغل تبع الإذاعة بل أن أتابع دراستي، فذلك خير من وظيفة محرر أو مراسل مأمور فهي لا تحتاج إلا إلى قدر محدود، هكذا قال، ولم يقبلوني وقد قبلوا عبد القادر البوصيري، وكان طالباً بالمعهد أقل مني، وتقدمت بطلب للأستاذ مفتش التعليم بمنطقة طبرق الشيخ الدرناوي مصطفى بوخشيم، فأدخلني وامتحنني وكان شيخاً أزهرياً فأعجب بثقافتي الأزهرية، وتحدث بحضوري إلى المدير العام للتعليم في بنغازي، واستأذنه أن يعين هذا الفتى الأزهري مدرساً بمدرسة (القعرة)، جنوب شرقي طبرق، ورغم حاجة المدرسة وإصرار الأستاذ بوخشيم، إلا أن المدير وأظنه بالعون، تعنت فرفض رفضا قاطعاً دون إبداء الأسباب، ثم تقدمت للتجنيد بالجيش حينما كنت في طبرق، فلما بلغ الخبر عمي الشرطي ووالدي، رفضا ذلك ووضعا كل العراقيل أمام رغبتي، حتى فشل تجنيدي.
يبدو لي أن ذلك القرار كان أشبه شيء بلعنة الفراعنة ، التي يقول المؤرخون إنها تظل تلاحق من تحل عليه طيلة حياته، وتصادفه حيثما حل وأينما رحل، لا يجد عنها فكاكاً، وأنا ظلت تصاحبني زمناً طويلاً حيثما اتجهت وجدتها، ولكنها كانت تبارحني وتفسح الطريق أمامي، حالما أتجه للدراسة بالمعهد، والمراحل التي بعدها، فيا لحكمة الله.

طموحه وجهوده لخدمة التعليم الديني :

كان الشيخ منصور رجلاً طموحاً واسع الآمال، فكان يمد بصره بعيداً يتجاوز الحاضر المشهود، ويجد سعادته في الشقاء من أجل الأجيال الليبية، التي يتمخض عنها المستقبل، ويرى لزاماً على من بيدهم الأمر، أن يهيئوا لها الزمان والمكان، لتجد المسرح العام جاهزاً لها، وهذا ما جعله يشقى لينهض بالمعهد ويحوله إلى جامعة كبرى، فقد تحول به من إدارة صغيرة تقبع في ركن مظلم من زاوية معزولة، إلى جامعة امتدت حتى غطت العالم الإسلامي أجمع، وكسفت أكبر جامعتين وأقدمهما في الدراسات الإسلامية، وهما جامعة الأزهر وجامعة الزيتونة، وحدث ذلك بالصدفة في فترة كانت فيها الجامعتان تتعرضان لمحق وسحق، من قبل حكام علمانيين سلطهم الشيطان على أقدس محاضن الدين في هذا الزمان، ففعلوا بهما ما عجزت وسائل الاستعمار ومكائده أن تفعل، كانت الأولى تعاني ضيق التنفس في عهد عبد الناصر، حيث كان يضع اللمسات الأخيرة لدفنها، وكانت الثانية تلفظ أنفاسها الأخيرة في عهد بورقيبة، الذي اتخذ تخريبها هدفاً استراتيجيّاً حتى قضى عليها، وبين هذه وتلك، كان أهل الإيمان يغرسون شجرة و يتعهدونها فتورق وتزهر، ثم تنضج الثمر يانعاً شهيّاً، فتهفو إليها قلوب العطشى إلى رحاب الإيمان وظلال الإسلام.

استقدم الشيخ إلى جامعته كبار العلماء في شتى ع المعرفة، للإقامة والمحاضرة والتدريس فيها، كما استقدم كبار المفكرين من أنحاء العالم في تلك الفترة وما بعدها، للزيارة والمحاضرة، فقد زارها وحاضر فيها جماعة منهم : الفاضل بن عاشور وعثمان الكعاك والبشير النيفر من تونس، والمهدي بن عبود وعبد الكريم الخطابي من المغرب، ومالك بن نبي من الجزائر، وعبد الحليم محمود والصادق عرجون ومحمد سعيد العريان ومحمد بيصار وصالح شرف، من مصر، ومحمود شيث خطاب من العراق، ومن أفريقيا أحمدو أوبيلو رئيس وزراء نيجيريا، وإبراهيم بانياس زعيم المسلمين في أفريقيا الوسطى، كما قدم إليها مستشرقون غربيون زائرين ومحاضرين.

عمله برابطة العالم الإسلامي :

ترك الشيخ الجامعة الإسلامية مرة أخرى، وهي في غاية ازدهارها، ليتفرغ للعمل برابطة العالم الإسلامي، عضواً ممثلاً لليبيا، ثم استقر به المقام في السعودية على إثر حدوث تغيرات سياسية في بلاده، استقر هناك وكان يرسل سلامات لإخوانه، ويستفسر من زائريه عن أحوال الوطن الذي كان يحيا في ضميره، كما يسأل عن أفراد كانوا طلاباً في عهده، وكان وما يزال، يتوسم فيهم خيراً للوطن وأهله، ويحب أن يطمئن عليهم، وهو في مرضه وفي آخر أيامه.

وفاته :

توفي الشيخ رحمه الله ، ودفن في أرض غير وطنه، الذي أعطاه زهرة شبابه، ومات غريباً عنه، وموته غريباً أمر يؤسف له، لا يعزي عن الأسف فيه، إلا أن الجسد الكريم أودع في أرض النبوة، ومهد الإسلام، وخير أرض تضم رفات المرء المسلم " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك 
 رفيقا"

تتمثل قدرات الشيخ منصور ومواهبه، في قوة شخصيته وإقناع حجته، وإخلاصه لوطنه، وحبه لرؤسائه ومواطنيه، وعلاقته العميقة مثل علاقة أجداده، بقادة الجهاد وأقطاب الدعوة إلى الله، ثم تفوقه في العمل الإداري الذي لا يبارى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق