‏إظهار الرسائل ذات التسميات المكتبة التاريخية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المكتبة التاريخية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 24 سبتمبر 2016

زيارة الرحالة الاسباني علي بك العباسي لطرابلس ما بين 1805-1806

زيارة الرحالة الاسباني علي بك العباسي لطرابلس ما بين 1805-  1806،تحليل للزيارة التي قام بها الرحالة الاسباني علي بك العباسي او باديا لبليك لطرابلس الغرب ما بين 1805-1806 ، الدكتور خالد الهدار ، نشرت في مجلة تراث الشعب العدد 49-50 عام 2003 للتحميل

ملخص لاول رسالة دكتوراة في ادارة وحماية التراث الليبي ...بقلم د. أحمد عيسى الحاسى

ملخص لاول رسالة دكتوراة في ادارة وحماية التراث الليبي بعنوان:"عوامل التدهور في موقع أثري في قوريني وطرق حمايته"

قدمت من الطالب : احمد عيسي فرج الحاسي، قسم الاثار، جامعة اكستر المملكة المتحدة، يوليو 2014 

Factors of Deterioration of the Archaeological Sites and Protection Methods in the Archaeological Site of Cyrene (Shahat) Department of Archaeology, University of Exeter, UK

هذة الدراسة تأتي في إطار دراسات إدارة التراث من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنها تأتي ضمن دراسات علم الآثار المجتمعي، وتبحث هذه الأطروحة في عوامل تدهور موقع التراث العالمي قوريني (شحات) والذي هو من أهم المواقع الأثرية في العالم، وهو مسجل منذ عام 1982 في قائمة مواقع التراث العالمي، وفق للمعايير :2 , 3, 6 والتي تتعلق بالقيم الإنسانية الحضارية، و الأهمية الجمالية، و التطورات في مجال العمارة أو التكنولوجيا.

ولكن للأسف، الموقع يعاني من مجموعة كبيرة من التهديدات ، والتي تمت ملاحظة تاثيرها من قبل لجنة التراث العالمي, والتي طلبت من مصلحة الاثار في أكثر من مناسبة العمل لإيجاد الحلول المناسبة لحماية وحفظ الموقع, ومصلحة الاثار ولجنة التراث العالمي يدركان التهديدات وخطورتها ولكن الحلول ظلت بعيد المنال. 

هذة الدراسة تنطلق من فكرة رئيسية حددتها تقول أن هناك علاقة وثيقة جدا بين المعرفة الجيدة، والتصنيف الواضح لعوامل التدهور وبين اكتشاف أو إيجاد الحلول للمشاكل، والتحديات, لأن الفهم الواضح لهذه العوامل هي الخطوة الأكثر أهمية في إيجاد الحلول المناسبة.

وتنقسم هذه الأطروحة إلى أربعة فصول رئيسية:

يقدم الفصل الأول مقدمة الجغرافي ومقدمة التاريخي وأيضا وصف عام للموقع الاثري على نطاق أوسع, كما لم يهمل ان يناقش دور الرحالة والمستكشفين ، بالإضافة إلى البدايات الأولى للحفريات , وتأسيس مصلحة الآثار الليبية.

ناقش هذا الفصل أيضا الجانب النظري لإدارة التراث الثقافي من حيث القيم وأهميتها، ثم حاول الإجابة على السؤال الأساسي: لماذا نحتاج لخطة إدارة للمواقع الأثري قوريني؟

اما الفصل الثاني وهو عن عوامل تدهور الطبيعة وتأثيرها على المعالم الأثرية. مثلا تأثير الزلازل، والتي أظهرت الأدلة الأثرية أن كان ضمن قائمة من العوامل التي ادت إلى تدهور في الكثير من الاثار. ثم المناخ وتأثيره، من حيث التغير في درجة الحرارة و الامطار خلال تغير فصول من السنة. والتي يمكن رؤية تأثير القوي على الآثار الضعيفة مثل (الأرضيات الفسيفسائية واللوحات الجدارية التي تكون موجودة في جميع أنحاء الموقع بدون أي نوع من الحماية).

وبالإضافة إلى ذلك فقد تم تسليط الضوء تأثير النباتات على المواقع الأثرية في هذا الفصل أيضا، وقد قدمت الدراسة مثال واضح حول هذا, في نفس السياق، بحثت الدراسة تأثير الحيوانات على الموقع الأثري قوريني.

أما الفصل الثالث فهو عن عوامل تدهور المتعلقة بالنشاط البشري، حيث تمت مناقشة هذا من خلال عدة اقسام وهي:

النظام الإداري قانون حماية الآثار في ليبيا

في هذا الجزء بعد مقدمة بسيطة عن التوزيع الجغرافي لفروع مصلحة الاثار الليبية ، وأيضا الإدارات و والوحدات الهامة، التي تشكلها, وقد كان التركيز على مراقبة اثار شحات من حيث مهامها والتحديات، من جهة، ثم استعرض قانون الآثار الليبي، ومناقشة اوجه القصور فيه.

كما ناقش الفصل الثالث قضية "التمدد الحضري" او الزحف العمراني علي المواقع الاثرية ... وآثاره على الموقع الأثري في قوريني. حاول هذا الجزء من الدراسة تسليط الضوء علي حجم المعضلات في هذا الملف المعقد ، وتناول ايضا التداخل الكبير بين الموقع الأثري والمدينة الحديثة، وغياب الحدود الفاصلة والواضحة بينهما.
كما تم مناقشة آثار السياحة على الموقع الأثري قوريني عبر نوعيها السياحة الدولية، والسياحة المحلية.. بعد أن تم إعطاء المعلومات الهامة عن عوامل الجذب السياحي في قوريني, ولقد تم عمل مقارنة لمعرفة أي النوعين من السياحة قد تسببت في تدهور الموقع أكثر من الاخرى؟ وقد اثبتت الدراسة ان السياحة الداخلية هي واحدة من أهم العوامل في تدهور في الموقع , عبر أوجه وأشكال متعددة وتحت غياب و نقص دور الدولة.

ولم يهمل هذا الفصل أيضا مناقشة سرقة ونهب الاثار و لأن الموقع غني جدا في الآثار، فقد كان عرضه للنهب في وقت مبكر. 

وكذلك تمت مناقشة العوامل التي ساعدت على زيادة وتيرة نهب الاثار ونقل القطع الأثرية خارج البلاد.

وبالإضافة إلى ذلك تمت مناقشة كيف يمكن أن تكون البعثات الأثرية قد ساهمت في نهب الآثار في قوريني .

وكان الجزء الأخير من الفصل الثالث حول تأثير الحفريات الأثرية في موقع أثري قوريني, حيث تم إجراء هذة المناقشة وفقا لتقرير اعده الباحث بنفسه من خلال مشاركته في أعمال الحفر موسم 2010 مع البعثة الايطالية لجامعة اربينو.

أما الفصل الرابع. كانت تحت عنوان: حماية الموقع الاثري قوريني وقد بدأ هذا الفصل مع مناقشة الحلول والتدابير للعوامل الطبيعية؛ الزلازل والمناخ، النباتات، والحيوانات، ومحاولة وضع الحلول الممكنة.

على سبيل المثال:

العمل على عزل من الاثار الهشة و الحساسة عن تأثير عوامل البيئة و في هذا الجزء ترى الدراسة أن تأثيرات البيئة واضحة، ولكنها محدودة أيضا. ويمكن التقليل من مخاطرها من خلال بعض الإجراءات البسيطة.

من ناحية أخرى جانب العوامل البشرية. وهو امر مختلف تماما، يشكل التحدي الأكبر - كما أظهرت الدراسة - بحيث والنهب والسياحة، والتوسع الحضري، الحفريات الأثرية، وحتى التشريعات والإدارة كل هذه العوامل لها قاسم مشترك هو الجهل بقيمة التراث.

لذلك، ترى هذه الدراسة أن الخطوة الأولى لحماية التراث قوريني هو إزالة الجهل. الي جانب بعض التدابير الاخرى: مثل تعزيز القوانين ونظم الإدارة. أيضا إيجاد سبل التنمية المستدامة وفقا لذلك عملت هذه الدراسة إلى تقديم رؤيتها التي تعتمد على التوعية.

وتعتمد الدراسة على زيادة تنوع طرق وأساليب التوعية، الأمر الذي سيؤدي إلى خلق المزيد من فرص للتواصل مع جميع فئات مختلفة من الناس في المجتمع.

الأربعاء، 18 مايو 2016

الأعمال المعمارية للأسرة القرمانلية في ليبيا ...عبد العزيز الفضالي

عبد العزيز عبد الفتاح الفضالي، عرض أطروحة: الأعمال المعمارية للأسرة القرمانلية في ليبيا (1123 – 1251هـ / 1711 – 1835م).- دورية كان التاريخية (علمية، عالمية، مُحَكَّمة).- العدد الخامس والعشرون؛ سبتمبر 2014. ص 162 - 180 للتحميل من هنا

الثلاثاء، 12 مايو 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (8) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم.

في الخامس عشر من أغسطس طار"كينت"إلى" فاليتا" بمالطا، ليتفقد ويقوم صلاحية المكان لرسو السفينة واخلاء الخسائر بعد إنتهاء العملية إذا وجدت. ولكنه وجد "رايندولس" قد سبقه بصحبة سكرتيرته والتى يطلق عليها كل من"سيل و ماك كونفيل" "تريسي" التي تكثرالتحدث عن إحتياجات الفريق حسب ، وهو الأمر الذي تعدى حدود الأمن العملياتي حسب إعتقادهم. بالرغم من تأكيد "رايندولس" المبكر" لكينت" بأن (سي آى أي) و(إيس آى إيس) سلك المخابرات السرية البريطانية، كلاهما أقرا خطة المؤامرة. إلا أن سفيرالولايات المتحدة حضر في إحدى جلسات دورات التخطيط في مبنى سان جيمس ولتر آنينبيرج – ولكن أثناء ذلك بدأ موظف بريطاني سابق يحذر من إستخدام شخصيات بريطانية، موضحا إن القدافي ليس محبوبا في مكتب الشئون الخارجية، ووزارة الدفاع البريطانية. لكن حكومة صاحبة الجلالة لا ترغب في أن تلام من القدافي، وحليفه في مصر وبقية العالم العربي، إذا ما ألأمور سارت بإتجاه خاطئ .

وإعتقد "رايندولس"و"كينت"أن المهمة يمكن لها أن تنجز بدون البريطانيين، فأجل"كينت" المهمة وتخلى عن خدمات الفريق البريطاني، بعد صرف مستحقاتهم، وطار إلى باريس ليجند في مقابلهم فريقا فرنسيا. عثر"كينت" بصعوبة على"مارسيل"وهو كاتب سيناريو فرنسي، يعمل في قضايا التملص من القانون كلما ساعده الحظ في ذلك، أكد"مارسيل" إنه يعرف المؤهلين الحقيقيين القادرين علي القيام بمهمة "هيلتون".

من خلال سمعة الخبير المالي أحمد شوكت الطيبة، وعلاقاته مع (سي آى إي). وياسين عبيد، مهاجر ليبي ثري وبائع يتجول بين شركات النفط وجمع المعلومات الإستخبارية الساخنة في روما، وصلت "كينت" أخبارا مرعبة تفيد أن مخابرات القدافي المضادة تسعي لإختطاف الشلحي وإحضاره للوطن ليواجه محكمة شعبية كأخطر معادي للنظام. كان كل من شوكت وعبيد يطمحان في أن يقوما تماما بما قام به "كينت"– فأجرا عصابة من المرتزقة الأوروبيين. والغرض من ذلك :- هو القبض علي الشلحي وإرساله مكبلا بالحديد إلى طرابلس. تري هل يفعل "كينت" ذلك في مقابل أجرميلونين دولار؟ وافق "كينت" بحذر أن يعود إلى روما ليناقش الشروع في المهمة قدما، مصمما على كسب الوقت فإستخدم "مارسيل" ليقابل "ليون" أحد المحاربين القدماء في الحرب الهندو- صينية وأحد الجنرلات ، (الذين حاولوا في إبريل سنة1961 التمرد في الجزائر بنجاح، للإطاحة بالجينرال ديجول في فرنسا و بخطته منح الجزائر إستقلالها. والذي تحقق في يوليو 1962،) وشرع "ليون" في تجنيد الفريق الفرنسي .

طار"كينت"في سبتمبر عائدا إلى روما ليقابل المتآمرين من الخصوم الليبيين، ليضع القيد في أيديهم. وليكتشف أن إدارة المخابرات الليبية الجديدة، أرسلت تقريرا إلى عضو مجلس الثورة الرائد عبد المنعم الهوني (الذي أصبح فيما بعد أحد أخطرالمتمردين على القدافي في الثمينات) والذي إخترق بدقة غموض خط دفاع الشلحي في مدينة جينيف. ووعد "كينت" أن ينقل إلى الشلحي التفاصيل الشخصية لخطة الهوني لخطفه في 15 إكتوبر 1970 .

وبعد أن تمكن من حصوله على فترة الراحة هذه، أودع "كينت" خمسة آلاف دولار في صندوف توفير بجنيف، لكل فرد من فريق "ليون" الفرنسي. كما أحضر الشلحي تاجرا ليبيا آخر، إسمه المموه "وليام"، ليتولي الترتيبات المالية. كان يوم 6 نوفمبر يوم حالم. أعطي الشلحي قبل 26 إكتوبر بإحدي عشر يوما، رسالتين إلى"كينت" الأولي ليسلمها إلى الملك إدريس (ضيف مصر في المهجر) فحواها أنه في حالة نجاح عملية "هيلتون" فإن إدريس سوف يتمكن من إستعادة مملكته. والرسالة الثانية كانت لأخيه عبد العزيز، أحد السجناء في عملية "هيلتون" الذي كلفه فيها أن يدفع " لكينت " أربعة ملايين دولار مقابل مساهمته في قضيتنا .

مرة أخرى أربك "كينت" رجال إدارة المخابرات الليبية في طرابلس، بعد تلقيهم رسالة من الهوني يأمر فيها بتأجيل موعدهم. طلب "كينت" مبلغ ستون ألف دولار شهريا مقابل وضع الشلحي تحت المراقبة، وجدوى قابلية تنفيذ عملية خطفه. من جهة أخرى بدأ "رايندول" تجميع الرجال والسلاح في أوروبا. وأجر سفينة لتحميل السلاح إلى"بلوش"– مرفأ صغير في يوغسلافيا ــ وحدد موعد اللقاء في "باري" بإيطاليا في الخامس من نوفيمبر؛ أما أعضاء الفريق فسيستقلون قطارات مختلفة من فرنسا. أما السفية فمن المفروض أن ترسو خارج ميناء "باري" بإيطاليا حيث يعلو ظهرها الفريق وتبحر بهم في جنح الظلام إلى طرابلس .

ولكن بينما كان الفريق ينتظر بقلق وصلت أخبار غاية في السوءْ مفادها أن السفيينة تأخرت في يوغوسلافيا بسبب عطب أصاب محركها. وأثناء ذلك إتصل مكتب"كينت" بلندن به، ليخبره بأن شرطة الرئيس اليوغسلافي "تيتو" حجزت شحنة السلاح الكبيرة في"ديبرونيك" واعتقلت إيضا وكيل الشحن اليوغسلافي. وأن العملية تداعت بكاملها. وكان على"كينت" إن يدفع مستحقات الفريق الفرنسي، كما دفع للفريق البريطلني سابقا. في الثامن من نوفمبر1970، أخذ "كينت" الطائرة إلى جينيف لنعي العملية مع الشلحي .

بعد قليل من تبادل الإتهامات حول ضياع اكثر من مئتين ألف دولار صرفت دون طائل، وافق الشلحي على تبني خطة جديدة. تخلص "كينت"من "رايلوند"الثرثار. وبواسطة "ليون" تم شراء قارب بحري في طولون يطلق عليه"كونكويستادور8" مزود بمحركين مرسيدس تمكنه من الإبحار بسرعة 18عقدة بحرية. أما "كينت" فقد إشتري قارب مسجل ببناما وإستخدم أربعة بحارة كطاقم .

بما إن شحنة الإسلحة الأولى قد ضاعت، حيث صادرتها السلطات اليوغوسلافية، فقد واجه "كينت" صعوبة كبيرة في الوصول إلى مجموعة جديدة من تجار السلاح الذين يمكنهم مرة أخرى شراء شحنة أسلحة جديدة بمبلغ 45 ألف دولار من أموال الشلحي، من شركة الأسلحة التشيكية "أومنيبول". التي ستحول إلى "دوبرونيك. كان على "كينت" أن يطير إلى براغ لمعالجة الترتيبات، التي تشمل دفعات مالية كثيرة للتشيكيين وغيرهم. كان على فريق العمل التواجد في ميناء كتانيا في سيسيليا بعد أن تلتقط السفينة "كونكويستادزر8" ترسانة الأسلحة من "بلوشي" ميناء يوغسلافي صغير، ليس "كديبرونيك" فهو مسرح له بتصدير السلاح .

في ذلك الوقت، طلب أيضا من المرتزقة الفرنسيين إثبات حضورهم في كاتانيا. وعندما يعتلون ظهر السفية في عرض البحر، عليهم أن يجربوا سلاحهم وقوارب الإنزال الزودياك، وأجهزة توكي للإرسال، ومعدات المعركة الأخرى. أما في تونس علي ثلاثة من المرتزقة الفرنسيين تأجير سيارة وإنتحال صفة مهربين مزعومين لتهريب الخمور، ثم يتوجهون بها إلى طرابلسن. قام كل من"سيل و ماك كونفيل" بعناية شرح تفاصيل هجوم صرف الأنظاردقيقة بدقيقة، وكذلك الهجوم المضاد لعربات القدافي المدرعة التى ستخرج من ثكنات باب لعزيزية. أما الشلحي فعليه أن يمضي قدما شخصيا داخل السجن عند تحطم الأبواب والجدران ويوقض المساجين دفعة واحدة ويحرضهم على الخروج، وليقود الهجوم بنفسه. أما المرتزقة فينسحبوا إلى السفينة ويفروا .

بعد لقاءات عدة بين الشلحي وعناصر أخرى من المانيا والنمسا، طار"كينت" إلى فينا في السابع من يناير1971، ليسحب الخطة النهائية وليححد ميعاد تنفيذ العملية، والذي أتفق على أن يكون بعد شهرآخر. لقد أكمل "كينت" شخصيا كل ما يتعلق بتجهيزات السلاح في براغ، وعقد في"آبيفيل" مدينة بفرنسا لقاء نهائيا مع طاقم السفينة "كونكويستادور8".

أبحرت السفينة من فرنسا يوم 25، لتصل ميناء "برينديسي" بإيطاليا في 27 يناير، أما "كينت" و"غريغور" وكيل الشحن اليغوسلافي فقد أخرج صناديق السلاح بعد ان دفع رسوم التخزين والجمارك في "بلوش" ودفع "كينت" مستحقات"قريغور". كل شئ بدى على ما يرام،حتى اليوم التالي؛ حين وصل خبر من"جيف ثامبسون" أحد المرتزقة يفيد بأنه بمجرد وصول السفينة "كونكويستادور8" إلى ميناء "باري" في 26 يناير، بدأ البوليس الإيطالي يكثفون مراقبته ولتحركات السفينة .

وفي صباح يوم الجمعة 28 ينايرأستيقظ "جبف" وهو نائم في غرفته في الفندق على رجل إنجليزي يرتدي بدلة سوداء ويمسك بيده مظلة مطوية. قدم نفسه على أنه يمثل المخابرات البريطانية. سرد الرجل سجل"جيف"العسكري وتاريخ عائلته بالتفصيل، وقال له قد يكون الأمر غير سار بالنسبة إليه في حالة إستمراره في عملية"هيلتون". وعندما قاد "جبف" سيارته في اليبوم التالي إلي"تريستا" لينتظر السفينة "كونكوادور8" تلقي مكالمة غير ودية من نفس رجل المخابرات البريطانية يخبره بأنه عازم على زبارته غدا الثامنة صباحا، لكن "جيف" غادر مسرعا إلى الحدود النمساوية قبل وصول الرجل. إكتشف أن سيارة الشرطة الإيطالية تلاصق سيارته وتتعقبها حتى غادر الحدود. بعدها طار"جيف" ليقابل "كينت" في فرانكفورت. وهناك تخلي عن عملية "هيلتون" نهائيا .

يتبع ...

الاثنين، 4 مايو 2015

مقال :الدولة العثمانية فى آثار الشيخ الطاهر الزاوي ..د.فاتح قدارة

مقال :الدولة العثمانية فى آثار الشيخ الطاهر الزاوي ..د.فاتح قدارة ، العدد 16 ، المجلد 4 ، نوفمبر، 2014 ، حولية علمية محكمة تصدر عن مركز البحوث والاستشارات العلمية والتدريب بجامعة الزاوية، لتحميل المقال من هنا

الأحد، 26 أبريل 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (7) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم.


لندرك أول الأمر مدى المرارة التي سببتها الحماية الأمريكية للقدافي، حيث كان هناك عقيدان ليبييان هما أحمد حواز و موسى أحمد، وزيري الدفاع والداخلية في حكومة القدافي الأولى التي شكلت في سيبتمبر 1969. لم يكن كلا الرجلين من داخل الحلقة التي تظم الخلية الأولى ولا الثانية للثوريين الذين خططوا للإنقلاب. وأن كليهما إنظم لمجلس قيادة الثورة في اللحظة الأخيرة قبل نجاح الإنقلاب. والرجلين ينتميان إلى برقة ولهما علاقات عسكرية جيدة، وفوق كل ذلك، تربطهما علاقات صداقة بالبريطانيين والأمريكيين. وجاء تقييمهم لثورة القدافي مطمئنا للغربيين ومبعوث عبد الناصر فوق العادة محمد حسنين هيكل، كما ساعدا على بيع الإنقلاب إلى لندن وواشنطن والنجاح في الحصول على تأكيد عدم التدخل وإعتراف العاصمتين الغربيتين الرئسييتين . 

  قبل نهاية شهر سبمتبر1969، خرج القدافي وجلود وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة من مقر قيادتهم الأولى بمبنى دار الإذاعة، إلى ثكنات باب العزيزية بالقرب من بوبات طرابلس، لطلب مزيد من الحماية. لم يطل الوقت حتي تبين سريعا بأن الأمر في مجلس قيادة الثوة لم يكن علي ما يرام. هناك صراعا حول المراكز القيادية والأعمال والمهمات الأخري، ربما لم يكن ظاهرا للعيان، تماما كما حدث مع موسى أحمد وأحمد الحواز. إن المعروف عن القدافي أنه مفرط في الحذر إلى درجة إصابته بما يطلق عليه في علم النفس "البارانويا" وهو نزعة جنون الشك والإرتياب من الآخرين والتي تجعل المصاب بها لا يثق فيهم ثقة مطلقة، سواء ممن يعرفهم أو يظن أنه يعرفهم. القدافي أصبح يشعر بأن هناك مؤامرة تحاك فيما بين الدخلاء مثل موسى والحواز، والذين يمسكون بخيوط مجلس قيادة الثورة، ويوجهون قوات الأمن في وزارتي الدفاع والداخلية. تلقى القدافي في وقت ما في ديسمبر1969، تحذيرا إما من رئيس مركز (سي آى إي) نفسه أو عميل أمريكي آخر يعمل تحت إمرة الجيش أو تحت غطاء هيئات أخرى، بأن هناك بالفعل مؤامرة حقيقية يحيكها ضده ضابطان سابقان ليسا جديرين بالثقة وذوي ميول غربية هما موسى أحمد وآدم الحواز. في الحادي عشر من ديسمبر، ألقى حرس القدافي الخاص القبض على الحواز وموسى أحمد، وقدما للمحاكمة مع ستة آخرين، وأصدرت المحكمة بحقهم أحكاما لمدة ستة أشهر سجن، غير أن العقوبة أزدادت لاحقا في أكتوبر 1970، على يد محكمة شعبية جديدة.

 روجت جهة ما بنجاح،"بروباقندا "سوداء" مضادة للإتحاد السوفييتى، ويرجح على وجه التقريب أنها وكالة المخابرات الأمريكية. وذلك حين ساء وضع الكرملين في ليبيا، عندما أخذ إعترافه بالنظام الليبي الجديد وقتا أطول مما أخذه الأمريكيون والبريطانيون. إلى جانب توزيع نسخة من كتاب روسي مترجمه إلي العربية في طرابلس، يوجه فيها الكتاب نقدا عنيفا للإسلام. من المعتاد في مثل هذه الأحوال أن الطرف المعتدى عليه، له أن يطالب بحقوقه من الطرف المعتدي، سواء كان الإتحاد السوفييتي أو أمريكا والتي عانت هي الأخرى من تأثير عمليات "البروباقاندا السوداء". ولكن في حالة السوفييت هذه، تعذرعليهم نكران موثوقية الكتاب، غير أنهم أصروا علي أنه معد فقط لٌلإستعمال الداخلي في الإتحاد السوفييتي. كل ذلك ساعد علي توزيع رسالة حول الشرق الأوسط مفادها أن القذافي رجل أمريكا.

 إن جمال عبد الناصر كشخصية رئيسية مميزة، عرف بصورة جيدة التأثير المحدود لذلك على البسطاء من قراء الصحف العربية أو مستمعي أجهزة الترانزيستور. إن جهاز المخابرات الأمريكية لم يدعي بأنه إخترق مجلس قيادة ثورة عبد الناصر في مصر، أو عرف بدقة عن ثورة يوليو 1952 قبل حدوثها .

وعلى الرغم من أن القذافي قد أنهي بشكل سريع القواعد البريطانية والأمريكية، إلا أن إدارة نيكسون كان لها أسبابها لتري في القدافي رجلا جيدا لا يمكن تجاوزه، حتى إذا لم تربطنا به صداقة. لأن القدافي لم يكتفي مثلا بشجب دور السوفييت في الحرب الباكستانية - الهندية سنة1971، على نحو محدود، بل تعداه إلى إرسال سرب من "مقاتلات الحرية" من قاذفاة (ف-5) التي زود بها النظام الملكي قبل الثورة (الإنقلاب) إلى باكستان. كما تعاون مع الرئيس المصري السادات في أغسطس 1971، في سحق إنقلاب الشيوعيين السودانيين على الرئيس جعفر النميري، بقطع الطريق على طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تحمل علي ظهرها إثنين من زعماء الإنقلاب البارزين وإجبارها على الهبوط بليبيا، وتسليمهما إلى النميري بالخرطوم ليتم شنقهما . 


 وفي السنة التالية تدخل القدافي في السياسة اليمنية على نحو أدخل السرور المتناهي علي الولايات المتحدة الأمريكية. كان اليمن وقتها يمر بفترة نقاهة من حرب أهلية طويلة. أيدت فيها السعودية والمرتزقة الأوروبيون العائلة المالكة اليمنية في مواجهة"الجمهوريين" الذين يدعمهم عبد الناصر والإتحاد السوفييتي. وأنهت تلك الحرب المرحلة الدولية الحادة بإنسحاب آخر للقوات المصرية من اليمن في 1967، وتركت اليمن مقسمة، الشمال تديره قبائل تدعمها السعودية، والجنوب ينعطف بتوسع على نحو شبيه بنمط خلطة القدافي النكدة، ثورة وحكومة بالداخل على النمط الماركسي .

بحثا عن دعم القدافي وكسب وده، قدم وفدان يمنيان متنافسان إلى طرابلس. وعندها أخبرهم القدافي بأن عليهم أن يحققوا ما بدأه فعلا ودعي إليه جميع الدول العربية وهو الإتحاد ما دامت القوي العظمى تسعى إلى تقسيم العرب. اقترح القدافي في مقابل ذلك على العرب أن يقاوموا ويتوحدوا. وفي طرابلس قفل القدافي باب الحجرة التي وضع فيها أعضاء البعثتين، وأخبرهم حرفيا بأنهم لا يمكنهم الخروج من الحجرة إلا بعد أن يتفقوا علي إنجاز وحدة مبنية على أسس أسلامية وليست ماركسية، ولكن علي النمط الجديد الذي إنبثق عنه الإتحاد الإشتراكي الليبي – وهو نسخة القدافي من الحزب السياسي العام الوحيد لعبد الناصر .

للخروج من الأزمة وعدم البقاء في الحجرة المقفلة، وقع الوفدان اليمنيان أيتفاقية كيفما إتفق. وفي السياسة اليمنية ليس هناك شيئ يقرر، ويبقى. إستمر القدافي في تزويد الطرفين بالسلاح (مفضلا الطرف الذي عندما يشعر أنه مهدد من الطرف الآخر). كما قام لوقت قصير بتسليح سلطان عمان حليف أمريكا وبريطانيا ضد عصابات حركة ضفار التي يدعمها الماركسيون اليمنيون . 


 إلى جانب تتابع مثل هكذا خطوط سياسية خارجية، عمل القدافي ايضا على التودد إلى واشنطن بنغمة عذبة من التوترات المضاد للشيوعية ليست مختلفة عن التي سمعت من مصر عبد الناصر، حيث لا زال الشيوعيون يقبعون بجانب (الإخوان المسلمين وغيرهم من المصنفين كأعداء للنظام) في معسكرات الإعتقال. إن إلغاء القدافي لجميع الأحزاب السياسية في ليبيا بكل قسوة كان يعني به البعثيين سواء من ذوي القناعات العراقية أوالسورية. وكذلك الإشتراكيين على إختلاف إنتماءاتهم، وبالطبع بما فيهم الشيوعيين. وهكذا شعرت واشنطن بالإرتياح على الرغم من موقف القدافي المتهور حيال إسرائيل والمسألة الفلسطينية، إلا أنه كان قاسيا مع الشيوعية، ولم يسمح للسوفييت مطلقا الحصول على إي موقع قدم، لا عسكريا أوسياسيا ولا إيديولوجيا في شمال أفريقيا .

لم تحمل أي من هذه الإعتبارات أي وزن لأعداء القدافي الليبيين، ولا لخصومه الذين صنعهم جراء نشاطاته الهدامة، بذريعة الوحدة العربية في المغرب وتونس، وبعدها في مصر والسودان والشاد، وجيران أخرين من دول أفريقيا السوداء. لقد أرادوا قتل القدافي. روى "باتريك سييل" و"ماورين ماك كونفيلي" في كتابهم "عملية الهيلتون" القصة كاملة، عدي أنهم غيروا الأسماء الحقيقية إلى صفات وهمية. وعلى الرغم من أن روايتهم لم تكن مقنعة لمن خالفهم من الغربيين، غيرأنه قاد ألى حقيقة لا ريب فيها وهي أن المخابرات الأمريكية عاملة مع المخابرات البريطانية والإيطالية أحبطت الخطة المعدة بشكل محكم لإغتيال القدافي. كانت مجموعة من المرتزقة الأوروبيين مقرر لهم أن يحطوا على الساحل القريب من طرابلس ويهجموا على السجن الرئيسي. وكانت كلمة السر"هيلتون" (غير أنه لا يوجد فندق هيلتون في ليبيا). وكان على هؤلاء المرتزقة أن يشجعوا ويسلحوا عدة مئات من المساجين المعارضين، وأغلبهم ينتمون للنظام السابق، وبالتالي عليهم مهاجمة القدافي ورفاقه في معسكرات باب العزيزية التي تقع على بعد أميال قليلة فقط من نقطة إنطلاقهم . 


 القصة كما أوردها كل من"سيل، وماك كونفيل"، أتاحت في وقت متأخرمن يوليو 1970 في لندن للجندي الجنوب أفريقي"ستيف راينولدس" فرصة إتصالات مثمرة بالعقيد المتقاعد "ديفيد إيستيرلنج" بطل العديد من عمليات عنيفة لحرب العصابات الغير نظامية في جنوب أفريقيا وأماكن أخري أثناء الحرب العالمية الثانية. هناك مهاجرون ليبيون متواجدون في روما، تولي قيادتهم المستشار الملكي السابق عمر الشلحي ( نفس الشلحي أخو عبدالعزيز الذي كان يخطط لإنقلاب خاص به، مثله مثل أخيه عمر الذي طار إلى لندن ليسأل البريطانيين التدخل ضد القدافي، في سبتمبر 1969). أراد أولائك المغتربون الليبيون إستأجارعصبة من المرتزقة الأوروبيين لتوجيه ضربة سريعة للقدافي.كان"جيمس كينت وشريكه إستيرلنج" التي كانت تجربته في اليمن وأماكن أخرى شهدت بأفعال المرتزقة الجريئة. بدى الأمر مريحا لهما لعدم وجود تدخل شيوعي، ولوجود الكثير من الليبيين بجانب الشلحي، كما أن الليبيين يتطلعون لرؤية نهاية للقدافي، ولذلك يجب العملية أن تتم علي نحو متقن .

منذ 1967 كان ستيرلينج" يقود منظمة أمنية خاصة تدعي "وتش جارد"،والتي باعت الخبرة العسكرية والتدريب المضاد للإرهاب لحكام أفريقيا والشرق الأوسط، والذين يطلبون المزيد من تزويدهم بحراس الأمن الشخصي، مفضلينهم على حراسهم الذي يطلق عليهم"البودي قارد". بالرغم من أن منظمة "وتش جارد" لم تكن مدرجة على قائمة "عملية هيلتون"، ومع ذلك توفر للمشاركة في العملية بعض المحاربين البريطانيين الإشداء والذي عملوا كفدائيين في مرافق القوات الجوية البريطانية الخاصة. كان "ستيرلينج" يحاول إقناع المخابرت الأمريكية بتشكيل منظمة أمريكية بديل"وتش جارد"، ولكن (سي آى إي) إنكوت بنارعملية"خليج الخنازير"مع المغتربين الكوبيين وتشكيل من المرتزقة في كوبا. وكذلك في فيتنام وأماكن أخرى حيث كان الأمر إن ذاك يسير على نحو مرضي . 

 كان كلا من "ستيرلينج وكينت" يشعران بأن لا الأمريكيين ولا البريطانيين سيعترضان على الإطاحة بالقدافي، خاصة إذا نفذت العملية ووفقا لخطة "هيلتون"، بمشاركة المرتزقة الذين سيبادروا فقط بالضغط علي الزناد وتفجير ما هو في الأساس مهمة ليبية سيتم نهايتها االليبيون أنفسهم. في الثامن عشر من مايو1970، تعزز هذا الأمرعندما ناقش رجل دولة بريطاني متقاعد في وقت لاحق مسألة القدافي مع "ستيرلينج وكينت" حول مضاعفات هذه المسألة. ووضعوا على قائمة صغيرة ستة عناصرمن قادة القوة المعدة لتنفيذ هذه الضربة للقدافي، والذي كان أحدهم عن طريق الصدفة ليس عدى عمرالشلحي الذي قابله "راينولد" من قبل في روما .

يعيش عمر الشلحي حياة باذخة في فيلة محصنة خارج جنيف ، كسب ثروة عن طريق دوره كوكيل ذي نفوذ لشركات النفط، ومؤسسات تجارية خارجية، عندما كانت ليبيا تعيش طفرة 1960 النفطية. وحصن ثروته هذه في عدة بنوك في سويسرا وأماكن أخرى. ومنذ الرفض الذي واجهته بريطانيا وأمريكيا إستعمالهما لقواعد التدخل السافر التي لا زالت متواجدة على الأرض الليبية. لذا عزم الشلحي القيام بالمهمة بشكل علني وعلى نحو مقنع إذا أمكن .

في أواخر يوليو 1970 ركب ”ستيف رابنولد" الطائرة إلى روما ليقابل الشلحي للمرة الثانية ليعلمه بأن القوة البشرية والتقنية لتنفيذ عملية هيلتون أصبحت جاهزة في إينجلتيرا. وفي التاسع من أغسطس 1970، إلتقي "راينولدز" "بستيرلينج" في كير" مكان سكنى عائلته في الريف الإسكتلندي، حيث كان يقضي فترة نقاهة بعد حادث سيارة، وبعد وصول "كينت"، قررالثلاثة تنفيذ عملية "هيلتون" قبل منتصف سيبتمبر1070. وعزز"كينت" عملية مركز لندن بتجنيد إثنين من رجال منظمة "وتش قارد" السابقين .

بعد إعادة النظر ونبذ خيارات مثل الإجتياح عن طريق البرمن تونس بواسطة السيارات، أو بواسطة الرحلات الجوية النظامية الخاصة من أوروبا. تقرر أن قوة الإقتحام لابد أن تتم عبر ساحل البحر.


 أخذ ”كينت- وستيرلينج" بعين الإعتبار المهالرات القتالية الضرورية لدى أعضاء فريق الغزو المتعاقد معهم. في مقابل أجرعرضه الشلحي بقيمة خمسة آلاف دولار للرجل الواحد. إستقل إثنان من قادة الفريق الطائرة إلى طرابلس، منتحلين صفة رجال الأعمال ليستكشفا السجن وما يحيط به. وكانت مهمتهما هي رسم الخرائط ومتطلبات الهجوم السريع، وبمجرد تحرير 150 إلى 200 من قدماء ضباط الجيش الليبي ورجال الشرطة للنظاام السابق وتسليحهم وإطلاق سراحهم، ثم عليهم أن يتحركوا ضد القدافي، وينطلقوا بسرعة خاطفة في نفس اللحظة لإختراق الباب الخارجي ومراقبة السجن. كما بعث الرجلان رسالة إلى"رينولدس" الذي أوكل إليه توريد السلاح والمتفجرات بما في ذلك مضادات الدروع، من الشركة التشيكية "أومنيبول" لبيع السلاح، والتي تتعامل علي نطاق واسع مع الكتلة السوفيتية " لتجارة تصدير السلاح". وللتغطية على وسيلة آمنة للتعاون الليبي، ولتحقيق ذلك توصل"راينولد" إلى إرسال معلومة إلى سلطات القدافي، بأن هناك خط طيران صغير، يستعمل الممر الجوي الليبي لرحلات بين "ليكسينبورغ" وجنوب إفريقيا، مخترقة الحظر الجوي على نظام بريتوريا"الأبرتايد". فأكتسب بذلك رضا الليبيين و ثقتهم. 

يتبع ...

الثلاثاء، 31 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (7) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم


لندرك أول الأمر مدى المرارة التي سببتها الحماية الأمريكية للقدافي، حيث كان هناك عقيدان ليبييان هما أحمد حواز و موسى أحمد، وزيري الدفاع والداخلية في حكومة القدافي الأولى التي شكلت في سيبتمبر 1969. لم يكن كلا الرجلين من داخل الحلقة التي تظم الخلية الأولى ولا الثانية للثوريين الذين خططوا للإنقلاب. وأن كليهما إنظم لمجلس قيادة الثورة في اللحظة الأخيرة قبل نجاح الإنقلاب. والرجلين ينتميان إلى برقة ولهما علاقات عسكرية جيدة، وفوق كل ذلك، تربطهما علاقات صداقة بالبريطانيين والأمريكيين. وجاء تقييمهم لثورة القدافي مطمئنا للغربيين ومبعوث عبد الناصر فوق العادة محمد حسنين هيكل، كما ساعدا على بيع الإنقلاب إلى لندن وواشنطن والنجاح في الحصول على تأكيد عدم التدخل وإعتراف العاصمتين الغربيتين الرئسييتين .

قبل نهاية شهر سبمتبر1969، خرج القدافي وجلود وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة من مقر قيادتهم الأولى بمبنى دار الإذاعة، إلى ثكنات باب العزيزية بالقرب من بوبات طرابلس، لطلب مزيد من الحماية. لم يطل الوقت حتي تبين سريعا بأن الأمر في مجلس قيادة الثوة لم يكن علي ما يرام. هناك صراعا حول المراكز القيادية والأعمال والمهمات الأخري، ربما لم يكن ظاهرا للعيان، تماما كما حدث مع موسى أحمد وأحمد الحواز. إن المعروف عن القدافي أنه مفرط في الحذر إلى درجة إصابته بما يطلق عليه في علم النفس "البارانويا" وهو نزعة جنون الشك والإرتياب من الآخرين والتي تجعل المصاب بها لا يثق فيهم ثقة مطلقة، سواء ممن يعرفهم أو يظن أنه يعرفهم. القدافي أصبح يشعر بأن هناك مؤامرة تحاك فيما بين الدخلاء مثل موسى والحواز، والذين يمسكون بخيوط مجلس قيادة الثورة، ويوجهون قوات الأمن في وزارتي الدفاع والداخلية. تلقى القدافي في وقت ما في ديسمبر1969، تحذيرا إما من رئيس مركز (سي آى إي) نفسه أو عميل أمريكي آخر يعمل تحت إمرة الجيش أو تحت غطاء هيئات أخرى، بأن هناك بالفعل مؤامرة حقيقية يحيكها ضده ضابطان سابقان ليسا جديرين بالثقة وذوي ميول غربية هما موسى أحمد وآدم الحواز. في الحادي عشر من ديسمبر، ألقى حرس القدافي الخاص القبض على الحواز وموسى أحمد، وقدما للمحاكمة مع ستة آخرين، وأصدرت المحكمة بحقهم أحكاما لمدة ستة أشهر سجن، غير أن العقوبة أزدادت لاحقا في أكتوبر 1970، على يد محكمة شعبية جديدة.

روجت جهة ما بنجاح،"بروباقندا "سوداء" مضادة للإتحاد السوفييتى، ويرجح على وجه التقريب أنها وكالة المخابرات الأمريكية. وذلك حين ساء وضع الكرملين في ليبيا، عندما أخذ إعترافه بالنظام الليبي الجديد وقتا أطول مما أخذه الأمريكيون والبريطانيون. إلى جانب توزيع نسخة من كتاب روسي مترجمه إلي العربية في طرابلس، يوجه فيها الكتاب نقدا عنيفا للإسلام. من المعتاد في مثل هذه الأحوال أن الطرف المعتدى عليه، له أن يطالب بحقوقه من الطرف المعتدي، سواء كان الإتحاد السوفييتي أو أمريكا والتي عانت هي الأخرى من تأثير عمليات "البروباقاندا السوداء". ولكن في حالة السوفييت هذه، تعذرعليهم نكران موثوقية الكتاب، غير أنهم أصروا علي أنه معد فقط لٌلإستعمال الداخلي في الإتحاد السوفييتي. كل ذلك ساعد علي توزيع رسالة حول الشرق الأوسط مفادها أن القذافي رجل أمريكا. إن جمال عبد الناصر كشخصية رئيسية مميزة، عرف بصورة جيدة التأثير المحدود لذلك على البسطاء من قراء الصحف العربية أو مستمعي أجهزة الترانزيستور. إن جهاز المخابرات الأمريكية لم يدعي بأنه إخترق مجلس قيادة ثورة عبد الناصر في مصر، أو عرف بدقة عن ثورة يوليو 1952 قبل حدوثها .

وعلى الرغم من أن القذافي قد أنهي بشكل سريع القواعد البريطانية والأمريكية، إلا أن إدارة نيكسون كان لها أسبابها لتري في القدافي رجلا جيدا لا يمكن تجاوزه، حتى إذا لم تربطنا به صداقة. لأن القدافي لم يكتفي مثلا بشجب دور السوفييت في الحرب الباكستانية - الهندية سنة1971، على نحو محدود، بل تعداه إلى إرسال سرب من "مقاتلات الحرية" من قاذفاة (ف-5) التي زود بها النظام الملكي قبل الثورة (الإنقلاب) إلى باكستان. كما تعاون مع الرئيس المصري السادات في أغسطس 1971، في سحق إنقلاب الشيوعيين السودانيين على الرئيس جعفر النميري، بقطع الطريق على طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تحمل علي ظهرها إثنين من زعماء الإنقلاب البارزين وإجبارها على الهبوط بليبيا، وتسليمهما إلى النميري بالخرطوم ليتم شنقهما .

وفي السنة التالية تدخل القدافي في السياسة اليمنية على نحو أدخل السرور المتناهي علي الولايات المتحدة الأمريكية. كان اليمن وقتها يمر بفترة نقاهة من حرب أهلية طويلة. أيدت فيها السعودية والمرتزقة الأوروبيون العائلة المالكة اليمنية في مواجهة"الجمهوريين" الذين يدعمهم عبد الناصر والإتحاد السوفييتي. وأنهت تلك الحرب المرحلة الدولية الحادة بإنسحاب آخر للقوات المصرية من اليمن في 1967، وتركت اليمن مقسمة، الشمال تديره قبائل تدعمها السعودية، والجنوب ينعطف بتوسع على نحو شبيه بنمط خلطة القدافي النكدة، ثورة وحكومة بالداخل على النمط الماركسي .

بحثا عن دعم القدافي وكسب وده، قدم وفدان يمنيان متنافسان إلى طرابلس. وعندها أخبرهم القدافي بأن عليهم أن يحققوا ما بدأه فعلا ودعي إليه جميع الدول العربية وهو الإتحاد ما دامت القوي العظمى تسعى إلى تقسيم العرب. اقترح القدافي في مقابل ذلك على العرب أن يقاوموا ويتوحدوا. وفي طرابلس قفل القدافي باب الحجرة التي وضع فيها أعضاء البعثتين، وأخبرهم حرفيا بأنهم لا يمكنهم الخروج من الحجرة إلا بعد أن يتفقوا علي إنجاز وحدة مبنية على أسس أسلامية وليست ماركسية، ولكن علي النمط الجديد الذي إنبثق عنه الإتحاد الإشتراكي الليبي – وهو نسخة القدافي من الحزب السياسي العام الوحيد لعبد الناصر .

للخروج من الأزمة وعدم البقاء في الحجرة المقفلة، وقع الوفدان اليمنيان أيتفاقية كيفما إتفق. وفي السياسة اليمنية ليس هناك شيئ يقرر، ويبقى. إستمر القدافي في تزويد الطرفين بالسلاح (مفضلا الطرف الذي عندما يشعر أنه مهدد من الطرف الآخر). كما قام لوقت قصير بتسليح سلطان عمان حليف أمريكا وبريطانيا ضد عصابات حركة ضفار التي يدعمها الماركسيون اليمنيون .

إلى جانب تتابع مثل هكذا خطوط سياسية خارجية، عمل القدافي ايضا على التودد إلى واشنطن بنغمة عذبة من التوترات المضاد للشيوعية ليست مختلفة عن التي سمعت من مصر عبد الناصر، حيث لا زال الشيوعيون يقبعون بجانب (الإخوان المسلمين وغيرهم من المصنفين كأعداء للنظام) في معسكرات الإعتقال. إن إلغاء القدافي لجميع الأحزاب السياسية في ليبيا بكل قسوة كان يعني به البعثيين سواء من ذوي القناعات العراقية أوالسورية. وكذلك الإشتراكيين على إختلاف إنتماءاتهم، وبالطبع بما فيهم الشيوعيين. وهكذا شعرت واشنطن بالإرتياح على الرغم من موقف القدافي المتهور حيال إسرائيل والمسألة الفلسطينية، إلا أنه كان قاسيا مع الشيوعية، ولم يسمح للسوفييت مطلقا الحصول على إي موقع قدم، لا عسكريا أوسياسيا ولا إيديولوجيا في شمال أفريقيا .

لم تحمل أي من هذه الإعتبارات أي وزن لأعداء القدافي الليبيين، ولا لخصومه الذين صنعهم جراء نشاطاته الهدامة، بذريعة الوحدة العربية في المغرب وتونس، وبعدها في مصر والسودان والشاد، وجيران أخرين من دول أفريقيا السوداء. لقد أرادوا قتل القدافي. روى "باتريك سييل" و"ماورين ماك كونفيلي" في كتابهم "عملية الهيلتون" القصة كاملة، عدي أنهم غيروا الأسماء الحقيقية إلى صفات وهمية. وعلى الرغم من أن روايتهم لم تكن مقنعة لمن خالفهم من الغربيين، غيرأنه قاد ألى حقيقة لا ريب فيها وهي أن المخابرات الأمريكية عاملة مع المخابرات البريطانية والإيطالية أحبطت الخطة المعدة بشكل محكم لإغتيال القدافي. كانت مجموعة من المرتزقة الأوروبيين مقرر لهم أن يحطوا على الساحل القريب من طرابلس ويهجموا على السجن الرئيسي. وكانت كلمة السر"هيلتون" (غير أنه لا يوجد فندق هيلتون في ليبيا). وكان على هؤلاء المرتزقة أن يشجعوا ويسلحوا عدة مئات من المساجين المعارضين، وأغلبهم ينتمون للنظام السابق، وبالتالي عليهم مهاجمة القدافي ورفاقه في معسكرات باب العزيزية التي تقع على بعد أميال قليلة فقط من نقطة إنطلاقهم .

القصة كما أوردها كل من"سيل، وماك كونفيل"، أتاحت في وقت متأخرمن يوليو 1970 في لندن للجندي الجنوب أفريقي"ستيف راينولدس" فرصة إتصالات مثمرة بالعقيد المتقاعد "ديفيد إيستيرلنج" بطل العديد من عمليات عنيفة لحرب العصابات الغير نظامية في جنوب أفريقيا وأماكن أخري أثناء الحرب العالمية الثانية. هناك مهاجرون ليبيون متواجدون في روما، تولي قيادتهم المستشار الملكي السابق عمر الشلحي ( نفس الشلحي أخو عبدالعزيز الذي كان يخطط لإنقلاب خاص به، مثله مثل أخيه عمر الذي طار إلى لندن ليسأل البريطانيين التدخل ضد القدافي، في سبتمبر 1969). أراد أولائك المغتربون الليبيون إستأجارعصبة من المرتزقة الأوروبيين لتوجيه ضربة سريعة للقدافي.كان"جيمس كينت وشريكه إستيرلنج" التي كانت تجربته في اليمن وأماكن أخرى شهدت بأفعال المرتزقة الجريئة. بدى الأمر مريحا لهما لعدم وجود تدخل شيوعي، ولوجود الكثير من الليبيين بجانب الشلحي، كما أن الليبيين يتطلعون لرؤية نهاية للقدافي، ولذلك يجب العملية أن تتم علي نحو متقن .

منذ 1967 كان ستيرلينج" يقود منظمة أمنية خاصة تدعي "وتش جارد"،والتي باعت الخبرة العسكرية والتدريب المضاد للإرهاب لحكام أفريقيا والشرق الأوسط، والذين يطلبون المزيد من تزويدهم بحراس الأمن الشخصي، مفضلينهم على حراسهم الذي يطلق عليهم"البودي قارد". بالرغم من أن منظمة "وتش جارد" لم تكن مدرجة على قائمة "عملية هيلتون"، ومع ذلك توفر للمشاركة في العملية بعض المحاربين البريطانيين الإشداء والذي عملوا كفدائيين في مرافق القوات الجوية البريطانية الخاصة. كان "ستيرلينج" يحاول إقناع المخابرت الأمريكية بتشكيل منظمة أمريكية بديل"وتش جارد"، ولكن (سي آى إي) إنكوت بنارعملية"خليج الخنازير"مع المغتربين الكوبيين وتشكيل من المرتزقة في كوبا. وكذلك في فيتنام وأماكن أخرى حيث كان الأمر إن ذاك يسير على نحو مرضي .

كان كلا من "ستيرلينج وكينت" يشعران بأن لا الأمريكيين ولا البريطانيين سيعترضان على الإطاحة بالقدافي، خاصة إذا نفذت العملية ووفقا لخطة "هيلتون"، بمشاركة المرتزقة الذين سيبادروا فقط بالضغط علي الزناد وتفجير ما هو في الأساس مهمة ليبية سيتم نهايتها االليبيون أنفسهم. في الثامن عشر من مايو1970، تعزز هذا الأمرعندما ناقش رجل دولة بريطاني متقاعد في وقت لاحق مسألة القدافي مع "ستيرلينج وكينت" حول مضاعفات هذه المسألة. ووضعوا على قائمة صغيرة ستة عناصرمن قادة القوة المعدة لتنفيذ هذه الضربة للقدافي، والذي كان أحدهم عن طريق الصدفة ليس عدى عمرالشلحي الذي قابله "راينولد" من قبل في روما .

يعيش عمر الشلحي حياة باذخة في فيلة محصنة خارج جنيف ، كسب ثروة عن طريق دوره كوكيل ذي نفوذ لشركات النفط، ومؤسسات تجارية خارجية، عندما كانت ليبيا تعيش طفرة 1960 النفطية. وحصن ثروته هذه في عدة بنوك في سويسرا وأماكن أخرى. ومنذ الرفض الذي واجهته بريطانيا وأمريكيا إستعمالهما لقواعد التدخل السافر التي لا زالت متواجدة على الأرض الليبية. لذا عزم الشلحي القيام بالمهمة بشكل علني وعلى نحو مقنع إذا أمكن .

في أواخر يوليو 1970 ركب ”ستيف رابنولد" الطائرة إلى روما ليقابل الشلحي للمرة الثانية ليعلمه بأن القوة البشرية والتقنية لتنفيذ عملية هيلتون أصبحت جاهزة في إينجلتيرا. وفي التاسع من أغسطس 1970، إلتقي "راينولدز" "بستيرلينج" في كير" مكان سكنى عائلته في الريف الإسكتلندي، حيث كان يقضي فترة نقاهة بعد حادث سيارة، وبعد وصول "كينت"، قررالثلاثة تنفيذ عملية "هيلتون" قبل منتصف سيبتمبر1070. وعزز"كينت" عملية مركز لندن بتجنيد إثنين من رجال منظمة "وتش قارد" السابقين .

بعد إعادة النظر ونبذ خيارات مثل الإجتياح عن طريق البرمن تونس بواسطة السيارات، أو بواسطة الرحلات الجوية النظامية الخاصة من أوروبا. تقرر أن قوة الإقتحام لابد أن تتم عبر ساحل البحر.

أخذ ”كينت- وستيرلينج" بعين الإعتبار المهالرات القتالية الضرورية لدى أعضاء فريق الغزو المتعاقد معهم. في مقابل أجرعرضه الشلحي بقيمة خمسة آلاف دولار للرجل الواحد. إستقل إثنان من قادة الفريق الطائرة إلى طرابلس، منتحلين صفة رجال الأعمال ليستكشفا السجن وما يحيط به. وكانت مهمتهما هي رسم الخرائط ومتطلبات الهجوم السريع، وبمجرد تحرير 150 إلى 200 من قدماء ضباط الجيش الليبي ورجال الشرطة للنظاام السابق وتسليحهم وإطلاق سراحهم، ثم عليهم أن يتحركوا ضد القدافي، وينطلقوا بسرعة خاطفة في نفس اللحظة لإختراق الباب الخارجي ومراقبة السجن. كما بعث الرجلان رسالة إلى"رينولدس" الذي أوكل إليه توريد السلاح والمتفجرات بما في ذلك مضادات الدروع، من الشركة التشيكية "أومنيبول" لبيع السلاح، والتي تتعامل علي نطاق واسع مع الكتلة السوفيتية " لتجارة تصدير السلاح". وللتغطية على وسيلة آمنة للتعاون الليبي، ولتحقيق ذلك توصل"راينولد" إلى إرسال معلومة إلى سلطات القدافي، بأن هناك خط طيران صغير، يستعمل الممر الجوي الليبي لرحلات بين "ليكسينبورغ" وجنوب إفريقيا، مخترقة الحظر الجوي على نظام بريتوريا"الأبرتايد". فأكتسب بذلك رضا الليبيين و ثقتهم.

يتبع ...

الاثنين، 23 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (6) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

تقديم : 
 
أخترت للقراء تقديم الفصل الخامس من كتاب جون كيلي عاصفة رملية ليبية، بالرغم من أن شهادته جاءت بعد سنين من إنقلاب القدافي العميل وعصابته، وغطي فيها الفترة المبكرة من حكم الطاغية، وكيف أجهظت مخارات الغرب وأسرائيل كل المحاولات في سبيل الإطاحة بالقدافي. إن نشر هذه الشهادة في هذا الوقت سيميط اللثام عن عمالة القدافي ويكشف حقيقته الزائفة، بإعتبار المؤلف هو أحد مسؤولي المخابرات الأمريكية، فهو يسلط الضوء على أسرار غاية في الأهمية، ويفضح إرتباط القدافي بالقوي الغربية وعلي رأسها أمريكا، وبريطانيا وإيطاليا ومن ورائهم إسرائيل، جميعهم قدموا له الرعاية والحماية، والحفاط على إستمراره في السلطة. لا شك أن أغلب شرفاء الليبيين يعرفون تمام المعرفة حقيقة هذا الرجل الشاذ وعمالته. ولكن شهادة أحد عناصرالمخابرات الأمريكية سيكون لها تأثيرها القوي في كشف حقيقة هذا العميل، وتجرده من الهالة الكاذبة التي يحيط بها نفسه. كما تدين هذه الشهادة أمريكا ودول الغرب وزيف إدعائهم الكاذب في الدفاع عن حقوق الإنسان وحريته. وجريمتهم في حق الشعب الليبي، بدعمهم لهذا المجرم ليكتم أنفاس الليبيين على أمتداد أربعة عقود، لأجل سرقة نفط ليبيا ونهب ثروتها . المترجم 

                                                                             ***

بعد بعد مضي الثلاثة سنوات الأولى على (ثورة) إنقلاب القدافي، تأكد للولايات المتحدة أن العقيد معمر القدافي وطني مشهود له بمناهظة الشيوعية على نحو لا يقبل الشك. ولعدة أسباب، سيتبين جليا بأن حماية الدرع الأمريكي ستشمله في وقت ليس بالبعيد .

ومع ذلك فقد فشل هذا الدرع في توفير الحماية لحلفاء أمريكا وأصدقائها، ودوبلماسييها أنفسهم من التآمر الليبي. وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في وقت متأخر من سنة 1977م، أن يجلس في المكتب البيضاوي، ويخط بيده ملاحظة على ورقة من أوراق البيت الأبيض، تركز وتضع العين على رجل واحد، وهو العقيد معمرالقدافي، ثم تولى رسول ديبلوماسي الإسراع لإيصال محتواها إلى طرابلس.

لم يكن هناك ثمة مجال لضياع الوقت، فعندما علم كارتير ومجلس الأمن القومي، أن حياة سفير الولايات المتحدة في القاهرة "هيرمان فريدريك إيلتس"في خطر مميت. وهوالرجل اللبق الذي يتحدث العربية بطلاقة وكفائة عالية، والذي عينه سابقا الرئيس نيكسون للعمل بجانب وزير الخارجية هنري كسينجر لتسهيل مهمة إنعطافة الرئيس السادات نحو صداقة الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح هذا الرجل هدفا لمآمرة ليبية مميتة .

شمل سجل"إيليتس" الوظيفي المميز عندما كانت الولايات المتحدة تقوم بتوفير الحماية للقدافي. فترة عمل في المملكة العربية السعودية، تمكن خلالها، بالرغم من الخلافات حول المسألة الإسرائلية من فعل الكثير لكسب صداقة وثقة الملك فيصل. أما بالنسبة للقدافي، فقد بدى واضحا أنه إعتبر إيليتس رجلا خطيرا، كما أصيب بخيبة أمل حياله بعد أن تمكن آليتس هذا، من كسب ثقة السادات إيضا، وساعد على جذبه إلى ما كان يعتبره القدافي"معسكرالصهيونية والإمبريالية.

تمكن ثلاثة ليبييون من التسلل إلى مصر، بعد أن تم تدريبهم في مدارس القدافي الإرهابية، على أساس تبادل التقنيين الزراعيين بين البلدين. كانت مهمتهم هي تعقب تحرك إيليتس والقضاء عليه. كان مستشاري السادات ورجال شرطته يبذلون كل جهودهم في تتبع تحركات التآمر الليبي لإغتيال السادات، والتحريض علي القيام بالعنف في الشوارع المصرية. إنها مؤامرة لا مثيل لها في التدبير والتخطيط .

إندس أحد عناصر المخابرات الأمريكية داخل مؤسسات القدافي كمدرب إرهاب، فتمكن من الحصول على تفاصيل الخطة، وسربها إلى واشنطن خطوة بخطوة. وكان هذا المخبر الأمريكي يعمل إلى جانب تدريب الإرهابيين، عميلا مزدوجا، يعمل لحساب القدافي وفي نفس الوقت يرسل المعلومات إلى واشنطن.

كان هناك نقاش ممزوج بالمرارة في البيت الأبيض بين فئة قليلة من الأعضاء البارزين لجهاز المخابرات الأمريكية الذين أحيطوا علما بمآمرة القضاء على إيلتس، حول متي يجب إستدعاء عميل الولايات المتحدة وإذا تم ذلك في وقت سابق لإوانه. قد تتخذ القاهرة إحتياطات أمنية ظاهرة للعيان لحماية إيلتس، وعندها قد يتمكن القدافي من أن يشتم المخبر ويكتشف تواجده، وعندها قد تتعرض حياة العميل للخطر بجانب حياة آخرين من بين أكثر من ألفين من المقاولبين لإعمال النفط ورجال الأعمال العاملين بليبيا. حينها كان البيت الأبيض بحاجة ماسة للحصول على التفاصيل النهائية للمؤامرة لكي يتصرف بحكمة ولباقة مع سلطات الأمن المصرية لإنقاذ حياة إيلتس .

بعد إنتظار الرئيس كارتر عدة أيام قبل أن تحين نقطة الصفر لعملية إيلتس والتي أعد لها في ليبيا، صمم على التصرف في الأمر بنفسه، ،فخط بيده مذكرة إلي القدافي، أنذره فيها على نحو مقتضب بأن الولايات المتحدة أحيطت علما بتفايل المآمرة. وليضفي على إنذارة صفة الجدية، أورد كارتر قليلا من التفاصيل حول مجموعة الإغتيال والغطاء الذي يعملون تحته .

بعد صمت إستمر لفترة قليلة، جاء رد القدافي :- إن كل ما في الأمر مجرد خرافة من صنع الخيال، وأن الرئيس قد وصلته أخبار مغلوطة، لأن الليبيين الثلاثة الذين أقحموا في هذه القضية هم أبرياء، ويبدو أن أحدا قام بالإدعاء عليهم، إن هؤلاء الثلاثة لم يدخلوا مصر إطلاقا. أما المخبر الأمريكي فقد نجح في الفرار من ليبيا وبذلك أحبطت "عملية إيلتس" برمتها. وعندما علم أولائك القلة من أفراد إدارة كارتير في البيت الأبيض بذلك، تنفسوا الصعداء .

غير أن مهمة "إيلتس" وإحباطاتها مثلت لدى إدارة كارتير وللولايات المتحدة نقطة تحول في موقفها نحو الإرهاب، سواء بالنسبة لليبيا أو للجماعات المتعددة الأخري. عمقت الحادثة إحترام القدافي لكارتر وإدارته، فيما رسخت في ذهن الرئيس، أحابيل القدافي الشريرة والتي هون منها كارتر بطبيعته عندما كتب تقريره إلى الكونجرس حول العلاقة المريبة التي ربطت أخيه بيلي التاجر المتجول بليبيا والتى أضافت لكارتير أذى وألما لا حدود له، ألحقه به إخيه بسلوكه البهلواني الغريب. فكتب :

"إن لدينا مع حكومات قليلة خلافات سياسية حادة ومتكررة أكثرمن ليبيا. ولكن ليبيا تقف بإستمرار في طريق جهودنا للوصول وتطبيق إتفاقية كانمب ديفيد ( بين إسرائيل ومصر والولايات المتحدة الأمريكبة في سنة 1979م). ولدينا موقف شديد الإختلاف نحو منظمة التحرير الفلسطينية، بلإظافة إلى دعم الإرهاب........"

عانت إدارة الرئيس رولاند ريجان كثيرا للتأكيد على أن الإتحاد السوفييتي وراء "شبكة الإرهاب العالمي" والذي وصفته "كليرستيرلينج" بدقة ووضوح في كتابها بنفس الإسم. وخلال الشهور الأولى لإدارة للرئيس ريجان، كان وزير خارجية أمريكا أليكسندرهيج يكررالإشارة بأن الإتحاد السوفيتي بطريقة أو بأخرى وراء الشرالذي ينشره الإرهاب بخاصة في العالم الغربي وأماكن أخري، بجانب أمريكا اللآتينية والشرق الأوسط. فقد جاء على لسان ناطق من الإدارة في يونيو سنة 1981م، بأن كحكومة الإتحاد السوفيتي، وكوبا، وليبيا، بطريقة مباشرة أوغير مباشرة تمول وتدرب وتدعم ماليا الإرهابيين وتسلحهم – ويجب أن يقال لها بكل وضوح بأن تصرفاتها غير مقبولة في عالم يسعي إلى الأمن والرخاء ..... .”

في وقت مبكر من إدارة الرئيس رولاند ريجان، إرتاع وزير الخارجية "هيج" من إحصائية سنة 1980م، لضحايا الإرهاب العالمي التي بلغت 760 عملية إرهابية عالمية أتت على حياة 642 شخصا، و 1078 جريحا، وأعلن بأن الولايات التمحدة سوف لن تتفاوض مع الإرهابيين، كما فعلت لتحرير الخمسة وأربعين دوبلوماسيا أمريكيا، الذين إحتجزتهم الحكومة الثورية الإيرانية في شتاء سنة 1980-18م. وشكل "هيج" لجنة عمل داخلية للتصدي للإرهاب وأمر بمراجعة كل خطط ووسائل الولايات المتحدة ضد الإرهاب .

قام "هيج" بما هو أكثر حسما، ومع ذلك تم حضر نشره في وسائل الإعلام في ذلك الوقت. وهو أصدار أوامره لجهاز المخابرات المركزية لتقوم على نحو عاجل بالعمل على تواجد حلقة وصل ما، مع نظام القدافي والإرهاب الذي كان يدعمه حول العالم. لقد حان الوقت إذا ما كان لموظفي الولايات التمحدة المعرفة والشجاعة والعزم، أن يقوموا بالتحري والتدقيق في علاقات القدافي وإتصالاته الأمريكية .

اثناء إدارة كارتير وريجان كانت العلاقة مع القافي تتخذ طابع العداء والتوتر. ولكن علينا أن نتذكر أنها لم تكن علي النحو الذي كانت عليه في بداية الأمر، لأن الولايات المتحدة لم تعرف ولم تفهم الكثيرعن الحكم في ليبيا. ولكن كل من مؤيدي العقيد، والآخرين الذين يرونه كأخطر من يهدد الجنس البشري منذ حقبة جينكيزخان، يتفقون على حقيقة جوهرية : بأن القدافي، حتى في الحد الأدنى يعد مسؤلية أمريكية.

بعد أن ساهمت شركات النفط في الفساد المالي أثناء العهد الملكي الذي أطاح به القذافي، أصبحت هذه الشركات وغيرها مع حلفائها الأقوياء في الإدارات الأمريكية في شراكة مع“نظام القذافي”. ولم تقتصرعلاقة الولايات المتحدة مع القدافي على المصالح الإقتصادية، فخلال السنوات الأولى من حكمه، على الأقل إلى حين أول صفقة سلاح كبيرة عقدها القدافي والرائد عبد السلام جلود في سنة 1974م، مع الإتحاد السوفييتي، كانت مخابرات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تقومان بحماية القدافي من إعدائه وخصومه، وساعدتاه بكل تأكيد على البقاء في الحكم حتي قبل أن يعقد العميلان السابقان للمخابرات الأمريكية "فرانك تيربل وإيدوين ويلسين" صفقتهما التجارية مع القدافي في سنة 1976م، لبيع ليبيا خبراتهما الإستخبارية, وعلاقتهما ووسائل الخداع. ساد إعتقاد عند العرب في الشرق الأوسط أن القدافي قد "عقد حلفا مع الشيطان" وأنه يتمتع بحماية المخابرات المركزية الأمريكية. تعود أحد رؤساء التحرير اللبنايين تربطه صداقة بكثيرمن المراسلين الغربيين المتواجدين ببيروت التعليق"بأن القدافي عميل أمريكي" ولابد أن يكون مدرجا علي جدول الرواتب الأمريكية. إذ كيف يمكنك أن تفسر بعض تصرفاته على نحو آخر؟"، وكان الكثير من العرب يشاركونه في جهة نظره هذه .

بالطبع، لقد أخطأ رئيس التحرير اللبناني، لآن القدافي "لم يكن عميلا لأحد، بل كان عميلا لنفسه". إن الذي أكسبه هذه السمعة وخاصة بين أوساط اليساريين العرب ودوائرالشيوعية خلال السنوات الأولى لنظامه، بأنه"رجل أمريكا، حدوث أمرين. أولهما سلسلة االمواقف المضادة لأساليب الإتحاد السوفييتي والشيوعيين، التي إتخذت طابع النقد المتكرر الذي يطلقه القدافي في خطبه المبكرة، وعبر وسائل الإعلام الليبي، وشجب دورالإتحاد السوفييتي خلال حرب سنة 1071م، بين باكستان والهند ووصفه"بتطابقه مع الأطماع الإمبرالية في المنطقة" وتزويده باكستان بقادفات (ف5)؛ وإنتقادة للإتفاقية السوفياتية-العراقية سنة1972 (بالرغم من أن القدافي سبق وأن وقع مع الإتحاد السوفييتي إتفاقية إقتصادية وتقنية، إلا أنه لم يوقع إتفاقية تسليحية بعد، ولكنه فعل ذلك لاحقا في وقت ليس بالطويل ). وفقا لمستشاريه السابقين، إستحسن القدافي أيضا قرارالرئيس المصري السادات بترحيل الجيش السوفييتي عن مصر في الثاني من يوليو سنة1972. أما الأمر الثاني والذي كان واضحا منذ البداية، هو قيام المخابرات المركزية الأمريكية بحماية نظام القدافي وشخصه . 


يتبع ...

السبت، 21 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (5) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

تفجر الحرب الكورية في سنة 1950م، يعيد التأكيد بالنسبة لإدارة الرئيس ترومان ومن بعده ايزنهاور على ما كان يقوله "فيلارد" في ذلك الوقت. وكذلك بالنسبة لما كان على إدارة الرئيس رونالد ريجان أن تكتشفه في سنة 1981م، وهو ما للساحل الشمال الأفريقي والأراضي الواقعة خلفه من أهمية كبيرة. لأن أي عدو يرسخ أقداهه هناك يمكنه وبسرعة أن ينهي السيطرة الغربية على الممرات البحرية للأبيض المتوسط وكذلك خطوط الإتصالات إلى الخليج (الفارسي) العربي. وبعد مضي شهور على إندلاع القتال في كوريا سنة 1950م. أسرعت الولايات المتحدة إلى القيام بمشروع إنشائي مكلفا الملايين من الدولارات لتوسيع رقعة التسهيلات (بقاعدة ويليس وملحقاتها) التي كانت تستخدمها في ذلك الوقت بموافقة بريطانيا، وكذلك لبناء سلسلة من القواعد الجديدة في إسبانيا والمغرب، لتستعملها القيادة الجوية الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية كجزء من ردعها النووي في وجه الإتحاد السوفيتي .

في أواخر سنة 1940م، توصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى قرار حول ليبيا، التي تشمل برقة وطرابلس وفزان لكي تصبح دولة مستقلة ذات سيادة في وقت لا يتجاوز الأول من يناير سنة 1952م. وكلف أدريان بيلت المفوض السامي للأمم المتحدة مهمة مساعدة الليبيين في إعداد دستور وكل ما يتعلق بأمور إنشاء الدولة. وتم تعيين لجنة تمثل كل من مصر، فرنسا، إيطاليا، باكستان بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، لتقديم المساعدة له. وبالرغم من إحتجاج السوفييت علي ضرورة حصول ليبيا علي إستقلالها بهذا الشكل الفوري، وتحفظ فرنسا على قصر فترة الإنتقال هذه، إلا أن الجمعية العامة تبنت القرار بموافقة ثمانية وأربعين صوتا مقابل صوت واحد وإمتناع تسعة أعضاء عن التصويت .

بالرغم من خيبة أمل السوفييت حيال الإحتفاظ بليبيا في منطقة النفوذ الغربي ولدت ليبيا الجديدة مملكة دستورية، بمباركة الأمم المتحدة مصحوبة بالتمنيات الطيبة من القوى العظمى. كان نمط الحكم الجديد في ليبيا يشبه إلى حد ما شكل النظام الفدرالي الأمريكي، غير أنه لم يقدم البديل للمجتمع الليبي ذي الطبيعة القبلية التقليدية. كان لأعضاء البرلمان المنتخبين أو أعضاء مجلس الشيوخ المعينين أو الملك نفسه سلطة تشريع القوانين، كما أن للملك حق نقض هذه القوانين، وحل البرلمان وتعيين الولاة للولايات، كما له سلطة إتخاذ تدابير أخرى، كإعلان الطوارئ في الحالات المطلوبة. ولعب الإسلام والشرعية الدينية التي منحتها التقاليد العريقة لتاريخ السنوسية ، العناصر الأساسية لسلطة القصر .

بعد معركة إنتخابية حامية جرت في فبراير سنة 1952م، قاد سياسي وطني تقليدي يدعى بشير السعداوي بك وحزبه المؤتمر الوطني حملات عنف صاخبة كان يقوم بها بين الفينة والأخرى في طرابلس. وعلي إثر ذلك قام الملك بقمع وحل الأحزاب السياسية، وتم ترحيل السعداوي. أن هذا وما تلاه من قمع لجمعية عمر المختار وحلها، والتي ضمت مجموعة من النخب السياسية في برقة قبل الإسقلال، جاء بمثابة الأعلان عن موت الأحزاب السياسية في ليبيا، وإنعدام وجودها حتي على النمط المشابه للنمط الغربي الذي يمارس بمصر والمغرب وعدة أقطار عربية أخرى بعد إستقلالها. ومنذ ذلك الوقت أصبح السياسيون يمارسون العمل السياسي بشكل تآمري وشبه سري، وساعد هذا في إيجاد الظروف المناسبة للقدافي ليقوم بإنقلابه عام 1969م . إستمر القدافي فيما كان يمارس في العهد الملكي من قمع وحظر لجميع الأحزاب السياسية، والممارسون للعمل السياسي على النمط الغربي، والذي أعتبره ومجلس قيادة ثورته، عمل فاسد ومنحط ميؤس منه. ولقد أكد هذا أن أية حركة سياسية ناجحة للإطاحة بنظام القدافي لابد أن تكون على نحو سري أيضا .

العامل الثاني الذي ساهم بشكل حاسم في الإطاحة بالمملكة ذات الثمانية عشرة عاما على يد القدافي هو ترحيبها بالقواعد العسكرية الغربية. لقد إستطاع عدد من رؤساء الوزارات في ليبيا ومن أبرزهم وأكثرهم نجاحا بدون شك ، مصطفي بن حليم ( ما بين 1954- 1957 ) أن يتبعوا نهجا متوازنا ودقيقا نجح في التوفيق بين الصيغ الكلامية والدبلوماسية مما جعل الدول العربية المناهضة للإمبريالية والصهيونية تقبل بدول عربية محسوبة على المنظومة الدفاعية الغربية من خلال تواجد قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية بها .

كانت قاعدة "ويليس" تدار من قبل القوات الجوية الأمريكية منذ 1944 إلى 1947م، حيث توقفت الطلعات الجوية، ثم أعيد نشاطها أثناء الأزمة الكورية سنة 1950م. كانت وظيفة القاعدة في البداية كمرفق ( لخدمات النقل الجوي العسكري). وبعد أن أجري بن حليم مفاوضات ناجحة مع الولايات المتحدة حول إتفاقية القاعدة، تحولت ويليس ، التي سميت على طيار قتل في حرب المحيط الهادي ، إلى قاعدة تدريب رئيسية لحلف الناتو . لقد وجدت القيادة الإستراتجية الجوية التي تضع نصب عينيها الخط الملاحي السهل عبر تركيا شريك الناتو ، إلى جنوب الإتحاد السوفييتي. في ويليس قاعدة طبيعية للقاذفة ب – 47 وغيرها من الطائرات ذات القدرة علي حمل القنابل النووية في حالة قيام حرب عالمية ثالثة. وفي عام 1956م، العام الذي فجرت فيه حرب السويس مشاعر غالبية الليبيين الوطنيين للقيام بإعمال شغب ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، تم نقل مركز قاعدة القوة الجوية الأمريكية السابعة عشر من الرباط بالمغرب إلى قاعدة "ويليس" حيث إنتعشت عمليات التدريب على إسقاط القنابل وإلرشاشات ، وأزدهر بها مركز للاتصالات بالبحر الأبيض المتوسط .

لقد ساعدت الإتفاقية التي أبرمتها ليبيا لمدة عشرين سنة مع بريطانيا في عام 1953م، على إعطاء الرئيس آيزنهاور دفعة شجعته إضفاء صبغة قانونية على وجود قاعدة "ويليس" وفقا لأسس مشابهة في إتفاقية وقعت مع بن حليم، وأن يعادة النظر فيها سنة 1970م. السنة التي أجبر فيها القدافي ، كلا من أمريكا وبريطانيا على إخلاء قواعدهما والرحيل عن ليبيا. لقد كان من المفروض أن تتلقى ليبيا مساعدة إقتصادية سنوية قيمتها أربعون مليون دولار لمدة عشرين عاما . وقد تم رفع الدعم الأمريكي وفقا لإتفاقية عسكرية وقعت سنة 1957م ، قبل سنتين من الإكتشافات النفطية الهامة . ووقعت المملكة إتفقيات أخرى لعلاقات تعاون عسكري ودفاعي وتسليحي مع كل من فرنسا، إيطاليا، اليونان وتركيا .

للحد من تأثير برنامج "صوت العرب" من إذاعة القاهرة الذي فتن القدافي وجماعته المتآمرة. مولت الولايات المتحدة محطة إذاعة في بنغازي وكانت تأمل (ولكن بدون جدوى) أن يحل تأثيرها محل ما تبثه إذاعة القاهرة. وكنتيجة لذلك كتب احد المراسلين الغربيين سنة 1970 بعد أن إستولى القذافي على السلطة، أصبح لما كان يعرف (بالجبهة العربية المتطرفة) محطتي بث إذاعي قويتين في القاهرة وبنغازي ، الأولى مولتها بريطانيا والثانية مولت من قبل الأمريكيون.

كان هناك الكثير من النفوذ الأمريكي في ليبيا ليجتث القذافي جذوره. ففي فترة ما بين عامي 1957 و 1959م، وعلى أعتاب عصر النفط ، كانت بعثة المساعدة الأمريكية قد نمت وتطورت لأن تصبح الثانية من حيث الحجم في العالم بعد كوريا الجنوبية . وكان المستشارون والفنيون الأمريكان ، أغلبهم ممن لا يتكلمون اللغة العربية والذين إعتمدوا على مساعدة المترجمين الفلسطينيين ، متواجدين في دوائر الدولة الليبية بالولايات والحكومة الفدرالية، و كانوا يديرون مرافق الدولة من الزراعة إلى التعليم. وبمساعدة مستشارين بريطانيين دربوا قوات الشرطة الليبية. وفي سنة 1958م، إنظمت ليبيا إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .

وعلى أية حال فقد كان على الأمريكيين ومستشاريهم وأغلب زملائهم الغربيين أن يشدوا الرحال بسرعة، إذ أن فترة إزدهار نفطية أصبحت على الأبواب، ويمكنها أن تزود الليبيين بكل ما يحتاجونه من مال لشراء والحصول على كل ما يريدونه من تكنولوجيا ومعدات عسكرية، واستشارات فنية، كلها يمكنهم الحصول عليها بمال النفط المكتشف حديثا، والذي أحال مملكتهم الفقيرة القاحلة إلى دولة واسعة الثراء، وقوة يعتد بلها في العالم الثالث .

يتبع

الجمعة، 20 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (4) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

إنهت هزيمة السنوسي في مصر المقاومة الجدية للإيطاليين. وبنصيحة ومساعدة بريطانية وقع إدريس وزعماء آخرون من برقة عام1917م، بالقرب من طبرق نوعا من الهدنة مع الإيطاليين. وانتهى القتال وأعترف كل من الإيطاليين والسنوسيين بمناطق نفوذ كل منهما في برقة، مع مسؤلية كل طرف عن الأمن بمنطقته. وأصبح السيد إدريس الزعيم الأعلى لليبيين البرقاويين. كانت إيطاليا أحد أكثر أعضاء الحلفاء ضعفا وإنهاكا في نصر الحلفاء سنة 1918م، كما أصبحت غير قادرة علي القيام بأي حملات عسكرية عبرالبحار، ولهذا منحت إيطاليا حكما ذاتيا لكل من طرابلس وبرقة. علي أن يقدم مستشارا ليبيا من كل منطقة النصيحة والمساعدة للإدارة الإيطالية. وبتوقيع إتفاقيتين جديدتين فى سنة 1920 و1922م، حلت فترة سلام قصيرة أتاحت لإدريس الحصول على لقب وراثي كأمير لولاية برقة، وعلى أية حال فإن الصراع بين السنوسيين والإيطاليين إستمر بصورة متزايدة .

بين سنة 1918و1923م، حاول العرب الطرابلسيون بإستشارة عبد الرحمن عزام رجل الدولة المصري إقامة إدارة جمهورية خاصة بهم ومقرها غريان،. وفي سنة 1922م، قوبل هذا الأمر بتجدد الصراع مع الطليان. وعندها تقدمت الجمهورية الطرابلسية بعرض لتنصيب إدريس أميرا علي طرابلس. قبل إدريس بعد التردد لبعض الوقت لأسباب تعلقت بهبوط حالته الصحية. وفي رسالة قبوله نوه إلى مسألة "وحدة الأرض الأم" كهدف لسياسته الوطنية. ثم غادر إلي مصر مثيرا مسألة قائد غائب عن شعبه. ولم يعد إليه إلى بعد أن حقق الحلفاء إنتصارهم سنة 1943م .

وفي إيطاليا كان الهياج السياسي الذي اعقب الحرب العالمية الأولى قد أنتج تشكيلة الفاشية الإيطالية الجديدة الشديدة الوطأة، التي جائت "ببنيتو موسيوليني" إلي السلطة سنة 1922م، مصحوبا ببرامج إمبريالية أوروبية عدوانية صريحة. كان الكونت "فولبي" الحاكم العام الجديد في ليبيا تحت إمرة أول حكومة فاشيستية. كما عين الماريشال "بادوليو" آمرا للجيش الإيطالي إذ شرع في هجوم عسكري قوي يهدف إلى إحتلال وحكم جميع الأراضي الطرابلسية. أما في برقة فقد كانت الأمور بالنسبة للإيطاليين أكثر صعوبة، حيث كان هناك مدرس قروي يدعي عمر المختار تحول إلى بطل إسطوري، كان فيما بعد محط الإعجاب والتقدير من القدافي وجيله. إستلم عمر المختار قيادة الحرب " الشعبية" المتنامية في مقاومة الطليان. وفي الوقت الذي تقدم فيه الإيطاليون موغلين نحو الجنوب، منطلقين من مواقعهم الحصينة ببنغازي وطبرق، كان أنصار عمر المختار يرهقون خطوط إمداداتهم بهجماتهم المتكررة وبمعاقبتهم بغاراتهم المباغتة .

أدرك الطليان بأنه لكي يحتلون المدن الساحلية ومرتفعات برقة، وكذلك السهول الواقعة في جنوبها، لابد لهم أن يحرموا أنصار السنوسية من قواعدهم في الواحات الجنوبية بإستعمال القوة الجوية وعربات جديدة لحرب الصحراء شبيهة بشاحناد فورد ذات صفائح معدنية صلبة مبرشمة بأعلى هياكلها. وبذلك تم لهم إحتلال واحة الجغبوبوالإستيلاء علي زلة ووجالوا وأوجله سنة1927م .

لقد لعب سكان المدن البرقاوية دورا إيجابيا وكبيرا في حركة المقاومة. أما عمر المختار والذي كان قتاله للإيطاليين يرجع إلى عام 1911م، تحت لواء أحمد الشريف، وقضى بعدها سنوات إلى عام 1923م، بصحبة إدريس في المهجر بمصر. ترأس قوة من ألفين إلى ستة آلاف من الأنصار معظمهم من البدو. كانت القيادة السياسية في ليبيا آن ذاك لرضى أخو إدريس، إلى أن ألقي الإيطاليون القبض عليه في سنة 1928م، وعوقب بالنفي إلى صقليا. أما عمر المختار فقد كان الحاكم الغير محدود التأثير في (امناطق غير محددة،) مباشرا تحت جنح الظلام تحريك الرجال، وتأمين الإمدادات والتعبئة العامة لحركة المقاومة. وفي سنة1925م، أعطت إتفاقية إيطالية – مصرية، للسنويين سيادة غير متنازع عليها علي المواقع الحصينة في الجغبوب وواحة الكفرة، الأمر الذي سهل الطريق أمام الطليان لإحكام إغلاق الحدود المصرية. وبذلك تم حرمان الفدائيين من الملاذ ومصادر الإمداد من مصر .

إستمر فدائي عمر المختار المخلصين في المقاومة والهجوم على قوافل الجنود الإيطاليين وخطوط مواصلاتهم، وقطارات حمل إمداداتهم. وبحلول سنة 1929م، أصبح المرشال "بادوليو" الحاكم العام، كما عين المريشال "ردولفو غرسياني" وهو محارب قديم آخر القائد الميداني الأعلى. تمكنت قواته من إحتلال واحة مزدة بفزان َضاغطا بذلك على الليبيين داخل العمق الصحراوي. واتبع غرسياني نفس إسلوب تكتيك الإختراق والتحطيم الذي كان يستخدمه الجيش الفرنسي والإسباني ضد القائد الشمال أفريقي الشهير الأميرعبد الكريم في جبال "ريف" بشمال المغرب، وحتى على نطاق أكثرغلوا من ذلك. وتروي السير الشعبية بصحراء شمال إفريقيا كيف أن بعض الأسرى الليبيين قد ألقي بهم أحياء من الطائرات، كما سدت آبار المياه بالحجارة والخرسانة المسلحة. وكيف قام الإيطاليون بذبح وإفناء قطعان من الإبل والغنم والماعز مما أدى إلى إنهاء أسباب الحياة بالنسبة لقبائل بكاملها. ثم تم إقتياد أفراد هذه القبائل كقطعان الماشية إلى معسكرات الإعتقال بالصحراء. إن هذا السلوك المتوحش للجيش الإيطالي وما تلاه من نوبة محمومة من الإعتقال، والمصادرة والإيستيطان وإستعمار لأراضي الليبية الصالحة للزراعة ورعي المواشئ، هوأمر لا يمكن أن ينسى أو يغتفر بالنسبة لأجيال عمر المختار والقدافي، إن هذه القسوة تفسر بشكل واضح الإجراءات التأديبية التي أتخذت حيال من تبقى من المستوطنين الطليان لاحقا من النظام الملكي ومن بعده نظام القدافي .

في سنة 1930 م، بدأ غريسياني عملياته في برقة بإقامة سياج من الأسلاك الشائكة بطول مائتى ميل على طول الحدود المصرية، بدأ من واحة البردية على ساحل البحر إلى شمال واحة الجغبوب، لوقف عمليات الإمداد والمساندة من الصحراء الغربية لمصر. وحذر بأن أي من آوى أو وفر الحماية للمجاهدين، سيواجه الإنتقام بدون رحمة على يد الطليان. في الحادي عشر من سبتمبر سنة 1931م، طرح عمر المختار أرضا من أعلى صهوة جواده في صدام بمنطقة الجبل الأخضر بعد أن حوصر وجرح ثم تم أسره. وبعد مواجهة مع غريسياني تم شنقه أمام حشد بلغ عشرين ألفا من الليبيين .

وبإكتمال الإحتلال الإيطالي بصورة فعلية، باشر موسيليني في إقامة حصته من شمال أفريقيا على الصورة التي رآها كقيصر جديد للإمبراطورية الرومانية. وكان هدفه أن يجعل ليبيا أكثر مما كان يدعوه "الشط الرابع لبحرنا". وتم تقسيم طرابلس وبرقة إلى مقاطعات جديدة: طرابلس، مصراته، بنغازي ودرنه. وكان الإسم القديم لليبيا قد أعيد إحياؤه وأطلق على كامل تراب ذلك القطر. أما فزان فقد أشير إليها بجنوب طرابلس، وكان الطليان يطلقون عليها "المنطقة العسكرية"، وعينوا لها إدارة عسكرية منفصلة، بنفس الطريقة التي أهمل بها كل من فرنسا وأسبانيا المناطق الجنوبية للمغرب، ومحميات مستعمرات غرب إفريقيا " الصحراء الإسبانية" .

حكمت روما المستعمرة الجديدة بطريقة مباشرة بواسطة الإيطاليين الذين تولوا جميع المراكز الإيدارية. وأغدق موسيليني بلايين الليرات لإنشاء شبكة طرق حديثة ومنشآت مدنية، وتسهيلات للموانيئ البحرية والري الزراعي. وكان كل هذا لمصلحة الإيطاليين وليس الليبيين. وبحلول عام 1940م، جلب إلى ليبيا 110.000 أيطالي كان جلهم من الفلاحين الذين لا يملكون أراضي. لقد كان هناك مزيد من المشاريع الإستعمارية الطموحة التي كان مقدر لها بحلول الستينات أن يرتفع عدد السكان الطليان إلى ما يزيد عن نصف المليون غير أن الحرب العالمية الثانية حالت دون تحقيقها .

وأثناء الحكم الفاشيستي أبرم مع الدول المجاورة إتفاقيتان جديدتان لا يزال يذكرها أولائك الجيران ألى اليوم. إتفاقية مع بريطانيا ومصر في سنة 1934م، تحولت فيها زاوية من أرض السودان الأنجلو- مصري، تعرف بمثلث السرة إلى ليبيا. وفي سنة1935م، حدث إتفاق، عرف بإتفاقية موسيليني- لافال، حركت الحدود الليبية مع الشاد (مستعمرة فرنسية في ذلك الوقت)، خمسة وستين ميلا إلى الجنوب لتشمل بما يسمى شريط "أوزو". (إحتل القدافي هذا الشريط من سنة1973م، إلى 197م،). ولكن هذا الحق الممنوح لإيطاليا لم يصدق عليه البرلمان الفرنسي أبدا، إذ كان الفرنسيون شديدي المعرفة بشجع موسيليني ورغبته في الحصول على قطعة أو إثنين من كعكة الإستعمار الفرنسي. وفي سنة 1935م، دمج موسيليني ليبيا كمقاطعة إيطالية بنفس العلاقة التي تم بها دمج الجزائر في فرنسا .

وبعد إجتياح هتلر لبولونيا فارضا الحرب العالمية الثانية على الغرب، بالرغم من عزوفه عنها. عقد القادة الليبيون العرب في إكتوبرسنة 1939 م، إجتماعا بالإسكندرية ورأوا أن تورط إيطاليا المحتمل في الحرب (والذي حدث فقط حوالي يونيوسنة 1940م)، يعد كفرصة ذهبية للتحرير. واختير إدريس كقائد للتجمع الوطني. لقد كان قادة برقة بالفعل على إتصال بالبريطانيين في مصر وأعلنوا دعمهم للحلفاء. بحلول أغسطس سنة1940م، بدأ تعاون عسكري بين البريطانيين والليبيين بالفعل، رغم معارضة الطرابلسيين الدخول في تحالف مع قوة تبدوعلي أقوى الإحتمالات بعيدة عن كسب الحرب، والإعتراف بسيادة السنوسي الذي يعتمد في قوته على برقة وليس طرابلس. قام السير"ميلاند ويلسون" القائد العام البريطاني في مصر بتنظيم وتكوين القوات الليبية المسلحة والتي قاتلت بإمرة ضابط بريطاني وتحت راية السنوسية. رفض البريطانيون المطالب الليبية بضمان إستقلال ليبيا بعد الحرب غير أن وزير الخارجية "أنتوني إيدن" أكد لمجلس العموم (عند نهاية الحرب بإن السنوسيين في برقة وتحت أية ظروف لن يقعوا تحت السيطرة الإيطالية مرة أخرى). لقد حشد "ويلسون" خمسة كتائب ليبية عن طريق تجنيد البرقاويين الذين سبقوا وقاتلوا الطليان أثناء حربهم الإستعمارية في لبيا .

كان المد لحرب الصحراء يتقلب بين الكر والفر ثلاث مرات عبر الصحراء البرقاوية. و حدث أن أسندت قيادة القوات الإيطالية منذ فبراير سنة1941م، إلى فيالق الجنرال الألماني "أيرفين روميل" بإفريقيا، في الوقت الذي كانت فيه قوات الأمبراطورية البريطانية بقيادة "ويفيل مونتجمري و" آوشينليك"، حيث جرت أول وأعظم معركة دبابات بالصحراء في التاريخ المعاصر،بمساندة جوية وبحرية، خلفت ورائها سلسلة من الدمار على طول المناطق الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، بدأت من العلمين بمصر ألى سرت مسقط رأس القدافي بليبيا. وإلى يومنا هذا فإن حكومة القدافي تصر على أطراف الحرب العالمية الثانية وخاطة ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا على ضرورة دفع التعويضات عن حقول الألغام، وتفجر القنابل والقذائف التي أتت على مئات الليبيينن موتى وجرحى منذ سنة 1943م. الأمر الذي لا زال يحدث في بين الفينة والأخرى في مناطق نائية من ليبيا. حين إنظم كل من الأمريكيين والأحرار الفرنسيين إلى معركة شمال أفريقيا، وتم إنزال قواتهم في المغرب والجزائر وتونس في نوفمبر سنة 1942م، تمكن الجيش الثامن بقيادة "مونتجومري" من إحتلال بنغازي فى نوفمبر 1942م، وطرابلس في يناير من نفس السنة. وفي الجنوب قاد الجنرال الديجولي " جاكويس لييليرك دي هاوتيكلوك" القوات الفرنسية في جنوب فزان، وتم تحرير ليبيا بالكامل من قوات المحور. واستمرت إدارة الحكم العسكري البريطاني في طرابلس وبرقة بشكل منفصل. وكذلك الحكم العسكري الفرنسي في فزان، إلى الوقت الذي خرجت فيه المملكة الليبية المستقلة إلى حيز الوجود في أوائل سنة 1952م في إطار رعاية الأمم المتحدة .

وقبل أن يوقع الحلفاء على إتفاقية السلام الإيطالية في فبراير سنة 1947م، تنازلت إيطاليا عن جميع (المطالب المتعلقة بمكتسباتها في أفريقيا). وتبع ذلك الكثير من جولات المشاحنة فيما بين القوى الكبرى حول ما تم الإعتراف به كنتيجة لوضع سلام إسراتيجي حقيقي .

وإدراكا من الديكتاتور السوفيتي "ستالين" لأهمية الإستراجية الهائلة لليبيا خلال الحرب، والسلام المتعلق بإتفاقيات التسلح مع أوروبا الغربية، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، دعي مبكرا إلى موضع قدم سوفييتي بالأرض الليبية. وعلى الرغم من سقوط موسيليني في سنة 1943م، وما قطعته بريطانيا من وعد لإدريس في سنة 1942م، بأن برقة لن تسقط أبدا في إيدي الإيطليين. إلا أن القوى الكبرى لم تواجه بشجاعة حقيقية مسألة مستقبل ليبيا والمستعمرات الإيطالية الأخرى حتى سنة 1945م. وفي مؤتمر بوتسدام سنة 1945م، طرح السوفييت بإلحاح شديد المطالبة بالوصاية على طرابلس. الأمر الذي للآن يضهر الخطوط العريضة للمواجهة بين السفييت - وحلف الناتو حول ليبيا بشكل اضح جدا. أما الحكومة الإيطالية طالبت بعودة ليبيا بكاملها إلى سيطرتها. وأظهرت رغبتها في سبيل ذلك منح كل من بريطانيا والولايات المتحدة مناطق لإقامة قواعد عسكرية فيها. وفي بوتسدام كان وزراء الخارجية يميلون لصالح منح الولايات المتحدة وصاية على ليبيا لمدة عشرة سنوات، ويمكن بعد ذلك حصولها على إستقلالها الكامل .

ولكن السوفييت كان لهم رأيا آخر، حيث أن "مولوتوف" وزير الخارجية السوفييتي يؤكد زاعما أن موسكو لديها خبرة واسعة في إقامة علاقات الصداقة بين الجنسيات المختلفة؛ (في ذلك الوقت كان السوفييت يشددون قبضتهم على "القوميات الصديقة" والتي حررت من السيطرة النازية، في نهاية الحرب في بولونيا، رومانيا, المجر، وتشيكوسلوفاكيا بجانب ألمانيا الشرقية) وأضاف مولوتوف قائلا إذا أعطي السوفييت إدارة طرابلس خلال العشر السنوات، فإنه يستطيع أن يؤكد لمجلس وزراء الخارجية بأن " نموذج نظام الحكم السوفييتي لن يطرح في داخل هذا الإقليم بمعزل عن الأسلوب الديموقراطي الذي يرغب فيه الناس" وفي لحظة صدق أردف مولوتوف بان الإتحاد السوفييتي يرغب في الحصول على منفذ على البحرالأبيض المتوسط، ووضع طرابلس تحت رقابة السوفييت سوف يخدم هذا الغرض. ولكن القوى الغربية سارعت إلى رفض ذلك .

وبحلول موعد الإجتماع التالي لمجلس وزراء الخارجية بباريس في سنة 1946م، إقترحت بريطانيا الإستقلال الوطني لليبيا. أما مولوتوف فقد لطف من بنود عرض ستالين الأصلي للوصاية، واقترح هذه المرة وصاية متعددة الأطراف، وذلك أن تقسم المستعمرات الإيطالية إلى أربعة مجموعات متكاملة يكون لإيطاليا المشاركة في ممارسة السلطة في واحدة منها مع أحد الكبار الأربعة - الوليات المتحدة، الإتحاد السوفيتي، بريطانيا، وفرنسا لحين حصول هذه الأقطار على إستقلالها. كما اقترح "مولوتوف" بأن السوفييت والإيطاليين يمكنهما أن يشتركا وينضما معا في إدارة طرابلس، لكن كل ذلك رفض أيضا. واقترح "مولوتوف" واضعا عينيه بدون شك على نهوض وتنامي قوة الحزب الشيوعي في إيطاليا، فاقترح أن إيطاليا وحدها يجب أن تمنح السيادة على برقة، ولم يلقى أيضا هذا الإقتراح قبولا. وفي مؤتمر باريس للسلام، كان يجب على الدول الأربعة الكبرى أن تحاول تقرير مصير مستعمرات إيطاليا كلها، وفي حالة عدم توصلهم إلى ذلك القرار فعليهم اخيرا القبول بتوصيات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولكن لم يكن في مقدور بعثة الدول الأربعة العظمى والتي قامت بزيارة ليبيا الوصول إلى إتفاق حول توصيات نهائية. ومما زاد في تعقيد مستقبل المسألة الليبية، مطالبة مصر بضمان وضع أمني على طول الحدود، كما طالبت بالشريط الحدودي الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود الصحراء السودانية، بالإضافة إلى سهل السلوم وواحة الجغبوب وميناء البردية والسرة، على أساس أنها أراضي داخل الحدود المصرية تخلت عنها بريطانيا لإيطاليا أثناء خضوع كل من مصر وليبيا للحكم الأجنبي، ولكن هذه المطالب قوبلت بالرفض. ولكن المصريون أعتبروا أنها لا زالت قضية معلقة، وفي إمكان إي حاكم مصري حازم القيام بسهولة بإجتياح القدافي. وهذا ما تنبأ به العدوان على بعض المواقع، والتي وصفها الرئيس المصري السادات بعد الجوم المحدود في يوليو سنة 1977م، "بعشش الإرهاب" .

بعد مرور شهور بل سنوات من اللف والدوران والمقايضة والمناورة، أصبح من الواضح بأن السوفييت والغرب قد إختلفا بشدة حول المسألة الليبية. وفي صيف 1949م، إتفقت إدارة الرئيس ترومان مع بريطانيا بشكل واضح بأن عليهما إقناع إيطاليا بأن الإستقلال الكامل لليبيا هي الخطوة الأكثر حكمة. ووضح "هنري فيلارد" أول سفير للولايات المتحدة إلى المملكة الليبية المستقلة، بأن وصاية الإمم المتحدة قد تعرقل الدور المستقبلي لليبيا في خطة دفاع الغرب، ومهما يكن من أمر فإن مملكة ليبية مستقلة تحت النفوذ الغربي يمكنها أن " تدخل بحرية في إتفاقيات ومعاهدات مع المعسكر الغربي تهدف للدفاع عن حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا" .

يتبع ...

الجمعة، 6 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (3) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

أن حركة الإنبعاث الديني التي مارستها برقة في القرن التاسع عشر لم تلقى غالبا أي إهتمام أثناء الحكم التركي، وهي الحركة التي حددت مصير ليبيا نزولا إلي فترة حكم القدافي. إن العائلة التي أتت بهذا الإنبعاث الدينى، لم تكن عائلة ليبية بل أتت من الجزائرالتي كانت منذ 1930م،تحت حراب المحتلين الفرنسيين، إنها العائلة المؤسسة للحركة السنوسية، التي قامت على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي والذي ولد في "مازوما" البربرية علي الحدود في غرب الجزائر. وبعد أن تلقى دراسته الدينية بفاس ومراكش، ذهب إلى مكة للحج. إن كلمة شيخ هنا نوردها بمعني تدريس روح التعاليم الدينية. إستقر الشيخ محمد أخيرا في "واحة البيضاء"* ببرقة ليهذب الإيمان ويذكي روح المقاومة ضد إنتهاكات الكفار"المسيحيين الأوروبيين". وأسس محمد علي سلسلة من الزوايا، والزاوية عبارة عن وحدة مندمجة لنزل مدرسي ومركز للتجارة في بعض الأحيان، وكانت أول زاوية أقيمت في مكة، أما الأولى من نوعها فكانت في ليبيا بالبيضاء .

إن الأوروبيين وخاصة المسافرين إلي ليبيا بصورة غير منتظمة، وكذلك المستكشفين كانوا يتعرضون للإبتزاز المالي في بعض الأحيان من قبل أفراد القبائل الذين اتخذوا إسم السنوسيين. وأطلق عليهم السنوسيون المعتصبون خطأ. لآن السنوسيين هم في الواقع على غير ذلك تماما، لأنهم بعيدين عن التعصب. إن أتباع السنوسيين بدلا من مزاولة التسول أو الزهد المفرط، كان يتوقع منهم العمل من أجل العيش. التأمل الروحي، وبدلا الممارسة المفرطة لتعاليم مسلمي المذهب الصوفي، الأخوة – والمواكب، وما يتعرض فيها أتباعها من جلد أنفسهم، والجلد الذاتي في مواكب يتخللها الإبتهالات المحمومة ودوامة الحركات الإيقاعية التي عادة ما يقوم بها الدراويش. إن أهداف الحركة السنوسية هي دراسة القرآن، وحياة التقى والورع، وتقديم المساعدة لإخوانهم، وتطهير أنفسهم وتعميق إيمانهم. هذا النظام الصارم كان حقيقة يمثل إتصالا ذا سمة من الزهد وجدت قبولا وإستحسانا من بدو الصحراء ذوي العقل الراجح، أكثر من تلك الفئة التي إقتصرت علي الفهم الخاطئ للصوفية. لقد إكتسب الشيخ محمد علي السنوسي قدرا كبيرا من الإحترام والذي كان يحلوا لأتباعه أن يدعوه " بالسنوسي الكبير" ويعتقدون بأنه رجل محاط بقدر متميزمن البركة التي تعني التقي والجاذبية السحرية التي يمنحها الله لمحبيه. ويقال أنه على جانب لا يستهان به من النجاح كزعيم ذي كاريزما متميزة .

في أقصى جنوب الصحراء قاد خليفة الزعيم الديني الثاني للحركة االشيخ محمد المهدي نفس حركة الإنبعاث الديني، والحملات التبشيرية إلى الجنوب داخل أفريقيا السوداء. وبسرعة إتخذت الحركة إتجاها سياسيا؛ إذ إستهدفت الأروبيين ومقاومتهم وبصورة خاصة فرنسا لما إرتكبته من إنتهاكات. وبحلول عام1897م، كانت هناك خمسون من الزوايا السنوسية تتمتع بوضع مستقر في ولاية برقة. وفي نفس العام، تمكن السنوسي من تأسيس زاوية "بير الالي" بجنوب ما يسمى اليوم بالتشاد. ويومها كتب "جنتيل لاموت" وهو نقيب بالجيش الفرنسي، وأحد المتخصصين الفرنسيين الأوائل باللغة العربية، عندما كان مرافقا لجيش المستعمرين الآتي : -

"إن الإسلام جذب معه كما كبيرا من التقدم بالنسبة لسكان أفريقيا الوسطى، إلا أنه يشكل خطرا جديا علينا: لأن المسلم لا يمكن أن يقبل السيطرة المسيحية بدون تحفظ. وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا بتنامي نفوذ الشيخ المهدي بن السنوسي في قلب القارة الإفريقية. حيث إختلف الأمرعن كونه مجرد أخوة إسلامية بل تعداه إلى أحلام المسلمين المتعلقة بطرد الكفار من ديارالإسلام الهدف الذي أعد له منذ وقت طويل" .

وبينما كان السنوسيون يحاربون النفوذ الفرنسي بطريقتهم الخاصة، كان الأتراك وعلي طول ساحل البحر الأبيض المتوسط لهم تطلع آخر وهو إعادة غزو ليبيا. وفي سنة 1835م، وبمجرد تنامي التهديد الفرنسي القادم من الجزائر، عمل الأتراك على خلع آخر حكام الأسرة القاراملية، وأقاموا حكما مباشرا لسلطان القسطنطينية. ولتعقيد الأمور، كانت المقاومة العربية للإتراك تتصاعد في كل مكان. وقادها في الدواخل عبد الجليل سيف النصر الزعيم المرموق لقبيلة أولاد سليمان، والذي إستطاع أن يبسط نفوذه على فزان خلال فترة حرب القارمليين مع البحرية الأمريكية. كذلك عمل عبد الجليل في آخر أيام حكم القرملية على توحيد القبائل القاطنة حول منطقة طرابلس وسرت، لمواجهة الأتراك .

كانت إحدى هذه القبائل قبيلة القدادفة، والتي أنجبت في نهاية الأمر والدي معمر القدافي. القدادفة هي واحدة من مجموعة القبائل التي أرغمتها على الخروج من برقة، قبائل أكثر قوة والتي كانت تقع تحت تأثير الدعوة السنوسية. وبالرغم من التعصب الشديد وما يتمتع به زعماء القبائل العرب من صلابة ومكر في مقاومة الأتراك إلا أنه تم إخضاعهم في نهاية المطاف علي يد جنرال تركي يدعي أحمد باشا والذي اتبع تكتيكا مهلكا لا يعرف الرحمة .

وقبل أن يوافي الأجل السنوسي الأكبر، أسس إحدى زواياه المركزية في واحة الجغبوب، القريبة من الحدود المصرية حيث خط العبور البري لحجيج شمال أفريقيا إلى مكة والذي يتقاطع مع الممر الصحراوي الذي تعبر منه تجارة الذهب والعاج ورقيق أفريقيا السوداء إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط. وقبل أن يلقى المهدي مصرعه على يد الفرنسيين بقليل، نقل مقر قيادة الحركة إلى واحة الكفرة والتي تبعد حوالي أربعمائة ميل إلى جهة الجنوب، والتي تحولت فيما بعد كما سنرى إلى مكان مقدس بالنسبة لزعيم الحركة السنوسية التالي (والذي أصبح الملك أدريس الأول). كما استطاع الداهية آرميند هامر من ولاية كاليفونيا والرئيس الأعلى لشركة أوكسيدنتيل بتروليوم أن يطورها خلال الخمسينات والستينات ويحيلها إلى مركز رئيسي لجهوده الناجحة ليصنع من أوكسيدنتيل إمبراطورية نفطية وتجارية على نطاق عالمي .

أفسح الأتراك الطريق أمام الإيطاليين. وإيطاليا بجنودها المتباهين ومن معهم من المغامرين وذوي العقلية التجارية، وهي القوة التالية التي أقتطعت جزء من شمال أفريقيا، وكان ذلك على حساب الليبيين. لقد توالت زيارات التجار والمستكشفين والمبشرين الطليان إلى ليبيا لعدة قرون، أما فرنسا وبريطانيا قادا سباقا محموما للسيطرة على بقايا أفريقيا. وفي سنة1911م، قررت المملكة الإيطالية أن دورها قد حان، ورأت أن ليبيا إذا لم يستولي عليها، وبقت علي ماهي عليه فغيرنا سيفعل. إن بريطانيا متواجدة في مصر، وفرنسا أستقرت في الجزائر و تونس وفي الأراضي الفسيحة جنوب ليبيا، والتي أطلق عليها فيما بعد وبكل بساطة السودان، (ليس المعني بهذه التسمية السودان الأنجلو مصري جنوب مصر). وكانت المرحلة الديبلوماسية للوصول إلى التفاهم الذي حددته عدة قوى إمبريالية أخرى من خلال الإتفاقية الأنجلو- فرنسية سنة1899م، والتي سلمت بأن هناك مجال نفوذ للإيطاليين في ليبيا. وفي 1909م، وافق نيقولا قيصر روسيا ألا يقف في وجه خطط الطليان.

وكان من المتوقع أن تخفف هجرة الإيطاليين إلى طرابلس من الضغط السكاني في جنوب إيطاليا. في الوقت الذي ابدى فيه الليبراليون والإشتراكيون الإيطاليون تساؤلهم فيما إذا كانت ليبيا ستوفر لإيطاليا أي مزايا إستراتجية أو تجارية .

بدأ الإيطاليون كتابة الأغاني حول "طرابلس أرض الجمال والحب" وأظهرت رسوماتهم شواطئ أفريقيا بشكل رومانسي متناهي. وفي أكتوبر 1911م، إستطاع اليمين الشوفيني الفوز في جو مهرجاني كبير، ووجهت إيطاليا إنذارا إلى السلطات التركية في ليبيا مفاده أن الجندي الشريف لا يمكن أن يقف مكتوب اليدين. وأعطوهم موعدا نهائيا أقصاه أربعون ساعة .

وبعد قصف مدفعي عاصف قصيرعلى ميناء طرابلس إستطاعت القوات الإيطالية في السابع من إكتوبر أن تحقق إنزالا قريبا من المدينة في الوقت الذي كانت فيه الجيوش التركية متورطة في جنوب شرق البلقان. وبسهولة إستولت البحرية الإيطالية على مجموعة جزر الدوديكان وجزيرة رودس واللتين كانتا تحت الإحتلال التركي. وعلى أية فقد حال أثبتت ليبيا أن إحتلالها ليس بالأمر الهين .

واجه سعيد باشا الوزير الأول الذي يتولى إدارة الإمبراطورية نياية عن السلطان في القسطنطينية مشاكل جدية فيما يتعلق بالترتيبات العسكرية، إن هذا المأزق يشتمل على بعض الدروس التي يجب على أية قوة تعتزم الدخول في حرب على الأراضي الليبية أن تضعها في عين الإعتبار. إيطاليا تحكمت في الخطوط البحرية وأغلقت مضيق الدردنيل. وأصيبت البحرية التركية بالشلل ولم يبقى سوي عدة من مدمراتها تتمرغ بيأس في وحل القرن الذهبي للقسطنطينية. وكان خط المواصلات الوحيد إلي ليبيا يقع عبر الممرات البرية خلال الأراضي السورية والمصرية. ولم يكن هناك وسيلة لإرسال الإمدادات سوى عن طريق أفراد الضباط والذين يجازفون بقطع الممرات البرية. كان هناك جنرالين تركين هما أنور باشا، وعلي فتحي بي تم تعينهما بليبيا. غير أن هناك شابا قوميا مغمورا نسبيا يدعي مصطفى كمال، والإسم يعني (النضج والكمال)، كان عضوا في منظمة تدعى " الإتحاد والترقي". مثل ما فعل القدافي تماما بعد ستين عاما لاحقا. كان مصطفى كمال يحلم ويتآمر من أجل الوصول إلى السلطة؛ وبعد الحرب العالمية الأولى قدم مصطفى كمال أتاتورك نفسه كمنقذ وأب لتركيا المعاصرة .

وبصحبة صديقين، عبرمصطفى كمال آسيا الصغرى، سوريا، وفلسطين، فقط ليعلم ويتأكد أن البريطانيين محتلي الأقليم التركي مصر،أنهم أعلنوا أن مصر ستبقى على الحياد فيما يتعلق بالحرب الليبية، وأن حدودها قد أغلقت حتي بالنسبة لإفراد الجيش التركي. إرتدى مصطفى كمال ملابس البدو ثم إستقل القطار إلى إتجاه غرب الإسكندرية وعند نقطة الحدود الليبية- المصرية سمح له الضابط المصري بالعبور، وذلك لمقته الشديد للمستعمرين المسيحيين الإيطاليين، والبراطنيين بالقدر نفسه. إستقبله زملائهم في السلاح بإبتهاج ورفعوا رتبته إلى رتبة رائد، وسلموه آمرية قطاع درنة. إن الجهاد أوالحرب المقدسة قد أعلنت من عمق الصحراء إلى سواحل طرابلس، وهرعت القبائل العربية ألى نجدة أسيادهم الأتراك, وكلهم بدوا وكأنهم إخوة لنفس العقيدة. وبالرغم من المنافسة الشخصية بين مصطفى كمال وأنور باشا، إستطاع أتاتورك المستقبل أن يميز نفسه كآمر ميداني عنيف في أرض كان يعرفها في ذلك الوقت من خلال نوبة واجب بليبيا عام 1909م .

ولدعم رتبهم العسكرية وليعطوا أيضا وضعهم نكهة إسلامية، ضم الجرنالات الطليان جندا مسلمين من أريتريا أول مستعمرة إيطالية بالقرن الإفريقي، الذين أعتبرهم الليبيون والأتراك كمرتزقة وخونة للإسلام. وقد ضاعف هذا من عنف المقاومة الليبية التركية .

تمكن الجند الأتراك ذوا الكفاءة العالية في البداية أن يثبتوا أقدامهم بالقرب من طرابلس. كما حقق الإيطاليون بعض التقدم في داخل البلاد، ثم تلى الإيطاليون ذلك بمحاولة نشطة للإنزال البري بمصراتة، إلا أن ذلك حقق القليل من التقدم في داخل البلاد، ثم تلقوا ضربة عنيفة بالرميلة نحو الجنوب. وبحلول نهاية عام 1911م، أعلن الإيطاليون على الورق ضمهم لطرابلس وبرقة، بالرغم من فشلهم في التقدم من مواقعهم الساحلية مبررين ذلك بـ "إذا كان الحق لإية دولة أوروبية في إمتلاك هذه الأرض وإعلان الحماية فيها". أعلنت الحكومة الملكية بروما بعد أن نفخت في أبواقها معلنة " تلك الدولة هي إيطاليا".

ومن سوء حظ الأتراك والليبيين معا، فقد تمت هزيمة تركيا في البلقان، عقدت صلحا مع خصومها الأوروبيين بما في ذلك إيطاليا، وذلك في شهر إكتوبر بلوزان سنة 1912م. وكان أحد شروط إتفاقية الصلح هذه هو أن يتنازل السلطان التركي عن حقوقه في ليبيا، وبالرغم من تنازله عن حقوقه في ليبيا إلآ أنه لم يعترف بسيادة إيطاليا عليها. ومع أن عبارة "ضمان الحكم الذاتي لليبيين العرب" وردت في الإتفاقية إلا أن ذلك لم يتحقق أبدا. بالرغم من أن القوات التركية الرئيسية قد قفلت راجعة إلى ارض الوطن، إلا أن الأتراك استمروا في تزويد السنوسي بالسلاح والذخيرة وغيرها من الإمدادات. وقبل نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، إستسلم معظم مقاتلي المقاومة من الطرابلسيين العرب وجردوا من السلاح. وعلى اية حال فإن القصة في برقة كانت تتخذ شكلا آخر، حيث إستلم القيادة الزعيم الديني أحمد الشريف الذي ضم الخلايا السنوسية المخلصة في طرابلس وفزان تحت إمرته البرقاوية. وفي مصراتة أشترك الشيخ المحلي رمضان السويحلي في الحرب، بعد أن إنشق عن الإيطاليين. وحينما أرعدت مدافع أغسطس في سماء أوروبا، إستطاع إجتياح ليبي عام أن يجبر الإيطاليين على التقهقر إلي مواقعهم المحصنة بطرابلس والخمس، ومن موانئ برقة .

تحالف السنوسيون في الحرب العالمية الأولى مع القوى العظمى ضد ايطاليا، كألمانيا والنمسا والمجر. إستعمل الألمان ميناء مصراته كقاعدة لغواصاتهم، والتي كان السلاح والذخيرة يصلان إلى المقاومة الليبية على متنها. وفي سنة 1915م، أصبح كل من الطليان في ليبيا، والبريطانيون في مصر حليفين. وعندها دخلت إيطاليا الحرب بصورة صورية إلى جانب الحلفاء، كما تحالف الألمان مع الأتراك . وفي خطوة إعتبارية لدعم المقاتلين، توافد إثنان من القادة الإسلاميين المرموقين على برقة، وهما أنور باشا من تركيا وعبد الرحمن عزام من مصر(الذى أصبح فيما بعد سكرتير عام الجامعة العربية التي شكلت أثناء الحرب العالية الثانية) لينظما إلى أحمد الشريف بمركز قيادته السنوسية. كان هدف الثنائي التركي- ألماني هو إبقاء القوات الإيطالية في ليبيا للتفرغ للهجوم على البريطانيين في مصر. وكان أمل الطليان أن يساعدهم البريطانيون في عملية إحتلال ليبيا. لكن البريطانيين ركزوا عملياتهم على التخوم الصحراوية لمصر وبرقة. وبإيعاز من أنور باشا حاول السنوسي أن يقبل التحدى ويقف مع الجيش البريطاني، لكنه تعرض لهزيمة شديدة في غرب الصحراء المصرية.

وكنتيجة لهذه الهزيمة سلم أحمد الشريف مقاليد أمور سلطة الحركة السنوسية إلى السيد محمد إدريس، والذي أصبح في سنة 1918م، الزعيم الروحي الكبير للطائفة السنوسية، وفي سنة 1952م أصبح الملك أدريس الأول، بعد أن فر أحمد الشريف إلى القسطنطينية علي ظهر غواصة ألمانية .

يتبع ...
________________________________________________
* البيضاء هي المدينة الثانية لولاية برقة، وليست واحة .