‏إظهار الرسائل ذات التسميات عمر الشلحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عمر الشلحي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 مايو 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (8) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم.

في الخامس عشر من أغسطس طار"كينت"إلى" فاليتا" بمالطا، ليتفقد ويقوم صلاحية المكان لرسو السفينة واخلاء الخسائر بعد إنتهاء العملية إذا وجدت. ولكنه وجد "رايندولس" قد سبقه بصحبة سكرتيرته والتى يطلق عليها كل من"سيل و ماك كونفيل" "تريسي" التي تكثرالتحدث عن إحتياجات الفريق حسب ، وهو الأمر الذي تعدى حدود الأمن العملياتي حسب إعتقادهم. بالرغم من تأكيد "رايندولس" المبكر" لكينت" بأن (سي آى أي) و(إيس آى إيس) سلك المخابرات السرية البريطانية، كلاهما أقرا خطة المؤامرة. إلا أن سفيرالولايات المتحدة حضر في إحدى جلسات دورات التخطيط في مبنى سان جيمس ولتر آنينبيرج – ولكن أثناء ذلك بدأ موظف بريطاني سابق يحذر من إستخدام شخصيات بريطانية، موضحا إن القدافي ليس محبوبا في مكتب الشئون الخارجية، ووزارة الدفاع البريطانية. لكن حكومة صاحبة الجلالة لا ترغب في أن تلام من القدافي، وحليفه في مصر وبقية العالم العربي، إذا ما ألأمور سارت بإتجاه خاطئ .

وإعتقد "رايندولس"و"كينت"أن المهمة يمكن لها أن تنجز بدون البريطانيين، فأجل"كينت" المهمة وتخلى عن خدمات الفريق البريطاني، بعد صرف مستحقاتهم، وطار إلى باريس ليجند في مقابلهم فريقا فرنسيا. عثر"كينت" بصعوبة على"مارسيل"وهو كاتب سيناريو فرنسي، يعمل في قضايا التملص من القانون كلما ساعده الحظ في ذلك، أكد"مارسيل" إنه يعرف المؤهلين الحقيقيين القادرين علي القيام بمهمة "هيلتون".

من خلال سمعة الخبير المالي أحمد شوكت الطيبة، وعلاقاته مع (سي آى إي). وياسين عبيد، مهاجر ليبي ثري وبائع يتجول بين شركات النفط وجمع المعلومات الإستخبارية الساخنة في روما، وصلت "كينت" أخبارا مرعبة تفيد أن مخابرات القدافي المضادة تسعي لإختطاف الشلحي وإحضاره للوطن ليواجه محكمة شعبية كأخطر معادي للنظام. كان كل من شوكت وعبيد يطمحان في أن يقوما تماما بما قام به "كينت"– فأجرا عصابة من المرتزقة الأوروبيين. والغرض من ذلك :- هو القبض علي الشلحي وإرساله مكبلا بالحديد إلى طرابلس. تري هل يفعل "كينت" ذلك في مقابل أجرميلونين دولار؟ وافق "كينت" بحذر أن يعود إلى روما ليناقش الشروع في المهمة قدما، مصمما على كسب الوقت فإستخدم "مارسيل" ليقابل "ليون" أحد المحاربين القدماء في الحرب الهندو- صينية وأحد الجنرلات ، (الذين حاولوا في إبريل سنة1961 التمرد في الجزائر بنجاح، للإطاحة بالجينرال ديجول في فرنسا و بخطته منح الجزائر إستقلالها. والذي تحقق في يوليو 1962،) وشرع "ليون" في تجنيد الفريق الفرنسي .

طار"كينت"في سبتمبر عائدا إلى روما ليقابل المتآمرين من الخصوم الليبيين، ليضع القيد في أيديهم. وليكتشف أن إدارة المخابرات الليبية الجديدة، أرسلت تقريرا إلى عضو مجلس الثورة الرائد عبد المنعم الهوني (الذي أصبح فيما بعد أحد أخطرالمتمردين على القدافي في الثمينات) والذي إخترق بدقة غموض خط دفاع الشلحي في مدينة جينيف. ووعد "كينت" أن ينقل إلى الشلحي التفاصيل الشخصية لخطة الهوني لخطفه في 15 إكتوبر 1970 .

وبعد أن تمكن من حصوله على فترة الراحة هذه، أودع "كينت" خمسة آلاف دولار في صندوف توفير بجنيف، لكل فرد من فريق "ليون" الفرنسي. كما أحضر الشلحي تاجرا ليبيا آخر، إسمه المموه "وليام"، ليتولي الترتيبات المالية. كان يوم 6 نوفمبر يوم حالم. أعطي الشلحي قبل 26 إكتوبر بإحدي عشر يوما، رسالتين إلى"كينت" الأولي ليسلمها إلى الملك إدريس (ضيف مصر في المهجر) فحواها أنه في حالة نجاح عملية "هيلتون" فإن إدريس سوف يتمكن من إستعادة مملكته. والرسالة الثانية كانت لأخيه عبد العزيز، أحد السجناء في عملية "هيلتون" الذي كلفه فيها أن يدفع " لكينت " أربعة ملايين دولار مقابل مساهمته في قضيتنا .

مرة أخرى أربك "كينت" رجال إدارة المخابرات الليبية في طرابلس، بعد تلقيهم رسالة من الهوني يأمر فيها بتأجيل موعدهم. طلب "كينت" مبلغ ستون ألف دولار شهريا مقابل وضع الشلحي تحت المراقبة، وجدوى قابلية تنفيذ عملية خطفه. من جهة أخرى بدأ "رايندول" تجميع الرجال والسلاح في أوروبا. وأجر سفينة لتحميل السلاح إلى"بلوش"– مرفأ صغير في يوغسلافيا ــ وحدد موعد اللقاء في "باري" بإيطاليا في الخامس من نوفيمبر؛ أما أعضاء الفريق فسيستقلون قطارات مختلفة من فرنسا. أما السفية فمن المفروض أن ترسو خارج ميناء "باري" بإيطاليا حيث يعلو ظهرها الفريق وتبحر بهم في جنح الظلام إلى طرابلس .

ولكن بينما كان الفريق ينتظر بقلق وصلت أخبار غاية في السوءْ مفادها أن السفيينة تأخرت في يوغوسلافيا بسبب عطب أصاب محركها. وأثناء ذلك إتصل مكتب"كينت" بلندن به، ليخبره بأن شرطة الرئيس اليوغسلافي "تيتو" حجزت شحنة السلاح الكبيرة في"ديبرونيك" واعتقلت إيضا وكيل الشحن اليوغسلافي. وأن العملية تداعت بكاملها. وكان على"كينت" إن يدفع مستحقات الفريق الفرنسي، كما دفع للفريق البريطلني سابقا. في الثامن من نوفمبر1970، أخذ "كينت" الطائرة إلى جينيف لنعي العملية مع الشلحي .

بعد قليل من تبادل الإتهامات حول ضياع اكثر من مئتين ألف دولار صرفت دون طائل، وافق الشلحي على تبني خطة جديدة. تخلص "كينت"من "رايلوند"الثرثار. وبواسطة "ليون" تم شراء قارب بحري في طولون يطلق عليه"كونكويستادور8" مزود بمحركين مرسيدس تمكنه من الإبحار بسرعة 18عقدة بحرية. أما "كينت" فقد إشتري قارب مسجل ببناما وإستخدم أربعة بحارة كطاقم .

بما إن شحنة الإسلحة الأولى قد ضاعت، حيث صادرتها السلطات اليوغوسلافية، فقد واجه "كينت" صعوبة كبيرة في الوصول إلى مجموعة جديدة من تجار السلاح الذين يمكنهم مرة أخرى شراء شحنة أسلحة جديدة بمبلغ 45 ألف دولار من أموال الشلحي، من شركة الأسلحة التشيكية "أومنيبول". التي ستحول إلى "دوبرونيك. كان على "كينت" أن يطير إلى براغ لمعالجة الترتيبات، التي تشمل دفعات مالية كثيرة للتشيكيين وغيرهم. كان على فريق العمل التواجد في ميناء كتانيا في سيسيليا بعد أن تلتقط السفينة "كونكويستادزر8" ترسانة الأسلحة من "بلوشي" ميناء يوغسلافي صغير، ليس "كديبرونيك" فهو مسرح له بتصدير السلاح .

في ذلك الوقت، طلب أيضا من المرتزقة الفرنسيين إثبات حضورهم في كاتانيا. وعندما يعتلون ظهر السفية في عرض البحر، عليهم أن يجربوا سلاحهم وقوارب الإنزال الزودياك، وأجهزة توكي للإرسال، ومعدات المعركة الأخرى. أما في تونس علي ثلاثة من المرتزقة الفرنسيين تأجير سيارة وإنتحال صفة مهربين مزعومين لتهريب الخمور، ثم يتوجهون بها إلى طرابلسن. قام كل من"سيل و ماك كونفيل" بعناية شرح تفاصيل هجوم صرف الأنظاردقيقة بدقيقة، وكذلك الهجوم المضاد لعربات القدافي المدرعة التى ستخرج من ثكنات باب لعزيزية. أما الشلحي فعليه أن يمضي قدما شخصيا داخل السجن عند تحطم الأبواب والجدران ويوقض المساجين دفعة واحدة ويحرضهم على الخروج، وليقود الهجوم بنفسه. أما المرتزقة فينسحبوا إلى السفينة ويفروا .

بعد لقاءات عدة بين الشلحي وعناصر أخرى من المانيا والنمسا، طار"كينت" إلى فينا في السابع من يناير1971، ليسحب الخطة النهائية وليححد ميعاد تنفيذ العملية، والذي أتفق على أن يكون بعد شهرآخر. لقد أكمل "كينت" شخصيا كل ما يتعلق بتجهيزات السلاح في براغ، وعقد في"آبيفيل" مدينة بفرنسا لقاء نهائيا مع طاقم السفينة "كونكويستادور8".

أبحرت السفينة من فرنسا يوم 25، لتصل ميناء "برينديسي" بإيطاليا في 27 يناير، أما "كينت" و"غريغور" وكيل الشحن اليغوسلافي فقد أخرج صناديق السلاح بعد ان دفع رسوم التخزين والجمارك في "بلوش" ودفع "كينت" مستحقات"قريغور". كل شئ بدى على ما يرام،حتى اليوم التالي؛ حين وصل خبر من"جيف ثامبسون" أحد المرتزقة يفيد بأنه بمجرد وصول السفينة "كونكويستادور8" إلى ميناء "باري" في 26 يناير، بدأ البوليس الإيطالي يكثفون مراقبته ولتحركات السفينة .

وفي صباح يوم الجمعة 28 ينايرأستيقظ "جبف" وهو نائم في غرفته في الفندق على رجل إنجليزي يرتدي بدلة سوداء ويمسك بيده مظلة مطوية. قدم نفسه على أنه يمثل المخابرات البريطانية. سرد الرجل سجل"جيف"العسكري وتاريخ عائلته بالتفصيل، وقال له قد يكون الأمر غير سار بالنسبة إليه في حالة إستمراره في عملية"هيلتون". وعندما قاد "جبف" سيارته في اليبوم التالي إلي"تريستا" لينتظر السفينة "كونكوادور8" تلقي مكالمة غير ودية من نفس رجل المخابرات البريطانية يخبره بأنه عازم على زبارته غدا الثامنة صباحا، لكن "جيف" غادر مسرعا إلى الحدود النمساوية قبل وصول الرجل. إكتشف أن سيارة الشرطة الإيطالية تلاصق سيارته وتتعقبها حتى غادر الحدود. بعدها طار"جيف" ليقابل "كينت" في فرانكفورت. وهناك تخلي عن عملية "هيلتون" نهائيا .

يتبع ...

الثلاثاء، 31 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (7) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم


لندرك أول الأمر مدى المرارة التي سببتها الحماية الأمريكية للقدافي، حيث كان هناك عقيدان ليبييان هما أحمد حواز و موسى أحمد، وزيري الدفاع والداخلية في حكومة القدافي الأولى التي شكلت في سيبتمبر 1969. لم يكن كلا الرجلين من داخل الحلقة التي تظم الخلية الأولى ولا الثانية للثوريين الذين خططوا للإنقلاب. وأن كليهما إنظم لمجلس قيادة الثورة في اللحظة الأخيرة قبل نجاح الإنقلاب. والرجلين ينتميان إلى برقة ولهما علاقات عسكرية جيدة، وفوق كل ذلك، تربطهما علاقات صداقة بالبريطانيين والأمريكيين. وجاء تقييمهم لثورة القدافي مطمئنا للغربيين ومبعوث عبد الناصر فوق العادة محمد حسنين هيكل، كما ساعدا على بيع الإنقلاب إلى لندن وواشنطن والنجاح في الحصول على تأكيد عدم التدخل وإعتراف العاصمتين الغربيتين الرئسييتين .

قبل نهاية شهر سبمتبر1969، خرج القدافي وجلود وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة من مقر قيادتهم الأولى بمبنى دار الإذاعة، إلى ثكنات باب العزيزية بالقرب من بوبات طرابلس، لطلب مزيد من الحماية. لم يطل الوقت حتي تبين سريعا بأن الأمر في مجلس قيادة الثوة لم يكن علي ما يرام. هناك صراعا حول المراكز القيادية والأعمال والمهمات الأخري، ربما لم يكن ظاهرا للعيان، تماما كما حدث مع موسى أحمد وأحمد الحواز. إن المعروف عن القدافي أنه مفرط في الحذر إلى درجة إصابته بما يطلق عليه في علم النفس "البارانويا" وهو نزعة جنون الشك والإرتياب من الآخرين والتي تجعل المصاب بها لا يثق فيهم ثقة مطلقة، سواء ممن يعرفهم أو يظن أنه يعرفهم. القدافي أصبح يشعر بأن هناك مؤامرة تحاك فيما بين الدخلاء مثل موسى والحواز، والذين يمسكون بخيوط مجلس قيادة الثورة، ويوجهون قوات الأمن في وزارتي الدفاع والداخلية. تلقى القدافي في وقت ما في ديسمبر1969، تحذيرا إما من رئيس مركز (سي آى إي) نفسه أو عميل أمريكي آخر يعمل تحت إمرة الجيش أو تحت غطاء هيئات أخرى، بأن هناك بالفعل مؤامرة حقيقية يحيكها ضده ضابطان سابقان ليسا جديرين بالثقة وذوي ميول غربية هما موسى أحمد وآدم الحواز. في الحادي عشر من ديسمبر، ألقى حرس القدافي الخاص القبض على الحواز وموسى أحمد، وقدما للمحاكمة مع ستة آخرين، وأصدرت المحكمة بحقهم أحكاما لمدة ستة أشهر سجن، غير أن العقوبة أزدادت لاحقا في أكتوبر 1970، على يد محكمة شعبية جديدة.

روجت جهة ما بنجاح،"بروباقندا "سوداء" مضادة للإتحاد السوفييتى، ويرجح على وجه التقريب أنها وكالة المخابرات الأمريكية. وذلك حين ساء وضع الكرملين في ليبيا، عندما أخذ إعترافه بالنظام الليبي الجديد وقتا أطول مما أخذه الأمريكيون والبريطانيون. إلى جانب توزيع نسخة من كتاب روسي مترجمه إلي العربية في طرابلس، يوجه فيها الكتاب نقدا عنيفا للإسلام. من المعتاد في مثل هذه الأحوال أن الطرف المعتدى عليه، له أن يطالب بحقوقه من الطرف المعتدي، سواء كان الإتحاد السوفييتي أو أمريكا والتي عانت هي الأخرى من تأثير عمليات "البروباقاندا السوداء". ولكن في حالة السوفييت هذه، تعذرعليهم نكران موثوقية الكتاب، غير أنهم أصروا علي أنه معد فقط لٌلإستعمال الداخلي في الإتحاد السوفييتي. كل ذلك ساعد علي توزيع رسالة حول الشرق الأوسط مفادها أن القذافي رجل أمريكا. إن جمال عبد الناصر كشخصية رئيسية مميزة، عرف بصورة جيدة التأثير المحدود لذلك على البسطاء من قراء الصحف العربية أو مستمعي أجهزة الترانزيستور. إن جهاز المخابرات الأمريكية لم يدعي بأنه إخترق مجلس قيادة ثورة عبد الناصر في مصر، أو عرف بدقة عن ثورة يوليو 1952 قبل حدوثها .

وعلى الرغم من أن القذافي قد أنهي بشكل سريع القواعد البريطانية والأمريكية، إلا أن إدارة نيكسون كان لها أسبابها لتري في القدافي رجلا جيدا لا يمكن تجاوزه، حتى إذا لم تربطنا به صداقة. لأن القدافي لم يكتفي مثلا بشجب دور السوفييت في الحرب الباكستانية - الهندية سنة1971، على نحو محدود، بل تعداه إلى إرسال سرب من "مقاتلات الحرية" من قاذفاة (ف-5) التي زود بها النظام الملكي قبل الثورة (الإنقلاب) إلى باكستان. كما تعاون مع الرئيس المصري السادات في أغسطس 1971، في سحق إنقلاب الشيوعيين السودانيين على الرئيس جعفر النميري، بقطع الطريق على طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تحمل علي ظهرها إثنين من زعماء الإنقلاب البارزين وإجبارها على الهبوط بليبيا، وتسليمهما إلى النميري بالخرطوم ليتم شنقهما .

وفي السنة التالية تدخل القدافي في السياسة اليمنية على نحو أدخل السرور المتناهي علي الولايات المتحدة الأمريكية. كان اليمن وقتها يمر بفترة نقاهة من حرب أهلية طويلة. أيدت فيها السعودية والمرتزقة الأوروبيون العائلة المالكة اليمنية في مواجهة"الجمهوريين" الذين يدعمهم عبد الناصر والإتحاد السوفييتي. وأنهت تلك الحرب المرحلة الدولية الحادة بإنسحاب آخر للقوات المصرية من اليمن في 1967، وتركت اليمن مقسمة، الشمال تديره قبائل تدعمها السعودية، والجنوب ينعطف بتوسع على نحو شبيه بنمط خلطة القدافي النكدة، ثورة وحكومة بالداخل على النمط الماركسي .

بحثا عن دعم القدافي وكسب وده، قدم وفدان يمنيان متنافسان إلى طرابلس. وعندها أخبرهم القدافي بأن عليهم أن يحققوا ما بدأه فعلا ودعي إليه جميع الدول العربية وهو الإتحاد ما دامت القوي العظمى تسعى إلى تقسيم العرب. اقترح القدافي في مقابل ذلك على العرب أن يقاوموا ويتوحدوا. وفي طرابلس قفل القدافي باب الحجرة التي وضع فيها أعضاء البعثتين، وأخبرهم حرفيا بأنهم لا يمكنهم الخروج من الحجرة إلا بعد أن يتفقوا علي إنجاز وحدة مبنية على أسس أسلامية وليست ماركسية، ولكن علي النمط الجديد الذي إنبثق عنه الإتحاد الإشتراكي الليبي – وهو نسخة القدافي من الحزب السياسي العام الوحيد لعبد الناصر .

للخروج من الأزمة وعدم البقاء في الحجرة المقفلة، وقع الوفدان اليمنيان أيتفاقية كيفما إتفق. وفي السياسة اليمنية ليس هناك شيئ يقرر، ويبقى. إستمر القدافي في تزويد الطرفين بالسلاح (مفضلا الطرف الذي عندما يشعر أنه مهدد من الطرف الآخر). كما قام لوقت قصير بتسليح سلطان عمان حليف أمريكا وبريطانيا ضد عصابات حركة ضفار التي يدعمها الماركسيون اليمنيون .

إلى جانب تتابع مثل هكذا خطوط سياسية خارجية، عمل القدافي ايضا على التودد إلى واشنطن بنغمة عذبة من التوترات المضاد للشيوعية ليست مختلفة عن التي سمعت من مصر عبد الناصر، حيث لا زال الشيوعيون يقبعون بجانب (الإخوان المسلمين وغيرهم من المصنفين كأعداء للنظام) في معسكرات الإعتقال. إن إلغاء القدافي لجميع الأحزاب السياسية في ليبيا بكل قسوة كان يعني به البعثيين سواء من ذوي القناعات العراقية أوالسورية. وكذلك الإشتراكيين على إختلاف إنتماءاتهم، وبالطبع بما فيهم الشيوعيين. وهكذا شعرت واشنطن بالإرتياح على الرغم من موقف القدافي المتهور حيال إسرائيل والمسألة الفلسطينية، إلا أنه كان قاسيا مع الشيوعية، ولم يسمح للسوفييت مطلقا الحصول على إي موقع قدم، لا عسكريا أوسياسيا ولا إيديولوجيا في شمال أفريقيا .

لم تحمل أي من هذه الإعتبارات أي وزن لأعداء القدافي الليبيين، ولا لخصومه الذين صنعهم جراء نشاطاته الهدامة، بذريعة الوحدة العربية في المغرب وتونس، وبعدها في مصر والسودان والشاد، وجيران أخرين من دول أفريقيا السوداء. لقد أرادوا قتل القدافي. روى "باتريك سييل" و"ماورين ماك كونفيلي" في كتابهم "عملية الهيلتون" القصة كاملة، عدي أنهم غيروا الأسماء الحقيقية إلى صفات وهمية. وعلى الرغم من أن روايتهم لم تكن مقنعة لمن خالفهم من الغربيين، غيرأنه قاد ألى حقيقة لا ريب فيها وهي أن المخابرات الأمريكية عاملة مع المخابرات البريطانية والإيطالية أحبطت الخطة المعدة بشكل محكم لإغتيال القدافي. كانت مجموعة من المرتزقة الأوروبيين مقرر لهم أن يحطوا على الساحل القريب من طرابلس ويهجموا على السجن الرئيسي. وكانت كلمة السر"هيلتون" (غير أنه لا يوجد فندق هيلتون في ليبيا). وكان على هؤلاء المرتزقة أن يشجعوا ويسلحوا عدة مئات من المساجين المعارضين، وأغلبهم ينتمون للنظام السابق، وبالتالي عليهم مهاجمة القدافي ورفاقه في معسكرات باب العزيزية التي تقع على بعد أميال قليلة فقط من نقطة إنطلاقهم .

القصة كما أوردها كل من"سيل، وماك كونفيل"، أتاحت في وقت متأخرمن يوليو 1970 في لندن للجندي الجنوب أفريقي"ستيف راينولدس" فرصة إتصالات مثمرة بالعقيد المتقاعد "ديفيد إيستيرلنج" بطل العديد من عمليات عنيفة لحرب العصابات الغير نظامية في جنوب أفريقيا وأماكن أخري أثناء الحرب العالمية الثانية. هناك مهاجرون ليبيون متواجدون في روما، تولي قيادتهم المستشار الملكي السابق عمر الشلحي ( نفس الشلحي أخو عبدالعزيز الذي كان يخطط لإنقلاب خاص به، مثله مثل أخيه عمر الذي طار إلى لندن ليسأل البريطانيين التدخل ضد القدافي، في سبتمبر 1969). أراد أولائك المغتربون الليبيون إستأجارعصبة من المرتزقة الأوروبيين لتوجيه ضربة سريعة للقدافي.كان"جيمس كينت وشريكه إستيرلنج" التي كانت تجربته في اليمن وأماكن أخرى شهدت بأفعال المرتزقة الجريئة. بدى الأمر مريحا لهما لعدم وجود تدخل شيوعي، ولوجود الكثير من الليبيين بجانب الشلحي، كما أن الليبيين يتطلعون لرؤية نهاية للقدافي، ولذلك يجب العملية أن تتم علي نحو متقن .

منذ 1967 كان ستيرلينج" يقود منظمة أمنية خاصة تدعي "وتش جارد"،والتي باعت الخبرة العسكرية والتدريب المضاد للإرهاب لحكام أفريقيا والشرق الأوسط، والذين يطلبون المزيد من تزويدهم بحراس الأمن الشخصي، مفضلينهم على حراسهم الذي يطلق عليهم"البودي قارد". بالرغم من أن منظمة "وتش جارد" لم تكن مدرجة على قائمة "عملية هيلتون"، ومع ذلك توفر للمشاركة في العملية بعض المحاربين البريطانيين الإشداء والذي عملوا كفدائيين في مرافق القوات الجوية البريطانية الخاصة. كان "ستيرلينج" يحاول إقناع المخابرت الأمريكية بتشكيل منظمة أمريكية بديل"وتش جارد"، ولكن (سي آى إي) إنكوت بنارعملية"خليج الخنازير"مع المغتربين الكوبيين وتشكيل من المرتزقة في كوبا. وكذلك في فيتنام وأماكن أخرى حيث كان الأمر إن ذاك يسير على نحو مرضي .

كان كلا من "ستيرلينج وكينت" يشعران بأن لا الأمريكيين ولا البريطانيين سيعترضان على الإطاحة بالقدافي، خاصة إذا نفذت العملية ووفقا لخطة "هيلتون"، بمشاركة المرتزقة الذين سيبادروا فقط بالضغط علي الزناد وتفجير ما هو في الأساس مهمة ليبية سيتم نهايتها االليبيون أنفسهم. في الثامن عشر من مايو1970، تعزز هذا الأمرعندما ناقش رجل دولة بريطاني متقاعد في وقت لاحق مسألة القدافي مع "ستيرلينج وكينت" حول مضاعفات هذه المسألة. ووضعوا على قائمة صغيرة ستة عناصرمن قادة القوة المعدة لتنفيذ هذه الضربة للقدافي، والذي كان أحدهم عن طريق الصدفة ليس عدى عمرالشلحي الذي قابله "راينولد" من قبل في روما .

يعيش عمر الشلحي حياة باذخة في فيلة محصنة خارج جنيف ، كسب ثروة عن طريق دوره كوكيل ذي نفوذ لشركات النفط، ومؤسسات تجارية خارجية، عندما كانت ليبيا تعيش طفرة 1960 النفطية. وحصن ثروته هذه في عدة بنوك في سويسرا وأماكن أخرى. ومنذ الرفض الذي واجهته بريطانيا وأمريكيا إستعمالهما لقواعد التدخل السافر التي لا زالت متواجدة على الأرض الليبية. لذا عزم الشلحي القيام بالمهمة بشكل علني وعلى نحو مقنع إذا أمكن .

في أواخر يوليو 1970 ركب ”ستيف رابنولد" الطائرة إلى روما ليقابل الشلحي للمرة الثانية ليعلمه بأن القوة البشرية والتقنية لتنفيذ عملية هيلتون أصبحت جاهزة في إينجلتيرا. وفي التاسع من أغسطس 1970، إلتقي "راينولدز" "بستيرلينج" في كير" مكان سكنى عائلته في الريف الإسكتلندي، حيث كان يقضي فترة نقاهة بعد حادث سيارة، وبعد وصول "كينت"، قررالثلاثة تنفيذ عملية "هيلتون" قبل منتصف سيبتمبر1070. وعزز"كينت" عملية مركز لندن بتجنيد إثنين من رجال منظمة "وتش قارد" السابقين .

بعد إعادة النظر ونبذ خيارات مثل الإجتياح عن طريق البرمن تونس بواسطة السيارات، أو بواسطة الرحلات الجوية النظامية الخاصة من أوروبا. تقرر أن قوة الإقتحام لابد أن تتم عبر ساحل البحر.

أخذ ”كينت- وستيرلينج" بعين الإعتبار المهالرات القتالية الضرورية لدى أعضاء فريق الغزو المتعاقد معهم. في مقابل أجرعرضه الشلحي بقيمة خمسة آلاف دولار للرجل الواحد. إستقل إثنان من قادة الفريق الطائرة إلى طرابلس، منتحلين صفة رجال الأعمال ليستكشفا السجن وما يحيط به. وكانت مهمتهما هي رسم الخرائط ومتطلبات الهجوم السريع، وبمجرد تحرير 150 إلى 200 من قدماء ضباط الجيش الليبي ورجال الشرطة للنظاام السابق وتسليحهم وإطلاق سراحهم، ثم عليهم أن يتحركوا ضد القدافي، وينطلقوا بسرعة خاطفة في نفس اللحظة لإختراق الباب الخارجي ومراقبة السجن. كما بعث الرجلان رسالة إلى"رينولدس" الذي أوكل إليه توريد السلاح والمتفجرات بما في ذلك مضادات الدروع، من الشركة التشيكية "أومنيبول" لبيع السلاح، والتي تتعامل علي نطاق واسع مع الكتلة السوفيتية " لتجارة تصدير السلاح". وللتغطية على وسيلة آمنة للتعاون الليبي، ولتحقيق ذلك توصل"راينولد" إلى إرسال معلومة إلى سلطات القدافي، بأن هناك خط طيران صغير، يستعمل الممر الجوي الليبي لرحلات بين "ليكسينبورغ" وجنوب إفريقيا، مخترقة الحظر الجوي على نظام بريتوريا"الأبرتايد". فأكتسب بذلك رضا الليبيين و ثقتهم.

يتبع ...