‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب مترجم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب مترجم. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 31 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (7) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم


لندرك أول الأمر مدى المرارة التي سببتها الحماية الأمريكية للقدافي، حيث كان هناك عقيدان ليبييان هما أحمد حواز و موسى أحمد، وزيري الدفاع والداخلية في حكومة القدافي الأولى التي شكلت في سيبتمبر 1969. لم يكن كلا الرجلين من داخل الحلقة التي تظم الخلية الأولى ولا الثانية للثوريين الذين خططوا للإنقلاب. وأن كليهما إنظم لمجلس قيادة الثورة في اللحظة الأخيرة قبل نجاح الإنقلاب. والرجلين ينتميان إلى برقة ولهما علاقات عسكرية جيدة، وفوق كل ذلك، تربطهما علاقات صداقة بالبريطانيين والأمريكيين. وجاء تقييمهم لثورة القدافي مطمئنا للغربيين ومبعوث عبد الناصر فوق العادة محمد حسنين هيكل، كما ساعدا على بيع الإنقلاب إلى لندن وواشنطن والنجاح في الحصول على تأكيد عدم التدخل وإعتراف العاصمتين الغربيتين الرئسييتين .

قبل نهاية شهر سبمتبر1969، خرج القدافي وجلود وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة من مقر قيادتهم الأولى بمبنى دار الإذاعة، إلى ثكنات باب العزيزية بالقرب من بوبات طرابلس، لطلب مزيد من الحماية. لم يطل الوقت حتي تبين سريعا بأن الأمر في مجلس قيادة الثوة لم يكن علي ما يرام. هناك صراعا حول المراكز القيادية والأعمال والمهمات الأخري، ربما لم يكن ظاهرا للعيان، تماما كما حدث مع موسى أحمد وأحمد الحواز. إن المعروف عن القدافي أنه مفرط في الحذر إلى درجة إصابته بما يطلق عليه في علم النفس "البارانويا" وهو نزعة جنون الشك والإرتياب من الآخرين والتي تجعل المصاب بها لا يثق فيهم ثقة مطلقة، سواء ممن يعرفهم أو يظن أنه يعرفهم. القدافي أصبح يشعر بأن هناك مؤامرة تحاك فيما بين الدخلاء مثل موسى والحواز، والذين يمسكون بخيوط مجلس قيادة الثورة، ويوجهون قوات الأمن في وزارتي الدفاع والداخلية. تلقى القدافي في وقت ما في ديسمبر1969، تحذيرا إما من رئيس مركز (سي آى إي) نفسه أو عميل أمريكي آخر يعمل تحت إمرة الجيش أو تحت غطاء هيئات أخرى، بأن هناك بالفعل مؤامرة حقيقية يحيكها ضده ضابطان سابقان ليسا جديرين بالثقة وذوي ميول غربية هما موسى أحمد وآدم الحواز. في الحادي عشر من ديسمبر، ألقى حرس القدافي الخاص القبض على الحواز وموسى أحمد، وقدما للمحاكمة مع ستة آخرين، وأصدرت المحكمة بحقهم أحكاما لمدة ستة أشهر سجن، غير أن العقوبة أزدادت لاحقا في أكتوبر 1970، على يد محكمة شعبية جديدة.

روجت جهة ما بنجاح،"بروباقندا "سوداء" مضادة للإتحاد السوفييتى، ويرجح على وجه التقريب أنها وكالة المخابرات الأمريكية. وذلك حين ساء وضع الكرملين في ليبيا، عندما أخذ إعترافه بالنظام الليبي الجديد وقتا أطول مما أخذه الأمريكيون والبريطانيون. إلى جانب توزيع نسخة من كتاب روسي مترجمه إلي العربية في طرابلس، يوجه فيها الكتاب نقدا عنيفا للإسلام. من المعتاد في مثل هذه الأحوال أن الطرف المعتدى عليه، له أن يطالب بحقوقه من الطرف المعتدي، سواء كان الإتحاد السوفييتي أو أمريكا والتي عانت هي الأخرى من تأثير عمليات "البروباقاندا السوداء". ولكن في حالة السوفييت هذه، تعذرعليهم نكران موثوقية الكتاب، غير أنهم أصروا علي أنه معد فقط لٌلإستعمال الداخلي في الإتحاد السوفييتي. كل ذلك ساعد علي توزيع رسالة حول الشرق الأوسط مفادها أن القذافي رجل أمريكا. إن جمال عبد الناصر كشخصية رئيسية مميزة، عرف بصورة جيدة التأثير المحدود لذلك على البسطاء من قراء الصحف العربية أو مستمعي أجهزة الترانزيستور. إن جهاز المخابرات الأمريكية لم يدعي بأنه إخترق مجلس قيادة ثورة عبد الناصر في مصر، أو عرف بدقة عن ثورة يوليو 1952 قبل حدوثها .

وعلى الرغم من أن القذافي قد أنهي بشكل سريع القواعد البريطانية والأمريكية، إلا أن إدارة نيكسون كان لها أسبابها لتري في القدافي رجلا جيدا لا يمكن تجاوزه، حتى إذا لم تربطنا به صداقة. لأن القدافي لم يكتفي مثلا بشجب دور السوفييت في الحرب الباكستانية - الهندية سنة1971، على نحو محدود، بل تعداه إلى إرسال سرب من "مقاتلات الحرية" من قاذفاة (ف-5) التي زود بها النظام الملكي قبل الثورة (الإنقلاب) إلى باكستان. كما تعاون مع الرئيس المصري السادات في أغسطس 1971، في سحق إنقلاب الشيوعيين السودانيين على الرئيس جعفر النميري، بقطع الطريق على طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تحمل علي ظهرها إثنين من زعماء الإنقلاب البارزين وإجبارها على الهبوط بليبيا، وتسليمهما إلى النميري بالخرطوم ليتم شنقهما .

وفي السنة التالية تدخل القدافي في السياسة اليمنية على نحو أدخل السرور المتناهي علي الولايات المتحدة الأمريكية. كان اليمن وقتها يمر بفترة نقاهة من حرب أهلية طويلة. أيدت فيها السعودية والمرتزقة الأوروبيون العائلة المالكة اليمنية في مواجهة"الجمهوريين" الذين يدعمهم عبد الناصر والإتحاد السوفييتي. وأنهت تلك الحرب المرحلة الدولية الحادة بإنسحاب آخر للقوات المصرية من اليمن في 1967، وتركت اليمن مقسمة، الشمال تديره قبائل تدعمها السعودية، والجنوب ينعطف بتوسع على نحو شبيه بنمط خلطة القدافي النكدة، ثورة وحكومة بالداخل على النمط الماركسي .

بحثا عن دعم القدافي وكسب وده، قدم وفدان يمنيان متنافسان إلى طرابلس. وعندها أخبرهم القدافي بأن عليهم أن يحققوا ما بدأه فعلا ودعي إليه جميع الدول العربية وهو الإتحاد ما دامت القوي العظمى تسعى إلى تقسيم العرب. اقترح القدافي في مقابل ذلك على العرب أن يقاوموا ويتوحدوا. وفي طرابلس قفل القدافي باب الحجرة التي وضع فيها أعضاء البعثتين، وأخبرهم حرفيا بأنهم لا يمكنهم الخروج من الحجرة إلا بعد أن يتفقوا علي إنجاز وحدة مبنية على أسس أسلامية وليست ماركسية، ولكن علي النمط الجديد الذي إنبثق عنه الإتحاد الإشتراكي الليبي – وهو نسخة القدافي من الحزب السياسي العام الوحيد لعبد الناصر .

للخروج من الأزمة وعدم البقاء في الحجرة المقفلة، وقع الوفدان اليمنيان أيتفاقية كيفما إتفق. وفي السياسة اليمنية ليس هناك شيئ يقرر، ويبقى. إستمر القدافي في تزويد الطرفين بالسلاح (مفضلا الطرف الذي عندما يشعر أنه مهدد من الطرف الآخر). كما قام لوقت قصير بتسليح سلطان عمان حليف أمريكا وبريطانيا ضد عصابات حركة ضفار التي يدعمها الماركسيون اليمنيون .

إلى جانب تتابع مثل هكذا خطوط سياسية خارجية، عمل القدافي ايضا على التودد إلى واشنطن بنغمة عذبة من التوترات المضاد للشيوعية ليست مختلفة عن التي سمعت من مصر عبد الناصر، حيث لا زال الشيوعيون يقبعون بجانب (الإخوان المسلمين وغيرهم من المصنفين كأعداء للنظام) في معسكرات الإعتقال. إن إلغاء القدافي لجميع الأحزاب السياسية في ليبيا بكل قسوة كان يعني به البعثيين سواء من ذوي القناعات العراقية أوالسورية. وكذلك الإشتراكيين على إختلاف إنتماءاتهم، وبالطبع بما فيهم الشيوعيين. وهكذا شعرت واشنطن بالإرتياح على الرغم من موقف القدافي المتهور حيال إسرائيل والمسألة الفلسطينية، إلا أنه كان قاسيا مع الشيوعية، ولم يسمح للسوفييت مطلقا الحصول على إي موقع قدم، لا عسكريا أوسياسيا ولا إيديولوجيا في شمال أفريقيا .

لم تحمل أي من هذه الإعتبارات أي وزن لأعداء القدافي الليبيين، ولا لخصومه الذين صنعهم جراء نشاطاته الهدامة، بذريعة الوحدة العربية في المغرب وتونس، وبعدها في مصر والسودان والشاد، وجيران أخرين من دول أفريقيا السوداء. لقد أرادوا قتل القدافي. روى "باتريك سييل" و"ماورين ماك كونفيلي" في كتابهم "عملية الهيلتون" القصة كاملة، عدي أنهم غيروا الأسماء الحقيقية إلى صفات وهمية. وعلى الرغم من أن روايتهم لم تكن مقنعة لمن خالفهم من الغربيين، غيرأنه قاد ألى حقيقة لا ريب فيها وهي أن المخابرات الأمريكية عاملة مع المخابرات البريطانية والإيطالية أحبطت الخطة المعدة بشكل محكم لإغتيال القدافي. كانت مجموعة من المرتزقة الأوروبيين مقرر لهم أن يحطوا على الساحل القريب من طرابلس ويهجموا على السجن الرئيسي. وكانت كلمة السر"هيلتون" (غير أنه لا يوجد فندق هيلتون في ليبيا). وكان على هؤلاء المرتزقة أن يشجعوا ويسلحوا عدة مئات من المساجين المعارضين، وأغلبهم ينتمون للنظام السابق، وبالتالي عليهم مهاجمة القدافي ورفاقه في معسكرات باب العزيزية التي تقع على بعد أميال قليلة فقط من نقطة إنطلاقهم .

القصة كما أوردها كل من"سيل، وماك كونفيل"، أتاحت في وقت متأخرمن يوليو 1970 في لندن للجندي الجنوب أفريقي"ستيف راينولدس" فرصة إتصالات مثمرة بالعقيد المتقاعد "ديفيد إيستيرلنج" بطل العديد من عمليات عنيفة لحرب العصابات الغير نظامية في جنوب أفريقيا وأماكن أخري أثناء الحرب العالمية الثانية. هناك مهاجرون ليبيون متواجدون في روما، تولي قيادتهم المستشار الملكي السابق عمر الشلحي ( نفس الشلحي أخو عبدالعزيز الذي كان يخطط لإنقلاب خاص به، مثله مثل أخيه عمر الذي طار إلى لندن ليسأل البريطانيين التدخل ضد القدافي، في سبتمبر 1969). أراد أولائك المغتربون الليبيون إستأجارعصبة من المرتزقة الأوروبيين لتوجيه ضربة سريعة للقدافي.كان"جيمس كينت وشريكه إستيرلنج" التي كانت تجربته في اليمن وأماكن أخرى شهدت بأفعال المرتزقة الجريئة. بدى الأمر مريحا لهما لعدم وجود تدخل شيوعي، ولوجود الكثير من الليبيين بجانب الشلحي، كما أن الليبيين يتطلعون لرؤية نهاية للقدافي، ولذلك يجب العملية أن تتم علي نحو متقن .

منذ 1967 كان ستيرلينج" يقود منظمة أمنية خاصة تدعي "وتش جارد"،والتي باعت الخبرة العسكرية والتدريب المضاد للإرهاب لحكام أفريقيا والشرق الأوسط، والذين يطلبون المزيد من تزويدهم بحراس الأمن الشخصي، مفضلينهم على حراسهم الذي يطلق عليهم"البودي قارد". بالرغم من أن منظمة "وتش جارد" لم تكن مدرجة على قائمة "عملية هيلتون"، ومع ذلك توفر للمشاركة في العملية بعض المحاربين البريطانيين الإشداء والذي عملوا كفدائيين في مرافق القوات الجوية البريطانية الخاصة. كان "ستيرلينج" يحاول إقناع المخابرت الأمريكية بتشكيل منظمة أمريكية بديل"وتش جارد"، ولكن (سي آى إي) إنكوت بنارعملية"خليج الخنازير"مع المغتربين الكوبيين وتشكيل من المرتزقة في كوبا. وكذلك في فيتنام وأماكن أخرى حيث كان الأمر إن ذاك يسير على نحو مرضي .

كان كلا من "ستيرلينج وكينت" يشعران بأن لا الأمريكيين ولا البريطانيين سيعترضان على الإطاحة بالقدافي، خاصة إذا نفذت العملية ووفقا لخطة "هيلتون"، بمشاركة المرتزقة الذين سيبادروا فقط بالضغط علي الزناد وتفجير ما هو في الأساس مهمة ليبية سيتم نهايتها االليبيون أنفسهم. في الثامن عشر من مايو1970، تعزز هذا الأمرعندما ناقش رجل دولة بريطاني متقاعد في وقت لاحق مسألة القدافي مع "ستيرلينج وكينت" حول مضاعفات هذه المسألة. ووضعوا على قائمة صغيرة ستة عناصرمن قادة القوة المعدة لتنفيذ هذه الضربة للقدافي، والذي كان أحدهم عن طريق الصدفة ليس عدى عمرالشلحي الذي قابله "راينولد" من قبل في روما .

يعيش عمر الشلحي حياة باذخة في فيلة محصنة خارج جنيف ، كسب ثروة عن طريق دوره كوكيل ذي نفوذ لشركات النفط، ومؤسسات تجارية خارجية، عندما كانت ليبيا تعيش طفرة 1960 النفطية. وحصن ثروته هذه في عدة بنوك في سويسرا وأماكن أخرى. ومنذ الرفض الذي واجهته بريطانيا وأمريكيا إستعمالهما لقواعد التدخل السافر التي لا زالت متواجدة على الأرض الليبية. لذا عزم الشلحي القيام بالمهمة بشكل علني وعلى نحو مقنع إذا أمكن .

في أواخر يوليو 1970 ركب ”ستيف رابنولد" الطائرة إلى روما ليقابل الشلحي للمرة الثانية ليعلمه بأن القوة البشرية والتقنية لتنفيذ عملية هيلتون أصبحت جاهزة في إينجلتيرا. وفي التاسع من أغسطس 1970، إلتقي "راينولدز" "بستيرلينج" في كير" مكان سكنى عائلته في الريف الإسكتلندي، حيث كان يقضي فترة نقاهة بعد حادث سيارة، وبعد وصول "كينت"، قررالثلاثة تنفيذ عملية "هيلتون" قبل منتصف سيبتمبر1070. وعزز"كينت" عملية مركز لندن بتجنيد إثنين من رجال منظمة "وتش قارد" السابقين .

بعد إعادة النظر ونبذ خيارات مثل الإجتياح عن طريق البرمن تونس بواسطة السيارات، أو بواسطة الرحلات الجوية النظامية الخاصة من أوروبا. تقرر أن قوة الإقتحام لابد أن تتم عبر ساحل البحر.

أخذ ”كينت- وستيرلينج" بعين الإعتبار المهالرات القتالية الضرورية لدى أعضاء فريق الغزو المتعاقد معهم. في مقابل أجرعرضه الشلحي بقيمة خمسة آلاف دولار للرجل الواحد. إستقل إثنان من قادة الفريق الطائرة إلى طرابلس، منتحلين صفة رجال الأعمال ليستكشفا السجن وما يحيط به. وكانت مهمتهما هي رسم الخرائط ومتطلبات الهجوم السريع، وبمجرد تحرير 150 إلى 200 من قدماء ضباط الجيش الليبي ورجال الشرطة للنظاام السابق وتسليحهم وإطلاق سراحهم، ثم عليهم أن يتحركوا ضد القدافي، وينطلقوا بسرعة خاطفة في نفس اللحظة لإختراق الباب الخارجي ومراقبة السجن. كما بعث الرجلان رسالة إلى"رينولدس" الذي أوكل إليه توريد السلاح والمتفجرات بما في ذلك مضادات الدروع، من الشركة التشيكية "أومنيبول" لبيع السلاح، والتي تتعامل علي نطاق واسع مع الكتلة السوفيتية " لتجارة تصدير السلاح". وللتغطية على وسيلة آمنة للتعاون الليبي، ولتحقيق ذلك توصل"راينولد" إلى إرسال معلومة إلى سلطات القدافي، بأن هناك خط طيران صغير، يستعمل الممر الجوي الليبي لرحلات بين "ليكسينبورغ" وجنوب إفريقيا، مخترقة الحظر الجوي على نظام بريتوريا"الأبرتايد". فأكتسب بذلك رضا الليبيين و ثقتهم.

يتبع ...

الاثنين، 23 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (6) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

تقديم : 
 
أخترت للقراء تقديم الفصل الخامس من كتاب جون كيلي عاصفة رملية ليبية، بالرغم من أن شهادته جاءت بعد سنين من إنقلاب القدافي العميل وعصابته، وغطي فيها الفترة المبكرة من حكم الطاغية، وكيف أجهظت مخارات الغرب وأسرائيل كل المحاولات في سبيل الإطاحة بالقدافي. إن نشر هذه الشهادة في هذا الوقت سيميط اللثام عن عمالة القدافي ويكشف حقيقته الزائفة، بإعتبار المؤلف هو أحد مسؤولي المخابرات الأمريكية، فهو يسلط الضوء على أسرار غاية في الأهمية، ويفضح إرتباط القدافي بالقوي الغربية وعلي رأسها أمريكا، وبريطانيا وإيطاليا ومن ورائهم إسرائيل، جميعهم قدموا له الرعاية والحماية، والحفاط على إستمراره في السلطة. لا شك أن أغلب شرفاء الليبيين يعرفون تمام المعرفة حقيقة هذا الرجل الشاذ وعمالته. ولكن شهادة أحد عناصرالمخابرات الأمريكية سيكون لها تأثيرها القوي في كشف حقيقة هذا العميل، وتجرده من الهالة الكاذبة التي يحيط بها نفسه. كما تدين هذه الشهادة أمريكا ودول الغرب وزيف إدعائهم الكاذب في الدفاع عن حقوق الإنسان وحريته. وجريمتهم في حق الشعب الليبي، بدعمهم لهذا المجرم ليكتم أنفاس الليبيين على أمتداد أربعة عقود، لأجل سرقة نفط ليبيا ونهب ثروتها . المترجم 

                                                                             ***

بعد بعد مضي الثلاثة سنوات الأولى على (ثورة) إنقلاب القدافي، تأكد للولايات المتحدة أن العقيد معمر القدافي وطني مشهود له بمناهظة الشيوعية على نحو لا يقبل الشك. ولعدة أسباب، سيتبين جليا بأن حماية الدرع الأمريكي ستشمله في وقت ليس بالبعيد .

ومع ذلك فقد فشل هذا الدرع في توفير الحماية لحلفاء أمريكا وأصدقائها، ودوبلماسييها أنفسهم من التآمر الليبي. وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في وقت متأخر من سنة 1977م، أن يجلس في المكتب البيضاوي، ويخط بيده ملاحظة على ورقة من أوراق البيت الأبيض، تركز وتضع العين على رجل واحد، وهو العقيد معمرالقدافي، ثم تولى رسول ديبلوماسي الإسراع لإيصال محتواها إلى طرابلس.

لم يكن هناك ثمة مجال لضياع الوقت، فعندما علم كارتير ومجلس الأمن القومي، أن حياة سفير الولايات المتحدة في القاهرة "هيرمان فريدريك إيلتس"في خطر مميت. وهوالرجل اللبق الذي يتحدث العربية بطلاقة وكفائة عالية، والذي عينه سابقا الرئيس نيكسون للعمل بجانب وزير الخارجية هنري كسينجر لتسهيل مهمة إنعطافة الرئيس السادات نحو صداقة الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح هذا الرجل هدفا لمآمرة ليبية مميتة .

شمل سجل"إيليتس" الوظيفي المميز عندما كانت الولايات المتحدة تقوم بتوفير الحماية للقدافي. فترة عمل في المملكة العربية السعودية، تمكن خلالها، بالرغم من الخلافات حول المسألة الإسرائلية من فعل الكثير لكسب صداقة وثقة الملك فيصل. أما بالنسبة للقدافي، فقد بدى واضحا أنه إعتبر إيليتس رجلا خطيرا، كما أصيب بخيبة أمل حياله بعد أن تمكن آليتس هذا، من كسب ثقة السادات إيضا، وساعد على جذبه إلى ما كان يعتبره القدافي"معسكرالصهيونية والإمبريالية.

تمكن ثلاثة ليبييون من التسلل إلى مصر، بعد أن تم تدريبهم في مدارس القدافي الإرهابية، على أساس تبادل التقنيين الزراعيين بين البلدين. كانت مهمتهم هي تعقب تحرك إيليتس والقضاء عليه. كان مستشاري السادات ورجال شرطته يبذلون كل جهودهم في تتبع تحركات التآمر الليبي لإغتيال السادات، والتحريض علي القيام بالعنف في الشوارع المصرية. إنها مؤامرة لا مثيل لها في التدبير والتخطيط .

إندس أحد عناصر المخابرات الأمريكية داخل مؤسسات القدافي كمدرب إرهاب، فتمكن من الحصول على تفاصيل الخطة، وسربها إلى واشنطن خطوة بخطوة. وكان هذا المخبر الأمريكي يعمل إلى جانب تدريب الإرهابيين، عميلا مزدوجا، يعمل لحساب القدافي وفي نفس الوقت يرسل المعلومات إلى واشنطن.

كان هناك نقاش ممزوج بالمرارة في البيت الأبيض بين فئة قليلة من الأعضاء البارزين لجهاز المخابرات الأمريكية الذين أحيطوا علما بمآمرة القضاء على إيلتس، حول متي يجب إستدعاء عميل الولايات المتحدة وإذا تم ذلك في وقت سابق لإوانه. قد تتخذ القاهرة إحتياطات أمنية ظاهرة للعيان لحماية إيلتس، وعندها قد يتمكن القدافي من أن يشتم المخبر ويكتشف تواجده، وعندها قد تتعرض حياة العميل للخطر بجانب حياة آخرين من بين أكثر من ألفين من المقاولبين لإعمال النفط ورجال الأعمال العاملين بليبيا. حينها كان البيت الأبيض بحاجة ماسة للحصول على التفاصيل النهائية للمؤامرة لكي يتصرف بحكمة ولباقة مع سلطات الأمن المصرية لإنقاذ حياة إيلتس .

بعد إنتظار الرئيس كارتر عدة أيام قبل أن تحين نقطة الصفر لعملية إيلتس والتي أعد لها في ليبيا، صمم على التصرف في الأمر بنفسه، ،فخط بيده مذكرة إلي القدافي، أنذره فيها على نحو مقتضب بأن الولايات المتحدة أحيطت علما بتفايل المآمرة. وليضفي على إنذارة صفة الجدية، أورد كارتر قليلا من التفاصيل حول مجموعة الإغتيال والغطاء الذي يعملون تحته .

بعد صمت إستمر لفترة قليلة، جاء رد القدافي :- إن كل ما في الأمر مجرد خرافة من صنع الخيال، وأن الرئيس قد وصلته أخبار مغلوطة، لأن الليبيين الثلاثة الذين أقحموا في هذه القضية هم أبرياء، ويبدو أن أحدا قام بالإدعاء عليهم، إن هؤلاء الثلاثة لم يدخلوا مصر إطلاقا. أما المخبر الأمريكي فقد نجح في الفرار من ليبيا وبذلك أحبطت "عملية إيلتس" برمتها. وعندما علم أولائك القلة من أفراد إدارة كارتير في البيت الأبيض بذلك، تنفسوا الصعداء .

غير أن مهمة "إيلتس" وإحباطاتها مثلت لدى إدارة كارتير وللولايات المتحدة نقطة تحول في موقفها نحو الإرهاب، سواء بالنسبة لليبيا أو للجماعات المتعددة الأخري. عمقت الحادثة إحترام القدافي لكارتر وإدارته، فيما رسخت في ذهن الرئيس، أحابيل القدافي الشريرة والتي هون منها كارتر بطبيعته عندما كتب تقريره إلى الكونجرس حول العلاقة المريبة التي ربطت أخيه بيلي التاجر المتجول بليبيا والتى أضافت لكارتير أذى وألما لا حدود له، ألحقه به إخيه بسلوكه البهلواني الغريب. فكتب :

"إن لدينا مع حكومات قليلة خلافات سياسية حادة ومتكررة أكثرمن ليبيا. ولكن ليبيا تقف بإستمرار في طريق جهودنا للوصول وتطبيق إتفاقية كانمب ديفيد ( بين إسرائيل ومصر والولايات المتحدة الأمريكبة في سنة 1979م). ولدينا موقف شديد الإختلاف نحو منظمة التحرير الفلسطينية، بلإظافة إلى دعم الإرهاب........"

عانت إدارة الرئيس رولاند ريجان كثيرا للتأكيد على أن الإتحاد السوفييتي وراء "شبكة الإرهاب العالمي" والذي وصفته "كليرستيرلينج" بدقة ووضوح في كتابها بنفس الإسم. وخلال الشهور الأولى لإدارة للرئيس ريجان، كان وزير خارجية أمريكا أليكسندرهيج يكررالإشارة بأن الإتحاد السوفيتي بطريقة أو بأخرى وراء الشرالذي ينشره الإرهاب بخاصة في العالم الغربي وأماكن أخري، بجانب أمريكا اللآتينية والشرق الأوسط. فقد جاء على لسان ناطق من الإدارة في يونيو سنة 1981م، بأن كحكومة الإتحاد السوفيتي، وكوبا، وليبيا، بطريقة مباشرة أوغير مباشرة تمول وتدرب وتدعم ماليا الإرهابيين وتسلحهم – ويجب أن يقال لها بكل وضوح بأن تصرفاتها غير مقبولة في عالم يسعي إلى الأمن والرخاء ..... .”

في وقت مبكر من إدارة الرئيس رولاند ريجان، إرتاع وزير الخارجية "هيج" من إحصائية سنة 1980م، لضحايا الإرهاب العالمي التي بلغت 760 عملية إرهابية عالمية أتت على حياة 642 شخصا، و 1078 جريحا، وأعلن بأن الولايات التمحدة سوف لن تتفاوض مع الإرهابيين، كما فعلت لتحرير الخمسة وأربعين دوبلوماسيا أمريكيا، الذين إحتجزتهم الحكومة الثورية الإيرانية في شتاء سنة 1980-18م. وشكل "هيج" لجنة عمل داخلية للتصدي للإرهاب وأمر بمراجعة كل خطط ووسائل الولايات المتحدة ضد الإرهاب .

قام "هيج" بما هو أكثر حسما، ومع ذلك تم حضر نشره في وسائل الإعلام في ذلك الوقت. وهو أصدار أوامره لجهاز المخابرات المركزية لتقوم على نحو عاجل بالعمل على تواجد حلقة وصل ما، مع نظام القدافي والإرهاب الذي كان يدعمه حول العالم. لقد حان الوقت إذا ما كان لموظفي الولايات التمحدة المعرفة والشجاعة والعزم، أن يقوموا بالتحري والتدقيق في علاقات القدافي وإتصالاته الأمريكية .

اثناء إدارة كارتير وريجان كانت العلاقة مع القافي تتخذ طابع العداء والتوتر. ولكن علينا أن نتذكر أنها لم تكن علي النحو الذي كانت عليه في بداية الأمر، لأن الولايات المتحدة لم تعرف ولم تفهم الكثيرعن الحكم في ليبيا. ولكن كل من مؤيدي العقيد، والآخرين الذين يرونه كأخطر من يهدد الجنس البشري منذ حقبة جينكيزخان، يتفقون على حقيقة جوهرية : بأن القدافي، حتى في الحد الأدنى يعد مسؤلية أمريكية.

بعد أن ساهمت شركات النفط في الفساد المالي أثناء العهد الملكي الذي أطاح به القذافي، أصبحت هذه الشركات وغيرها مع حلفائها الأقوياء في الإدارات الأمريكية في شراكة مع“نظام القذافي”. ولم تقتصرعلاقة الولايات المتحدة مع القدافي على المصالح الإقتصادية، فخلال السنوات الأولى من حكمه، على الأقل إلى حين أول صفقة سلاح كبيرة عقدها القدافي والرائد عبد السلام جلود في سنة 1974م، مع الإتحاد السوفييتي، كانت مخابرات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تقومان بحماية القدافي من إعدائه وخصومه، وساعدتاه بكل تأكيد على البقاء في الحكم حتي قبل أن يعقد العميلان السابقان للمخابرات الأمريكية "فرانك تيربل وإيدوين ويلسين" صفقتهما التجارية مع القدافي في سنة 1976م، لبيع ليبيا خبراتهما الإستخبارية, وعلاقتهما ووسائل الخداع. ساد إعتقاد عند العرب في الشرق الأوسط أن القدافي قد "عقد حلفا مع الشيطان" وأنه يتمتع بحماية المخابرات المركزية الأمريكية. تعود أحد رؤساء التحرير اللبنايين تربطه صداقة بكثيرمن المراسلين الغربيين المتواجدين ببيروت التعليق"بأن القدافي عميل أمريكي" ولابد أن يكون مدرجا علي جدول الرواتب الأمريكية. إذ كيف يمكنك أن تفسر بعض تصرفاته على نحو آخر؟"، وكان الكثير من العرب يشاركونه في جهة نظره هذه .

بالطبع، لقد أخطأ رئيس التحرير اللبناني، لآن القدافي "لم يكن عميلا لأحد، بل كان عميلا لنفسه". إن الذي أكسبه هذه السمعة وخاصة بين أوساط اليساريين العرب ودوائرالشيوعية خلال السنوات الأولى لنظامه، بأنه"رجل أمريكا، حدوث أمرين. أولهما سلسلة االمواقف المضادة لأساليب الإتحاد السوفييتي والشيوعيين، التي إتخذت طابع النقد المتكرر الذي يطلقه القدافي في خطبه المبكرة، وعبر وسائل الإعلام الليبي، وشجب دورالإتحاد السوفييتي خلال حرب سنة 1071م، بين باكستان والهند ووصفه"بتطابقه مع الأطماع الإمبرالية في المنطقة" وتزويده باكستان بقادفات (ف5)؛ وإنتقادة للإتفاقية السوفياتية-العراقية سنة1972 (بالرغم من أن القدافي سبق وأن وقع مع الإتحاد السوفييتي إتفاقية إقتصادية وتقنية، إلا أنه لم يوقع إتفاقية تسليحية بعد، ولكنه فعل ذلك لاحقا في وقت ليس بالطويل ). وفقا لمستشاريه السابقين، إستحسن القدافي أيضا قرارالرئيس المصري السادات بترحيل الجيش السوفييتي عن مصر في الثاني من يوليو سنة1972. أما الأمر الثاني والذي كان واضحا منذ البداية، هو قيام المخابرات المركزية الأمريكية بحماية نظام القدافي وشخصه . 


يتبع ...

السبت، 21 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (5) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

تفجر الحرب الكورية في سنة 1950م، يعيد التأكيد بالنسبة لإدارة الرئيس ترومان ومن بعده ايزنهاور على ما كان يقوله "فيلارد" في ذلك الوقت. وكذلك بالنسبة لما كان على إدارة الرئيس رونالد ريجان أن تكتشفه في سنة 1981م، وهو ما للساحل الشمال الأفريقي والأراضي الواقعة خلفه من أهمية كبيرة. لأن أي عدو يرسخ أقداهه هناك يمكنه وبسرعة أن ينهي السيطرة الغربية على الممرات البحرية للأبيض المتوسط وكذلك خطوط الإتصالات إلى الخليج (الفارسي) العربي. وبعد مضي شهور على إندلاع القتال في كوريا سنة 1950م. أسرعت الولايات المتحدة إلى القيام بمشروع إنشائي مكلفا الملايين من الدولارات لتوسيع رقعة التسهيلات (بقاعدة ويليس وملحقاتها) التي كانت تستخدمها في ذلك الوقت بموافقة بريطانيا، وكذلك لبناء سلسلة من القواعد الجديدة في إسبانيا والمغرب، لتستعملها القيادة الجوية الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية كجزء من ردعها النووي في وجه الإتحاد السوفيتي .

في أواخر سنة 1940م، توصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى قرار حول ليبيا، التي تشمل برقة وطرابلس وفزان لكي تصبح دولة مستقلة ذات سيادة في وقت لا يتجاوز الأول من يناير سنة 1952م. وكلف أدريان بيلت المفوض السامي للأمم المتحدة مهمة مساعدة الليبيين في إعداد دستور وكل ما يتعلق بأمور إنشاء الدولة. وتم تعيين لجنة تمثل كل من مصر، فرنسا، إيطاليا، باكستان بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، لتقديم المساعدة له. وبالرغم من إحتجاج السوفييت علي ضرورة حصول ليبيا علي إستقلالها بهذا الشكل الفوري، وتحفظ فرنسا على قصر فترة الإنتقال هذه، إلا أن الجمعية العامة تبنت القرار بموافقة ثمانية وأربعين صوتا مقابل صوت واحد وإمتناع تسعة أعضاء عن التصويت .

بالرغم من خيبة أمل السوفييت حيال الإحتفاظ بليبيا في منطقة النفوذ الغربي ولدت ليبيا الجديدة مملكة دستورية، بمباركة الأمم المتحدة مصحوبة بالتمنيات الطيبة من القوى العظمى. كان نمط الحكم الجديد في ليبيا يشبه إلى حد ما شكل النظام الفدرالي الأمريكي، غير أنه لم يقدم البديل للمجتمع الليبي ذي الطبيعة القبلية التقليدية. كان لأعضاء البرلمان المنتخبين أو أعضاء مجلس الشيوخ المعينين أو الملك نفسه سلطة تشريع القوانين، كما أن للملك حق نقض هذه القوانين، وحل البرلمان وتعيين الولاة للولايات، كما له سلطة إتخاذ تدابير أخرى، كإعلان الطوارئ في الحالات المطلوبة. ولعب الإسلام والشرعية الدينية التي منحتها التقاليد العريقة لتاريخ السنوسية ، العناصر الأساسية لسلطة القصر .

بعد معركة إنتخابية حامية جرت في فبراير سنة 1952م، قاد سياسي وطني تقليدي يدعى بشير السعداوي بك وحزبه المؤتمر الوطني حملات عنف صاخبة كان يقوم بها بين الفينة والأخرى في طرابلس. وعلي إثر ذلك قام الملك بقمع وحل الأحزاب السياسية، وتم ترحيل السعداوي. أن هذا وما تلاه من قمع لجمعية عمر المختار وحلها، والتي ضمت مجموعة من النخب السياسية في برقة قبل الإسقلال، جاء بمثابة الأعلان عن موت الأحزاب السياسية في ليبيا، وإنعدام وجودها حتي على النمط المشابه للنمط الغربي الذي يمارس بمصر والمغرب وعدة أقطار عربية أخرى بعد إستقلالها. ومنذ ذلك الوقت أصبح السياسيون يمارسون العمل السياسي بشكل تآمري وشبه سري، وساعد هذا في إيجاد الظروف المناسبة للقدافي ليقوم بإنقلابه عام 1969م . إستمر القدافي فيما كان يمارس في العهد الملكي من قمع وحظر لجميع الأحزاب السياسية، والممارسون للعمل السياسي على النمط الغربي، والذي أعتبره ومجلس قيادة ثورته، عمل فاسد ومنحط ميؤس منه. ولقد أكد هذا أن أية حركة سياسية ناجحة للإطاحة بنظام القدافي لابد أن تكون على نحو سري أيضا .

العامل الثاني الذي ساهم بشكل حاسم في الإطاحة بالمملكة ذات الثمانية عشرة عاما على يد القدافي هو ترحيبها بالقواعد العسكرية الغربية. لقد إستطاع عدد من رؤساء الوزارات في ليبيا ومن أبرزهم وأكثرهم نجاحا بدون شك ، مصطفي بن حليم ( ما بين 1954- 1957 ) أن يتبعوا نهجا متوازنا ودقيقا نجح في التوفيق بين الصيغ الكلامية والدبلوماسية مما جعل الدول العربية المناهضة للإمبريالية والصهيونية تقبل بدول عربية محسوبة على المنظومة الدفاعية الغربية من خلال تواجد قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية بها .

كانت قاعدة "ويليس" تدار من قبل القوات الجوية الأمريكية منذ 1944 إلى 1947م، حيث توقفت الطلعات الجوية، ثم أعيد نشاطها أثناء الأزمة الكورية سنة 1950م. كانت وظيفة القاعدة في البداية كمرفق ( لخدمات النقل الجوي العسكري). وبعد أن أجري بن حليم مفاوضات ناجحة مع الولايات المتحدة حول إتفاقية القاعدة، تحولت ويليس ، التي سميت على طيار قتل في حرب المحيط الهادي ، إلى قاعدة تدريب رئيسية لحلف الناتو . لقد وجدت القيادة الإستراتجية الجوية التي تضع نصب عينيها الخط الملاحي السهل عبر تركيا شريك الناتو ، إلى جنوب الإتحاد السوفييتي. في ويليس قاعدة طبيعية للقاذفة ب – 47 وغيرها من الطائرات ذات القدرة علي حمل القنابل النووية في حالة قيام حرب عالمية ثالثة. وفي عام 1956م، العام الذي فجرت فيه حرب السويس مشاعر غالبية الليبيين الوطنيين للقيام بإعمال شغب ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، تم نقل مركز قاعدة القوة الجوية الأمريكية السابعة عشر من الرباط بالمغرب إلى قاعدة "ويليس" حيث إنتعشت عمليات التدريب على إسقاط القنابل وإلرشاشات ، وأزدهر بها مركز للاتصالات بالبحر الأبيض المتوسط .

لقد ساعدت الإتفاقية التي أبرمتها ليبيا لمدة عشرين سنة مع بريطانيا في عام 1953م، على إعطاء الرئيس آيزنهاور دفعة شجعته إضفاء صبغة قانونية على وجود قاعدة "ويليس" وفقا لأسس مشابهة في إتفاقية وقعت مع بن حليم، وأن يعادة النظر فيها سنة 1970م. السنة التي أجبر فيها القدافي ، كلا من أمريكا وبريطانيا على إخلاء قواعدهما والرحيل عن ليبيا. لقد كان من المفروض أن تتلقى ليبيا مساعدة إقتصادية سنوية قيمتها أربعون مليون دولار لمدة عشرين عاما . وقد تم رفع الدعم الأمريكي وفقا لإتفاقية عسكرية وقعت سنة 1957م ، قبل سنتين من الإكتشافات النفطية الهامة . ووقعت المملكة إتفقيات أخرى لعلاقات تعاون عسكري ودفاعي وتسليحي مع كل من فرنسا، إيطاليا، اليونان وتركيا .

للحد من تأثير برنامج "صوت العرب" من إذاعة القاهرة الذي فتن القدافي وجماعته المتآمرة. مولت الولايات المتحدة محطة إذاعة في بنغازي وكانت تأمل (ولكن بدون جدوى) أن يحل تأثيرها محل ما تبثه إذاعة القاهرة. وكنتيجة لذلك كتب احد المراسلين الغربيين سنة 1970 بعد أن إستولى القذافي على السلطة، أصبح لما كان يعرف (بالجبهة العربية المتطرفة) محطتي بث إذاعي قويتين في القاهرة وبنغازي ، الأولى مولتها بريطانيا والثانية مولت من قبل الأمريكيون.

كان هناك الكثير من النفوذ الأمريكي في ليبيا ليجتث القذافي جذوره. ففي فترة ما بين عامي 1957 و 1959م، وعلى أعتاب عصر النفط ، كانت بعثة المساعدة الأمريكية قد نمت وتطورت لأن تصبح الثانية من حيث الحجم في العالم بعد كوريا الجنوبية . وكان المستشارون والفنيون الأمريكان ، أغلبهم ممن لا يتكلمون اللغة العربية والذين إعتمدوا على مساعدة المترجمين الفلسطينيين ، متواجدين في دوائر الدولة الليبية بالولايات والحكومة الفدرالية، و كانوا يديرون مرافق الدولة من الزراعة إلى التعليم. وبمساعدة مستشارين بريطانيين دربوا قوات الشرطة الليبية. وفي سنة 1958م، إنظمت ليبيا إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .

وعلى أية حال فقد كان على الأمريكيين ومستشاريهم وأغلب زملائهم الغربيين أن يشدوا الرحال بسرعة، إذ أن فترة إزدهار نفطية أصبحت على الأبواب، ويمكنها أن تزود الليبيين بكل ما يحتاجونه من مال لشراء والحصول على كل ما يريدونه من تكنولوجيا ومعدات عسكرية، واستشارات فنية، كلها يمكنهم الحصول عليها بمال النفط المكتشف حديثا، والذي أحال مملكتهم الفقيرة القاحلة إلى دولة واسعة الثراء، وقوة يعتد بلها في العالم الثالث .

يتبع

الجمعة، 20 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (4) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

إنهت هزيمة السنوسي في مصر المقاومة الجدية للإيطاليين. وبنصيحة ومساعدة بريطانية وقع إدريس وزعماء آخرون من برقة عام1917م، بالقرب من طبرق نوعا من الهدنة مع الإيطاليين. وانتهى القتال وأعترف كل من الإيطاليين والسنوسيين بمناطق نفوذ كل منهما في برقة، مع مسؤلية كل طرف عن الأمن بمنطقته. وأصبح السيد إدريس الزعيم الأعلى لليبيين البرقاويين. كانت إيطاليا أحد أكثر أعضاء الحلفاء ضعفا وإنهاكا في نصر الحلفاء سنة 1918م، كما أصبحت غير قادرة علي القيام بأي حملات عسكرية عبرالبحار، ولهذا منحت إيطاليا حكما ذاتيا لكل من طرابلس وبرقة. علي أن يقدم مستشارا ليبيا من كل منطقة النصيحة والمساعدة للإدارة الإيطالية. وبتوقيع إتفاقيتين جديدتين فى سنة 1920 و1922م، حلت فترة سلام قصيرة أتاحت لإدريس الحصول على لقب وراثي كأمير لولاية برقة، وعلى أية حال فإن الصراع بين السنوسيين والإيطاليين إستمر بصورة متزايدة .

بين سنة 1918و1923م، حاول العرب الطرابلسيون بإستشارة عبد الرحمن عزام رجل الدولة المصري إقامة إدارة جمهورية خاصة بهم ومقرها غريان،. وفي سنة 1922م، قوبل هذا الأمر بتجدد الصراع مع الطليان. وعندها تقدمت الجمهورية الطرابلسية بعرض لتنصيب إدريس أميرا علي طرابلس. قبل إدريس بعد التردد لبعض الوقت لأسباب تعلقت بهبوط حالته الصحية. وفي رسالة قبوله نوه إلى مسألة "وحدة الأرض الأم" كهدف لسياسته الوطنية. ثم غادر إلي مصر مثيرا مسألة قائد غائب عن شعبه. ولم يعد إليه إلى بعد أن حقق الحلفاء إنتصارهم سنة 1943م .

وفي إيطاليا كان الهياج السياسي الذي اعقب الحرب العالمية الأولى قد أنتج تشكيلة الفاشية الإيطالية الجديدة الشديدة الوطأة، التي جائت "ببنيتو موسيوليني" إلي السلطة سنة 1922م، مصحوبا ببرامج إمبريالية أوروبية عدوانية صريحة. كان الكونت "فولبي" الحاكم العام الجديد في ليبيا تحت إمرة أول حكومة فاشيستية. كما عين الماريشال "بادوليو" آمرا للجيش الإيطالي إذ شرع في هجوم عسكري قوي يهدف إلى إحتلال وحكم جميع الأراضي الطرابلسية. أما في برقة فقد كانت الأمور بالنسبة للإيطاليين أكثر صعوبة، حيث كان هناك مدرس قروي يدعي عمر المختار تحول إلى بطل إسطوري، كان فيما بعد محط الإعجاب والتقدير من القدافي وجيله. إستلم عمر المختار قيادة الحرب " الشعبية" المتنامية في مقاومة الطليان. وفي الوقت الذي تقدم فيه الإيطاليون موغلين نحو الجنوب، منطلقين من مواقعهم الحصينة ببنغازي وطبرق، كان أنصار عمر المختار يرهقون خطوط إمداداتهم بهجماتهم المتكررة وبمعاقبتهم بغاراتهم المباغتة .

أدرك الطليان بأنه لكي يحتلون المدن الساحلية ومرتفعات برقة، وكذلك السهول الواقعة في جنوبها، لابد لهم أن يحرموا أنصار السنوسية من قواعدهم في الواحات الجنوبية بإستعمال القوة الجوية وعربات جديدة لحرب الصحراء شبيهة بشاحناد فورد ذات صفائح معدنية صلبة مبرشمة بأعلى هياكلها. وبذلك تم لهم إحتلال واحة الجغبوبوالإستيلاء علي زلة ووجالوا وأوجله سنة1927م .

لقد لعب سكان المدن البرقاوية دورا إيجابيا وكبيرا في حركة المقاومة. أما عمر المختار والذي كان قتاله للإيطاليين يرجع إلى عام 1911م، تحت لواء أحمد الشريف، وقضى بعدها سنوات إلى عام 1923م، بصحبة إدريس في المهجر بمصر. ترأس قوة من ألفين إلى ستة آلاف من الأنصار معظمهم من البدو. كانت القيادة السياسية في ليبيا آن ذاك لرضى أخو إدريس، إلى أن ألقي الإيطاليون القبض عليه في سنة 1928م، وعوقب بالنفي إلى صقليا. أما عمر المختار فقد كان الحاكم الغير محدود التأثير في (امناطق غير محددة،) مباشرا تحت جنح الظلام تحريك الرجال، وتأمين الإمدادات والتعبئة العامة لحركة المقاومة. وفي سنة1925م، أعطت إتفاقية إيطالية – مصرية، للسنويين سيادة غير متنازع عليها علي المواقع الحصينة في الجغبوب وواحة الكفرة، الأمر الذي سهل الطريق أمام الطليان لإحكام إغلاق الحدود المصرية. وبذلك تم حرمان الفدائيين من الملاذ ومصادر الإمداد من مصر .

إستمر فدائي عمر المختار المخلصين في المقاومة والهجوم على قوافل الجنود الإيطاليين وخطوط مواصلاتهم، وقطارات حمل إمداداتهم. وبحلول سنة 1929م، أصبح المرشال "بادوليو" الحاكم العام، كما عين المريشال "ردولفو غرسياني" وهو محارب قديم آخر القائد الميداني الأعلى. تمكنت قواته من إحتلال واحة مزدة بفزان َضاغطا بذلك على الليبيين داخل العمق الصحراوي. واتبع غرسياني نفس إسلوب تكتيك الإختراق والتحطيم الذي كان يستخدمه الجيش الفرنسي والإسباني ضد القائد الشمال أفريقي الشهير الأميرعبد الكريم في جبال "ريف" بشمال المغرب، وحتى على نطاق أكثرغلوا من ذلك. وتروي السير الشعبية بصحراء شمال إفريقيا كيف أن بعض الأسرى الليبيين قد ألقي بهم أحياء من الطائرات، كما سدت آبار المياه بالحجارة والخرسانة المسلحة. وكيف قام الإيطاليون بذبح وإفناء قطعان من الإبل والغنم والماعز مما أدى إلى إنهاء أسباب الحياة بالنسبة لقبائل بكاملها. ثم تم إقتياد أفراد هذه القبائل كقطعان الماشية إلى معسكرات الإعتقال بالصحراء. إن هذا السلوك المتوحش للجيش الإيطالي وما تلاه من نوبة محمومة من الإعتقال، والمصادرة والإيستيطان وإستعمار لأراضي الليبية الصالحة للزراعة ورعي المواشئ، هوأمر لا يمكن أن ينسى أو يغتفر بالنسبة لأجيال عمر المختار والقدافي، إن هذه القسوة تفسر بشكل واضح الإجراءات التأديبية التي أتخذت حيال من تبقى من المستوطنين الطليان لاحقا من النظام الملكي ومن بعده نظام القدافي .

في سنة 1930 م، بدأ غريسياني عملياته في برقة بإقامة سياج من الأسلاك الشائكة بطول مائتى ميل على طول الحدود المصرية، بدأ من واحة البردية على ساحل البحر إلى شمال واحة الجغبوب، لوقف عمليات الإمداد والمساندة من الصحراء الغربية لمصر. وحذر بأن أي من آوى أو وفر الحماية للمجاهدين، سيواجه الإنتقام بدون رحمة على يد الطليان. في الحادي عشر من سبتمبر سنة 1931م، طرح عمر المختار أرضا من أعلى صهوة جواده في صدام بمنطقة الجبل الأخضر بعد أن حوصر وجرح ثم تم أسره. وبعد مواجهة مع غريسياني تم شنقه أمام حشد بلغ عشرين ألفا من الليبيين .

وبإكتمال الإحتلال الإيطالي بصورة فعلية، باشر موسيليني في إقامة حصته من شمال أفريقيا على الصورة التي رآها كقيصر جديد للإمبراطورية الرومانية. وكان هدفه أن يجعل ليبيا أكثر مما كان يدعوه "الشط الرابع لبحرنا". وتم تقسيم طرابلس وبرقة إلى مقاطعات جديدة: طرابلس، مصراته، بنغازي ودرنه. وكان الإسم القديم لليبيا قد أعيد إحياؤه وأطلق على كامل تراب ذلك القطر. أما فزان فقد أشير إليها بجنوب طرابلس، وكان الطليان يطلقون عليها "المنطقة العسكرية"، وعينوا لها إدارة عسكرية منفصلة، بنفس الطريقة التي أهمل بها كل من فرنسا وأسبانيا المناطق الجنوبية للمغرب، ومحميات مستعمرات غرب إفريقيا " الصحراء الإسبانية" .

حكمت روما المستعمرة الجديدة بطريقة مباشرة بواسطة الإيطاليين الذين تولوا جميع المراكز الإيدارية. وأغدق موسيليني بلايين الليرات لإنشاء شبكة طرق حديثة ومنشآت مدنية، وتسهيلات للموانيئ البحرية والري الزراعي. وكان كل هذا لمصلحة الإيطاليين وليس الليبيين. وبحلول عام 1940م، جلب إلى ليبيا 110.000 أيطالي كان جلهم من الفلاحين الذين لا يملكون أراضي. لقد كان هناك مزيد من المشاريع الإستعمارية الطموحة التي كان مقدر لها بحلول الستينات أن يرتفع عدد السكان الطليان إلى ما يزيد عن نصف المليون غير أن الحرب العالمية الثانية حالت دون تحقيقها .

وأثناء الحكم الفاشيستي أبرم مع الدول المجاورة إتفاقيتان جديدتان لا يزال يذكرها أولائك الجيران ألى اليوم. إتفاقية مع بريطانيا ومصر في سنة 1934م، تحولت فيها زاوية من أرض السودان الأنجلو- مصري، تعرف بمثلث السرة إلى ليبيا. وفي سنة1935م، حدث إتفاق، عرف بإتفاقية موسيليني- لافال، حركت الحدود الليبية مع الشاد (مستعمرة فرنسية في ذلك الوقت)، خمسة وستين ميلا إلى الجنوب لتشمل بما يسمى شريط "أوزو". (إحتل القدافي هذا الشريط من سنة1973م، إلى 197م،). ولكن هذا الحق الممنوح لإيطاليا لم يصدق عليه البرلمان الفرنسي أبدا، إذ كان الفرنسيون شديدي المعرفة بشجع موسيليني ورغبته في الحصول على قطعة أو إثنين من كعكة الإستعمار الفرنسي. وفي سنة 1935م، دمج موسيليني ليبيا كمقاطعة إيطالية بنفس العلاقة التي تم بها دمج الجزائر في فرنسا .

وبعد إجتياح هتلر لبولونيا فارضا الحرب العالمية الثانية على الغرب، بالرغم من عزوفه عنها. عقد القادة الليبيون العرب في إكتوبرسنة 1939 م، إجتماعا بالإسكندرية ورأوا أن تورط إيطاليا المحتمل في الحرب (والذي حدث فقط حوالي يونيوسنة 1940م)، يعد كفرصة ذهبية للتحرير. واختير إدريس كقائد للتجمع الوطني. لقد كان قادة برقة بالفعل على إتصال بالبريطانيين في مصر وأعلنوا دعمهم للحلفاء. بحلول أغسطس سنة1940م، بدأ تعاون عسكري بين البريطانيين والليبيين بالفعل، رغم معارضة الطرابلسيين الدخول في تحالف مع قوة تبدوعلي أقوى الإحتمالات بعيدة عن كسب الحرب، والإعتراف بسيادة السنوسي الذي يعتمد في قوته على برقة وليس طرابلس. قام السير"ميلاند ويلسون" القائد العام البريطاني في مصر بتنظيم وتكوين القوات الليبية المسلحة والتي قاتلت بإمرة ضابط بريطاني وتحت راية السنوسية. رفض البريطانيون المطالب الليبية بضمان إستقلال ليبيا بعد الحرب غير أن وزير الخارجية "أنتوني إيدن" أكد لمجلس العموم (عند نهاية الحرب بإن السنوسيين في برقة وتحت أية ظروف لن يقعوا تحت السيطرة الإيطالية مرة أخرى). لقد حشد "ويلسون" خمسة كتائب ليبية عن طريق تجنيد البرقاويين الذين سبقوا وقاتلوا الطليان أثناء حربهم الإستعمارية في لبيا .

كان المد لحرب الصحراء يتقلب بين الكر والفر ثلاث مرات عبر الصحراء البرقاوية. و حدث أن أسندت قيادة القوات الإيطالية منذ فبراير سنة1941م، إلى فيالق الجنرال الألماني "أيرفين روميل" بإفريقيا، في الوقت الذي كانت فيه قوات الأمبراطورية البريطانية بقيادة "ويفيل مونتجمري و" آوشينليك"، حيث جرت أول وأعظم معركة دبابات بالصحراء في التاريخ المعاصر،بمساندة جوية وبحرية، خلفت ورائها سلسلة من الدمار على طول المناطق الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، بدأت من العلمين بمصر ألى سرت مسقط رأس القدافي بليبيا. وإلى يومنا هذا فإن حكومة القدافي تصر على أطراف الحرب العالمية الثانية وخاطة ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا على ضرورة دفع التعويضات عن حقول الألغام، وتفجر القنابل والقذائف التي أتت على مئات الليبيينن موتى وجرحى منذ سنة 1943م. الأمر الذي لا زال يحدث في بين الفينة والأخرى في مناطق نائية من ليبيا. حين إنظم كل من الأمريكيين والأحرار الفرنسيين إلى معركة شمال أفريقيا، وتم إنزال قواتهم في المغرب والجزائر وتونس في نوفمبر سنة 1942م، تمكن الجيش الثامن بقيادة "مونتجومري" من إحتلال بنغازي فى نوفمبر 1942م، وطرابلس في يناير من نفس السنة. وفي الجنوب قاد الجنرال الديجولي " جاكويس لييليرك دي هاوتيكلوك" القوات الفرنسية في جنوب فزان، وتم تحرير ليبيا بالكامل من قوات المحور. واستمرت إدارة الحكم العسكري البريطاني في طرابلس وبرقة بشكل منفصل. وكذلك الحكم العسكري الفرنسي في فزان، إلى الوقت الذي خرجت فيه المملكة الليبية المستقلة إلى حيز الوجود في أوائل سنة 1952م في إطار رعاية الأمم المتحدة .

وقبل أن يوقع الحلفاء على إتفاقية السلام الإيطالية في فبراير سنة 1947م، تنازلت إيطاليا عن جميع (المطالب المتعلقة بمكتسباتها في أفريقيا). وتبع ذلك الكثير من جولات المشاحنة فيما بين القوى الكبرى حول ما تم الإعتراف به كنتيجة لوضع سلام إسراتيجي حقيقي .

وإدراكا من الديكتاتور السوفيتي "ستالين" لأهمية الإستراجية الهائلة لليبيا خلال الحرب، والسلام المتعلق بإتفاقيات التسلح مع أوروبا الغربية، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، دعي مبكرا إلى موضع قدم سوفييتي بالأرض الليبية. وعلى الرغم من سقوط موسيليني في سنة 1943م، وما قطعته بريطانيا من وعد لإدريس في سنة 1942م، بأن برقة لن تسقط أبدا في إيدي الإيطليين. إلا أن القوى الكبرى لم تواجه بشجاعة حقيقية مسألة مستقبل ليبيا والمستعمرات الإيطالية الأخرى حتى سنة 1945م. وفي مؤتمر بوتسدام سنة 1945م، طرح السوفييت بإلحاح شديد المطالبة بالوصاية على طرابلس. الأمر الذي للآن يضهر الخطوط العريضة للمواجهة بين السفييت - وحلف الناتو حول ليبيا بشكل اضح جدا. أما الحكومة الإيطالية طالبت بعودة ليبيا بكاملها إلى سيطرتها. وأظهرت رغبتها في سبيل ذلك منح كل من بريطانيا والولايات المتحدة مناطق لإقامة قواعد عسكرية فيها. وفي بوتسدام كان وزراء الخارجية يميلون لصالح منح الولايات المتحدة وصاية على ليبيا لمدة عشرة سنوات، ويمكن بعد ذلك حصولها على إستقلالها الكامل .

ولكن السوفييت كان لهم رأيا آخر، حيث أن "مولوتوف" وزير الخارجية السوفييتي يؤكد زاعما أن موسكو لديها خبرة واسعة في إقامة علاقات الصداقة بين الجنسيات المختلفة؛ (في ذلك الوقت كان السوفييت يشددون قبضتهم على "القوميات الصديقة" والتي حررت من السيطرة النازية، في نهاية الحرب في بولونيا، رومانيا, المجر، وتشيكوسلوفاكيا بجانب ألمانيا الشرقية) وأضاف مولوتوف قائلا إذا أعطي السوفييت إدارة طرابلس خلال العشر السنوات، فإنه يستطيع أن يؤكد لمجلس وزراء الخارجية بأن " نموذج نظام الحكم السوفييتي لن يطرح في داخل هذا الإقليم بمعزل عن الأسلوب الديموقراطي الذي يرغب فيه الناس" وفي لحظة صدق أردف مولوتوف بان الإتحاد السوفييتي يرغب في الحصول على منفذ على البحرالأبيض المتوسط، ووضع طرابلس تحت رقابة السوفييت سوف يخدم هذا الغرض. ولكن القوى الغربية سارعت إلى رفض ذلك .

وبحلول موعد الإجتماع التالي لمجلس وزراء الخارجية بباريس في سنة 1946م، إقترحت بريطانيا الإستقلال الوطني لليبيا. أما مولوتوف فقد لطف من بنود عرض ستالين الأصلي للوصاية، واقترح هذه المرة وصاية متعددة الأطراف، وذلك أن تقسم المستعمرات الإيطالية إلى أربعة مجموعات متكاملة يكون لإيطاليا المشاركة في ممارسة السلطة في واحدة منها مع أحد الكبار الأربعة - الوليات المتحدة، الإتحاد السوفيتي، بريطانيا، وفرنسا لحين حصول هذه الأقطار على إستقلالها. كما اقترح "مولوتوف" بأن السوفييت والإيطاليين يمكنهما أن يشتركا وينضما معا في إدارة طرابلس، لكن كل ذلك رفض أيضا. واقترح "مولوتوف" واضعا عينيه بدون شك على نهوض وتنامي قوة الحزب الشيوعي في إيطاليا، فاقترح أن إيطاليا وحدها يجب أن تمنح السيادة على برقة، ولم يلقى أيضا هذا الإقتراح قبولا. وفي مؤتمر باريس للسلام، كان يجب على الدول الأربعة الكبرى أن تحاول تقرير مصير مستعمرات إيطاليا كلها، وفي حالة عدم توصلهم إلى ذلك القرار فعليهم اخيرا القبول بتوصيات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولكن لم يكن في مقدور بعثة الدول الأربعة العظمى والتي قامت بزيارة ليبيا الوصول إلى إتفاق حول توصيات نهائية. ومما زاد في تعقيد مستقبل المسألة الليبية، مطالبة مصر بضمان وضع أمني على طول الحدود، كما طالبت بالشريط الحدودي الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود الصحراء السودانية، بالإضافة إلى سهل السلوم وواحة الجغبوب وميناء البردية والسرة، على أساس أنها أراضي داخل الحدود المصرية تخلت عنها بريطانيا لإيطاليا أثناء خضوع كل من مصر وليبيا للحكم الأجنبي، ولكن هذه المطالب قوبلت بالرفض. ولكن المصريون أعتبروا أنها لا زالت قضية معلقة، وفي إمكان إي حاكم مصري حازم القيام بسهولة بإجتياح القدافي. وهذا ما تنبأ به العدوان على بعض المواقع، والتي وصفها الرئيس المصري السادات بعد الجوم المحدود في يوليو سنة 1977م، "بعشش الإرهاب" .

بعد مرور شهور بل سنوات من اللف والدوران والمقايضة والمناورة، أصبح من الواضح بأن السوفييت والغرب قد إختلفا بشدة حول المسألة الليبية. وفي صيف 1949م، إتفقت إدارة الرئيس ترومان مع بريطانيا بشكل واضح بأن عليهما إقناع إيطاليا بأن الإستقلال الكامل لليبيا هي الخطوة الأكثر حكمة. ووضح "هنري فيلارد" أول سفير للولايات المتحدة إلى المملكة الليبية المستقلة، بأن وصاية الإمم المتحدة قد تعرقل الدور المستقبلي لليبيا في خطة دفاع الغرب، ومهما يكن من أمر فإن مملكة ليبية مستقلة تحت النفوذ الغربي يمكنها أن " تدخل بحرية في إتفاقيات ومعاهدات مع المعسكر الغربي تهدف للدفاع عن حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا" .

يتبع ...

الجمعة، 6 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (3) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

أن حركة الإنبعاث الديني التي مارستها برقة في القرن التاسع عشر لم تلقى غالبا أي إهتمام أثناء الحكم التركي، وهي الحركة التي حددت مصير ليبيا نزولا إلي فترة حكم القدافي. إن العائلة التي أتت بهذا الإنبعاث الدينى، لم تكن عائلة ليبية بل أتت من الجزائرالتي كانت منذ 1930م،تحت حراب المحتلين الفرنسيين، إنها العائلة المؤسسة للحركة السنوسية، التي قامت على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي والذي ولد في "مازوما" البربرية علي الحدود في غرب الجزائر. وبعد أن تلقى دراسته الدينية بفاس ومراكش، ذهب إلى مكة للحج. إن كلمة شيخ هنا نوردها بمعني تدريس روح التعاليم الدينية. إستقر الشيخ محمد أخيرا في "واحة البيضاء"* ببرقة ليهذب الإيمان ويذكي روح المقاومة ضد إنتهاكات الكفار"المسيحيين الأوروبيين". وأسس محمد علي سلسلة من الزوايا، والزاوية عبارة عن وحدة مندمجة لنزل مدرسي ومركز للتجارة في بعض الأحيان، وكانت أول زاوية أقيمت في مكة، أما الأولى من نوعها فكانت في ليبيا بالبيضاء .

إن الأوروبيين وخاصة المسافرين إلي ليبيا بصورة غير منتظمة، وكذلك المستكشفين كانوا يتعرضون للإبتزاز المالي في بعض الأحيان من قبل أفراد القبائل الذين اتخذوا إسم السنوسيين. وأطلق عليهم السنوسيون المعتصبون خطأ. لآن السنوسيين هم في الواقع على غير ذلك تماما، لأنهم بعيدين عن التعصب. إن أتباع السنوسيين بدلا من مزاولة التسول أو الزهد المفرط، كان يتوقع منهم العمل من أجل العيش. التأمل الروحي، وبدلا الممارسة المفرطة لتعاليم مسلمي المذهب الصوفي، الأخوة – والمواكب، وما يتعرض فيها أتباعها من جلد أنفسهم، والجلد الذاتي في مواكب يتخللها الإبتهالات المحمومة ودوامة الحركات الإيقاعية التي عادة ما يقوم بها الدراويش. إن أهداف الحركة السنوسية هي دراسة القرآن، وحياة التقى والورع، وتقديم المساعدة لإخوانهم، وتطهير أنفسهم وتعميق إيمانهم. هذا النظام الصارم كان حقيقة يمثل إتصالا ذا سمة من الزهد وجدت قبولا وإستحسانا من بدو الصحراء ذوي العقل الراجح، أكثر من تلك الفئة التي إقتصرت علي الفهم الخاطئ للصوفية. لقد إكتسب الشيخ محمد علي السنوسي قدرا كبيرا من الإحترام والذي كان يحلوا لأتباعه أن يدعوه " بالسنوسي الكبير" ويعتقدون بأنه رجل محاط بقدر متميزمن البركة التي تعني التقي والجاذبية السحرية التي يمنحها الله لمحبيه. ويقال أنه على جانب لا يستهان به من النجاح كزعيم ذي كاريزما متميزة .

في أقصى جنوب الصحراء قاد خليفة الزعيم الديني الثاني للحركة االشيخ محمد المهدي نفس حركة الإنبعاث الديني، والحملات التبشيرية إلى الجنوب داخل أفريقيا السوداء. وبسرعة إتخذت الحركة إتجاها سياسيا؛ إذ إستهدفت الأروبيين ومقاومتهم وبصورة خاصة فرنسا لما إرتكبته من إنتهاكات. وبحلول عام1897م، كانت هناك خمسون من الزوايا السنوسية تتمتع بوضع مستقر في ولاية برقة. وفي نفس العام، تمكن السنوسي من تأسيس زاوية "بير الالي" بجنوب ما يسمى اليوم بالتشاد. ويومها كتب "جنتيل لاموت" وهو نقيب بالجيش الفرنسي، وأحد المتخصصين الفرنسيين الأوائل باللغة العربية، عندما كان مرافقا لجيش المستعمرين الآتي : -

"إن الإسلام جذب معه كما كبيرا من التقدم بالنسبة لسكان أفريقيا الوسطى، إلا أنه يشكل خطرا جديا علينا: لأن المسلم لا يمكن أن يقبل السيطرة المسيحية بدون تحفظ. وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا بتنامي نفوذ الشيخ المهدي بن السنوسي في قلب القارة الإفريقية. حيث إختلف الأمرعن كونه مجرد أخوة إسلامية بل تعداه إلى أحلام المسلمين المتعلقة بطرد الكفار من ديارالإسلام الهدف الذي أعد له منذ وقت طويل" .

وبينما كان السنوسيون يحاربون النفوذ الفرنسي بطريقتهم الخاصة، كان الأتراك وعلي طول ساحل البحر الأبيض المتوسط لهم تطلع آخر وهو إعادة غزو ليبيا. وفي سنة 1835م، وبمجرد تنامي التهديد الفرنسي القادم من الجزائر، عمل الأتراك على خلع آخر حكام الأسرة القاراملية، وأقاموا حكما مباشرا لسلطان القسطنطينية. ولتعقيد الأمور، كانت المقاومة العربية للإتراك تتصاعد في كل مكان. وقادها في الدواخل عبد الجليل سيف النصر الزعيم المرموق لقبيلة أولاد سليمان، والذي إستطاع أن يبسط نفوذه على فزان خلال فترة حرب القارمليين مع البحرية الأمريكية. كذلك عمل عبد الجليل في آخر أيام حكم القرملية على توحيد القبائل القاطنة حول منطقة طرابلس وسرت، لمواجهة الأتراك .

كانت إحدى هذه القبائل قبيلة القدادفة، والتي أنجبت في نهاية الأمر والدي معمر القدافي. القدادفة هي واحدة من مجموعة القبائل التي أرغمتها على الخروج من برقة، قبائل أكثر قوة والتي كانت تقع تحت تأثير الدعوة السنوسية. وبالرغم من التعصب الشديد وما يتمتع به زعماء القبائل العرب من صلابة ومكر في مقاومة الأتراك إلا أنه تم إخضاعهم في نهاية المطاف علي يد جنرال تركي يدعي أحمد باشا والذي اتبع تكتيكا مهلكا لا يعرف الرحمة .

وقبل أن يوافي الأجل السنوسي الأكبر، أسس إحدى زواياه المركزية في واحة الجغبوب، القريبة من الحدود المصرية حيث خط العبور البري لحجيج شمال أفريقيا إلى مكة والذي يتقاطع مع الممر الصحراوي الذي تعبر منه تجارة الذهب والعاج ورقيق أفريقيا السوداء إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط. وقبل أن يلقى المهدي مصرعه على يد الفرنسيين بقليل، نقل مقر قيادة الحركة إلى واحة الكفرة والتي تبعد حوالي أربعمائة ميل إلى جهة الجنوب، والتي تحولت فيما بعد كما سنرى إلى مكان مقدس بالنسبة لزعيم الحركة السنوسية التالي (والذي أصبح الملك أدريس الأول). كما استطاع الداهية آرميند هامر من ولاية كاليفونيا والرئيس الأعلى لشركة أوكسيدنتيل بتروليوم أن يطورها خلال الخمسينات والستينات ويحيلها إلى مركز رئيسي لجهوده الناجحة ليصنع من أوكسيدنتيل إمبراطورية نفطية وتجارية على نطاق عالمي .

أفسح الأتراك الطريق أمام الإيطاليين. وإيطاليا بجنودها المتباهين ومن معهم من المغامرين وذوي العقلية التجارية، وهي القوة التالية التي أقتطعت جزء من شمال أفريقيا، وكان ذلك على حساب الليبيين. لقد توالت زيارات التجار والمستكشفين والمبشرين الطليان إلى ليبيا لعدة قرون، أما فرنسا وبريطانيا قادا سباقا محموما للسيطرة على بقايا أفريقيا. وفي سنة1911م، قررت المملكة الإيطالية أن دورها قد حان، ورأت أن ليبيا إذا لم يستولي عليها، وبقت علي ماهي عليه فغيرنا سيفعل. إن بريطانيا متواجدة في مصر، وفرنسا أستقرت في الجزائر و تونس وفي الأراضي الفسيحة جنوب ليبيا، والتي أطلق عليها فيما بعد وبكل بساطة السودان، (ليس المعني بهذه التسمية السودان الأنجلو مصري جنوب مصر). وكانت المرحلة الديبلوماسية للوصول إلى التفاهم الذي حددته عدة قوى إمبريالية أخرى من خلال الإتفاقية الأنجلو- فرنسية سنة1899م، والتي سلمت بأن هناك مجال نفوذ للإيطاليين في ليبيا. وفي 1909م، وافق نيقولا قيصر روسيا ألا يقف في وجه خطط الطليان.

وكان من المتوقع أن تخفف هجرة الإيطاليين إلى طرابلس من الضغط السكاني في جنوب إيطاليا. في الوقت الذي ابدى فيه الليبراليون والإشتراكيون الإيطاليون تساؤلهم فيما إذا كانت ليبيا ستوفر لإيطاليا أي مزايا إستراتجية أو تجارية .

بدأ الإيطاليون كتابة الأغاني حول "طرابلس أرض الجمال والحب" وأظهرت رسوماتهم شواطئ أفريقيا بشكل رومانسي متناهي. وفي أكتوبر 1911م، إستطاع اليمين الشوفيني الفوز في جو مهرجاني كبير، ووجهت إيطاليا إنذارا إلى السلطات التركية في ليبيا مفاده أن الجندي الشريف لا يمكن أن يقف مكتوب اليدين. وأعطوهم موعدا نهائيا أقصاه أربعون ساعة .

وبعد قصف مدفعي عاصف قصيرعلى ميناء طرابلس إستطاعت القوات الإيطالية في السابع من إكتوبر أن تحقق إنزالا قريبا من المدينة في الوقت الذي كانت فيه الجيوش التركية متورطة في جنوب شرق البلقان. وبسهولة إستولت البحرية الإيطالية على مجموعة جزر الدوديكان وجزيرة رودس واللتين كانتا تحت الإحتلال التركي. وعلى أية فقد حال أثبتت ليبيا أن إحتلالها ليس بالأمر الهين .

واجه سعيد باشا الوزير الأول الذي يتولى إدارة الإمبراطورية نياية عن السلطان في القسطنطينية مشاكل جدية فيما يتعلق بالترتيبات العسكرية، إن هذا المأزق يشتمل على بعض الدروس التي يجب على أية قوة تعتزم الدخول في حرب على الأراضي الليبية أن تضعها في عين الإعتبار. إيطاليا تحكمت في الخطوط البحرية وأغلقت مضيق الدردنيل. وأصيبت البحرية التركية بالشلل ولم يبقى سوي عدة من مدمراتها تتمرغ بيأس في وحل القرن الذهبي للقسطنطينية. وكان خط المواصلات الوحيد إلي ليبيا يقع عبر الممرات البرية خلال الأراضي السورية والمصرية. ولم يكن هناك وسيلة لإرسال الإمدادات سوى عن طريق أفراد الضباط والذين يجازفون بقطع الممرات البرية. كان هناك جنرالين تركين هما أنور باشا، وعلي فتحي بي تم تعينهما بليبيا. غير أن هناك شابا قوميا مغمورا نسبيا يدعي مصطفى كمال، والإسم يعني (النضج والكمال)، كان عضوا في منظمة تدعى " الإتحاد والترقي". مثل ما فعل القدافي تماما بعد ستين عاما لاحقا. كان مصطفى كمال يحلم ويتآمر من أجل الوصول إلى السلطة؛ وبعد الحرب العالمية الأولى قدم مصطفى كمال أتاتورك نفسه كمنقذ وأب لتركيا المعاصرة .

وبصحبة صديقين، عبرمصطفى كمال آسيا الصغرى، سوريا، وفلسطين، فقط ليعلم ويتأكد أن البريطانيين محتلي الأقليم التركي مصر،أنهم أعلنوا أن مصر ستبقى على الحياد فيما يتعلق بالحرب الليبية، وأن حدودها قد أغلقت حتي بالنسبة لإفراد الجيش التركي. إرتدى مصطفى كمال ملابس البدو ثم إستقل القطار إلى إتجاه غرب الإسكندرية وعند نقطة الحدود الليبية- المصرية سمح له الضابط المصري بالعبور، وذلك لمقته الشديد للمستعمرين المسيحيين الإيطاليين، والبراطنيين بالقدر نفسه. إستقبله زملائهم في السلاح بإبتهاج ورفعوا رتبته إلى رتبة رائد، وسلموه آمرية قطاع درنة. إن الجهاد أوالحرب المقدسة قد أعلنت من عمق الصحراء إلى سواحل طرابلس، وهرعت القبائل العربية ألى نجدة أسيادهم الأتراك, وكلهم بدوا وكأنهم إخوة لنفس العقيدة. وبالرغم من المنافسة الشخصية بين مصطفى كمال وأنور باشا، إستطاع أتاتورك المستقبل أن يميز نفسه كآمر ميداني عنيف في أرض كان يعرفها في ذلك الوقت من خلال نوبة واجب بليبيا عام 1909م .

ولدعم رتبهم العسكرية وليعطوا أيضا وضعهم نكهة إسلامية، ضم الجرنالات الطليان جندا مسلمين من أريتريا أول مستعمرة إيطالية بالقرن الإفريقي، الذين أعتبرهم الليبيون والأتراك كمرتزقة وخونة للإسلام. وقد ضاعف هذا من عنف المقاومة الليبية التركية .

تمكن الجند الأتراك ذوا الكفاءة العالية في البداية أن يثبتوا أقدامهم بالقرب من طرابلس. كما حقق الإيطاليون بعض التقدم في داخل البلاد، ثم تلى الإيطاليون ذلك بمحاولة نشطة للإنزال البري بمصراتة، إلا أن ذلك حقق القليل من التقدم في داخل البلاد، ثم تلقوا ضربة عنيفة بالرميلة نحو الجنوب. وبحلول نهاية عام 1911م، أعلن الإيطاليون على الورق ضمهم لطرابلس وبرقة، بالرغم من فشلهم في التقدم من مواقعهم الساحلية مبررين ذلك بـ "إذا كان الحق لإية دولة أوروبية في إمتلاك هذه الأرض وإعلان الحماية فيها". أعلنت الحكومة الملكية بروما بعد أن نفخت في أبواقها معلنة " تلك الدولة هي إيطاليا".

ومن سوء حظ الأتراك والليبيين معا، فقد تمت هزيمة تركيا في البلقان، عقدت صلحا مع خصومها الأوروبيين بما في ذلك إيطاليا، وذلك في شهر إكتوبر بلوزان سنة 1912م. وكان أحد شروط إتفاقية الصلح هذه هو أن يتنازل السلطان التركي عن حقوقه في ليبيا، وبالرغم من تنازله عن حقوقه في ليبيا إلآ أنه لم يعترف بسيادة إيطاليا عليها. ومع أن عبارة "ضمان الحكم الذاتي لليبيين العرب" وردت في الإتفاقية إلا أن ذلك لم يتحقق أبدا. بالرغم من أن القوات التركية الرئيسية قد قفلت راجعة إلى ارض الوطن، إلا أن الأتراك استمروا في تزويد السنوسي بالسلاح والذخيرة وغيرها من الإمدادات. وقبل نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، إستسلم معظم مقاتلي المقاومة من الطرابلسيين العرب وجردوا من السلاح. وعلى اية حال فإن القصة في برقة كانت تتخذ شكلا آخر، حيث إستلم القيادة الزعيم الديني أحمد الشريف الذي ضم الخلايا السنوسية المخلصة في طرابلس وفزان تحت إمرته البرقاوية. وفي مصراتة أشترك الشيخ المحلي رمضان السويحلي في الحرب، بعد أن إنشق عن الإيطاليين. وحينما أرعدت مدافع أغسطس في سماء أوروبا، إستطاع إجتياح ليبي عام أن يجبر الإيطاليين على التقهقر إلي مواقعهم المحصنة بطرابلس والخمس، ومن موانئ برقة .

تحالف السنوسيون في الحرب العالمية الأولى مع القوى العظمى ضد ايطاليا، كألمانيا والنمسا والمجر. إستعمل الألمان ميناء مصراته كقاعدة لغواصاتهم، والتي كان السلاح والذخيرة يصلان إلى المقاومة الليبية على متنها. وفي سنة 1915م، أصبح كل من الطليان في ليبيا، والبريطانيون في مصر حليفين. وعندها دخلت إيطاليا الحرب بصورة صورية إلى جانب الحلفاء، كما تحالف الألمان مع الأتراك . وفي خطوة إعتبارية لدعم المقاتلين، توافد إثنان من القادة الإسلاميين المرموقين على برقة، وهما أنور باشا من تركيا وعبد الرحمن عزام من مصر(الذى أصبح فيما بعد سكرتير عام الجامعة العربية التي شكلت أثناء الحرب العالية الثانية) لينظما إلى أحمد الشريف بمركز قيادته السنوسية. كان هدف الثنائي التركي- ألماني هو إبقاء القوات الإيطالية في ليبيا للتفرغ للهجوم على البريطانيين في مصر. وكان أمل الطليان أن يساعدهم البريطانيون في عملية إحتلال ليبيا. لكن البريطانيين ركزوا عملياتهم على التخوم الصحراوية لمصر وبرقة. وبإيعاز من أنور باشا حاول السنوسي أن يقبل التحدى ويقف مع الجيش البريطاني، لكنه تعرض لهزيمة شديدة في غرب الصحراء المصرية.

وكنتيجة لهذه الهزيمة سلم أحمد الشريف مقاليد أمور سلطة الحركة السنوسية إلى السيد محمد إدريس، والذي أصبح في سنة 1918م، الزعيم الروحي الكبير للطائفة السنوسية، وفي سنة 1952م أصبح الملك أدريس الأول، بعد أن فر أحمد الشريف إلى القسطنطينية علي ظهر غواصة ألمانية .

يتبع ...
________________________________________________
* البيضاء هي المدينة الثانية لولاية برقة، وليست واحة .

الخميس، 26 فبراير 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (2) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

في أقصى الجنوب في فزان والتي اعتبرها القدافي أكثر من أي حاكم آخر سبقه لحكم ليبيا بأنها الجسر الصحراوي لإمكانية القيام بأمبراوطورية في إفريقيا السوداء، كان يقطن الجرمنتيون وهم أكثر القبائل البربرية غموضا وأشدهم مكيدة، والذين مكننوا الحرب الصحراوية بإستعمال العربات الحربية، وسيطروا حوالي 1000عام ق.م، على مملكة صحراوية ذات سطوة تقع على الممرالتجاري بين غرب السودان وساحل البحر الأبيض المتوسط . وبقيت مبادئهم الهندسية التي نقشت بحروف التفناغ ولا زال يستعملها الطوارق القاطنين وسط غرب الصحراء، وتمثل بصورة عملية آثارهم التي لا زالت على قيد الحياة، بجانب ما خطه هيرودوت. ومن عاصمهتم جرمة فرضوا سيطرتهم على ممرات القوافل الصحراوية الممتدة من غدامس إلى نهر النيجر، وإلى الشرق بإتجاه مصر، وإلى الغرب بإتجاه ما يسمى اليوم بموريتانيا. إنه نفس الطريق الذي إستعمله القدافي عام 1975م، لتدفق السلاح على حركة بوليساريو التي تقاتل الجيش الملكي المغربي في الصحراء الغربية .

لقد جلب اباطرة الرومان معهم مزيج روما من التمدن الحضاري، والقسوة المتوحشة. فقد تعرض الكثير إلي جانب المسيحيين إلى التعذيب والقتل علي يد سبتيموس سفيروس ألإمبراطور البربري لروما وزوجته (دومنا جوليا) التي كانت ترأس الطائفة الوثنية الرسمية . وجاء بعد ذلك قسطنطين الأكبر ذو الشهرة التاريخية الواسعة بإعتناقه وميوله للدين المسيحي، والذي ظهرت صورته علي قطع النقد في صبراته. والذي جعل من نشر المسيحية في شمال أفريقيا هدفا إستراتيجيا إستطاع به الكنيسة أن تصبح مصدر القوة في روما .

لقد حدث أن أصيبت قبضة المعتقد المسيحي في ليبيا بالوهن، وساعد علي أزدياد ضعفها إنسلاخ المسيحية عن اليهودية علي نحو قاطع. لقد إستقر يهود فلسطين في شمال أفريقيا خلال فترة الإضطهاد الروماني الذي تعرض له اليهود في فلسطين (أثناء الفترة ما بين63 ق.م و135 ميلادية) وفي خلال 115-117 ميلادي، قاد لوق الملك المسيحي بقورينا ( شحات ) ، إنتفاضة يهودية إمتدت إلى الشرق نحو مصر. ثم ظهرت إنتفاضة اليهودي المسياني شيمون باركوكبا في وجه الإمبراطور الروماني هادريان. ويبدو أن المسيحيين بشمال أفريقيا لم يؤيدوا الإنتفاضة اليهودية. وبالتدريج بدأ التباعد بين المسيحيين واليهود بعضهم عن بعض، وتوقف ربيو اليهود البارزين في شمال أفريقيا عن الإعتراف بالنص السبعوني وهي النسخة اليونانية للكتاب المقدس، التي تتداولها الكنيسة المسيحية بدلا من العودة إلى النص العبري. أما في فلسطين وبابل فقد أوجدت المدارس اليهودية التي أسست في القرنين الثاني والثالث تعاليم تلمودية نقلت الى شمال أفريقيا.

سرعان ما تفشت في الكنيسة المسيحية للدولة الهرطقات الشرقية التي تحدت تعاليم العقيدة المسيحية الرسمية وأوهنتها ليطيح بها الإسلام في شمال أفريقيا . وفي برقة قاد الجدل والصراع الدموي القائم حول طبيعة المسيح هل هي بشرية أم مقدسةالى تقويض أسس المسيحية في المنطقة. وعندما إنشطرت الإمبراطورية إلى شقين شرقي وغربي في عام395م، مر الخط الفاصل بينها عبر صحراء سرت جاعلا برقة اليونانية وطرابلس الرومانية أكثر إنفصالا من أي وقت مضى. وبعد فترة قصيرة من حكم البرابرة الوندال القادمين من أوروبا والامبراطورية البزنطية،غزا العرب شمال أفريقيا تحت راية الإسلام. وبحلول عام700م، تحولت المدن الساحلية إلى العقيدة والنظام الإجتماعي الجديدين. ووجد الإسلام قبولا من البربر الذين سأموا الآلهة الأغريقية، وضاقوا ذرعا بالإغريق والرومان وما يمت إليهم من عبادات ومذاهب مشوشة. إن الإسلام اليوم أصبح يجذب الأفارقة، ويشق طريقه بقوة نحو أفريقيا السوداء كعقيدة تبشيرية لها مبرراتها الكثيرة تكمن في بساطتها إذ لا تتبع نظام هيئات هرمي أونظام كهنوتي. وتقوم على الإتصال المباشر مع الله ، الأمر الذي لا وجود له في المسيحية أو اليهودية .

إن الفتح العربي، والحروب التي إشتعلت بين الأسر العربية الحاكمة والتي نشبت في الصحراء جنوب المغرب وما يعرف بالجزائر حاليا قد أخر الوحدة الوطنية الليبية حتي فترة المد القومي الواسع في القرنين التاسع عشر، والعشرين . لقد لاحظ أدريان بيلت المفوض السامي للأمم المتحدة الذي أشرف على ولادة الملكة الليبية ،مبكرا ومنذ الخمسينات ، أن أربعة عشر إحتلالا أجنبيا لليبيا عبر فترات إمتدت إلى ثلاثمائة سنة لم تستطع أن تحدث تأثيرا مستمرا على البنية الليبية. عدى الحكم العثماني والذي بدأ بإحتلال برقة فى1517م، والإستيلاء على طرابلس وتحريرها من قبضة فرسان القديس يوحنا في 1551م. غيرأن الإحتلال الإيطالي الذي تلاه في 1911م، قد تمكن أيضا أن يحدث أثرا ظاهرا في البنية الثقافية والإجتماعية الليبية المعربة .

كانت أسرة (هبسبيرج) تسيطر علي إسبانيا في الوقت الذي كانت البحرية التركية تفرض هيمنتها في البحرالأبيض المتوسط. ولقد تمكن الجنرالات والأدميرالات الأتراك من الإستيلاء علي طرابلس ومدنا ساحلية أخرى لصالح سلاطينهم العثمانيين، غير أنهم لم يقوموا بحملات ضد بدو الدواخل العرب إلا في مناسبات قليلة. كان سلطان القسطنطينية في ذلك الوقت يدير الحكم في هذه المناطق عن طريق (باشا) الذي يعتمد بصورة رئيسية على قوات من الإنكشارية ،وهي جماعات تتميز بشدة الولاء، وتعني في اللغة التركية الجندي الجديد - وهم من الفلاحين الآتراك الذين كرسوا حياتهم للخدمة العسكرية. وإذا كان ثمة دماء تركية جديرة بالإهتمام تجري في عروق الليبيين الذين عاشوا بالساحل، فإنها ترجع إلى الولوع المتنامي لرجال الجيش التركي لإقامة علاقات غرامية وزيجات مع النساء العربيات، وكان النسل الناتج عن ذلك، يطلق عليه إسم ( الكولوغلي) وقد حدث أن صعد هؤلاء ألى أرقى طبقات ذلك المجتمع. كان أحد الكولوغلية ضابط في سلاح الفرسان يدعي أحمد القره مانلي، والذي أصبح قائدا محليا بارزا. وفي عهد حكمه خلال الفترة ما بين (45-1711م) نشأ حكم ملكي وراثي جديد إتسم بصورة رئيسية بالطابع العربي واستطاع أن يبسط بعض النفوذ على برقة وطرابلس. غير ان ورثة أحمد القاره مالي جابهوا عجزا في الداخل من جراء الضرائب،والقروض،والأتاوات، التي تقدم إلى الخارج وكانوا أقل نجاحا من سلفهم .

تلى ذلك فترة حكم عثماني مباشر من القسطنطينية، إمتد من (1773 إلى 1795م) ، وعاصرت الثورة الأمريكية،تبعتها فترة حكم قادها أحد القادة الأقوياء ، والذين فرضوا أنفسهم بالقوة علي بلادهم وعلي الأقطار المحيطة بها. إنه يوسف القره مالي ، ديكتاتور تركي-عربي تحالف مع باى تونس، ونابليون بونابرت أثناء غزوه لمصر عام1799م. وأثناء فترة حكم يوسف القاره مالي الممتدة من 1795 إلى 1832م، حدثت أول مجابهة مريرة بين الولايات المتحدة وبين العالم العربي. وقد شاركت هذه المجابهة في رسم النمط المقولب للصورة الكاريكاتورية القبيحة المشوهة للعربي والمسلم، والتي لا زالت باقية إلى يومنا هذا في أجهزة إعلامنا - كالتلفيزيون والصحافة والصور المتحركة والروايات الشعبية الساخرة مثل رواية القرصان لهارولد روبنز .

أولى الأزمات في العلاقات بين أمريكا وليبيا وبين أمريكا والعرب، برزت أصولها في فترة ازدهار طرابلس وبعض مدن الدول الأخرى في شمال أفريقيا. فقد كانت تجارة الشمال الأفريقي مع أوروبا تمر بفترة إنتعاش كبير ، وكانت أحجار لبتس ماجنا ( لبدة ) تستعمل في فرنسا القرن الثامن عشر لبناء قصر فرساي وساحة سان جرمان دي بريي. وكان ما تحققه سفن القرصنة في نفس الوقت يمثل مصدرا رئيسيا لهذه الدويلات البربرية. كانت السفن البحرية تعمل بالتجارةوفق نظام منضبط وبالقرصنة أيضا ، وكان هذا إمتدادا لإستراجية البحرية التركية في البحر الأبيض المتوسط. لأن القراصنة غالبا ما يتلقون الدعم من الحكام المحليين من أمثال يوسف القره مالي في طرابلس. كما أن الخزائن الخاصة والعامة للحاكم (الغير مميز بعضها عن بعض) كانت تنتفخ وتتضخم جراء الإستيلاء على السفن التجارية التابعة لاوروبا وأمريكا. وبدأت إدارة الرئيس جون آدمز سنة 1799م، تدفع أتاوات سنوية إلى الحكام المحليين في شمال أفريقيا لسلامة سفن الولايات المتحدة، وكان نصيب يوسف من هذه الأتاوات ثمانية عشرة ألف دولار سنويا .

وفي سبتمبر عام 1800م، أرسل الرئيس آدمز الفرقاطة البحرية "جورج واشنطن" إلى الجزائر لتحمل قسطا من الأتاوة لتدفع لداى الجزائر والممثل للسلطان العثماني في تلك المدينة. ولكن الداى أصدر أوامره إلى القبطان "وليام بينبردج" قائد الفرقاطة "جورج واشنطن" بأن يحمل سفيرا مصحوبا بهدايا ضخمة إلى سلطان القسطنطينية. وعندما رفض "بينبريدج" ذلك لفت الداى نظره ، إنك تدفع لي الأتاوة ومن ثمة فأنت تصبح بذلك عبدا لي ، إذا أنا أملك الحق في إصدار الأوامر إليك فيما أري أنني محق فيه . محاطا ببنادق الجزائريين أجبر بينبردج على رفع العلم الجزائري وقبوله المهمة. خلال الشهور الأولى من عام 1801م، رفع يوسف القره مالي حصته من الأتاوة السنوية إلى 250:000 ألف دولارا سنويا، والتي أعتبرت مبلغا ضخما لإحتياطي الخزينة الإتحادية للولايات المتحدة الحديثة التكوين .

إعترض الرئيس توماس جيفرسون على سياسة المهادنة التي كانت تبديها إدارة الرئيس آدمز نحو الباشوات والقراصنة. وفي عام1804م، أرسل جيفرسون أسطولا بحريا كبيرا لمعاقبتهم، وكانت البحرية الأمريكية في ذلك الوقت تمر بفترة نقاهة صعبة من آثار الثورة الأهلية، وما تواجهه من تهديدات القوي الأوروبية في نفس الوقت ، غير أنها مازالت تقف على قدميها وتملك القدرة على التحرك فى أماكن قصية. أثبت حصار هذا الأسطول لطرابلس والسواحل الليبية المجاورة أنه ليس بالمهمة السهلة. فقد إصطدمت الفرقاطة فيلاديلفيا خارج ميناء طرابلس بلسان رملي في مياه ضحلة ، وتم الإستيلاء عليها واستسلم بحارتها. وقد إستطاع الملازم ستيفان ديكاتر أن يتسلل الى ميناء طرابلس ، في أولى أنجح عمليات قوات البحرية الأمريكية (والتي أوحت بكلمات"شواطئ طرابلس" في نشيد البحرية الأمريكية) وتمكن من تفجير الفرقاطة "فيلاديلفيا"، منهيا بذلك إمكانية إستعمالها من قبل الطرابلسيين كسفينة قيادة حربية .

صبت قطع الإسطول الأمريكي القذائف والحمم علي طرابلس وتحصن يوسف القره مالي خلف الجدران السميكة والتي كان قد تم تحصينها من قبل العثمانيين وفرسان القديس يوحنا. ولكنه استمر في المقاومة. كما أنه أجبر طاقم بحارة الفرقاطة "فيلاديفيا" على الإنهماك في مهمات شاقة واستعملهم في إقامة التحصينات، واستخدم القبطان ومساعده ليقودا الأعمال التنظيمية وشؤون الملاحة، وفي تدريس دورات لغة للضباط ذوي الرتب الصغيرة .

عرف الرئيس جيفرسون برجل المهمات الصعبة، ولذلك توصل إلى أن الأمر قد تجاوز حدوده، فقام بتعيين السفير السابق بتونس "سيروس إيتون" ليتولى خطة من شأنها الإطاحة بيوسف القاره مالي وإستبداله بأخيه الأكبر أحمد. وفي وقت مبكر من عام1805م، قام إيتون وأحمد ومجموعة متعددة من المغامرين والمرتزقة بالزحف من الإسكندرية بإتجاه الغرب عبر الصحراء لمسافة ستمائة ميل. وبدعم عسكري من البحرية الأمريكية المرابطة في البحر الأبيض احتلوا ميناء درنة . بينما شرع "توبياس لير" المبعوث الخاص للرئيس جيفرسون في مفاوضات مع يوسف القره مالي والذي تنازل عن الأتاوة الدورية،واكتفي بمبلغ 60.000 دولار كفدية لطقم بحارة "فيلاديلفيا"،وهو نصف ما كان يطالب به في الأصل - إلا أنه مبلغ كبير ومرض في ذلك الوقت – وفي مقابل ذلك تخلت الولايات المتحدة عن دعم أحمد ومطالبته بالعرش. وقوبلت الإتفاقية بردود فعل متعددة في الولايات المتحدة بإعتبارها أمرا يقل عن النصر الكامل. غير أن المشاعر الودية بدأت تعم ومن ثمة قبول الإتفاقية. ومع ذلك فإن العمليات البحرية ضد سفن القرصنة إستمرت لغلية1815م، وحتى عام 1970م عندما أخرج العقيد القدافي القوة الجوية الأمريكية من قاعدة "ويليس". لم يحدث أي إحتكاك عدى إتصال طبيعي وبصورة عادية بين الليبيين والأمريكيين .

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (1) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

 تقديم : - كنت اقلب في مكتبتي المتواضعة بحثا عن كتاب أهداه لي أحد الأصدقاء منذ سنوات طويلة فلما وجدته تذكرت بأنني ترجمت بعض فصوله، فانكببت أبحث في أوراقي القديمة، فعثرت على ملف يحتوي على تلك الفصول الخمسة المترجمة من كتاب " عاصفة رملية ليبية" من تأليف "جون كيلي" وهو أحد عناصر المخابرات الأمريكية. فقررت مراجعة الفصل الثاني من فصوله بعنوان "شواطئ طرابلس" ونشره. وبالرغم من ترجمته بتصرف إلا أنني نقلت كل ما جاء فيه بأمانة بالرغم من عدم إتفاقي مع كثير مما جاء فيه. لقد رأيت تقديمه للقراء بمناسة ذكري إستقلال ليبيا، لأن الكاتب قد تعرض بتوسع حول الظروف والملابسات التي صاحبت هذ الحدث الأكثر أهمية في تاريخنا المعاصر، ورأيت أن لا عيب في أن نطلع على الرأي الآخر . المترجم

 الفصل الثاني : شواطئ طرابلس

 تبدو ليبيا على الخارطة وكأنها حافة مستطيل يمتد من شاطئ البحر الأبيض المتوسط إلى داخل الأرض الصحراوية القاحلة. إنها بلاد ذات مناظر طبيعية رائعة، وشواطئ تزخر بمشاهد خلابة، وآثار إنسانية بديعة. إن كل هذا يبدو وكأنه لاينطلق بك إلى المستقبل، ولكنه يشدك رجوعا إلى الماضي . إن أحلام القدافي الوهمية (الإعلام، الشعارات، صوره الشخصية،) بجانب تركة ثورية توحي بكآبة أورويل عام 1984م، والتي تحولت إلى السواحل الأفريقية بفعل الشعوذة والسحر، وأصبحت تمتد إلى كل مكان. ولكن هذه المرة حالما تنزوي بعيدا عن الأنظار وتنأى عن الخاطر. إنك لا تحتاج إلى سجادة سحرية لترى وتحس حولك ليبيا السرمدية والتي لا تبلوها الأيام، باقية على ذلك الحال الذي كانت عليه لعصور إمتدت إلى ما قبل الإغريق على نحو لا يقبل الشك بما ستكون عليه لعصور وعصور .

إن شريطا إخضرا رفيعا من الحضارة قد إحتضن الساحل الليبي، إمتدادا من طرابلس إلى الحدود التونسية منذ العصور القديمة. تولي عنايته قدماء الرومان ورعاياهم من شمال أفريقيا. كما كان الحال كذلك بالنسبة للمستعمرين الموسولينيين والذين قدموا في العشرينات من هذا القرن تحت راية الفاشية. غير أن ليبيا أهملت من قبل معظم الموجات المتعاقبة من الغزاة في الفترة ما بين الألفي سنة الأخيرة، إلا أنها كانت (ولا زالت إلى الآن مع تكاثر الفلل الفخمة علي شاطئ البحر، ( وتجمعها جنبا إلى جنب في بعض المناطق القريبة من طرابلس) غنية ومليئة بالأمل. كما إن أشجار النخيل الباسقة والمساحات الخصبة من نبات الحلفاء والتي امتدت داخل البلاد على نطاق إمتداد البصر، تمثل إحدى الصادرات الرئيسية لليبيا قبل حلول فترة الإزدهار في عام 1959م .

وكما لاحظ عالم التاريخ البارز محمد خدوري بأن الغزاة الغرباء، غالبا ما كانوا يحققون إجتياح هذه البلاد، إلا أنهم نادرا ما نفذوا إلى الحد الذي يتجاوزون فيه هذا الشريط الأخضر لطرابلس لوقت طويل. إن حروب المستعمرين كانت تمثل صراعا بين الصحراء والمدينة. غير أن الصحراء، وأولئك الذين يقطنونها ،كانوا يحققون النصر في النهاية، ثم يرجعون إلى الساحل ليجنوا ما يخلفه الغزاة المتقهقرون من ثقافة وثروات. إن برابرة طرابلس وبرقة قد ورثوا مدنا ومزارع العنب الرومانية والإغريقية. وفي 1970م، وورث معمر القدافي "قاعدة "ويليس الأمريكية" والقواعد البريطانية، وشبكة أمبراطورية نفطية تمتد من مواقع الإنتاج والتنقيب جنوبا ، ومئات الأميال من خطوط الأنابيب إلى المصافي النفطية وأرصفة التحميل على الساحل .

إن العامل الأساس للبقاء في هذه الأرض القاحلة المجدبة، كما هو الحال في بقية المناطق الصحراوية، ليس البترول، ولكنه الماء بطبيعة الحال. إن ليبيا لا تشتمل على نهر مائي واحد، غير أن هطول الأمطار أثناء الشتاء يحدث فيضانات تندفع عبر الوديان، وعندئذ ما تلبث أن تجف إلى درجة الإضمحلال بفعل أشعة الشمس التي لا ترحم. إن المياه الجوفية التي أكتشفت بواسطة شركات البترول أثناء عمليات الحفر المتلهفة للعثور علي دم الحياة الأسود لشريان عالم الصناعة، كان يمثل مخزونا هائلا في بعض الحالات. إن المياه تنساب ببطئ عبر الصخور المستقرة تحت مستوى منسوب المياه لتغذي الينابيع والآبار التي تبعث الحياة في الواحات .

إن معظم 358،679 ميلا مربعا من مساحة ليبيا هي عبارة عن بحرمن الرمال وتلال من الصخور يغطيها الغبار. أما المدن والقرى فهي تمثل جزرا خضراء بالنسبة للمناطق القاحلة وتنتشر فيها بساتين النخيل بدلا من اشجار "اليوكليبتس" والحمضيات، والعرعار، والأشجار المزهرة طيبة الرائحة التي تزخر بها البساتين الساحلية. أما سلسلة جبال نفوسة، وسهل جفارة القريب منه، فتفصلهما صحراء سرت عن الجبل الأخضر في الشمال الشرقي ببرقة. يمتد هذا الشريط الصحراوي إلى جنوب سرت حيث معقل عشيرة القدافي . هناك عدة هضاب تقلل من رتابة بحر الرمال العظيم في جنوب أقليم فزان، والذي يمتد إلى أقصى الجنوب والتي تحده سلسلة جبال تيبيستي الكالحة على حدود تشاد الشمالية .

إن مناطق ليبيا الثلاث - طرابلس، برقة وفزان ، كان لكل منهما نظرتها المختلفة بشكل كبير عن الأخرى تجاه العالم الخارجي، وذلك لما يفصلهما من مساحات وتاريخ متباين إلى الوقت الذي أخرجت فيه الأمم المتحدة ليبيا إلى حيز الوجود من أنقاض الإستعمار الإيطالي عام 1951م، حين كان السكان المحليين نادرا ما فكروا بأن هذه الأقاليم الثلاث تؤلف قطرا واحدا، حتى وإن كانت كلمة ليبيا في اللغة اللآتينية، ولوبيا في اللغة الإغريقية تعنيان التسمية القديمة لكل ذلك الجزء المعروف بشمال أفريقيا .

كانت طرابلس تحت الحكم الروماني وإسمها أخذ من تريبوليس الكلمة اليونانية القديمة والتي أطلقت على هذه البلاد وتعني المدن الثلاث. طرابلس هي أكبر جزء في هذا التقسيم الثلاثي وتعني في اللآتينية ( أرض المدن الثلاث) والتي كانت في العصور الغابرة تعرف بصبراته، لبتس ماجنا، وأويا، كما أن هذه المدن مجتمعة تمثل مراكز تجارية يتولاها الفينيقيون القادمون من "صور" اللبنانية المعروفة في وقتنا الحاضر بلبنان، ثم فيما بعد قرطاج والتي تعرف اليوم بتونس. حيث يجلب الذهب والعاج (والرقيق في عصرالأتراك) من داخل إفريقيا لغرض التسويق، ولذلك أطلق عليها المستعمرون الإغريق والذين جاءوا بعد الفنيقيين إسم إمبوريا ( أرض الأسواق ). وفي عصر الإمبراطور سيبتيموس أصبحت " لبتس ماقنا " العاصمة الرومانية لإمبوريا . سفيروس هو أول برابرة شمال أفريقيا الذي إستطاع أن يشق طريقه إلى روما ليضع فوق كتفيه الرداء الإمبراطوري كقيصر روماني. أما صبراته فقد كانت علي أقوى الإحتمالات إغريقية قبل أن تكون رومانية. إنها الجزء الأكبر قدما لطرابلس اليوم، والذي يقوم على أنقاض أويا.

صبراته الرومانية تأخذ مكانها بهدوء على شاطئ البحر الأبيض المتوسط حيث تشكل الأعمدة القائمة لمعبد جوبيتر مشهدا خلابا يبدو فيه البحر الأبيض المتوسط وكأنه يضمها بين ذراعيه ويحتضنها، ولا يزال بالإمكان الإستماع إلى الصوت الهادئ المثابر للإمواج المتكسرة من شرفة مسرح القرن الأول للميلاد، والمقام في الهواء الطلق، والذي تولي علماء الآثار الإيطاليون ترميمه بعناية، حيث مثلت فوقه الفرق الأوروبية قبل الحرب العالمية الثانية أعمالا مسرحية لشكسبير وبيرانديللو. كما توجد جداريات بسيطة التشكيل تعود إلى عصر الإمبراطورية الرومانية المتاخرة والتي شوهت ملامحها بواسطة التأثير المتعاقب لأوروبا البربرية. هذا ما كان يمكن أن تكون عليه المنطقة التحيطة بمدينة بومباي الرومانية لو أنها نجت من ثورة بركان "فيزوفيس" وأستمرت لمدة ثلاثمائة سنة أخرى.

يقع شرقي برقة من كريت أكبر جزر اليونان سوى 180 ميلا حيث توجد قواعد حلف الناتو العسكرية في شرقي البحر المتوسط ، والتي وضعها القدافي في مرمى صواريخه الروسية الصنع القصيرة والمتوسطة المدى. إن بعض التجار وصيادي الإسفنج اليونان والذين ما زالوا يقطنون مدينة بنغازي والمناطق المحيطة بها، يوحون بأنهم يمثلون آخر إمتداد لقدماء اليونان الذين أول من إستقر بمنطقة برقة. ووفقا لمعتقد يوناني قديم يقول، بأن كهنة دلفي قد اعطوا تعليماتهم إلى المهاجرين اليونان الأوائل، في بداية القرن السابع للميلاد بمغادرة الجزبرة "ثيرا" المكتضة والذهاب إلى برقة. وكما ورد في رواية لأب التاريخ هيرودوت، فإن البرابرة قادوهم إلى بقعة بعمق إثنا عشرة ميلا داخل تلك البلاد حيث أخبرهم مضيفوهم بأن "ثقبا في السماء" سوف يمنحهم المطر الوفير لزراعتهم .

لقد توالى على حكم برقة الإغريقية ثمانية ملوك من الأغريق إلى أن أصبحت في عام 400 م جمهورية. كما أصبحت أما لخمسة مدن أخرى يطلق عليها "بينتابوليس"، ولقد تمكنت من صد القرطاجيين من جهة الغرب. ولكن جيش قمبيز الفارسي وبعد أن هزم الإغريق في مصر قام بإحتلال برقة لمدة قصيرة. وعندما دخل الإسكندر الأكبر برقة 331 قبل الميلاد رحب به السكان الإغريق وقدموا له الخيول القادرة على خوض المعارك، ورجوه ألا يتوجه إلى جهة الغرب لمهاجمة القرطاجنيين الإشداء. وبعد أن قضى الرجل الذي غزا العالم نحبه في بابل (العراق اليوم) في سنة 323 ق.م، استلم جنرالاته المقدونيين الإمبراطورية. وكانت مصر وبرقة من نصيب بطليموس ، لكن روما إستولت على المنطقة في 74 ق.م، وبسطت نفوذها عليها، بما في ذلك جزيرة كريت كمقاطعة رومانية . وأصبحت برقة في العصر الهليني أحد أهم المراكز الزراعية التي تنتج النبيذ والأصواف والأعشاب المثيرة للشهوة الجنسية، إلى جانب رجال علم مثل العالم الجغرافي إراطوستين، والشاعر الساخر كاليماخوس والذي يذكره أولئك الذين يعرفون بحسهم الكلاسيكي المتميز بمقولته ( الكتاب الكبير ملل كبير) .