‏إظهار الرسائل ذات التسميات الملك محمد ادريس السنوسى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الملك محمد ادريس السنوسى. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 مارس 2015

نبذة تاريخيّة عن إعداد دستور1951...



السيّد المفوّض، عليك ألاّ تنسى أن ليبيا، إلى جانب كونها أوّلا بلدا عربيّا، هي أيضا متاخمة للبحر الأبيض، وكانت دوما على صلات باللاتين والإغريق. ونحن من الناحية الرّوحيّة والسياسيّة، نتوجّه إلى الشرق وبالتحديد إلى الأماكن المقدّسة للإسلام، ولكن ماديّا سوف تكون لنا دائما روابط  مع الغرب، وهذا يعني في حالة الضرورة فسياستنا عليها أن تنهج منتصف الطريق" 
 
توطئة: 
بعد فشل مشروع بيفين – سفورزا (وكان قد صاغه بيفين وزير خارجية بريطانيا وسفورزا وزير خارجيّة إيطاليا في اجتماعهما بلندن أوائل مايو 1949)، والذي شهد مناقشات طويلة في لجان الأمم المتحدة وجمعيّتها العامة، تبلور إجماع الدول الأعضاء على استقلال ليبيا كاملة. ولذلك حوّلت مسألة تقرير مصير المستعمرات الإيطاليّة السابقة إلى اللجنة الأولى (لجنة الشئون السياسيّة والأمنيّة) لصياغة وثيقة الاستقلال. وفي اجتماعها بتاريخ 3 أكتوبر 1949 برئاسة "ليستير بيرسون" مندوب كندا، أخذ الكلمة مندوب الهند "سير بينقال ناساريم راو"، وبعد أن عبّر عن الارتياح لتغيير كثير من الوفود لمواقفها، واتفاقها على منح الاستقلال لليبيا قال: "إن أنجع وسيلة للمحافظة على هذا الاستقلال، هو السماح لشعب ليبيا بأن يضع دستوره بنفسه من خلال ممثليه المختارين، كما جرى مؤخّرا في الهند وبورما". والمعروف أن "سير راو" كان من الذين صاغوا هاذين الدستورين. ثم ضرب مثلا بالدستور الذي وضع لمدينة دانزيج أو "جدانسك" البولانديّة، والذي أعدّ تحت إشراف عصبة الأمم، ولذا فهو يقترح أن يكتب الدستور الليبي من قبل جمعيّة تأسيسيّة تعمل تحت إشراف الأمم المتحدة، للتأكّد من أن هذا الدستور سيعكس الإرادة الأصيلة للشعب الليبي، ولتحقيق ذلك  ينبغي على الجمعيّة العامة تعيين مجلس من بين أغراضه تشكيل جمعيّة تأسيسيّة،  تفصل في أي خلاف ينشأ بين ممثلي الأقاليم التي تدار من قبل دولتين مختلفين هما بريطانيا وفرنسا".  ثمّ قدّم مندوب الهند تفصيلات لاقتراحه؛ كأن تكون الجمعيّة التأسيسيّة واحدة، لتحافظ على وحدة ليبيا، مع إعطاء الحقّ لأعضائها في اختيار الحكم الوحدوي أو الفيدرالي، وأن لا تمارس الجمعيّة الأعمال التنفيذيّة، إلى أن تُكمل صياغة الدستور، وأن يستمرّ مجلس الأمم المتحدة المفوّض في أداء واجباته إلى أن :"يتأكّد من أن حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة قد تمّ تضمينها في الدستور".


وبالفعل فقد صدر قرار الجمعيّة العامة رقم 289 (IV) في جلستها رقم 251 بتاريخ 21 نوفمبر 1949، متضّمنا ما دعا إليه الاقتراح الهندي، إذ نصّ بعد الديباجة على : "(1)  أن ليبيا التي تشمل برقة وطرابلس الغرب وفزّان تكون دولة مستقلّة ذات سيادة. (2) يسري مفعول هذا الاستقلال في أسرع وقت ممكن بحيث لا يتأخّر في أيّ حال من الأحوال عن أوّل يناير سنة 1952. (3) يوضع دستور لليبيا يتضمّن شكل الحكومة، بواسطة ممثلي السكّان في برقة وطرابلس الغرب وفزّان، المجتمعين والمتشاورين معا في جمعيّة تأسيسيّة. (4) ولأجل مساعدة شعب ليبيا  في صياغة الدستور وإقامة حكومة مستقلّة، سوف يعيّن مفوّض عام للأمم المتحدة في ليبيا من قبل الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، وأن يعيّن مجلس ليساعده ويرشده. (5) يقدّم مفوّض الأمم المتحدة بالتشاور مع المجلس، تقريرا سنويّا، وغيره من التقارير التي يرى أهميّتها إلى السكرتير العام . ويضاف إلى هذه التقارير أيّة مذكّرة أو وثيقة يرى مفوّض الأمم المتحدة، أو أي عضو من أعضاء المجلس رفعها إلى الأمم المتحدة".  والذي يهمّنا من هذا القرار في سرد هذه النبذة، هو ما يتعلّق بالدستور الذي مثّل المكوّن الثالث في قرار الاستقلال، ولم يسبقه إلاّ تعريف البلاد وإعلان استقلالها
وحالما باشر المفوّض ومعه المجلس الأممي الذي يساعده في أعماله، جرى تكوين لجنة الواحد والعشرين، وبعدها "الجمعيّة الوطنيّة الليبيّة التأسيسيّة" أو جمعيّة الستين، اختصارا، وكلاهما قام على أساس التساوي بين الأقاليم الثلاثة، ممّا أثار جدلا حادّا حُسم بالتصويت.. وفيما يلي الخطوات التي اتخذت لصياغة دستور المملكة الليبيّة المتحدة: 
(1)
 في اجتماعها بتاريخ 2 ديسمبر 1950، قرّرت "جمعيّة الستين" (ترأسّها الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم مفتي ليبيا- من طرابلس)، القرارات الآتية: 
أوّلا: أن تكون ليبيا دولة مستقلّة ذات سيادة، وأن يكون شكل الحكم فيها اتحاديا فيدراليّا عادلا.
 ثانيا: أن تكون الحكومة (أو الحكم) ملكيّا دستوريّا ديمقراطيّا نيابيّا تحت تاج الملك محمّد إدريس  المهدي السنوسي.
ثالثا: أن ترفع الجمعيّة إلى جلالة الملك قرارها التاريخي، ونعتبره ملكا شرعيّا على ليبيا منذ الآن. 
 وقد ردّ الملك المعيّن على الجمعيّة ببرقيّة  جاء فيها – بعد أن شكر الجمعيّة على ثقتها- "أعلن عن نيّتي في قبول دعوة الجمعيّة لي إلى تولّي عرش الدولة الليبيّة، إلا ّ أنني أرى أنه من المستحسن أن نرجئ الآن من طرفنا إلى أن يتم إنجاز الدستور والإعلان عنه رسميّا، وريثما تصل الخطوات السياسيّة والإداريّة والدستوريّة إلى مرحلة يمكننا معها ممارسة سلطاتنا الملكيّة ويتم بعد ذلك اعتلائنا عرش المملكة الميمون. وفي هذه  اللحظات السعيدة في تاريخ وطننا المحبوب ، يسرّني أن أؤكّد لشعبنا الكريم أنني سوف أخدم دوما بلادنا بكلّ أمانة، وأجاهد لمساعدة أهلها حتى يعيشوا  في سعادة ورفاه. كما يسرّني  أن أبعث إلى جمعيّتكم  الموقّرة تهاني المخلصة، وأبتهل إلى العليّ القدير أن تتكلّل جهودكم بالنجاح".  ووقّع البرقيّة بصفته أمير برقة.  ثمّ قرّرت الجمعيّة (باقتراح من عبد الجوّاد فريطيس) الانتقال إلى بنغازي، لآن البيعة ينبغي أن تُسلّم باليد، وحتى يستطيع الملك المعيّن مزاولة اتصالاته بالطلب من الإدارات الحاكمة تسليم السلطة إلى الحكومة الوطنيّة. وهو ما جرى يوم 17 ديسمبر 1950،  بعد وصول دعوة من الملك إلى الجمعيّة للحضور إلى بنغازي، حيث قدّم رئيس الجمعيّة البيعة بحضور الجميع. ولم يعتلي السيّد إدريس العرش إلاّ بعد اعتماد الدستور وتسلّم الحكومة المؤقتة للسلطة، يوم إعلانه للاستقلال، أي  بعد زهاء عام. وفي الأثناء في 21 فبراير تكوّنت الحكومات ت المؤقّتة لتسلّم السلطات من الإدارتين البريطانيّة في طرابلس والفرنسيّة في فزّان (ومن المعلوم أن هذه الإجراءات قد تمت تنفيذها في وقت سابق في برقة). 
(2)
وقبل ذلك، وفي اجتماعها الثالث في 4 ديسمبر 1950، أقرّت الجمعيّة التأسيسيّة تشكيل لجنة تعكف على صياغة دستور البلاد. واتفق على أن يكون أعضاؤها بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة على غرار النظام الذي اتبع في تشكيل لجنة أل 21 ثم جمعيّة أل 60. وتمنّى الطرابلسيون أن يكون عدد اللجنة الجديدة كبيرا، ليلبّي تعدّد الأحزاب والاتجاهات بينهم، ولكن المشكلة برزت بالنسبة لفزان الذي لا يتوفّر فيه الكثير من ذوي الخبرة القانونيّة،  ولذا اتفق على أن يكون العدد 6 أعضاء من كلّ إقليم، رغم احتجاج الفزانيين بعدم القدرة على توفير هذا العدد. وبذا سُميّت لجنة أل 18 (ترأسّها عمر شنّيب – من برقة)، ثم نوقشت منهجيّة العمل؛ هل تقدّم كل مادّة إلى جمعيّة الستين للمصادقة عليها، أم تقدّم إليها مجموعة من المواد. ووفق على هذا الأسلوب الثاني مع ضرورة قراءة كل مجموعة من المواد ثلاث مرّات قبل اعتمادها. وقد تساءل العضو الطرابلسي عبد العزيز الزقلّعي، عمّا إذا كان المطلوب وضع مشرع دستور، أم دستور كامل وردّ عليه رئيس الجمعيّة (أبو الأسعاد العالم) مؤيّدا من العضو البرقاوي عمر شنّيب بأنه اتفق على وضع دستور للبلاد. كما اتفق على أن تنعقد اللجنة كل يوم أثنين في الأسبوع، بدلا من الأحد -احتراما للخبراء القانونيين وموظّفي السكرتارية وأغلبهم من المسيحيين . 
وفي 6 ديسمبر انعقدت اللجنة لصياغة وثيقة البيعة للسيّد إدريس كملك على البلاد، واتفق على أن يقوم بذلك فريق مكوّن من 6 أعضاء (أثنين من كلّ إقليم)، وبذلك اتبعت هذه كقاعدة أيضا في صياغة مسوّدة الدستور، ثم تعرض على لجنة الـ 18 لمناقشتها وإحالتها إلى "الجمعيّة". وسمّى فريق العمل"بلجنة الستة" (ترأسّها خليل القلاّل – من برقة).
(3)
في يوم 11 ديسمبر بدأت لجنة الستة بدراسة توزيع السلطات بين حكومة الإتحاد و"الإدارات المحليّة". ونظرا إلى عدم معرفتهم بنظام السلطات في الدول الفدراليّة في العالم، طلب الأعضاء من بعثة الأمم المتحدة إمدادهم بالأنظمة الاتحادية في :الأرجنتين، استراليا، البرازيل، بورما، ألمانيا الاتحادية الهند، إندونيسيا، المكسيك، سويسرا، الولايات المتحدة، فنزويلا، ثم أضيفت هولندا، واتحاد جنوب أفريقيا. وقام عوني الدجّاني المستشار القانوني للممثلين البرقاويين بتوفير دساتير جميع الدول العربيّة. ومنذ ذلك الوقت وحتى منتصف مارس، عقد فريق العمل 16 اجتماعا بطريقة أن يأخذ كل عضو مجموعة من الوثائق ليقوم بدراستها في بيته. ومنذ البدء وضع أدريان بيلت مفوّض الأمم المتحدة، ومعه عمر لطفي المستشار القانوني وموظّفي بعثتها، أنفسهم تحت تصرّف " الجمعيّة" واللجنة وما تفرّع عنهما. وأشرف إسماعيل الخالدي على فريق السكرتارية لها جميعا. كما استدعي خبراء شئون ماليّة للمساعدة. وكان المستشار القانوني عمر لطفي (من مصر) يحضر جميع الاجتماعات تقريبا. وقد حرص "بيلت" على ألاّ يتدخّل أو يفرض أراءه على فريق العمل، ولكنه أبدى استعداده لإعطاء أية مشورة تطلب منه، وأن بابه مفتوح أمام الجميع سواء في بيته أو مقرّ البعثة لذلك، حسب قوله. كما أن "بيلت" نوّه بالعمل الدءوب والجهود التي بذلها أعضاء الفريق في صياغة الدستور، إضافة إلى رؤساء اللجان المذكورة: سليمان الجربي (من برقة)السكرتير الأوّل لجمعيّة الستّين؛ منير برشان (من طرابلس) مقرّر لجنة الـ 18 ؛ أبوبكر بن أحمد (من فزان) مساعد مقرّر لجنة أل 18 ؛ محمد الهنقاري (من طرابلس) عضو لجنة الستّة؛ عبد الجوّاد فريطيس (من برقة) عضو لجنة الستة. وكان بين هذه اللجان اتصال مستمرّ وتبادل للمعلومات. وكثيرا ما أوقفت لجنة الستّة مناقشاتها لتستشير لجنة أل 18، وأحيانا جمعيّة الستّين، أو طلب توجيهات الأمير في قضايا  سياسيّة حسّاسة. ونفس الأمر مع مفوّض الأمم المتحدة ومعاونيه، خاصة في المعضلات القانونيّة والفنيّة. 
(4)
وكمثل على خطّة العمل التي اتبعتها لجنة الستّة في مداولاتها، فقد جاء القسم (ب) (الفصل الثاني من الدستور) تحت عنوان "حقوق الشعب"، وهو ما اصطلح على تسميته ب فصل Bill of Rights  الذي أضيف إلى الدستور الأمريكي (كأولّ تعديل أصبح نافذ المفعول اعتبارا من 15/12/1791)، أو الحريّات العامة في الدساتير الأخرى.  فقد شرعت اللجنة منذ أبريل 1951 في دراسته، فاطّلعت على دساتير الدول العربيّة : مصر وشرق الأردن والعراق ولبنان وسوريا، وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وكانت مسألة منح الجنسيّة الليبيّة لأفراد الأقليّة الإيطاليّة أوّل مسألة عويصة نوقشت. واستنادا على ما أقرّته لجنة الواحد والعشرين (السابقة لجمعيّة الستين) من عدم السماح لممثلي الجاليات الأجنبيّة بالمشاركة في الهيئات التأسيسيّة للدولة، مع "النيّة في النصّ على حماية حقوقها المدنيّة والدينيّة في الدستور الليبي"، لذا كان هناك إجماع على تفعيل هذه التوصية، واهتدت لجنة الستة بمواد ميثاق حقوق الإنسان الدولي المتعلّقة بالحقوق الجوهريّة، كالحريّة الشخصيّة، وحرية المعتقد الديني، وحريّة التعبير والاجتماع والاعتراض ...الخ. ووافقت على ما نصّ عليه الدستور بعد ذلك (يلاحظ بالنسبة لأفراد الجالية اليهوديّة أنها مشمولة بهذه الحقوق لمن لا جنسيّة أجنبيّة لديه، وهو على العكس ممّا خضعت له في العهد الإيطالي الفاشيستي من تمييز عنصري). علما بأن لجنة الـ 18 عندما جاءتها مسودّة الدستور ناقشتها ككلّ لا يتجزّأ، وقرّرت بالنسبة للجنسيّة أن يصدر بها قانون مفصّل.  
(5)
ولسنا هتا بصدد تفصيل النقاشات والآراء والمقترحات الكثيرة التي استغرقت من اللجنتين الشهور العديدة، وكان من ضمنها شهر رمضان الفضيل، حيث قرّر الأعضاء ضرورة إنجاز مهمّتهم  رغم الصيام في الحرّ القائظ (كان خليل القلاّل رئيس لجنة الستة وراء هذا الإصرار)، أمّا الجمعيّة التأسيسيّة فقد قرّر رئيسها (المفتي أبو ألأسعاد العالم) أن تكون مناقشاتها للدستور مفتوحة للجماهير، فكانت قاعات الاجتماعات تغصّ بها، إذ كانت تتابع بشغف المناقشات والجدال. وبالنظر إلى قيام المظاهرات المضادّة للفيدراليّة في طرابلس من قبل حزب المؤتمر الوطني  والأحزاب الأخرى ، لم تتمكّن الجمعيّة من إنجاز مناقشاتها للفصول الأولى التي حوّلت إليها، فارتأت ألانتقال إلى بنغازي لمواصلة أعمالها في جوّ أكثر هدوءا، وإلاّ خسرت السباق مع الزمن الضاغط، لتحقيق ما طُلب منها في قرار الاستقلال. وهي المناسبة التي تمّت فيها مراسم تسليم البيعة المشار إليها. 
ويتعيّن القول  إن مناقشات الجمعيّة لم تخلُ من صراعات وجدل عنيف ومراوغات، والقوى الطّامعة كانت تحوم بمؤامراتها، وتتسلّل إلى داخل البلاد لتفعل فعلها. وبالنسبة لأعضاء الجمعيّة ولجنتيها كان النقاش مهما حمى وطيسه، يرسي أخيرا على توافق واتفاق لاستمرار المسيرة، لأن إحساس الجميع وإيمانهم بضرورة المحافظة على حريّة الوطن  وضمان مصيره بأيدي أبنائه، كان هو القاسم والحاسم المشترك. وبهذه الرّوح جرى التغلّب على كافة المناورات والدسائس. وتحقّق للبلاد استقلالها ثم وحدتها السياسيّة والإداريّة في نهاية المطاف. ولقد أثنى "أدريان بيلت" مفوّض الأمم المتحدة على رئيس الجمعيّة الوطنيّة ورؤساء اللجان والأعضاء الذين ثابروا وتحمّلوا المسئوليّات بجديّة وحكمة ورجاحة عقل. وفوق الجميع  تحدّث عن دور السيّد إدريس الأساسي في معركة صياغة الدستور وبناء دولة الاستقلال، ولأن مفوّض الأمم المتحدة روى قصّة تكوين الدولة ودستورها ومؤسّساتها في مجلّد ضخم يناهز الألف صفحة، واحتوى على وقائع وشهادات ومعايشات، تخفى على الكثيرين، فإننا نرجو أن يوفّقنا الله لكي نطلّ على القرّاء من حين إلى أخر لإحاطتهم بحقائق كثيرة منسيّة أو مخفيّة، ونحن في سبيل إضاءة أسس دستور البلاد وشرعيّته التاريخيّة والشعبيّة التي قام عليها استقلال ليبيا وسيادتها ومؤسّساتها الديمقراطيّة، بعد أن اغتصبه الهمج المتخلّفون بقيادة الطاغية القزم القذّافي منذ أربعين سنة مضت، وظنّوا واهمين بأنهم طمسوه، دون أن يدركوا أنه إرث الأجيال ما زال ينبض في القلوب، وسيتألّق شعاعه من جديد. 
في التعديل الذي أقرّه مجلس الأمّة بتاريخ 7/12/62 ألغيت عدّة موادّ من الدستور أهمّها المادّة (38) بحيث أصبحت الحكومة الاتحادية تختصّ بالشركات الأجنبيّة والامتيازات وشئون الاستيراد والتصدير والملاحة والمطارات والنظام القضائي وشئون العمال، كما أصبحت تشرف على الصحافة والإذاعة وكيفيّة ممارسة المهن الحرّة. وألغى التعديل أيضا المجالس التنفيذيّة، وحوّلها إلى هيئات إداريّة يرأسها الوالي وهو مسئول أمام المجالس التشريعيّة. أما تعديل أبريل 1963 ، فألغى كليّا النظام الاتحادي، وألغى التمثيل المتساوي في مجلس الشيوخ، وأصبح تعيين أعضائه من الملك ، وحلّت المحافظات محلّ الولايات. 
(6)
نريد أن نختم هذه النبذة التاريخيّة بما ذكره "أدريان بيلت" عندما جلس مع السيّد إدريس الذي عيّن ملكا، وطلب عدم تولّي العرش إلاّ بعد أقرار الدستور وتوابعه، فقال لمفوّض الأمم المتحدة ما يلي، كما ذكره "بيلت" في كتابه ص515 "السيّد المفوّض، عليك ألاّ تنسى أن ليبيا ، إلى جانب كونها أوّلا بلدا عربيّا، هي أيضا متاخمة للبحر الأبيض، وكانت دوما على صلات باللاتين والإغريق. ونحن من الناحية الرّوحيّة والسياسيّة، نتوجّه إلى الشرق وبالتحديد إلى الأماكن المقدّسة للإسلام، ولكن ماديّا سوف تكون لنا دائما روابط  مع الغرب، وهذا يعني في حالة الضرورة فسياستنا عليها أن تنهج منتصف الطريق".
(إعداد لجنة دراسة دستور  1951)

المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية
 18 رمضان 1430هـ
الموافق 8 سبتمبر2009م  

الجمعة، 20 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (4) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

إنهت هزيمة السنوسي في مصر المقاومة الجدية للإيطاليين. وبنصيحة ومساعدة بريطانية وقع إدريس وزعماء آخرون من برقة عام1917م، بالقرب من طبرق نوعا من الهدنة مع الإيطاليين. وانتهى القتال وأعترف كل من الإيطاليين والسنوسيين بمناطق نفوذ كل منهما في برقة، مع مسؤلية كل طرف عن الأمن بمنطقته. وأصبح السيد إدريس الزعيم الأعلى لليبيين البرقاويين. كانت إيطاليا أحد أكثر أعضاء الحلفاء ضعفا وإنهاكا في نصر الحلفاء سنة 1918م، كما أصبحت غير قادرة علي القيام بأي حملات عسكرية عبرالبحار، ولهذا منحت إيطاليا حكما ذاتيا لكل من طرابلس وبرقة. علي أن يقدم مستشارا ليبيا من كل منطقة النصيحة والمساعدة للإدارة الإيطالية. وبتوقيع إتفاقيتين جديدتين فى سنة 1920 و1922م، حلت فترة سلام قصيرة أتاحت لإدريس الحصول على لقب وراثي كأمير لولاية برقة، وعلى أية حال فإن الصراع بين السنوسيين والإيطاليين إستمر بصورة متزايدة .

بين سنة 1918و1923م، حاول العرب الطرابلسيون بإستشارة عبد الرحمن عزام رجل الدولة المصري إقامة إدارة جمهورية خاصة بهم ومقرها غريان،. وفي سنة 1922م، قوبل هذا الأمر بتجدد الصراع مع الطليان. وعندها تقدمت الجمهورية الطرابلسية بعرض لتنصيب إدريس أميرا علي طرابلس. قبل إدريس بعد التردد لبعض الوقت لأسباب تعلقت بهبوط حالته الصحية. وفي رسالة قبوله نوه إلى مسألة "وحدة الأرض الأم" كهدف لسياسته الوطنية. ثم غادر إلي مصر مثيرا مسألة قائد غائب عن شعبه. ولم يعد إليه إلى بعد أن حقق الحلفاء إنتصارهم سنة 1943م .

وفي إيطاليا كان الهياج السياسي الذي اعقب الحرب العالمية الأولى قد أنتج تشكيلة الفاشية الإيطالية الجديدة الشديدة الوطأة، التي جائت "ببنيتو موسيوليني" إلي السلطة سنة 1922م، مصحوبا ببرامج إمبريالية أوروبية عدوانية صريحة. كان الكونت "فولبي" الحاكم العام الجديد في ليبيا تحت إمرة أول حكومة فاشيستية. كما عين الماريشال "بادوليو" آمرا للجيش الإيطالي إذ شرع في هجوم عسكري قوي يهدف إلى إحتلال وحكم جميع الأراضي الطرابلسية. أما في برقة فقد كانت الأمور بالنسبة للإيطاليين أكثر صعوبة، حيث كان هناك مدرس قروي يدعي عمر المختار تحول إلى بطل إسطوري، كان فيما بعد محط الإعجاب والتقدير من القدافي وجيله. إستلم عمر المختار قيادة الحرب " الشعبية" المتنامية في مقاومة الطليان. وفي الوقت الذي تقدم فيه الإيطاليون موغلين نحو الجنوب، منطلقين من مواقعهم الحصينة ببنغازي وطبرق، كان أنصار عمر المختار يرهقون خطوط إمداداتهم بهجماتهم المتكررة وبمعاقبتهم بغاراتهم المباغتة .

أدرك الطليان بأنه لكي يحتلون المدن الساحلية ومرتفعات برقة، وكذلك السهول الواقعة في جنوبها، لابد لهم أن يحرموا أنصار السنوسية من قواعدهم في الواحات الجنوبية بإستعمال القوة الجوية وعربات جديدة لحرب الصحراء شبيهة بشاحناد فورد ذات صفائح معدنية صلبة مبرشمة بأعلى هياكلها. وبذلك تم لهم إحتلال واحة الجغبوبوالإستيلاء علي زلة ووجالوا وأوجله سنة1927م .

لقد لعب سكان المدن البرقاوية دورا إيجابيا وكبيرا في حركة المقاومة. أما عمر المختار والذي كان قتاله للإيطاليين يرجع إلى عام 1911م، تحت لواء أحمد الشريف، وقضى بعدها سنوات إلى عام 1923م، بصحبة إدريس في المهجر بمصر. ترأس قوة من ألفين إلى ستة آلاف من الأنصار معظمهم من البدو. كانت القيادة السياسية في ليبيا آن ذاك لرضى أخو إدريس، إلى أن ألقي الإيطاليون القبض عليه في سنة 1928م، وعوقب بالنفي إلى صقليا. أما عمر المختار فقد كان الحاكم الغير محدود التأثير في (امناطق غير محددة،) مباشرا تحت جنح الظلام تحريك الرجال، وتأمين الإمدادات والتعبئة العامة لحركة المقاومة. وفي سنة1925م، أعطت إتفاقية إيطالية – مصرية، للسنويين سيادة غير متنازع عليها علي المواقع الحصينة في الجغبوب وواحة الكفرة، الأمر الذي سهل الطريق أمام الطليان لإحكام إغلاق الحدود المصرية. وبذلك تم حرمان الفدائيين من الملاذ ومصادر الإمداد من مصر .

إستمر فدائي عمر المختار المخلصين في المقاومة والهجوم على قوافل الجنود الإيطاليين وخطوط مواصلاتهم، وقطارات حمل إمداداتهم. وبحلول سنة 1929م، أصبح المرشال "بادوليو" الحاكم العام، كما عين المريشال "ردولفو غرسياني" وهو محارب قديم آخر القائد الميداني الأعلى. تمكنت قواته من إحتلال واحة مزدة بفزان َضاغطا بذلك على الليبيين داخل العمق الصحراوي. واتبع غرسياني نفس إسلوب تكتيك الإختراق والتحطيم الذي كان يستخدمه الجيش الفرنسي والإسباني ضد القائد الشمال أفريقي الشهير الأميرعبد الكريم في جبال "ريف" بشمال المغرب، وحتى على نطاق أكثرغلوا من ذلك. وتروي السير الشعبية بصحراء شمال إفريقيا كيف أن بعض الأسرى الليبيين قد ألقي بهم أحياء من الطائرات، كما سدت آبار المياه بالحجارة والخرسانة المسلحة. وكيف قام الإيطاليون بذبح وإفناء قطعان من الإبل والغنم والماعز مما أدى إلى إنهاء أسباب الحياة بالنسبة لقبائل بكاملها. ثم تم إقتياد أفراد هذه القبائل كقطعان الماشية إلى معسكرات الإعتقال بالصحراء. إن هذا السلوك المتوحش للجيش الإيطالي وما تلاه من نوبة محمومة من الإعتقال، والمصادرة والإيستيطان وإستعمار لأراضي الليبية الصالحة للزراعة ورعي المواشئ، هوأمر لا يمكن أن ينسى أو يغتفر بالنسبة لأجيال عمر المختار والقدافي، إن هذه القسوة تفسر بشكل واضح الإجراءات التأديبية التي أتخذت حيال من تبقى من المستوطنين الطليان لاحقا من النظام الملكي ومن بعده نظام القدافي .

في سنة 1930 م، بدأ غريسياني عملياته في برقة بإقامة سياج من الأسلاك الشائكة بطول مائتى ميل على طول الحدود المصرية، بدأ من واحة البردية على ساحل البحر إلى شمال واحة الجغبوب، لوقف عمليات الإمداد والمساندة من الصحراء الغربية لمصر. وحذر بأن أي من آوى أو وفر الحماية للمجاهدين، سيواجه الإنتقام بدون رحمة على يد الطليان. في الحادي عشر من سبتمبر سنة 1931م، طرح عمر المختار أرضا من أعلى صهوة جواده في صدام بمنطقة الجبل الأخضر بعد أن حوصر وجرح ثم تم أسره. وبعد مواجهة مع غريسياني تم شنقه أمام حشد بلغ عشرين ألفا من الليبيين .

وبإكتمال الإحتلال الإيطالي بصورة فعلية، باشر موسيليني في إقامة حصته من شمال أفريقيا على الصورة التي رآها كقيصر جديد للإمبراطورية الرومانية. وكان هدفه أن يجعل ليبيا أكثر مما كان يدعوه "الشط الرابع لبحرنا". وتم تقسيم طرابلس وبرقة إلى مقاطعات جديدة: طرابلس، مصراته، بنغازي ودرنه. وكان الإسم القديم لليبيا قد أعيد إحياؤه وأطلق على كامل تراب ذلك القطر. أما فزان فقد أشير إليها بجنوب طرابلس، وكان الطليان يطلقون عليها "المنطقة العسكرية"، وعينوا لها إدارة عسكرية منفصلة، بنفس الطريقة التي أهمل بها كل من فرنسا وأسبانيا المناطق الجنوبية للمغرب، ومحميات مستعمرات غرب إفريقيا " الصحراء الإسبانية" .

حكمت روما المستعمرة الجديدة بطريقة مباشرة بواسطة الإيطاليين الذين تولوا جميع المراكز الإيدارية. وأغدق موسيليني بلايين الليرات لإنشاء شبكة طرق حديثة ومنشآت مدنية، وتسهيلات للموانيئ البحرية والري الزراعي. وكان كل هذا لمصلحة الإيطاليين وليس الليبيين. وبحلول عام 1940م، جلب إلى ليبيا 110.000 أيطالي كان جلهم من الفلاحين الذين لا يملكون أراضي. لقد كان هناك مزيد من المشاريع الإستعمارية الطموحة التي كان مقدر لها بحلول الستينات أن يرتفع عدد السكان الطليان إلى ما يزيد عن نصف المليون غير أن الحرب العالمية الثانية حالت دون تحقيقها .

وأثناء الحكم الفاشيستي أبرم مع الدول المجاورة إتفاقيتان جديدتان لا يزال يذكرها أولائك الجيران ألى اليوم. إتفاقية مع بريطانيا ومصر في سنة 1934م، تحولت فيها زاوية من أرض السودان الأنجلو- مصري، تعرف بمثلث السرة إلى ليبيا. وفي سنة1935م، حدث إتفاق، عرف بإتفاقية موسيليني- لافال، حركت الحدود الليبية مع الشاد (مستعمرة فرنسية في ذلك الوقت)، خمسة وستين ميلا إلى الجنوب لتشمل بما يسمى شريط "أوزو". (إحتل القدافي هذا الشريط من سنة1973م، إلى 197م،). ولكن هذا الحق الممنوح لإيطاليا لم يصدق عليه البرلمان الفرنسي أبدا، إذ كان الفرنسيون شديدي المعرفة بشجع موسيليني ورغبته في الحصول على قطعة أو إثنين من كعكة الإستعمار الفرنسي. وفي سنة 1935م، دمج موسيليني ليبيا كمقاطعة إيطالية بنفس العلاقة التي تم بها دمج الجزائر في فرنسا .

وبعد إجتياح هتلر لبولونيا فارضا الحرب العالمية الثانية على الغرب، بالرغم من عزوفه عنها. عقد القادة الليبيون العرب في إكتوبرسنة 1939 م، إجتماعا بالإسكندرية ورأوا أن تورط إيطاليا المحتمل في الحرب (والذي حدث فقط حوالي يونيوسنة 1940م)، يعد كفرصة ذهبية للتحرير. واختير إدريس كقائد للتجمع الوطني. لقد كان قادة برقة بالفعل على إتصال بالبريطانيين في مصر وأعلنوا دعمهم للحلفاء. بحلول أغسطس سنة1940م، بدأ تعاون عسكري بين البريطانيين والليبيين بالفعل، رغم معارضة الطرابلسيين الدخول في تحالف مع قوة تبدوعلي أقوى الإحتمالات بعيدة عن كسب الحرب، والإعتراف بسيادة السنوسي الذي يعتمد في قوته على برقة وليس طرابلس. قام السير"ميلاند ويلسون" القائد العام البريطاني في مصر بتنظيم وتكوين القوات الليبية المسلحة والتي قاتلت بإمرة ضابط بريطاني وتحت راية السنوسية. رفض البريطانيون المطالب الليبية بضمان إستقلال ليبيا بعد الحرب غير أن وزير الخارجية "أنتوني إيدن" أكد لمجلس العموم (عند نهاية الحرب بإن السنوسيين في برقة وتحت أية ظروف لن يقعوا تحت السيطرة الإيطالية مرة أخرى). لقد حشد "ويلسون" خمسة كتائب ليبية عن طريق تجنيد البرقاويين الذين سبقوا وقاتلوا الطليان أثناء حربهم الإستعمارية في لبيا .

كان المد لحرب الصحراء يتقلب بين الكر والفر ثلاث مرات عبر الصحراء البرقاوية. و حدث أن أسندت قيادة القوات الإيطالية منذ فبراير سنة1941م، إلى فيالق الجنرال الألماني "أيرفين روميل" بإفريقيا، في الوقت الذي كانت فيه قوات الأمبراطورية البريطانية بقيادة "ويفيل مونتجمري و" آوشينليك"، حيث جرت أول وأعظم معركة دبابات بالصحراء في التاريخ المعاصر،بمساندة جوية وبحرية، خلفت ورائها سلسلة من الدمار على طول المناطق الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، بدأت من العلمين بمصر ألى سرت مسقط رأس القدافي بليبيا. وإلى يومنا هذا فإن حكومة القدافي تصر على أطراف الحرب العالمية الثانية وخاطة ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا على ضرورة دفع التعويضات عن حقول الألغام، وتفجر القنابل والقذائف التي أتت على مئات الليبيينن موتى وجرحى منذ سنة 1943م. الأمر الذي لا زال يحدث في بين الفينة والأخرى في مناطق نائية من ليبيا. حين إنظم كل من الأمريكيين والأحرار الفرنسيين إلى معركة شمال أفريقيا، وتم إنزال قواتهم في المغرب والجزائر وتونس في نوفمبر سنة 1942م، تمكن الجيش الثامن بقيادة "مونتجومري" من إحتلال بنغازي فى نوفمبر 1942م، وطرابلس في يناير من نفس السنة. وفي الجنوب قاد الجنرال الديجولي " جاكويس لييليرك دي هاوتيكلوك" القوات الفرنسية في جنوب فزان، وتم تحرير ليبيا بالكامل من قوات المحور. واستمرت إدارة الحكم العسكري البريطاني في طرابلس وبرقة بشكل منفصل. وكذلك الحكم العسكري الفرنسي في فزان، إلى الوقت الذي خرجت فيه المملكة الليبية المستقلة إلى حيز الوجود في أوائل سنة 1952م في إطار رعاية الأمم المتحدة .

وقبل أن يوقع الحلفاء على إتفاقية السلام الإيطالية في فبراير سنة 1947م، تنازلت إيطاليا عن جميع (المطالب المتعلقة بمكتسباتها في أفريقيا). وتبع ذلك الكثير من جولات المشاحنة فيما بين القوى الكبرى حول ما تم الإعتراف به كنتيجة لوضع سلام إسراتيجي حقيقي .

وإدراكا من الديكتاتور السوفيتي "ستالين" لأهمية الإستراجية الهائلة لليبيا خلال الحرب، والسلام المتعلق بإتفاقيات التسلح مع أوروبا الغربية، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، دعي مبكرا إلى موضع قدم سوفييتي بالأرض الليبية. وعلى الرغم من سقوط موسيليني في سنة 1943م، وما قطعته بريطانيا من وعد لإدريس في سنة 1942م، بأن برقة لن تسقط أبدا في إيدي الإيطليين. إلا أن القوى الكبرى لم تواجه بشجاعة حقيقية مسألة مستقبل ليبيا والمستعمرات الإيطالية الأخرى حتى سنة 1945م. وفي مؤتمر بوتسدام سنة 1945م، طرح السوفييت بإلحاح شديد المطالبة بالوصاية على طرابلس. الأمر الذي للآن يضهر الخطوط العريضة للمواجهة بين السفييت - وحلف الناتو حول ليبيا بشكل اضح جدا. أما الحكومة الإيطالية طالبت بعودة ليبيا بكاملها إلى سيطرتها. وأظهرت رغبتها في سبيل ذلك منح كل من بريطانيا والولايات المتحدة مناطق لإقامة قواعد عسكرية فيها. وفي بوتسدام كان وزراء الخارجية يميلون لصالح منح الولايات المتحدة وصاية على ليبيا لمدة عشرة سنوات، ويمكن بعد ذلك حصولها على إستقلالها الكامل .

ولكن السوفييت كان لهم رأيا آخر، حيث أن "مولوتوف" وزير الخارجية السوفييتي يؤكد زاعما أن موسكو لديها خبرة واسعة في إقامة علاقات الصداقة بين الجنسيات المختلفة؛ (في ذلك الوقت كان السوفييت يشددون قبضتهم على "القوميات الصديقة" والتي حررت من السيطرة النازية، في نهاية الحرب في بولونيا، رومانيا, المجر، وتشيكوسلوفاكيا بجانب ألمانيا الشرقية) وأضاف مولوتوف قائلا إذا أعطي السوفييت إدارة طرابلس خلال العشر السنوات، فإنه يستطيع أن يؤكد لمجلس وزراء الخارجية بأن " نموذج نظام الحكم السوفييتي لن يطرح في داخل هذا الإقليم بمعزل عن الأسلوب الديموقراطي الذي يرغب فيه الناس" وفي لحظة صدق أردف مولوتوف بان الإتحاد السوفييتي يرغب في الحصول على منفذ على البحرالأبيض المتوسط، ووضع طرابلس تحت رقابة السوفييت سوف يخدم هذا الغرض. ولكن القوى الغربية سارعت إلى رفض ذلك .

وبحلول موعد الإجتماع التالي لمجلس وزراء الخارجية بباريس في سنة 1946م، إقترحت بريطانيا الإستقلال الوطني لليبيا. أما مولوتوف فقد لطف من بنود عرض ستالين الأصلي للوصاية، واقترح هذه المرة وصاية متعددة الأطراف، وذلك أن تقسم المستعمرات الإيطالية إلى أربعة مجموعات متكاملة يكون لإيطاليا المشاركة في ممارسة السلطة في واحدة منها مع أحد الكبار الأربعة - الوليات المتحدة، الإتحاد السوفيتي، بريطانيا، وفرنسا لحين حصول هذه الأقطار على إستقلالها. كما اقترح "مولوتوف" بأن السوفييت والإيطاليين يمكنهما أن يشتركا وينضما معا في إدارة طرابلس، لكن كل ذلك رفض أيضا. واقترح "مولوتوف" واضعا عينيه بدون شك على نهوض وتنامي قوة الحزب الشيوعي في إيطاليا، فاقترح أن إيطاليا وحدها يجب أن تمنح السيادة على برقة، ولم يلقى أيضا هذا الإقتراح قبولا. وفي مؤتمر باريس للسلام، كان يجب على الدول الأربعة الكبرى أن تحاول تقرير مصير مستعمرات إيطاليا كلها، وفي حالة عدم توصلهم إلى ذلك القرار فعليهم اخيرا القبول بتوصيات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولكن لم يكن في مقدور بعثة الدول الأربعة العظمى والتي قامت بزيارة ليبيا الوصول إلى إتفاق حول توصيات نهائية. ومما زاد في تعقيد مستقبل المسألة الليبية، مطالبة مصر بضمان وضع أمني على طول الحدود، كما طالبت بالشريط الحدودي الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود الصحراء السودانية، بالإضافة إلى سهل السلوم وواحة الجغبوب وميناء البردية والسرة، على أساس أنها أراضي داخل الحدود المصرية تخلت عنها بريطانيا لإيطاليا أثناء خضوع كل من مصر وليبيا للحكم الأجنبي، ولكن هذه المطالب قوبلت بالرفض. ولكن المصريون أعتبروا أنها لا زالت قضية معلقة، وفي إمكان إي حاكم مصري حازم القيام بسهولة بإجتياح القدافي. وهذا ما تنبأ به العدوان على بعض المواقع، والتي وصفها الرئيس المصري السادات بعد الجوم المحدود في يوليو سنة 1977م، "بعشش الإرهاب" .

بعد مرور شهور بل سنوات من اللف والدوران والمقايضة والمناورة، أصبح من الواضح بأن السوفييت والغرب قد إختلفا بشدة حول المسألة الليبية. وفي صيف 1949م، إتفقت إدارة الرئيس ترومان مع بريطانيا بشكل واضح بأن عليهما إقناع إيطاليا بأن الإستقلال الكامل لليبيا هي الخطوة الأكثر حكمة. ووضح "هنري فيلارد" أول سفير للولايات المتحدة إلى المملكة الليبية المستقلة، بأن وصاية الإمم المتحدة قد تعرقل الدور المستقبلي لليبيا في خطة دفاع الغرب، ومهما يكن من أمر فإن مملكة ليبية مستقلة تحت النفوذ الغربي يمكنها أن " تدخل بحرية في إتفاقيات ومعاهدات مع المعسكر الغربي تهدف للدفاع عن حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا" .

يتبع ...