‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإذاعة الليبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإذاعة الليبية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 مارس 2015

صفحات من كتاب "عاصفة رملية ليبية" (5) تأليف : جون كولي ...ترجمة : عـثمان حسين العالم

تفجر الحرب الكورية في سنة 1950م، يعيد التأكيد بالنسبة لإدارة الرئيس ترومان ومن بعده ايزنهاور على ما كان يقوله "فيلارد" في ذلك الوقت. وكذلك بالنسبة لما كان على إدارة الرئيس رونالد ريجان أن تكتشفه في سنة 1981م، وهو ما للساحل الشمال الأفريقي والأراضي الواقعة خلفه من أهمية كبيرة. لأن أي عدو يرسخ أقداهه هناك يمكنه وبسرعة أن ينهي السيطرة الغربية على الممرات البحرية للأبيض المتوسط وكذلك خطوط الإتصالات إلى الخليج (الفارسي) العربي. وبعد مضي شهور على إندلاع القتال في كوريا سنة 1950م. أسرعت الولايات المتحدة إلى القيام بمشروع إنشائي مكلفا الملايين من الدولارات لتوسيع رقعة التسهيلات (بقاعدة ويليس وملحقاتها) التي كانت تستخدمها في ذلك الوقت بموافقة بريطانيا، وكذلك لبناء سلسلة من القواعد الجديدة في إسبانيا والمغرب، لتستعملها القيادة الجوية الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية كجزء من ردعها النووي في وجه الإتحاد السوفيتي .

في أواخر سنة 1940م، توصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى قرار حول ليبيا، التي تشمل برقة وطرابلس وفزان لكي تصبح دولة مستقلة ذات سيادة في وقت لا يتجاوز الأول من يناير سنة 1952م. وكلف أدريان بيلت المفوض السامي للأمم المتحدة مهمة مساعدة الليبيين في إعداد دستور وكل ما يتعلق بأمور إنشاء الدولة. وتم تعيين لجنة تمثل كل من مصر، فرنسا، إيطاليا، باكستان بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، لتقديم المساعدة له. وبالرغم من إحتجاج السوفييت علي ضرورة حصول ليبيا علي إستقلالها بهذا الشكل الفوري، وتحفظ فرنسا على قصر فترة الإنتقال هذه، إلا أن الجمعية العامة تبنت القرار بموافقة ثمانية وأربعين صوتا مقابل صوت واحد وإمتناع تسعة أعضاء عن التصويت .

بالرغم من خيبة أمل السوفييت حيال الإحتفاظ بليبيا في منطقة النفوذ الغربي ولدت ليبيا الجديدة مملكة دستورية، بمباركة الأمم المتحدة مصحوبة بالتمنيات الطيبة من القوى العظمى. كان نمط الحكم الجديد في ليبيا يشبه إلى حد ما شكل النظام الفدرالي الأمريكي، غير أنه لم يقدم البديل للمجتمع الليبي ذي الطبيعة القبلية التقليدية. كان لأعضاء البرلمان المنتخبين أو أعضاء مجلس الشيوخ المعينين أو الملك نفسه سلطة تشريع القوانين، كما أن للملك حق نقض هذه القوانين، وحل البرلمان وتعيين الولاة للولايات، كما له سلطة إتخاذ تدابير أخرى، كإعلان الطوارئ في الحالات المطلوبة. ولعب الإسلام والشرعية الدينية التي منحتها التقاليد العريقة لتاريخ السنوسية ، العناصر الأساسية لسلطة القصر .

بعد معركة إنتخابية حامية جرت في فبراير سنة 1952م، قاد سياسي وطني تقليدي يدعى بشير السعداوي بك وحزبه المؤتمر الوطني حملات عنف صاخبة كان يقوم بها بين الفينة والأخرى في طرابلس. وعلي إثر ذلك قام الملك بقمع وحل الأحزاب السياسية، وتم ترحيل السعداوي. أن هذا وما تلاه من قمع لجمعية عمر المختار وحلها، والتي ضمت مجموعة من النخب السياسية في برقة قبل الإسقلال، جاء بمثابة الأعلان عن موت الأحزاب السياسية في ليبيا، وإنعدام وجودها حتي على النمط المشابه للنمط الغربي الذي يمارس بمصر والمغرب وعدة أقطار عربية أخرى بعد إستقلالها. ومنذ ذلك الوقت أصبح السياسيون يمارسون العمل السياسي بشكل تآمري وشبه سري، وساعد هذا في إيجاد الظروف المناسبة للقدافي ليقوم بإنقلابه عام 1969م . إستمر القدافي فيما كان يمارس في العهد الملكي من قمع وحظر لجميع الأحزاب السياسية، والممارسون للعمل السياسي على النمط الغربي، والذي أعتبره ومجلس قيادة ثورته، عمل فاسد ومنحط ميؤس منه. ولقد أكد هذا أن أية حركة سياسية ناجحة للإطاحة بنظام القدافي لابد أن تكون على نحو سري أيضا .

العامل الثاني الذي ساهم بشكل حاسم في الإطاحة بالمملكة ذات الثمانية عشرة عاما على يد القدافي هو ترحيبها بالقواعد العسكرية الغربية. لقد إستطاع عدد من رؤساء الوزارات في ليبيا ومن أبرزهم وأكثرهم نجاحا بدون شك ، مصطفي بن حليم ( ما بين 1954- 1957 ) أن يتبعوا نهجا متوازنا ودقيقا نجح في التوفيق بين الصيغ الكلامية والدبلوماسية مما جعل الدول العربية المناهضة للإمبريالية والصهيونية تقبل بدول عربية محسوبة على المنظومة الدفاعية الغربية من خلال تواجد قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية بها .

كانت قاعدة "ويليس" تدار من قبل القوات الجوية الأمريكية منذ 1944 إلى 1947م، حيث توقفت الطلعات الجوية، ثم أعيد نشاطها أثناء الأزمة الكورية سنة 1950م. كانت وظيفة القاعدة في البداية كمرفق ( لخدمات النقل الجوي العسكري). وبعد أن أجري بن حليم مفاوضات ناجحة مع الولايات المتحدة حول إتفاقية القاعدة، تحولت ويليس ، التي سميت على طيار قتل في حرب المحيط الهادي ، إلى قاعدة تدريب رئيسية لحلف الناتو . لقد وجدت القيادة الإستراتجية الجوية التي تضع نصب عينيها الخط الملاحي السهل عبر تركيا شريك الناتو ، إلى جنوب الإتحاد السوفييتي. في ويليس قاعدة طبيعية للقاذفة ب – 47 وغيرها من الطائرات ذات القدرة علي حمل القنابل النووية في حالة قيام حرب عالمية ثالثة. وفي عام 1956م، العام الذي فجرت فيه حرب السويس مشاعر غالبية الليبيين الوطنيين للقيام بإعمال شغب ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، تم نقل مركز قاعدة القوة الجوية الأمريكية السابعة عشر من الرباط بالمغرب إلى قاعدة "ويليس" حيث إنتعشت عمليات التدريب على إسقاط القنابل وإلرشاشات ، وأزدهر بها مركز للاتصالات بالبحر الأبيض المتوسط .

لقد ساعدت الإتفاقية التي أبرمتها ليبيا لمدة عشرين سنة مع بريطانيا في عام 1953م، على إعطاء الرئيس آيزنهاور دفعة شجعته إضفاء صبغة قانونية على وجود قاعدة "ويليس" وفقا لأسس مشابهة في إتفاقية وقعت مع بن حليم، وأن يعادة النظر فيها سنة 1970م. السنة التي أجبر فيها القدافي ، كلا من أمريكا وبريطانيا على إخلاء قواعدهما والرحيل عن ليبيا. لقد كان من المفروض أن تتلقى ليبيا مساعدة إقتصادية سنوية قيمتها أربعون مليون دولار لمدة عشرين عاما . وقد تم رفع الدعم الأمريكي وفقا لإتفاقية عسكرية وقعت سنة 1957م ، قبل سنتين من الإكتشافات النفطية الهامة . ووقعت المملكة إتفقيات أخرى لعلاقات تعاون عسكري ودفاعي وتسليحي مع كل من فرنسا، إيطاليا، اليونان وتركيا .

للحد من تأثير برنامج "صوت العرب" من إذاعة القاهرة الذي فتن القدافي وجماعته المتآمرة. مولت الولايات المتحدة محطة إذاعة في بنغازي وكانت تأمل (ولكن بدون جدوى) أن يحل تأثيرها محل ما تبثه إذاعة القاهرة. وكنتيجة لذلك كتب احد المراسلين الغربيين سنة 1970 بعد أن إستولى القذافي على السلطة، أصبح لما كان يعرف (بالجبهة العربية المتطرفة) محطتي بث إذاعي قويتين في القاهرة وبنغازي ، الأولى مولتها بريطانيا والثانية مولت من قبل الأمريكيون.

كان هناك الكثير من النفوذ الأمريكي في ليبيا ليجتث القذافي جذوره. ففي فترة ما بين عامي 1957 و 1959م، وعلى أعتاب عصر النفط ، كانت بعثة المساعدة الأمريكية قد نمت وتطورت لأن تصبح الثانية من حيث الحجم في العالم بعد كوريا الجنوبية . وكان المستشارون والفنيون الأمريكان ، أغلبهم ممن لا يتكلمون اللغة العربية والذين إعتمدوا على مساعدة المترجمين الفلسطينيين ، متواجدين في دوائر الدولة الليبية بالولايات والحكومة الفدرالية، و كانوا يديرون مرافق الدولة من الزراعة إلى التعليم. وبمساعدة مستشارين بريطانيين دربوا قوات الشرطة الليبية. وفي سنة 1958م، إنظمت ليبيا إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .

وعلى أية حال فقد كان على الأمريكيين ومستشاريهم وأغلب زملائهم الغربيين أن يشدوا الرحال بسرعة، إذ أن فترة إزدهار نفطية أصبحت على الأبواب، ويمكنها أن تزود الليبيين بكل ما يحتاجونه من مال لشراء والحصول على كل ما يريدونه من تكنولوجيا ومعدات عسكرية، واستشارات فنية، كلها يمكنهم الحصول عليها بمال النفط المكتشف حديثا، والذي أحال مملكتهم الفقيرة القاحلة إلى دولة واسعة الثراء، وقوة يعتد بلها في العالم الثالث .

يتبع

الخميس، 26 فبراير 2015

مشاهـد من تأسيس الدولة الليبية 1941 -1961 ...د.محمد محمد المفتى



هنـا ليـبـــيا
من مفارقات القدر أن ماركوني العالم الإيطالي الشهير ومخترع الراديو والإذاعة، كان قد زار بنغازي مصحوبا بأجهزة الإرسال والإستقبال، على الأرجح لتجريبها في تحقيق اتصالات بين القوات الإيطالية عبر الصحاري الليبية. وكان ماركوني قد اخترع أجهزة الاتصال بالتلغراف اللاسلكي ثم بالراديو، بقصد استعمالها لاتصال السفن في أواسط البحار.

إذاعة طرابلس العربية

عرفت ليبيا الإذاعة في أواخر العهد الإيطالي باسم إذاعة طرابلس العربية. كان فيها من بين المترجمين أحمد بن زيتون ومصطفى السراج، وكان فيها أحمد الحصائري  وأحمد قنابة مذيعين.. وبشير الغويل مراجعا. أما المدير فكان إيطاليا.

كانت إذاعة طرابلس العربية تبث على الهواء مباشرة.. وكان فيها موسيقيين منهم على الحداد وبشير افحيمة وسالم صابون.. وآخرين. بينما كلف بعض المشايخ بإلقاء محاضرات ومواعظ، ومن بينهم الشيخ أحمد الشارف والشيخ أبو الربيع الباروني.

أيام الحرب كانت الإذاعة تقدم برنامج ’’فليخرج الإنجليز من البحر المتوسط‘‘.. دعاية سياسية يحضرها مكتب التعبئة.. وكان يقدمه محمد السوكني.  كما كان فيه برنامج أطفال .


إذاعــة بـــاري

إبان الحرب العالمية الثانية كانت هناك إذاعات بالعربية وهي إذاعة باري الإيطالية  وبرلين العربية من ألمانيا النازية، وفي الأخيرة تألق المذبع يونس بحري الشهير بمبالغاته وسخريته. ولتشغيل إذاعة باري استدعت ايطاليا عددا من موظفيها الليبيين إلى روما، منهم سليمان الجربي وكان يعمل في القنصلية الإيطالية في السلوم. 
ومصطفي الشركسي من قنصلية الاسكندرية ووهبي البوري من قنصلية طنجة. ومن طرابلس جاء راسم كدري وابراهيم البكباك.. وآخرين.

ولكن امتلاك الراديو كان أمرا نادرا. وأخبرني ذات مرة، المرحوم حسين مازق، أنه والمرحوم الأستاذ محمد السعداوية، كان لديهما مذياع، يخبئانه في أحد كهوف شحات، ويتسللان بين الحين والحين للاستماع لإذاعة الشرق الأدني  تسَـقــّطا لأخبار الحلفاء أعداء ايطاليا وألمانيا. وبعد الحرب فتحت إذاعة لندن.
 حقبـة المـذيـــاع


مع بداية الخمسينيات، أمسى المذياع، هذا الجهاز العجيب  في متناول المواطن الميسور والمتعلم، وتوفرت أجهزة قادرة على التقاط محطة القاهرة. ومن تملك مذياعا كان حريصا على ألا يستخدمه في حضور النساء، واتخاذ كل الاحتياطات لمنعهن من إدارة أقراصه في غياب رب الأسرة، بما في ذلك إيداع الراديو في دولاب مقفل بمفتاح أو في المربوعة.. وقاية من أغاني فريد الأطرش وليلى مراد.. الخ.

مع انتصاف عقد الخمسينيات، اخترقت التقنية كل الأعراف والتحوطات، حين وصل راديو الترانزسور الشغال بالبطارية والصغير الحجم والزهيد الثمن. وهكذا أمست الخمسينات حقبة الراديو.. وهي الحقبة التي استثمرها الإعلام المصري ليخلق تيارا قوميا عربيا هادرًا، قادرًا على تحريك الحشود والجماهير.


هـنا بنــغازي

في بداية الخمسينيات كانت في بنغازي إذاعة للجيش البريطاني ذات مدي محدود، لخدمة قواته في المدينة. وكان مقرها بمعسكر الريمي بالبركة، ولم يزد الاستوديو عن غرفة واحدة مبطنة بالبطانيات العسكرية… وكانت هوائياتها بمقر المستشفى العسكري براس اعبيده. ثم خصص مكتب الاستعلامات البريطاني بالمدينة، حوالي نصف ساعة للبث العربي.
 ويتذكر الأستاذ فرج الشريف أحد المذيعين الرواد

"كانت تذيع على الهواء مباشرة.. وكان الشيخ محمود ادهيميش أول مقرئ ليبي تسمعه بنغازي على الراديو.. أما أول مذيع ليبي فهو الأستاذ المحامي محمود مخلوف.. ثم خلفه الصحفي المرحوم محمد بن صويد .. وكان المشرف على التشغيل التقني، المرحوم محمد التاجوري.. وكانت الإذاعة تعلن عن نفسها: هنا بنغازي للإذاعة اللاسلكية.. وتدريجيا توسعت ساعات الإرسال وزاد عدد المذيعين .. فانضم .. ابراهيم الطوير وعبد الله عبد المولى وبلقاسم بن دادو وخديجة الجهمي وعبد اللطيف عيد وسعد اسماعيل وخالد محمود وأحمد البيرة والبروك الورفلي وعيسى بالخير ورجب الشيخي" .

"كان المفتاح طبعا في يد مكتب الاستعلامات البريطاني، لكن إدارة مطبوعات برقة كانت تساهم في الإشراف، وكان يرأسها المرحوم الأستاذ توفيق البرقاوي.. وأذكر أنه منع إذاعة أوبريت بساط الريح لفريد الأطرش.. وكان تبريره لقراره.. كيف يطير فريد من مصر الى تونس ومراكش.. من فوق ليبيا.. ولا يذكرها بكلمة واحدة.. هذي إهانة .!!" .  


ما كان يـُقــَدم؟.. الأخبار المحلية والعالمية وأقوال الصحف.. وكان هناك برنامج الرياضة يقدمه المرحوم مفتاح الدراجي وكان موظفًا في مكتب الاستعلامات البريطاني.. وبرنامج الطلبة الذي يقدمه الأستاذ المربي المرحوم فرج الشويهدي.. وطبعا برنامج ما يطلبه المستمعون " .

".. مضت الأمور على هذا المنوال، الى أن وقعت حرب السويس.. أو الإعتداء الثلاثي على مصر في آخر اكتوبر 1956. وقام بلقاسم بن دادو  بإذاعة أخبار تندد بالعدوان.. بينما رفض آخرون قراءة أخبار تحمل وجهة نظر بريطاني. ونشأت أزمة.. وعموما فكرت الحكومة  في تأسيس إذاعة مستقلة".

ليــبي من لـنــدن

وحدثني المذيع المخضرم الأستاذ سعد اسماعيل التاجورى: ’’أذكر أنني كطفل.. كنت أجلس على عتبة حوش صديقي بشارع بالة، قرب زرايب العبيد وكنت شغوفا بسرد قصة القط الأسود ابن زعيم الجان المكلف بحماية بنغازي من طوفان البحر.. في الخمسينات، حين كنت طالبا في المدرسة الثانوية.. شدتني هواية الكتابة والتمثيليات. واشتركت في مسرحية "بلال".. وكنت سعيداً بدوري البسيط فيها وهو دور "معيط". لكن دور بلال أسند إلى عبد الله عبد المولى. وعبد الله نفسه هو سبب دخولي الإذاعة المحلية. فقد سبقني هو للعمل بها وشجعني… فيما بعد شاركت في تمثيليات إذاعية: الصقر وشرارة والصبي والبندقية. قدمنا بعضها باللهجة البدوية القحة.

وكان مجيء المرحومة الأخت خديجة الجهمي إلى الإذاعة بداية لمرحلة مميزة من نمو هذه المؤسسة. كانت إنسانة ذات خيال وملكة خلاقة لا تنضب. زاولت الشعر الشعبي وكتابة التمثيليات الإجتماعية الناقدة للعادات والتقاليد السلبية القديمة. كما كتبت العديد من الأغاني العاطفية الناجحة وساهمت في العديد من الأعمال التي خدمت قضية المرأة والطفل بروح متطلعة للتغيير لا تكل .

بعد ذلك عملت في إذاعة لندن لمدة أربع سنوات كمذيع ومخرج للبرامج الغنائية. ومن وراء مكرفون إذاعة لندن كنت دوماً سعيداً بالتواصل مع الناس في بنغازي الودود الدافئة . وكنت أحيانا أفاجئ المستمعين بعبارات لا يفهمها إلا أهلنا، مثل ’’ نحنا هلِكْ يا برقة، أو أهدي أغنية "إلى مطاري، تحت بيت الشعر الأسمر، القريب من شجرات البطوم، المشرفة على وادي الكوف".  وربما قلت في سياق الإهداء "مبروك عرسك يا سعد وعزيزة. وعندما تمران بشارع إقزير سلّما على الصبية أم شناف، وقولا لها إني عائد إلى نفس المربوعة. . قبل العيد الكبير".  ومرة ختمت إحدى الحلقات: "وختاماً، تحياتي إلى جميع الأطفال المتناثرين بمنتزه البوسكو، وأقول لعشاق فن السيد بومدين، ها هو لحنه الذي لا ينسى، أهديه لكم من قلب لندن، من قلب يحن إلى ربوعكم.. ثم ينساب صوته.. عيونك كبار وسود من مولاهن"  


هنـا ليـبـــيا

في منتصف عام 1957 ولدت أول إذاعة ليبية.. في بنغازي وطرابلس.. وقامت وزارة المواصلات بذلك، بجهود وكيلها آنذاك الأستاذ فؤاد الكعبازي.. بينما آل الإشراف على الأخبار الى إدارة المطبوعات الإتحادية التي كان يديرها الصحفي المرحوم على المسلاتي. وبرز في تلك الفترة مقدمي برامج، من غير المذيعين.. ومن بينهم الأستاذ فرج الشويهدي والسيدات خديجة الجهمي وحميدة بن عامر وفاطمة العلاقي وأمينة الوداني.


التربية عبر الأثير

أذكر الأستاذ فرج الشويهدي: وديعا أنيقا، واثقا جادا، بقدر ما كان خجولا.. نذر جهوده لموضوع التربية.
وكما قال لي صهره الصحفي المخضرم المرحوم فاروق النعاس: "كان الأستاذ فرج يطبـّق ما يعظ به.. كانت النصيحة، العبرة، القدوة حاضرة حتى في دردشاته ومداعباته لصغار العائلة.. الذين كانوا أكثر تعلقا به من تعلقهم بوالديهم.. كما كانوا يلجأون اليه طلبا للمشورة.. وقد كان منظما دقيقا في حياته اليومية ".

كان الأستاذ فرج يستعين بالتلاميذ لتقديم برنامج مع الطلبة لإلقاء بعض الكلمات وقراءة القصص وآداء التمثيليات. وكنا نلتقي في بيته بالبركة، قبل أن نتوجه على الأقدام إلى استوديو الإذاعة بالريمي. كان البث على الهواء مباشرة، فلم يكن المسجل الشريطي قد أخترع.. لكننا كنا نفرح بما يقوله أهلنا الذين سمعوا البرنامج. وفي بيته كنا نجلس حوالي منضدة في المربوعة، حيث مكتبته المذهلة آنذاك بأدراجها الخشبية البسيطة وكتبها المنسقة، والتي كانت تعد بضع مئات.


في أواخر عام 1960، انتقلت إذاعة بنغازي الى مقرها الحالي في شارع آدريان بلت أو عبد المنعم رياض حاليا. ومن الأسماء التي تألقت بمساهماتها، الفكرية أو الشعرية والأحاديث الأدبية .. طالب الرويعي ومحمد زغبية ومفتاح السيد الشريف وحبريل الحاسي.. ومن الشعراء عبد ربه الغناي وخالد زغبية وحسن صالح ومحمد المطماطي .. كما وجد الشعراء الشعبيون والشعر الشعبي قناة لإيصال صوتهم وإبداعاتهم لأول مرة الى كل الناس، ولعل من أهم أشعارهم تلك التي كانت ذات دلالة اجتماعية عميقة، وتمجيدهم لثورة الجزائر وخاصة البطلة جميلة بوحيرد، ثم مأساة زلزال المرج سنة 1961، وفي ما بعد معركة الشعراء حول خروج المرأة سافرة الوجه وارتدائها الملابس الأوروبية.

وبالطبع أتاحت الإذاعة فرصة للمطربين الليبيين.. ومنهم على الشعالية، والسيد بومدين (شادي الجبل) وحسن عريبي والموسيقار صبري الشريف وعازف العود مصطفي المستيري .. وفيما بعد اشتهر محمد صدقي (العوامي).. ونوري كمال (الفرجاني). وكانت خيرية المبروك أول مغنية ليبية تذاع أغانيها. وتألق محمد مرشان بأغانيه مثل "بعت المحبة إهناش من يشريها"، التي ضمّن محمد عبد الوهاب لحنها في إحدى أغانيه لأم كلثوم. وسلام قدري بأغانيه ذات الألحان المجددة مثل سافر مازال عيني تريده، وأغنية "الجوبة بعيدة" التي ألفتها خديجة الجهمي.


كانت الرابطة قوية بين الإذاعة والصحافة.. فمن بين محرري الأخبار الأوائل: الأستاذ أحمد يونس نجم الذي تولي رئاسة تحرير جريدة برقة الجديدة .. والمرحوم محمد بشير الهوني الذي أسس جريدة الحقيقة.. والكاتب المرحوم عبد الله القويري.. وعمل بالترجمة المرحومين أحمد يوسف بورحيل ومحمد عبد الرازق مناع .  وكان رشاد الهوني في شبابه من بين طبّاعي الأخبار على الآلة الكاتبة !، ليتألق فيما بعد كصحفي ريادي كبير، حين أدار جريدة الحقيقة بسعة أفق وحرص على المواهب الشابة فدشـّن حقبة رائعة في تاريخ الصحافة الليبية .
———————————————————————–
لقاء شخصي، أبريل 2005 . والأستاذ سعد اسماعيل يعمل الآن مديرًا لمعهد أطلس لتعليم اللغة الإنجليزية، بحي السكابلي، سيدي حسين، بنغازي .

 من كتاب فـصـول من كتاب ع الكورنيش ، تأليـف د. محمد محمد المـفــتي