‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات كتاب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 24 سبتمبر 2016

ملخص لاول رسالة دكتوراة في ادارة وحماية التراث الليبي ...بقلم د. أحمد عيسى الحاسى

ملخص لاول رسالة دكتوراة في ادارة وحماية التراث الليبي بعنوان:"عوامل التدهور في موقع أثري في قوريني وطرق حمايته"

قدمت من الطالب : احمد عيسي فرج الحاسي، قسم الاثار، جامعة اكستر المملكة المتحدة، يوليو 2014 

Factors of Deterioration of the Archaeological Sites and Protection Methods in the Archaeological Site of Cyrene (Shahat) Department of Archaeology, University of Exeter, UK

هذة الدراسة تأتي في إطار دراسات إدارة التراث من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنها تأتي ضمن دراسات علم الآثار المجتمعي، وتبحث هذه الأطروحة في عوامل تدهور موقع التراث العالمي قوريني (شحات) والذي هو من أهم المواقع الأثرية في العالم، وهو مسجل منذ عام 1982 في قائمة مواقع التراث العالمي، وفق للمعايير :2 , 3, 6 والتي تتعلق بالقيم الإنسانية الحضارية، و الأهمية الجمالية، و التطورات في مجال العمارة أو التكنولوجيا.

ولكن للأسف، الموقع يعاني من مجموعة كبيرة من التهديدات ، والتي تمت ملاحظة تاثيرها من قبل لجنة التراث العالمي, والتي طلبت من مصلحة الاثار في أكثر من مناسبة العمل لإيجاد الحلول المناسبة لحماية وحفظ الموقع, ومصلحة الاثار ولجنة التراث العالمي يدركان التهديدات وخطورتها ولكن الحلول ظلت بعيد المنال. 

هذة الدراسة تنطلق من فكرة رئيسية حددتها تقول أن هناك علاقة وثيقة جدا بين المعرفة الجيدة، والتصنيف الواضح لعوامل التدهور وبين اكتشاف أو إيجاد الحلول للمشاكل، والتحديات, لأن الفهم الواضح لهذه العوامل هي الخطوة الأكثر أهمية في إيجاد الحلول المناسبة.

وتنقسم هذه الأطروحة إلى أربعة فصول رئيسية:

يقدم الفصل الأول مقدمة الجغرافي ومقدمة التاريخي وأيضا وصف عام للموقع الاثري على نطاق أوسع, كما لم يهمل ان يناقش دور الرحالة والمستكشفين ، بالإضافة إلى البدايات الأولى للحفريات , وتأسيس مصلحة الآثار الليبية.

ناقش هذا الفصل أيضا الجانب النظري لإدارة التراث الثقافي من حيث القيم وأهميتها، ثم حاول الإجابة على السؤال الأساسي: لماذا نحتاج لخطة إدارة للمواقع الأثري قوريني؟

اما الفصل الثاني وهو عن عوامل تدهور الطبيعة وتأثيرها على المعالم الأثرية. مثلا تأثير الزلازل، والتي أظهرت الأدلة الأثرية أن كان ضمن قائمة من العوامل التي ادت إلى تدهور في الكثير من الاثار. ثم المناخ وتأثيره، من حيث التغير في درجة الحرارة و الامطار خلال تغير فصول من السنة. والتي يمكن رؤية تأثير القوي على الآثار الضعيفة مثل (الأرضيات الفسيفسائية واللوحات الجدارية التي تكون موجودة في جميع أنحاء الموقع بدون أي نوع من الحماية).

وبالإضافة إلى ذلك فقد تم تسليط الضوء تأثير النباتات على المواقع الأثرية في هذا الفصل أيضا، وقد قدمت الدراسة مثال واضح حول هذا, في نفس السياق، بحثت الدراسة تأثير الحيوانات على الموقع الأثري قوريني.

أما الفصل الثالث فهو عن عوامل تدهور المتعلقة بالنشاط البشري، حيث تمت مناقشة هذا من خلال عدة اقسام وهي:

النظام الإداري قانون حماية الآثار في ليبيا

في هذا الجزء بعد مقدمة بسيطة عن التوزيع الجغرافي لفروع مصلحة الاثار الليبية ، وأيضا الإدارات و والوحدات الهامة، التي تشكلها, وقد كان التركيز على مراقبة اثار شحات من حيث مهامها والتحديات، من جهة، ثم استعرض قانون الآثار الليبي، ومناقشة اوجه القصور فيه.

كما ناقش الفصل الثالث قضية "التمدد الحضري" او الزحف العمراني علي المواقع الاثرية ... وآثاره على الموقع الأثري في قوريني. حاول هذا الجزء من الدراسة تسليط الضوء علي حجم المعضلات في هذا الملف المعقد ، وتناول ايضا التداخل الكبير بين الموقع الأثري والمدينة الحديثة، وغياب الحدود الفاصلة والواضحة بينهما.
كما تم مناقشة آثار السياحة على الموقع الأثري قوريني عبر نوعيها السياحة الدولية، والسياحة المحلية.. بعد أن تم إعطاء المعلومات الهامة عن عوامل الجذب السياحي في قوريني, ولقد تم عمل مقارنة لمعرفة أي النوعين من السياحة قد تسببت في تدهور الموقع أكثر من الاخرى؟ وقد اثبتت الدراسة ان السياحة الداخلية هي واحدة من أهم العوامل في تدهور في الموقع , عبر أوجه وأشكال متعددة وتحت غياب و نقص دور الدولة.

ولم يهمل هذا الفصل أيضا مناقشة سرقة ونهب الاثار و لأن الموقع غني جدا في الآثار، فقد كان عرضه للنهب في وقت مبكر. 

وكذلك تمت مناقشة العوامل التي ساعدت على زيادة وتيرة نهب الاثار ونقل القطع الأثرية خارج البلاد.

وبالإضافة إلى ذلك تمت مناقشة كيف يمكن أن تكون البعثات الأثرية قد ساهمت في نهب الآثار في قوريني .

وكان الجزء الأخير من الفصل الثالث حول تأثير الحفريات الأثرية في موقع أثري قوريني, حيث تم إجراء هذة المناقشة وفقا لتقرير اعده الباحث بنفسه من خلال مشاركته في أعمال الحفر موسم 2010 مع البعثة الايطالية لجامعة اربينو.

أما الفصل الرابع. كانت تحت عنوان: حماية الموقع الاثري قوريني وقد بدأ هذا الفصل مع مناقشة الحلول والتدابير للعوامل الطبيعية؛ الزلازل والمناخ، النباتات، والحيوانات، ومحاولة وضع الحلول الممكنة.

على سبيل المثال:

العمل على عزل من الاثار الهشة و الحساسة عن تأثير عوامل البيئة و في هذا الجزء ترى الدراسة أن تأثيرات البيئة واضحة، ولكنها محدودة أيضا. ويمكن التقليل من مخاطرها من خلال بعض الإجراءات البسيطة.

من ناحية أخرى جانب العوامل البشرية. وهو امر مختلف تماما، يشكل التحدي الأكبر - كما أظهرت الدراسة - بحيث والنهب والسياحة، والتوسع الحضري، الحفريات الأثرية، وحتى التشريعات والإدارة كل هذه العوامل لها قاسم مشترك هو الجهل بقيمة التراث.

لذلك، ترى هذه الدراسة أن الخطوة الأولى لحماية التراث قوريني هو إزالة الجهل. الي جانب بعض التدابير الاخرى: مثل تعزيز القوانين ونظم الإدارة. أيضا إيجاد سبل التنمية المستدامة وفقا لذلك عملت هذه الدراسة إلى تقديم رؤيتها التي تعتمد على التوعية.

وتعتمد الدراسة على زيادة تنوع طرق وأساليب التوعية، الأمر الذي سيؤدي إلى خلق المزيد من فرص للتواصل مع جميع فئات مختلفة من الناس في المجتمع.

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

ملخص كتاب جديد عن العملة البرونزية الكيرينايكية ..د.خالد الهدار


أصدرت دار نشر لإيرما دي بريتشنادير (L'Erma di Bretschneider) في شهر سبتمبر من عام 2011 كتابا يختص بالعملة البرونزية في إقليم كيرينايكا في العصرين الإغريقي والروماني (Nummi aenei cyrenaici. Struttura e cronologia della monetazione bronzea cirenaica di età greca e romana (325 a.C.-180 d.C.))، لمؤلفه الايطالي ميتشيلي ازولاتي (Michele Asolati) من جامعة بادوفا في ايطاليا وعضو البعثة الأثرية الايطالية في شحات ، وجاء الكتاب في 154 صفحة من الحجم الكبير ، وقد كتب المؤلف كتابه بالايطالية مع ثلاث صفحات تلخيصا باللغة العربية من إعداد أ. عبدالسلام الكواش .

يهتم الكتاب بالعملة البرونزية التي كان تسك في الإقليم ما بين 325 قبل الميلاد و 180 ميلادي اي إنها تشمل مرحلة تاريخية تمتد بين العصرين الإغريقي والروماني، وأكثر تحديدا ما بين استيلاء المغامر الاسبرطي ثيبرون على الإقليم مرورا بسيطرة البطالمة عليه ما بين 322-96 ق.م. ثم سيطرة الرومان حتى عصر الإمبراطور الروماني ماركوس اوريليوس.

والكتاب مقسم إلى أجزاء : اهتم الجزء الأول بالعملة البرونزية الاغريقية (ص ص.19-47)حيث تطرق إليها المؤلف من خلال الإصدارات التي حدثت في أربع مدن هي كيريني و برقة ويوسبريديس و ابوللونيا . وتطرق الجزء الثاني إلى العملة البرونزية في العصر الروماني التي سكت في كيريني (ص ص. 49-53)، أما الجزء الثالث فهو عن العملة البرونزية في العصر الروماني التي سكت في روما من اجل استعمالها في الإقليم (ص ص.55-57). وقد استعرض المؤلف إصدارات العملة البرونزية الإغريقية وفق لمكان إصدارها وبدأ بعملة كيريني (ص ص.21-19-36) ، ثم عملة برقة (ص ص.37-38) ثم عملة يوسبريديس (ص ص. 39-43)، ثم عملة ابوللونيا ( ص.44)، وأخيرا عملات يصعب نسبتها إلى مدينة بعينها او قد تكون مستوردة وليست محلية (ص ص.45-47)، وقد استعرضت كل مجموعة وفق لتسلسل زمني للحكام البطالمة بدأ من بطليموس سوتير (308-305 ق.م.) إلى بطليموس ابيون (104-96 ق.م.)وبعض الأحداث التاريخية في عهدهم مثل الحملة العسكرية لاوفيلاس على قرطاجة (309 ق.م.) و ثورة ماجاس عن البطالمة (282-261 ق.م.) وعملة الاتحاد الفيدرالي (250-246 ق.م.) ، وهناك عملات لم تحمل اي أسماء سكت ما بين 325-313 ق.م. وتميزت بتصوير نبات السلفيوم باشكال مختلفة ، وهذا التسلسل نجده في عملة كيريني البرونزية، ولا نجده في عملة برقة التي مجالها الزمني ما بين 325-163 ق.م مع وجود حلقات او إصدارات مفقودة خلال الفترة السابقة وهذا يرجع إلى ما تعرضت إليه هذه المدينة على يد الفرس ثم تأسيس بطوليمايس (طلميثة) لتحل محلها، كما أن المجال الزمني لعملة يوسبريديس محصورا ما بين 325-116 ق.م. وتعكس بعض الإصدارات هجر المدينة والانتقال إلى مدينة بيرنيكي.أما العملة البرونزية في ابوللونيا فقد ركز المؤلف على العملات التي سكها المغامر الاسبرطي ثيبرون ما بين 323-322 ق.م. في ابوللونيا . أما العملات البرونزية الرومانية فقد استعرض المؤلف تلك التي سكت في مدينة كيريني وتؤرخ ما بين عام 67 ق.م. والنصف الأول من القرن الأول الميلادي وأهمها تلك التي أصدرها بروقناصلة الإقليم أمثال لولليوس وكراسوس و بوبيوس روفوس ثم العملات التي سكت أثناء تحالف ماركوس انطونيوس وكليوباترا (34-31 ق.م.) ثم إصدارات ترجع إلى عصر اغسطس أصدرها الحكام كابيتو و باليكانوس وسكاتو ثم العملات التي ترجع إلى الأباطرة تيبريوس جيرمانيكوس ودروسوس وجايوس ، إضافة إلى إن هناك عملات سكت في روما لاستعمالها في الإقليم في عصر الإمبراطور تراجان وماركوس اوريليوس.

وقد جهز المؤلف الكتاب بكتالوج وصفي (ص ص.63-107) قسم فيه العملات البرونزية الإغريقية والرومانية إلى 191 طرازا وهناك عدة طرز توجد بها تفرعات داخلية أشار إليها بالحروف مثل (1A,1B) ، ويرتبط الكتالوج بصور العملات الموصوفة في شكل لوحات (ص ص.117-150) عرضت 519 قطعة عملة توضح التطور الزمني للعملة البرونزية الإغريقية والرومانية من مدن الإقليم ، وهناك ملحق يوضح مصدر صور العملات المنشورة(ص ص.109-114).

وبهذا فالكتاب يعد دليلا لدارسي العملة البرونزية الإغريقية والرومانية في الإقليم ومرشدا للمنقبين الذين كثيرا ما تصادفهم العملات البرونزية في حفرياتهم ، وهو يعد تجميعا ممتازا للعملات البرونزية في الإقليم ، حيث اعتمد على العملات التي نشرها روبنسون في كتالوج العملة الكيرينايكية في المتحف البريطاني الصادر عام 1927 واتبع المنهجية ذاتها والتسلسل الزمني أيضا ، وأضاف إليها العملات التي نشرت بعد ذلك في دراسات منفصلة أو نشرت في مجلدات تخص نتائج الحفريات لاسيما أعمال باتري، يضاف إلى ذلك قطع جديدة غير منشورة عثرت عليها البعثة الأثرية الايطالية التابعة لجامعة اوربينو المنقبة في شحات ما بين 1957-2010. ومن ثم يعد هذا الكتاب تجميعا للعملة البرونزية في الإقليم ما بين 325 ق.م. – 180 م التي سبق نشرها مع إضافات جديدة غير منشورة زادت في قيمة هذا الكتاب الذي يعد إضافة جديدة
للمكتبة الأثرية.


نقلا عن مدونة الآثار الليبية ، للدكتور خالد الهدار، استاذ الآثار الكلاسيكية بقسم الاثار بجامعة بنغازى .

السبت، 22 مارس 2014

حول ترجمة مصادر تاريخ ليبيا القديم د. الدويب 1 ..د.خالد محمد الهدار

عرض لترجمة الكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس

انضم الى ارفف المكتبة العربية بصورة عامة والمكتبة الليبية بصفة خاصة كتاب جديد تمثل في ترجمة دقيقة للكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس (هيرودوت) تصدى لها استاذ اللغات القديمة بقسم الاثار جامعة قاريونس أ.د. محمد المبروك الذويب ، وقد صدر الكتاب مؤخرا ضمن منشورات جامعة قاريونس في طبعة انيقة ضمن سلسلة عنونت باسم ( من مصادر التاريخ القديم ) هذه السلسلة التي يمثل هذا الكتاب الجزء الاول منها ، وقد عنون هذا الاصدار باسم الكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس ، الكتاب السكيثي و الكتاب الليبي ، وقد صدرت ترجمة الكتاب في مائة وسبع وخمسين صفحة ، خصص المترجم الصفحات الثماني والعشرين الاولى للتعريف بالكاتب وكتابه وهذه الصفحات جديرة بالقراءة لانها تعد بحث و استقصاء لحياة هيرودوتوس وتقييم شامل لعمله المسمى التواريخ .

والكاتب غني عن التعريف لدى المتخصصين فهو هيرودوتوس الملقب منذ عهد خطيب الرومان شيشرون بأبي التاريخ يعد من اقدم المؤرخين الاغريق وواضع اسس كتابة التاريخ و سرد الاحداث التاريخية ، و قد ولد هذا المؤرخ في مدينة هاليكارناسوس باسيا الصغرى (تركيا حاليا) وعاش خلال القرن الخامس ق.م. ، ويعد من اوائل المؤرخين الاغريق الذين وصل عملهم كاملا الى الباحثين المحدثين ، وقد اطلق هيرودوتوس على عمله او كتابه التواريخ الذي يتألف من تسع كتب حمل كل كتاب اسم مؤلهة من مؤلهات الفنون التسع وفقا للتصنيف الذي اعتمد للكتاب ـ بعد قرنين من تأليفه ـ في مكتبة الاسكندرية ، ويرصد هيرودوتوس في تواريخه تاريخ الصراع بين الفرس و الاغريق (بين الشرق و الغرب) ، ومن خلال تتبعه لهذا الصراع لم يغفل صغائر وعجائب البلدان التي تحدث عنها فعمله موسوعي لم يشمل الاحداث التاريخية بل تعدى الى تقديم الكثير من الملاحظات الجغرافية و البيئية وعادات الشعوب و تقاليدها واخبارهم المتوارثة عن اجدادهم ، وطقوسهم الدينية ، كما وصف بعض معالم المدن التي زارها ، وبهذا فعمله يعد من اهم مصادر التاريخ القديم لاسيما انه يروي احداثا كان شاهدا عيانا عنها او قريبة منه زمنيا ، وقد كتب هيرودوتوس كتابه بالاغريقية القديمة ، وقد تُرجم كتابه الى الكثير من اللغات الحديثة ، ومنها العربية حيث نقلت بعض أجزائه من تلك اللغات الحديثة ، وصدرت في عام 2001 ترجمة كاملة لهذا العمل ، الا انه ما يعاب على تلك التراجم انها لم تنقل من الاصل الاغريقي بل نقل الكتاب من خلال لغة وسيطة الانجليزية (سلسلة لويب وغيرها) ، وكثيرا ما اعترت تلك التراجم الكثير من الاخطاء بسبب عدم الترجمة من الكتاب في لغته الاصلية ، الا ان الترجمة الاخيرة خالفت هذا حيث استطاع أ.د. الذويب ان يترجم ذلك الكتاب من لغته الاصلية أي الاغريقية وينقله الى العربية على الرغم من صعوبة هذا الامر فالكتاب كتب بلغة ميتة ـ غير متداولة في الحديث ـ ذات تراكيب وقواعد لم تعد مستعملة حديثا ، مع انفراد هيرودوت احيانا ببعض التراكيب اللغوية التي تعد من ابتكاراته ، في ظل هذا وذاك استطاع المترجم ان ينجز ترجمة للكتاب حافظ فيها على لغة هيرودوتوس واسلوبه وتعبيراته ، وهذه الطريقة في الترجمة تُمكن القارئ من الاقتراب من روح الكاتب الاصلي في الكتابة و الوثوق بكلماته ومرادفاتها التي تحرى المترجم ان ينقلها بكل امانة ، وهذا يبعد المترجم عن الابداع و الابتداع بكلمات و تعابير لم يقصدها المؤلف الاصلي مما قد يؤدي الى تزوير الحقائق ـ عن غير قصد ـ الواردة في النصوص الاصلية ، وهذا ما يمكن ملاحظته في التراجم التي سبقت الاشارة اليها ، وهذا الدافع الذي حرك أ.د.الذويب الى ترجمة الكتاب عن لغته الام ، لتفادي الاخطاء في التراجم السابقة . وللتدليل على ذلك يمكن استعراض ترجمة لفقرة من هيرودوتوس ترجمت عن طريق لغة وسيطة ، و ذات الفقرة عندما ترجمها أ.د. الذويب عن الاصل الاغريقي مباشرة ، [[ هذا هو تقديم البحث التاريخي لهيرودوتوس الهاليكارناسوسي حتى لا تنسى بمرور الزمن منجزات البشر و حتى لا تنتهي شهرة الاعمال و الاعجوبات العظيمة التي حققها الاغريق و البربر [ الاجانب ] و السبب الذي حاربوا بعضهم بعض من اجله .. ]] والترجمة الاخرى لذات الفقرة نقلت عن لغة وسيطة وترجمت على النحو الاتي [[ الذي تعلمه هيرودوت عن طريق البحث تجده هنا ماثلا بين يديك وذلك حتى لا تنطمس ذكرى الماضي في اذهان الرجال على مر الايام وحتى لاتفتقر تلك الاعمال العظيمة الرائعة التي اضطلع بها اليونانيون و الاجانب (أي البرابرة) وخاصة اسباب نشوب الحرب بينهم الى من يظهره للملأ ]] . وهذا المثال يوضح الفرق في الترجمة عن الاصل الاغريقي و الترجمة من لغة وسيطة ، وكلما ابتعدت الترجمة عن النقل من الاصل كلما ظهرت معانٍ وعبارات لم ترد في الاصل .

ومما سبق فانه يتأكد اهمية صدور الترجمة الجديدة للكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس معربة عن الاصل الاغريقي ، و هذه الترجمة تتيح للطلاب و الدارسين والمهتمين بالتاريخ القديم والاثار من النهل من هذا المصدر العتيد الذي يعد احد الكتب التسع التي يتكون منها كتاب التواريخ الذي خطه ابو التاريخ بأنامله من خلال رحلاته واسفاره و بحثه وجمعه لمعلومات من المناطق التي ارتادها او التقط اخبارا عنها ، وقد طبق هيرودوتوس ذلك المنهج في كتابه الرابع الذي خص اغلبه بحرب الملك الفارسي داريوس ضد السكيثيين ، ووجد ابو التاريخ الفرصة مناسبة للحديث عن تلك القبائل من حيث عاداتهم وحياتهم وقدم معلومات غاية في الدقة عن تلك الشعوب او القبائل التي استوطنت وسط اسيا و جنوب روسيا ، ولهذا سميت تلك الفقرات (1-144) من حديثه الشائق والغريب احيانا بالكتاب السكيثي (ص ص.29-101) .وقد استعرض في فقراته علاقة السكثيين بالفرس منذ ان زحف الملك داريوس على الاراضي التي احتلوها من ارض ميديا (الفقرة 1) ووجد هيرودوتوس الفرصة سانحة لكي يتتبع احوال السكيثيين بعد عودتهم لارضهم ويتحدث تفصيلا عن احوالهم السياسية وعن اصلهم الذي ينحدرون منه وفقا لروايتهم او رواية الاغريق المجاورين لهم (الفقرات6-11) ، كما وجد الفرصة مناسبة ليوسع نطاق روايته فتحدث عن الشعوب التي تسكن اقسام اسيا للغرب من بلاد فارس و حول البحر الاسود (الفقرات 17-40) ولم ينسَ التطرق الى اراضيهم وما تحويه من انهار(الفقرات 46 -58) اضافة الى التطرق الى عباداتهم وطقوسهم (الفقرات 59-63) وعاداتهم اثناء الحرب وطريقة القسم لديهم وطريقة دفن ملوكهم ونفورهم من تقليد الاجانب (الفقرات 64-78) ،وبعد هذا يعود هيرودوتوس لاستكمال ما بدأه في الفقرة الاولى من رواية الاحداث مفصلة عن غزو الملك الفارسي داريوس على السكيثيين منذ خروجه من بلاده حتى الوصول الى السكيثيين و المعارك التي خاضها معهم (الفقرات 83-144) ، وفي اثناء روايته يأتي ببعض اللطائف عن السكثيين والقبائل المجاورة لهم وكيف تعاملوا مع الفرس المغيرين عليهم ، ومما تقدم فان الكتاب السكيثي يعد مصدرا مهما عن السكيثيين ومعلوماته رائدة عن تلك المناطق ارضا و شعوبا وعاداتٍ وتقاليدٍ وطقوسا وتاريخا اضافة الى بعض الروايات عن بعض المؤلهين الاغريق وعلاقتهم بتلك الاراضي و الشعوب التي سكنت أسيا و حول البحر الاسود .

و للكتاب الرابع اهمية خاصة لليبيين لان الربع الاخير منه افرده ابوالتاريخ للحديث عن ليبيا لهذا سمي بالكتاب الليبي (الفقرات 145-205 ص ص. 101-137) ، ومما تجدر الاشارة اليه ان هذا الجزء من الكتاب الرابع قد ترجمه الى العربية بعض الباحثين مثل د. خشيم في نصوصه الليبية ، و د.البرغوثي في التاريخ الليبي القديم ، و د. الاثرم في مجلة البحوث التاريخية ، وغالبية تلك التراجم نقلت عن لغة وسيطة ولم تتم الترجمة عن الاصل الاغريقي مما ادى الى ظهور بعض الاخطاء فيها ، وبهذا يتميز عمل أ.د. الذويب بانه اعتمد الاصل الاغريقي في ترجمته ، و انه ترجم الكتاب الرابع بأكمله .


وبالعودة الى الحديث عن فقرات الكتاب الليبي تفصيلا فان هيرودوتوس هنا ينفرد بايراد معلومات واخبارا لم تكن متاحة عن ليبيا و سكانها من قبل ، مما جعل كتابه المصدر الام عن التاريخ الليبي وتاريخ الليبيين ، وعلى الرغم من ان هيرودوتوس قد اورد بعض الاخبار عن ليبيا في الكتاب الثاني من تاريخه (الفقرات 32-34 ، 50، 77 ، 181 وغيرها ) الا انه يعود هنا ليقدم مزيدا من المعلومات عنها وقد بدأ حديثه عنها في الكتاب الرابع في الفقرتين 42-44 (ص ص.50-53) محددا الاطار الجغرافي لكلمة ليبيا التي كانت عنده القارة الثالثة في العالم القديم الى جانب اوروبة واسيا ، وفي الفقرة 45 (ص ص.53-54) حول اصل تسمية ليبيا ، ثم بدأ من الفقرة 145 وحتى نهاية كتابه الرابع في تفصيل الحديث عن ليبيا و الليبيين ، الذي استهله بمعلومات عن رواية مجيء الاغريق واستيطانهم بالجزء الشرقي من ليبيا وتأسيسهم لمدينة كيريني (شحات) (الفقرات 150-158) ، ووفقا لمنهج هيرودوتوس وروايته للاحداث فقد تتبع تاريخ تأسيس الاسبرطيين لثيرا والسلالة التي حكمتها (الفقرات145-149) حتى ذهابهم لاستنبأ وحي دلفي الذي امرهم عن طريق البيثية بتأسيس مستوطنة لهم في ليبيا (الفقرة 150) والاحداث التاريخية التي وقعت اثناء ما يعرف بالعهد الباتي أي خلال حكم اسرة باتوس(الفقرات 159-165) والغزو الفارسي للاقليم (166-167 ، 200-205) ، تلك المعلومات التي انفرد هيرودوت ايضا بذكرها في كتابه الرابع ، ومازالت الى الان محل ثقة من المؤرخين وكثيرا ما ايدتها الادلة الاثرية والنقوش التي عثر عليها في الاقليم .

واهتم هيرودوتوس اهتماما ملحوظا بالليبيين او القبائل الليبية التي كانت تقطن ليبيا سواء تلك التي سكنت الساحل الليبي وظهيره من الشرق الى الغرب أي البدو الرعاة المجاورون للبحر وفقا لوصفه (الفقرات 168-180) ام اولئك الليبيون الذين سكنوا الدواخل (الواحات) (الفقرات 181- 185) وقد كان لهيرودوتوس الريادة في الحديث عن تلك القبائل من خلال التعريف بالاسماء التي عرفوا بها ومواطن سكناهم و احوالهم السياسية والاقتصادية (الفقرة 196 مثلا) واوضاعهم الاجتماعية (الفقرة 189) والتطرق لبعض عاداتهم الصحية والعلاجية (الفقرة 187) ومعبوداتهم ومعتقداتهم (الفقرة 188 ، 190)، وبمعنى آخر فقد قدم هيرودوتوس دراسة إثنولوجية للقبائل الليبية شملت جوانب حياتهم المختلفة ، ولم يهمل البيئة التي عاشوا فيها فتطرق لخصوبة ارضهم (الفقرة 198-199) وبعض الحيوانات (الفقرة 191-192) والنباتات التي تحيا وتنمو على الاراضي الليبية ، ومن هنا فالكتاب له قيمة علمية جد مهمة ومثيرة سواء من حيث المعلومات التي يقدمها، ام من حيث ترجمته الدقيقة ام من حيث هوامشه التي ازدان بها الكتاب ام من حيث فهرس اعلامه ، اذاً فلا مناص للمؤرخين والدارسين لتاريخ ليبيا وحضارتها من الرجوع اليه والنهل من معلوماته ، وقد كان ديدن الكثير منهم لاسيما العرب الرجوع الى هذا المصدر في لغات اوروبية حديثة نقلت عن الاصل الاغريقي ، او تراجم عربية منقولة عنها ، وهذا الامر محفوف بالمخاطر وفقا لما ذكر اعلاه ، اما بعد صدور ترجمة د. الذويب لكتاب هيرودوت في ثوب جديد فهي تغني عن الرجوع الى هذا المصدر في لغته الاغريقية ، ومدعاة للاطمئنان لترجمته التي لوحظ انه تحرى فيها غاية الدقة ، ولم يزود الكتاب بملحق لفقرات الاصل الاغريقي لكتاب هيرودوتوس الرابع على الرغم من انه توجد اشارة الى ذلك الملحق في محتويات الكتاب لكنه لم يوجد في الواقع لعله بسبب صعوبة طباعة النص الاغريقي ، و حتى تعم الفائدة اكثر يمكن استكمال ذلك في طبعة ثانية للكتاب حتى يتسنى للقارئ او الباحث من الرجوع الى النص الاغريقي و ترجمته في وقت واحد ، كما ينتظر المهتمون بالتاريخ القديم مزيدا من الاصدارات المترجمة عن الاصل الاغريقي التي تغني المكتبة العربية بمصادر التاريخ القديم و تيسر للطلاب و الباحثين الاطلاع عليها و الاستفادة منها بدلا من الرجوع الى تراجم اجنبية عن الكتب الاصلية تكثر بها الاخطاء والتأويلات في الترجمة بعيدة كل البعد عن الاصل التي نقلت عنه .

نقلا عن مدونة الاثار الليبية للدكتور خالد محمد الهدار