الثلاثاء، 22 يناير 2013

الجامع العتيق بمدينة درنة...إيناس المنصورى

اشتهرت مدينة درنة بموقعها الجميل وبنخلها الباسقات وأشجار فواكهها اليانعة وأزهارها الشذية الفواحة تسقى بمياه عذبة تتدفق إليها عبر قنوات الساقية من نبعين غزيرين، أحدهما يعرف بإسم عين البلاد، والثاني بإسم عين بومنصور، وهذا تنحدر مياهه من ربوة عالية إلى مسيل الوادي يسمى الشلال أوشلال بومنصور.

ولقد تغنى شعراء الفصحى وغير الفصحى بجمال درنة وبخضرتها النامية وظلالها الوارفة وبمائها العذب وهوائها العليل، كما أشادوا بكرم أهلها ورقة طباعهم، وتحدّث كتّاب وسياح عرب وأجانب عن جمالها حيث عرفت بجوهرة البحر المتوسط
 
المسجد العتيق، ويسمى (المسجد الكبير) لأنه من أكبر المساجد في مدينة درنة، أو (جامع البلاد) لوقوعه في حي البلاد.
 بناه محمد باي (بي) سنة 1663م 1081هـ الذي حكم مدينة درنة في الفترة العثمانية الأولى (1551- 1711) وهو ابن المرحوم محمد باي قرمنللي، ينتمي إلى الأسرة القرمانلية التي قدمت إلى طرابلس الغرب من بلاد الأناضول بتركيا في العهد العثماني الأول. وكان لهذه الأسرة نشاط معروف ونال أبناؤها الحظوة لدى ولاة طرابلس في ذلك العهد، وأسندت إلى جماعة منهم وظائف إدارية وعسكرية حتى استطاع احمد باشا أن يستقل بحكم الولاية عن الدولة العثمانية ويؤسس لأسرته حكماً استمر قرناً وربع قرن من الزمان.

هذا وقد عين محمد باي والياً على درنة والجبل الأخضر حلفاً لوالده الحاج محمود باي الذي عينه عثمان باشا الساقزلي حاكماً على بنغازي والجبل الأخضر ودرنة في الثلث الأخير من القرن حادي عشر للهجرة، أي النصف الثاني من القرن السابع عشر للميلاد، أي في العهد العثماني الأول. واستمرت ولاية محمد باي إلى سنة (1110 هـ، 1698 م)، ويسميه سكان درنة سيدي امحمد بَيْ.

وقد ازداد نمو مدينة درنة على يده، حيث يذكره أهل درنة بالتقدير والاحترام وهو ليس حاكماً مصلحاً فحسب، أو كأحد (الدايات) التي احتفظ بمنصبها مدة زائدة، وإنما هو رجل ثري نشأ في أسيا الصغرى، واستقر به المقام في مدينة درنة، وإليه تنسب إصلاحات وأعمال هامة حيث عاشت مدينة درنة أثناء حكم محمد باي فترة انتعاش، فإليه يرجع الفضل في مد قنوات الساقية وأعمال خيرة منها بناء الجامع العتيق.
ذكر الجامع العتيق عند الكثير من الرحالة والكتاب من بينهم فارلونج، والرحالة ليون سميث، وبرتشر، والرحالة هايمان، فرانشيسكو كور.

ويعد الجامع العتيق من أبرز الآثار الإسلامية في مدينة درنة وهو نواة المدينة القديمة حيث يزخر بمئذنته الشامخة وقبابه وأعمدته الرخامية، حيث تجلت فيه متانة البنيان، ودقة الهندسة وجمال فن المعمار الإسلامي، وتقول الرواية المحلية أن المرحوم سيدي امحمد بي، قد استعان في تشييد هذا المسجد باثنين من المهندسين جاءا إلى مدينة درنة من اسطنبول، وأن أحداهما توفي في مدينة درنة، ودفن في الحجرة (الخلوة) الملاصقة بالمئذنة، هذا ومن محتويات هذا المسجد، ساعة حائطية كبيرة،من مآثر الحاج رشيد باشا الذي كان واليا على بنغازي ودرنة أثناء العهد العثماني الثاني، ولكنها تعطلت أخيراً، وتوجد به شعرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي محفوظة في زجاجة داخل صندوق صغير وبقيت الشعرة في المسجد مئات السنين حيث يحتفل سكان المدينة وضواحيها يوم المولد النبوي وقد ظل سكن المدينة يتبركون بزيارتها في الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف من كل عام، إلى أن سرقت في بداية التسعينات وأغلق ملف القضية لعدم معرفة الجاني الحقيقي.

أما بالنسبة للتخطيط الداخلي للجامع فهو عبارة عن مساحة مستطيلة مقسمة داخلياً إلى بلاطات موازية لجدار القبلة وكل بلاطة تتكون من بانكتين وكل بنكة مكونة من ستة عقود على هيأة نصف دائرية محمولة على أعمدة رخامية مجلوبة من معبد إغريقي أو كنيسة في قرية كرسة المجاورة، لها قاعدة بدن وتاج وتيجانها بعضها كورنثية والبعض الآخر ناقوسية وثالثة دورية ورابعة أيونية، ويسقف كل بلاطة ست قباب ضحلة محمولة على أربعة عقود محمولة على الأكتاف والأعمدة لتكون مناطق مربعة تتحول الى دائرة عن طريق منطقة الانتقال من خلال هيأة حنية ركنية مشطوفة لتكون من ذلك 42 قبة ذات أقواس هندسية، تحملها 30 عمودا من المرمر المصقول تحيط بها أركانه الأربعة، تسقف كامل مساحة المسجد، ويحتوي الجامع على مئذنة تقع في الركن الشمالي من الواجهة الشمالية القريبة للجامع وهي تتكون من بدن إسطواني ينتهي في قمته بقربوش على هيأة سن قلم رصاص ثم صار من البرونز يعلوه هلال.

نصب به (منبر من خشب السناج) نقشت حواشيه وجوانبه بنقوش بديعة، كما شيدت بجانبه مئذنة مثمنة الشكل، يبلغ ارتفاعها نحو 20م وألحقت به حجرتان وركن للمواضئ، ويبلغ طول المسجد نحو 29م وعرضه نحو 23م وله أربعة أبواب اثنان في الجانب الغربي والثالث في الجانب الجنوبي والرابع في الجانب الشمالي وهو يتسع لنحو 2000 مصلي، خضع الجامع العتيق لعمليات ترميم استغرقت فترة طويلة، لم يراعي فيها الطراز المعماري المميز للجامع.
-------------------------------------------------

نقلا عن دراسة للأستاذ فتح الله بوعزة، عضو هيأة التدريس بقسم الآثار بكلية الآداب / جامعة عمر المختار فرع درنة. منشورة فى جريدة الشلال، وموقع ويكبيديا. وكتاب الأستاذ مصطفى الطرابلسي (درنة الزاهرة)، منشورات جامعة درنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق