الأربعاء، 20 يونيو، 2012

السياسة الاجتماعية الايطالية تجاه عرب ليبيا ( 1911 _ 1943 ) د. عز الدين عبد السلام العالم .






السياسة الاجتماعية الايطالية تجاه عرب ليبيا ( 1911 _ 1943 )
مقاربة في سياسات الفصل والوصل



مثلث سنة 1911 ، تاريخاً دالاً في صيرورة الاحتلال الايطالي لليبيا وسياساته وخطابه حول ذاته وتحقيق استمراريته وحضوره السياسي والاجتماعي في البلاد، وكان على المستعمر منذ البداية صياغة فكره وايديولوجيته الاستعمارية وفقا لشروط إنتاج الظاهرة الاستعمارية كما جسدها عالم النصف الأول من القرن العشرين، وسنحاول في هذه الورقة إحداث قراءة مقاربة للسياسة الاجتماعية الايطالية تجاه عرب ليبيا تحت الاحتلال ، ووعى المجتمع الوطني لأبعادها المتعددة، وتفاعله مع مجمل معطياتها .

وتنطلق الورقة من فرضية رئيسية مؤداها وجود وعى مشترك بين المستعمر والمستعمر لحل مشكلة الإحتلال وتداعياته الاجتماعية، وهو وعى محكوم يقيناً بشروط وأوضاع مراحل الاحتلال والمقاومة ، فقد بدا واضحاً لقوى الاحتلال أهمية إعادة صياغة علاقاتها مع الأهالي بمختلف طبقاتهم وشرائحهم وميولهم وتوجهاتهم على قاعدة نبذ المواجهة والاصطراع، وانتهاج التعامل الايجابي مع العرب المسلمين في مختلفة المجالات، وعلى عديد المستويات، واعتباره مطلباً حيوياً على المديين القريب والبعيد، كما ظهر جلياً للجانب الآخر الليبي مركزية استثمار روح الوضع القائم في دينامية التنمية الاجتماعية المحكومة بآلية ميزان القوى التي كان لها يومئذ سلطة الفصل في تقرير طبيعة العلاقة بين الجانبين ونوعيتها وخياراتها المتاحة التي تراوحت دائماً بين الفصل والوصل .

  وتأسيساً على ما سبق، تروم هذه الورقة تصوير العلاقة بين قوى الاحتلال وعناصر المجتمع المدنى ومؤسساته، كما تجسدت في خطاب الاحتلال وسياساته، والإجابة عن تساؤلات الدراسة المركزية من قبيل :

ماهى ملامح السياسة الايطالية الاجتماعية تجاه عرب ليبيا؟ وماهى مظاهرها وسماتها وأنماطها ومراحلها ؟ وماهى العناصر الحاضنة لهذه السياسة، وتسعي الدراسة للإجابة عن هذه التساؤلات من خلال المحاور التالية :

أولا - محددات العلاقات الاجتماعية بين الجانبين :

لاشك أن صدمة الليبيين بالاحتلال الغاشم الذي سبب أكثر الآلام، وأسال أغزر الدموع، وسحق نصف المجتمع ، قد تركت حواجز نفسية ظلت تحول دون إطلاق تعايشهم الاجتماعي السلس مع القوى الغاصبة، على الرغم من محاولة إحداث فرصة للتقارب الاجتماعي، وتحسين وثيرة التفاعل اليومي بصورة متكافئة، واستمالة الليبين نحو خيار قبول الأمر الواقع، ونهج خيار التعامل مع المستعمر بما يحقق فائدة الطرفين .

وهذا يقودنا إلى التأكيد على حقيقة تاريخية بعينها ، وهى أن الاستعمار الإيطالي نفسه وأدواته كان قد أعدم كل إمكانية وأهدر كل وسيلة لفهم الآخر ، والتعامل معه ومحاورته من خارج نسق قيمه الاجتماعية وثقافته واستراتيجياته السياسية القائمة على عقدة الفصل العنصرى ، حتى ظهرت الحاجة إلى مراجعة المنظومة الفكرية والسياسية للاحتلال، ودعت الضرورة إلى نهج رؤية تقبل بوجود طرف آخر، له تراكماته التاريخية، وثراته الحضاري، وخصوصيته، تنزع عنه أبغض أوصاف وأحكام السوسيولوجيا الكولونيالية ، وتجعله قابلاً للاندماج، وتجاوز أزمة الفواصل وتحقيق التواصل المنشود .

وكانت القوانين العنصرية عاملاً مثبطاً لإطلاق العلاقات الاجتماعية بين الجانبين، اذ تبنت إيطاليا قوانين حماية العنصر الآرى بعد عام 1937 ، التي تحرم اختلاط الدماء الايطالية بغيرها من الشعوب الأدنى منزلة حضارية سواء عن طريق الزواج أو غيره ، كما كان نمط الحياة البدوية التي تسود بين غالبية السكان عاملاً آخر من عوامل الحد من إرساء قواعد سياسة التعامل الايجابي المثمر مع السكان .

ومن جانب آخر، تمكنت إيطاليا من التغلغل الاجتماعي في البلاد عن طريق المدارس، والجالية الايطالية، وحملات التبشير التي مارسها القناصل والرهبان والكنائس والأديرة المنبثة في طول البلاد وعرضها .

ثانيا - سوسيولوجيا خطاب الاحتلال :

تمحور خطاب الاحتلال سوسيولوجياً ، وهو بصدد تبرير مشروعية احتلاله وإنتاج ذاته ، وترسيخ حضوره . حول ثلاث قضايا جوهرية، الأولى، وهى إدعاؤه احترام العادات والتقاليد، وتقدير مكانه الإسلام في وجدان الليبين وحياتهم ، وهو ما يتضح في منشور الجنرال كانيفا caniva ، قائد قوات الغزو إلى الأهالي الليبيين الذي نص على احترام الدين والعادات ضمن ايديولوجيه بالغة الدقة هادفة إلى ترسيخ سياسة تعالج العلاقات المتناقضة المعقدة الناتجة عن الاختلافات العقائدية والاجتماعية بين المحتلين والأهالي الليبيين، ومفارقتهم لمشروعاته الاجتماعية ، والثانية ، وهى حكمه على مستعمرية بالعقم السياسي والاجتماعي، والعجز عن بناء دولة عصرية، وتشكيكه في وحدته الاجتماعية، أما الثالثة ، فقوامها الافتراض بتدني مكانه الأهالي في سلم المدنية، ونهوض ايطاليا القوية الجديدة الموحدة استكمالاً لرسالة روما بمسؤولية التمدين الحضاري، وإسعاف المجتمع الأهالي والنهوض به و نقله من طور البربرية إلى واقع التحضر، وأفاق الحضارة الغربية .

ولئن ظلت نغمة التمدين تتخلل خطاب الاحتلال الاجتماعي، فإن وعى الأهالي بمضامين الخطاب وأبعاده ، قد دفع المنظرين السياسين الإيطاليين ورجال الإدارة، إلى الإقرار بضرورة التخلي عن عقدة تفوق الغرب، والاندفاع في اتجاه الإعتراف بالآخر، والانفتاح على نسق قيمه وثقافته وتراثه الحضاري، والدعوة إلى الاقتراب من الأهالي وتفهم أوضاعهم، والنظر إلى الاختلافات الحضارية بين الجانبين على أنها اختلافات في الدرجة وليست في الطبيعة ،لكونها نتيجة تأخر في التنمية أو كارته عرضية، أي الإقرار بالنسبية في اختلاف الحضارات، وهو ما جعل بعض المثقفين الإيطاليين ينجذبون نحو تفهم الحضارة العربية الإسلامية، وتجاوز القطيعة معها، وتبنى خطاب سوسيولوجى يروم التوافق ، ويتوخى النهوض والإصلاح لا الهدم .

وكما أطرت خطاب الاحتلال مفاهيم سوسيولوجية عكست قوة تصاعده وعبرت عن لحظة أوجه، مثل : الاستيطان والتجنيس والتمدين والتحديث، فان موقف الأهالي وحده هو الذي دفع إلى إحداث معالم متغيرات جديدة في خطاب الإحتلال الذي ولجته مفاهيم جديدة ، مثل: المشاركة ، والتعاون ، والإدماج من خلال آليات كافلة لقدر من المشاركة، وضا منه لحد من الاستقلالية ، وسامحة بالمحافظة على شخصية كل طرف، واحترام تقاليده وأعرافه وأعراقه، ولا شك أن هذه المفاهيم والمصطلحات والتعابير لم تُضمن جزافاً متن نصوص الأدبيات الاستعمارية وخطاب الاحتلال، بل وظفت لتأكيد سياسة التعايش السلمي ، وتبرير مضمونها الاجتماعي، وتجاوز سياسة القطيعة والاصطراع والإخضاع والاستبداد والإرهاب الممارس لصالح الجالية الايطالية .

ومنذ بداية الغزو الايطالي حتى عام 1943، عمد الايطاليون إلى طرح مفاهيم اجتماعية وأخلاقية في الأوساط الاجتماعية مجافية للموروثات العربية الإسلامية ، كما عمدوا إلى بعض القضاة والأعيان إلى تنفيذ برامج اصطلاحيه اجتماعية واسعة كان من ضمنها تعديل كثير من العادات والتقاليد المترسخة بين الأهالي في الأفراح والأتراح فعلى سبيل المثال دعا بالبو إلى تغير العادات الاجتماعية الخاصة بالأهالي والمصنفة ايطاليا بحسبانها عادات سيئة في الاجتماع الذي جمعه مع القضاة والأعيان في قصر ليبيا سنة 1935 ،

ثالثا - سياسة الإخضاع والاصطراع الاجتماعي :

اتخذت السياسة الاجتماعية الإيطالية تجاه العرب الليبيين ممارسات جامعة بين خيارات متعددة، ففي البداية وبسبب ضراوة المقاومة اتخذت السياسة نهج الاصطراع والإخضاع ، وتمثلث مظاهرها الاجتماعية في الإبادة و النفي، والتهجير والهجرة الاضطرارية، والاعتقال ، ومنذ عام 1918 ، بدأت السياسة الاجتماعية تميل نحو نهج الإدماج والاتصال والوصل، وتمظهرت ملامحها في مشروعات الرعاية الاجتماعية لليبيين وبرامجها، واعتماد المشاركة بين الليبيين والإيطاليين.

وكانت ردود الأفعال والمواقف الوطنية إزاء السياسة الاجتماعية الايطالية متعددة من جهة إلى أخري، وداخل كل جهة أيضا ، من مقاومة إلى تعايش سلمى، وتعامل تجاري وثقافي وتواصل اجتماعي ، وتعاون ومشاركة وتواطؤ، ويرجع هذا التباين والاختلاف في المواقف الوطنية إلى الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الأهالي ودرجة تمثلهم للنظم الرأسمالية الوافدة وتغلغلها فيهم، وقد قادت ردود فعل الليبيين تجاه نازلة الإحتلال إلى اصطراع مرير بين قوات الاحتلال والشرائح غير المخضعة لأجل إخضاعها من جانب ، وبين الليبيين المقاومين والمناوئين والليبيين المتواطئين والموالين من جانب أخر، ولاشك أن خيار المقاومة قد ضاعف من سياسة الاصطراع والإخضاع التي تبناها ميدزيتي ودى بونو وغراتسيانيالذين اعتمدوا أساليب حازمة لا هوادة فيها ولا تسامح لقمع المقاومة وإخضاع من كانت تسميهم عصاه وخارجين عن القانون، وتهدئة الثائرين.
وكان بالبو الحاكم العام في ليبيا أكثر الشخصيات الإيطالية احتضاناً لفكرة المشاركة والإدماج والتعاون بين الليبيين والإيطاليين في تطوير المستعمرة، فقد وضع تفاصيل سياسة مثلي في هذا الاتجاه لكن، التدابير المتخذه من قبله لتحسين الحالة الاجتماعية كانت حذرة ومتواضعة ، بسبب تدني موارد الميزانية من جانب ، وبسبب الفوارق العنصرية الفاحشة التي وضعت الإيطاليين الأوروبيين في القمة مقاما اجتماعياً ، ثم تتوالى شرائح الشعوب والأعراق الخاضعة للسلطة الإيطالية ، ويأتي في أدناها اليهود الإيطاليون والزنوج ، ويليهم رعايا إيطاليا في مستعمراتها، وفي مقدمة هؤلاء الرعايا الليبيون.

رابعاً - ملامح سياسة التنشئة الاجتماعية والاحتواء الاجتماعي

اتبعت ايطاليا سياسة التنشئة الاجتماعية لغرض تكوين مجموعات موالية من الليبيين في الوسط الاجتماعي ، واتخذت لتنفيذ سياستها عدة وسائل وأدوات ، واستهدفت شرائح وفئات مجتمعية بعينها ، ومن أهم وسائلها : المدارس والمكتبات والأندية الاجتماعية والمسارح والإذاعات ، وكانت المرأة والشباب والقضاة والنخب المثقفة هي أهم الشرائح التي توجهت إليها سياسة الإحتواء والاستيعاب الاجتماعي.

ففي المدارس الإيطالية نشئ التلاميذ علي حب إيطاليا وتمثل ثقافتها وشخوصها وأعلامها وتاريخها وحضارتها وتم إعدادهم ليكونوا مواطنين إيطاليين ، كما أصبحت المدارس الإيطالية وسيلة أساسية للتغلغل في الأوساط الاجتماعية الشعبية بين العائلات والقبائل والترويج لسياستها في أعماق المجتمع .

وفي خارج النظام التعليمي الرسمي استحدثت تنظيم اجتماعي تحت إشراف الحزب الفاشستي ، انتظم فيه طلاب المدارس ومجموعات شبابية وأطفال ، وهو المعروف باسم مؤسسة شباب الليتوريو العربي ، ويستهدف استكمال التنشئة التي كان يتلقاها الشباب العربي الليبي في المدارس، وتسجل المصادر إقبال الأهالي علي هذا المشروع لاسيما، في مركز المتصرفيات الأربع : طرابلس، ومصراتة،وبنغازي، ودرنة، إذ بلغ عدد المنتسبين إليها في سنة 1936 حوالي 16 ألف شاب وطفل.

غير أن مؤسسات شباب الليتوريو العربي بدت مناورة متناقضة على الصعيد الاجتماعي، فبدلاً من أن توحد العرقين تحت مبادئ الفاشية، تبثت الفصل الكامل بين العرب والإيطاليين ، وكشفت عن أسلوب مريب للإعداد العسكري للشباب بوصفهم جنوداً للمستقبل ، وإلحاقهم بالجنود العاملين في الخدمة العسكرية في المستعمرات الإيطالية بشرق أفريقيا ، وهو ما أدى إلى تفتيت البناء الاجتماعي ، وإحداث هوة سحيقة بين هذه الفئة وباقي فئات المجتمع الليبي ، وإخراجها من مجموعتها وانتماءاتها العرقية، وإدماجها ضمن الفاعليات الاجتماعية الإيطالية .

وكان المسرح واحداً من قنوات وأدوات التنشئة الاجتماعية ، ففيه التقت جميع الفئات الاجتماعية بمختلف اتجاهاتها الفكرية وميولها الفنية . حيث راجت المسرحيات الإيطالية، وعرضت في كافة المسارح المستحدثة في البلاد ، مثل مسرح البوليتاما ،وهو واحد من أكبر المسارح وأكثرها حركة ، وعلى خشبته قُدمت العديد من العروض المسرحية لأبرز الكتاب والمؤلفين الإيطاليين ، مثل الكاتب كوراديني Carradini صاحب رواية يوليوس قيصر الشهيرة التي جُسدت في عمل مسرحي يقع في خمس فصول ، ويخلد حياة الإمبراطور بوصفه واحداً من رموز التاريخ الروماني ، كما قامت الفنانة المسرحية الايطالية المشهورة أرميتي زاكوني Ermmete Zacconi بزيارة إلى مدينة طرابلس رفقة فرقتها المسرحية وعرضت أعمالاً مسرحية بمسرح لي فينيتي Levenete يومي 19 و20 ديسمبر عام 1932 ،وكانت العروض تلقي باللغتين الإيطالية والعربية، وكان الحضور حاشداً لتلك الأعمال المعالجة لواقع الحياة الاجتماعية توافقاً وصراعاً ، وتستهدف ضمناً تكريس قيم التعايش والاندماج ،وتجاوز مشكلة الهوية والانتماء ، وكانت هذه العروض المسرحية تعمل على التقريب الاجتماعي بين العنصرين العربي والإيطالي .

وشهدت ثلاثينيات القرن العشرين المنصرم بداية عصر السينما في ليبيا ،وكانت المعروضات محدودة في الأفلام الإيطالية غالباً ، فقد عرضت شركة النصر للخيالة في عام 1934 ، فيلم انتصار الصحراء في مسرح البوليتاما الذي حولته السلطات الرسمية إلى دار عرض ، وفي دار الحمراء والنخلة عُرض فيلم الإمبراطورية الكبرى والصداقة ، ولا شك أن مضامين هكذا أفلام كانت لها مرامي بعيدة تجاوز كونها وسيلة للتأثير الثقافي أو الفني إلى زرع بذور الانقسام و التعددية بين الليبيين .

ومنذ عام 1938 دخلت وسيلة أخرى إلى أدوات التنشئة الاجتماعية ، وهي الإذاعة وكانت أكثر الإذاعات شهرة وتأثيراً هي إذاعة صوت المغرب التي كان ينطلق عبر أثيرها الآذان للصلوات الخمس والموضوعات الدينية والعلاقات الأسرية ، وفي مثل هذه الحال ظهرت برامج إذاعية داعية لتبني أذواق وميول جديدة في الفن والحياة ، وكان بعضها مخصصاً أساساً للمرأة الليبية وتربيتها وإعدادها علي الطريقة الإيطالية .

وأدت الصحافة ممثلة في الجرائد والمجلات المحلية دوراً مهماً في التنشئة الاجتماعية لاسيما، بعد ظهور المطابع التجارية الحديثة عام 1925، ويلاحظ المتصفح لأعداد هذه الجرائد والصحف والمجلات التي ناهزت العشرين مطبوعة أن اهتماماتها لا تخرج في عمومها عن ثلاثة موضوعات رئيسية وهي الدعاية الإخبارية ، والتوجيه الأيديولوجي المكثف للسكان ، ووصف مسهب للانجازات والمشروعات الإيطالية ذات الأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية بالإضافة إلى دراسات متنوعة .

كما كانت النوادي الاجتماعية والرياضية واحدة من آليات التنشئة الاجتماعية، فقد قامت الحكومة بتنظيم سلسلة من المباريات التي جمعت الليبيين والإيطاليين ، فعلي سبيل المثال في رياضة الملاكمة قامت الإدارة بتنظيم مباراة جمعت بين ملاكمين ليبيين وإيطاليين علي مستوي أوزان مختلفة ، ففي وزن الريشة تباري الملاكم الليبي أحمد الكيلاني مع الملاكم سيسوقستازي في سوق الترك ، وفي مسرح الميراماي في ميدان الشهداء لعب الملاكم مسعود أبو خريص مع الملاكم اسبيرتيا ، وكانت المنازلة الكبرى التي جمعت بين الملاكم جمعة الغول والملاكم سينوولا بطل أوروبا من أهم المباريات المنظمة في هذه اللعبة ، ولئن أتاحت إيطاليا الفرصة أمام بعض الشباب لممارسة بعض أنواع الرياضات ، فإنها اجتذبت العناصر المشهورة منهم إلى الإحتراف في أنديتها ومنحت بعضهم الجنسية الإيطالية ، وقدمت لهم التسهيلات والمنح والحوافز .

ويتضح من المصادر مساعي إيطاليا لتحويل ملاجئ الأيتام والفقراء الي مراكز للتنشئة الاجتماعية علي الأهداف الإيطالية سوسيولوجياً وسيكولوجياً ، مثل الملجأ الذي أسسته ايطاليا لإيواء الأطفال المشردين نتيجة الحرب عام 1912، والملجأ الذي أسسته عام 1932، وحمل اسم حسونة باشا القرمانلي ، وإن مثلت الملاجئ والمستشفيات العلاجية لوحة زاهية، وواجهة أنيقة في بنية السياسة الاجتماعية بما تقدمه من خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية ، فإنها كانت تحقق أهداف سياسة الإحتواء الاجتماعي بين أبناء الطبقة الهشة من المجتمع .

وفي إطار سياسة الاحتواء الاجتماعي أولت الإدارة الايطالية عناية خاصة بالاتصالات المباشرة مع الأهالي الليبيين في المعاملات اليومية لاسيما ،في المناسبات والأعياد الرسمية ، والمناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية ، بالإضافة الي الزيارات والرحلات الداخلية والخارجية ، مثل زيارة معلمي المدارس العربية لروما عام 1935، وزيارة وفد الليتوريو العربي إلى روما عام 1936، وزيارة أعيان ليبيا وعلمائها إلى روما صحبة الوجيه سليمان القرمانلي عام 1938.

وكانت الإدارة الاستعمارية تهدف عن طريق تنظيم هذه الرحلات والزيارات إلى بناء الذاكرة الاستعمارية عبر استعراضها للمنجزات الإيطالية والآثار الرومانية القديمة ، وهو ما يضفي الشرعية على الحضور الإيطالي بوصفه تتمة حضارية لمهمة الأسلاف الرومان .

ويوضح الثراث الشفهي لمرحلة الاستعمار والمقاومة الصلات اليومية الاعتيادية القائمة بين الجانبين ، فعلي سبيل المثال يحتفظ الشاعر الطرابلسي فؤاد الكعبازي بذكرياته، ويسجل اعترافه بالفضل لأساتذته الايطاليين وبخاصة اماقتزو وأنسليمو، لا بل خصهما بأعمال أدبية شعراً ونثراً تحمل عناوين : أضواء ،ألوان، وصور تجسيداً لذكريات تلميذ سابق بمدرسة لاسالي فيرتشلي .

وإجمالاً، فقد اتسمت ملامح السياسة الاجتماعية تجاه العرب الليبيين بنمط جامع بين الوصل والفصل الاجتماعي ، وهو ما تضمنته قوانين الجنسية الإيطالية الليبية عام 1934، وقانون الجنسية الوطنية الخاصة عام 1938، التي نصت صراحة علي ضرورة مراعاة الفوارق الثقافية والاجتماعية بين الإيطاليين والليبيين ولا شك أن هذه الصيغ والنصوص فوق ما تحمله من عداء صارخ للسامية، قد كرست الأوضاع الاجتماعية المتردية للأهالي الليبيين وحرمتهم من الاستفادة من المتغيرات الجديدة ولم ترتق بمكتسبيها أبداً إلى مرتبة متساوية مع الإيطاليين من حيث الحقوق المدنية عرقاً أو اكتساباً قانونياً .

خامسا ُ : استخلاص وتقويم:

تكشف الوثائق والتقارير الرسمية والأدبيات الاستعمارية عن حالات التناغم والتوازن الاجتماعي بين المجتمعين الإيطالي والعربي في ليبيا زمن الاحتلال ، وتخلص إلى القول بأن مشاركة العربي في الحياة الاجتماعية الإيطالية تبدأ منذ نعومة أظفاره ، وتستمر عبر القنوات والمؤسسات الاجتماعية طيلة حياته ومهما كان نشاط الفرد في السنوات التالية لتنشئته، فستستمر صلاته الجادة والقوية مع تلك المؤسسات ، وهو ما يجعل منه شخصية مارقة عن التبعية البدائية التقليدية لعرقه وحضارته ،ومنفتحة على الثقافة الإيطالية الوافدة علي مستوي محيطه الإيطالي بدءاً من نطاق البلديات إلى فضاء منطقة إقامته ، فدائرة المحافظة التابع لها وصولا إلى تحقيق الانتماء والولاء للحكومة المركزية ، وهو ما أفضي إلى أن أصبح المجتمع خليطاً واحداً مكوناً من إيطاليين كاثوليك وايطاليين مسلمين وفقاً لتقديرات هذه الأدبيات .

وعلى الرغم من المجهودات الإيطالية المبذولة في الحقل الاجتماعي، فإن هناك مؤشرات دالة على ضعف الرعاية الاجتماعية ، وبروز بعض الظواهر الاجتماعية السلبية داخل المجتمع ، مثل انتشار الأمراض النفسية والفقر والبطالة والتسول والسرقة وأعمال السخرة .

الاجتماعية كانت حذرة ومتواضعة ، بسبب تدني موارد الميزانية من جانب ، وبسبب الفوارق العنصرية الفاحشة التي وضعت الإيطاليين الأوروبيين في القمة مقاما اجتماعياً ، ثم تتوالى شرائح الشعوب والأعراق الخاضعة للسلطة الإيطالية ، ويأتي في أدناها اليهود الإيطاليون والزنوج ، ويليهم رعايا إيطاليا في مستعمراتها، وفي مقدمة هؤلاء الرعايا الليبيون.


نقلا عن :المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق